«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7529

الحديث رقم 7529 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي رجل آتاه الله القرآن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن…

«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَهْوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ». سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ، وَهْوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ.

سند حديث: ٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن…

يُشير النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى أن الحَسَدَ أنواع مختلفة فمنه حسد مَذْمُوم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعمة دينية عند غيره فيتمناها لنفسه. وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلا في أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالا حلالا، فينفقه في سبيل الله تعالى، فيتمنى أن يكون مثله، ويَغْبِطَه على هذه النعمة.
الأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علما نافعا يعمل به، ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس، فيتمنى أن يكون مثله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحَسَدُ داء خطير يجب الابتعاد عنه والحذر منه.
  • حسد الغِبْطَة محمود إذا كان في وجوه الخير.
  • فضل الغني الذي لا يبخل بما آتاه الله .
  • الواجب شكر المُنْعِم على ما أنعم به على العبد وذلك بأن يضعها العبد في موضعها.
  • استحباب الإنفاق وبذل المال والخروج عنه بالكلية في وجوه الخير ما لم يؤد إلى حرمان الورثة أو سؤال الناس ونحو ذلك مما حَرَّمَه الشرع.
  • فضل العلم بأحكام الدين وتعليم الناس ودعوتهم إلى التفقه في الدين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ) من الصَّدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة، لا في التَّبذير ووجوه المكاره (فَيَقُولُ) الحاسد: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ) هذا من المال (عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من الإنفاق في حقِّه، قال في «شرح المشكاة»: أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة (١) المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين اللَّتين لو اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ.

٧٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عينية (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرَ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إحداهما: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ -بمدِّ همزة «آتاه» - أي: أعطاه الله (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يقوم به» (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما، وواحد الآناء -قال الأخفش-: أني مثل معي، وقيل: أنو، يُقال: مضى أنيان من اللَّيل وأنوان (وَ) ثانيتهما (٢) (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ) في حقِّه (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار) قال البغويُّ: المراد هنا من الحسد: الغِبطة وهي أن يتمنَّى الرَّجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنَّى زواله عنه، والمذموم أن يتمنَّى زواله وهو الحسد، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال وتعليم العلم. انتهى.

قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «سمعت من سفيان» (مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ) أي: لم أسمعه بلفظ: «أخبرنا أو حدَّثنا الزُّهريُّ»، بل بلفظ: «قال»: (وَهْوَ) مع ذلك (مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) فلا قدح فيه؛ إذ هو معلومٌ من الطُّرق الصَّحيحة، فعند الإسماعيليِّ عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سالمٍ به، وكذا هو في «مسلمٍ» عن أبي خيثمة زهير بن حربٍ، وقال في «الكواكب»:

أورد البخاريُّ التَّرجمة مخرومةً؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، ولا لبسَ في ذلك؛ لأنَّه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا، وترك حال ذي المال.

وسبق الحديث في «العلم» [خ¦٧٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٥] و «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٢].

(٤٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) ناداه بأشرف الصِّفات البشريَّة وقوله: ﴿بَلِّغْ﴾ (١) وهو قد بلَّغ (٢) فأجاب في «الكشَّاف» بأنَّ المعنى: جميع ما أُنزِل إليك، أي: أيَّ شيءٍ أُنزِل غير مراقبٍ في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ، وقوله: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنَّه مأمورٌ بتبليغ الجميع كما مرَّ، والنَّكرة لا تفي بذلك فإنَّ تقديرها: بلِّغ شيئًا أُنزِل إليك، وفي ﴿أُنزِلَ﴾ ضميرٌ مرفوعٌ يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وأبي بكرٍ (٣)، أي: إن لم تفعل التَّبليغ، فحذف المفعول، ثمَّ إنَّ الجواب لا بدَّ وأن يكون مغايرًا للشَّرط لتحصل (٤) الفائدة، ومتَّى اتَّحدا اختلَّ الكلام ولم تحصل منه فائدةٌ،

وكلام البلغاء يُصان عن ذلك (١)، فلو قلت: إن أتى زيدٌ فقد جاء، لم يجز، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فإنَّ المعنى يؤول ظاهرًا إلى (٢) «وإن لم تفعل لم تفعل» ولا معنى له (٣)، وأجاب النَّاس عن ذلك بأجوبةٍ، فقيل: هو أمرٌ بتبليغ الرِّسالة في المستقبل، أي: بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك في المستقبل، وإن لم تفعل -أي: وإن لم تبلِّغ الرِّسالة في المستقبل- فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، أو بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك الآن ولا تنتظر به كثرة الشَّوكة والعدَّة، فإن لم تبلِّغ كنت كمن لم (٤) يبلِّغ أصلًا، أو بلِّغ غير خائفٍ أحدًا، فإن لم تبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، ثمَّ قال مشجِّعًا له في التَّبليغ: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: وجه التَّغاير بين الشَّرط والجزاء: أنَّ الجزاء ممَّا أُقيم فيه السَّبب مقام المسبِّب؛ إذ عدُم التَّبليغ سببٌ لتوجيه العتب، وهذا المسبَّب (٥) في الحقيقة هو الجزاء، فالتَّغاير حاصلٌ، لكنَّ نكتة العدول عنه إلى ذكر السَّبب إجلالُ النَّبيِّ ﷺ وترفيع محلِّه عن أن يُواجَه بعتبٍ أو بشيءٍ (٦) ممَّا يتأثَّر منه ولو على سبيل الفرض، فتأمَّله. انتهى.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (مِنَ اللهِ) ﷿ (الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «وعلى رسوله» (ﷺ البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فلا بدَّ في الرِّسالة من ثلاثة أمورٍ: المرسِل والرَّسول والمرسَل إليه، ولكلٍّ منهم شأنٌ، فللمرسِل الإرسال، وللرَّسول التَّبليغ، وللمرسَل إليه القبول والتَّسليم، وهذا وقع في قصَّةٍ أخرجها الحميديُّ في «النَّوادر» ومن طريقه الخطيب.

(وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله (٧) تعالى: ليعلم» أي: الله تعالى (﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾) أي: الرُّسل (﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]) كاملةً بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم الله

ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يوجده، وقيل: ليعلم محمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسل قبله قد بلَّغوا الرِّسالة، وقال القرطبيُّ: فيه حذفٌ يتعلَّق به الكلام، أي: اخترنا لحفظنا الوحي (١) ليعلم أنَّ الرُّسل قبله كانوا على مثل (٢) حالته من التَّبليغ بالحقِّ والصِّدق، وقيل: ليعلم إبليس أنَّ الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم (٣) سليمةً من تخليطه واستراق أصحابه. (وَقَالَ) تعالى: (﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي: ما أُوحِي إليَّ في الأوقات المتطاولة (٤)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنَّواهي والبشائر والنَّذائر والتَّبليغ فعلٌ، فإذا بلَّغ فقد فعل ما أُمِر به.

(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) في غزوة تبوك ممَّا سبق بطوله في «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٧] (﴿وَسَيَرَى اللّهُ﴾) وللأبوين (٥): «﴿فَسَيَرَى اللّهُ﴾» (﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «والمؤمنون» يشير إلى قوله في القصَّة، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ (٦)﴾ … الآية، ومراد البخاريِّ تسمية ذلك كلِّه عملًا.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: ﴿اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنُّون، أي: لا يستخفنَّك أحدٌ (٧) بعمله فتسارع إلى مدحه وظنِّ الخير به، لكن تثبَّت حتَّى تراه عاملًا بما

يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وصله البخاريُّ في «خلق أفعال العباد» مُطوَّلًا، وفيه ما كان من شأن عثمان حين نجم القرَّاء الذين طعنوا فيه، وقالوا قولًا لا يُحسَن مثله، وقرؤوا قراءةً لا يُحسَن مثلها، وصلَّوا صلاةً لا يُصلَّى مثلها … الحديث بطوله، والمراد: أنَّها سمَّت ذلك كلَّه عملًا.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، هو أبو عبيدة بن المثنَّى اللُّغويُّ في «كتاب مجاز القرآن» له: (﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾) أي: (هَذَا القُرْآنُ) قال: وقد يخاطب (١) العرب (٢) الشَّاهد بمخاطبة الغائب، وقال في «المصابيح»: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا (٣) القرآن، يعني: أنَّ الإشارةَ إلى الكتاب المرادُ به القرآن، وليس ببعيدٍ، فكان مقتضى الظَّاهر أن يُشار إليه بـ «هذا» لكن أتى «بذلك» الذي يُشار به إلى البعيد؛ لأنَّ القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبُعْد درجته، قال: وفي كلام الزَّركشيِّ في «التَّنقيح» هنا خبطٌ. وقال تعالى: (﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) أي: (بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا حُكْمُ اللهِ) يعني: أنَّ «ذلك» بمعنى: «هذا» (﴿لاَّ رَيْبَ﴾) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فيه» أي: (لَا شَكَّ).

(﴿تِلْكَ آيَاتُ (٤)﴾ [البقرة: ٢٥٢] يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) فاستعمل ﴿تِلْكَ﴾ التي للبعيد في موضع «هذه» التي للقريب (وَمِثْلُهُ) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ) فلمَّا شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.

(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالَهُ) وفي نسخةٍ «خالي» (حَرَامًا) أي: ابن ملحان أخا أمِّ سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ (٥) (إِلَى قَوْمِه) بني عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «إلى قومٍ» (وَقَالَ) لهم حرامٌ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعْضهَا أحسن وأزين وَأحلى وأصوت وأرتل وألحن وَأَعْلَى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين من بعض. قَوْله: يتخافتون أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} ثمَّ فسره بقوله: يتسارون بتَشْديد الرَّاء أَي: يتساررون فِيمَا بَينهم بِكَلَام خَفِي. وَقيل فِي بعض النّسخ بشين مُعْجمَة وَزِيَادَة وَاو بِغَيْر تثقيل أَي: يتراجعون.

٧٥٢٥ - حدّثني عَمْرُو بنُ زُرارَةَ، عنْ هُشَيْمٍ، أخبرنَا أبُو بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} قَالَ: نَزَلَتْ ورسولُ الله مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكانَ إِذا صَلَى بِأصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذا سَمَعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَنْ أنْزَلَهُ ومَنّ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله لِنَبِيِّهِ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ {وَلَا تخَافت بهَا} عنْ أصْحابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُم {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً}

مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى.

وَعَمْرو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وهشيم بن بشير وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: فَيسمع بِالنّصب وَالرَّفْع قيل: إِذا كَانَ النَّبِي، مختفياً عَن الْكفَّار فَكيف يرفع الصَّوْت؟ وَهُوَ يُنَافِي الاختفاء؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ الْإِتْيَان بشبه الْجَهْر أَو إِنَّه مَا كَانَ يبْقى لَهُ عِنْد الصَّلَاة ومناجاة الرب اخْتِيَار لاستغراقه فِي ذَلِك.

٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماَعيلَ، حدَّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} فِي الدُّعاء.

انْظُر الحَدِيث ٤٧٢٣ وطرفه

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، أخرجه عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَانَ.

٧٥٢٧ - حدّثنا إسْحَاقُ، حدّثنا أبُو عاصِمٍ، أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ وزادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يدل على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى.

وَإِسْحَاق قَالَ الْحَاكِم: هُوَ ابْن نصر، وَقَالَ الغساني: هُوَ ابْن مَنْصُور أشبه، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن.

قَوْله: لَيْسَ منا أَي: لَيْسَ من أهل سنتنا، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَيْسَ من أهل ديننَا. قَوْله: من لم يَتَغَنَّ أَي: من لم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: غَيره هُوَ صَاحب لأبي هُرَيْرَة، زَاد فِي آخر الحَدِيث يجْهر بِهِ أَي: بِالْقُرْآنِ.

٤٥

- (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ) ، ورَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، فَبَيَّنَ الله أنَّ قِيامُهُ بالكِتابِ هُوَ فِعلُهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ) من الصَّدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة، لا في التَّبذير ووجوه المكاره (فَيَقُولُ) الحاسد: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ) هذا من المال (عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من الإنفاق في حقِّه، قال في «شرح المشكاة»: أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة (١) المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين اللَّتين لو اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ.

٧٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عينية (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرَ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إحداهما: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ -بمدِّ همزة «آتاه» - أي: أعطاه الله (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يقوم به» (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما، وواحد الآناء -قال الأخفش-: أني مثل معي، وقيل: أنو، يُقال: مضى أنيان من اللَّيل وأنوان (وَ) ثانيتهما (٢) (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ) في حقِّه (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار) قال البغويُّ: المراد هنا من الحسد: الغِبطة وهي أن يتمنَّى الرَّجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنَّى زواله عنه، والمذموم أن يتمنَّى زواله وهو الحسد، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال وتعليم العلم. انتهى.

قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «سمعت من سفيان» (مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ) أي: لم أسمعه بلفظ: «أخبرنا أو حدَّثنا الزُّهريُّ»، بل بلفظ: «قال»: (وَهْوَ) مع ذلك (مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) فلا قدح فيه؛ إذ هو معلومٌ من الطُّرق الصَّحيحة، فعند الإسماعيليِّ عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سالمٍ به، وكذا هو في «مسلمٍ» عن أبي خيثمة زهير بن حربٍ، وقال في «الكواكب»:

أورد البخاريُّ التَّرجمة مخرومةً؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، ولا لبسَ في ذلك؛ لأنَّه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا، وترك حال ذي المال.

وسبق الحديث في «العلم» [خ¦٧٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٥] و «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٢].

(٤٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) ناداه بأشرف الصِّفات البشريَّة وقوله: ﴿بَلِّغْ﴾ (١) وهو قد بلَّغ (٢) فأجاب في «الكشَّاف» بأنَّ المعنى: جميع ما أُنزِل إليك، أي: أيَّ شيءٍ أُنزِل غير مراقبٍ في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ، وقوله: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنَّه مأمورٌ بتبليغ الجميع كما مرَّ، والنَّكرة لا تفي بذلك فإنَّ تقديرها: بلِّغ شيئًا أُنزِل إليك، وفي ﴿أُنزِلَ﴾ ضميرٌ مرفوعٌ يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وأبي بكرٍ (٣)، أي: إن لم تفعل التَّبليغ، فحذف المفعول، ثمَّ إنَّ الجواب لا بدَّ وأن يكون مغايرًا للشَّرط لتحصل (٤) الفائدة، ومتَّى اتَّحدا اختلَّ الكلام ولم تحصل منه فائدةٌ،

وكلام البلغاء يُصان عن ذلك (١)، فلو قلت: إن أتى زيدٌ فقد جاء، لم يجز، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فإنَّ المعنى يؤول ظاهرًا إلى (٢) «وإن لم تفعل لم تفعل» ولا معنى له (٣)، وأجاب النَّاس عن ذلك بأجوبةٍ، فقيل: هو أمرٌ بتبليغ الرِّسالة في المستقبل، أي: بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك في المستقبل، وإن لم تفعل -أي: وإن لم تبلِّغ الرِّسالة في المستقبل- فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، أو بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك الآن ولا تنتظر به كثرة الشَّوكة والعدَّة، فإن لم تبلِّغ كنت كمن لم (٤) يبلِّغ أصلًا، أو بلِّغ غير خائفٍ أحدًا، فإن لم تبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، ثمَّ قال مشجِّعًا له في التَّبليغ: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: وجه التَّغاير بين الشَّرط والجزاء: أنَّ الجزاء ممَّا أُقيم فيه السَّبب مقام المسبِّب؛ إذ عدُم التَّبليغ سببٌ لتوجيه العتب، وهذا المسبَّب (٥) في الحقيقة هو الجزاء، فالتَّغاير حاصلٌ، لكنَّ نكتة العدول عنه إلى ذكر السَّبب إجلالُ النَّبيِّ ﷺ وترفيع محلِّه عن أن يُواجَه بعتبٍ أو بشيءٍ (٦) ممَّا يتأثَّر منه ولو على سبيل الفرض، فتأمَّله. انتهى.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (مِنَ اللهِ) ﷿ (الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «وعلى رسوله» (ﷺ البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فلا بدَّ في الرِّسالة من ثلاثة أمورٍ: المرسِل والرَّسول والمرسَل إليه، ولكلٍّ منهم شأنٌ، فللمرسِل الإرسال، وللرَّسول التَّبليغ، وللمرسَل إليه القبول والتَّسليم، وهذا وقع في قصَّةٍ أخرجها الحميديُّ في «النَّوادر» ومن طريقه الخطيب.

(وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله (٧) تعالى: ليعلم» أي: الله تعالى (﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾) أي: الرُّسل (﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]) كاملةً بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم الله

ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يوجده، وقيل: ليعلم محمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسل قبله قد بلَّغوا الرِّسالة، وقال القرطبيُّ: فيه حذفٌ يتعلَّق به الكلام، أي: اخترنا لحفظنا الوحي (١) ليعلم أنَّ الرُّسل قبله كانوا على مثل (٢) حالته من التَّبليغ بالحقِّ والصِّدق، وقيل: ليعلم إبليس أنَّ الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم (٣) سليمةً من تخليطه واستراق أصحابه. (وَقَالَ) تعالى: (﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي: ما أُوحِي إليَّ في الأوقات المتطاولة (٤)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنَّواهي والبشائر والنَّذائر والتَّبليغ فعلٌ، فإذا بلَّغ فقد فعل ما أُمِر به.

(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) في غزوة تبوك ممَّا سبق بطوله في «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٧] (﴿وَسَيَرَى اللّهُ﴾) وللأبوين (٥): «﴿فَسَيَرَى اللّهُ﴾» (﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «والمؤمنون» يشير إلى قوله في القصَّة، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ (٦)﴾ … الآية، ومراد البخاريِّ تسمية ذلك كلِّه عملًا.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: ﴿اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنُّون، أي: لا يستخفنَّك أحدٌ (٧) بعمله فتسارع إلى مدحه وظنِّ الخير به، لكن تثبَّت حتَّى تراه عاملًا بما

يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وصله البخاريُّ في «خلق أفعال العباد» مُطوَّلًا، وفيه ما كان من شأن عثمان حين نجم القرَّاء الذين طعنوا فيه، وقالوا قولًا لا يُحسَن مثله، وقرؤوا قراءةً لا يُحسَن مثلها، وصلَّوا صلاةً لا يُصلَّى مثلها … الحديث بطوله، والمراد: أنَّها سمَّت ذلك كلَّه عملًا.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، هو أبو عبيدة بن المثنَّى اللُّغويُّ في «كتاب مجاز القرآن» له: (﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾) أي: (هَذَا القُرْآنُ) قال: وقد يخاطب (١) العرب (٢) الشَّاهد بمخاطبة الغائب، وقال في «المصابيح»: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا (٣) القرآن، يعني: أنَّ الإشارةَ إلى الكتاب المرادُ به القرآن، وليس ببعيدٍ، فكان مقتضى الظَّاهر أن يُشار إليه بـ «هذا» لكن أتى «بذلك» الذي يُشار به إلى البعيد؛ لأنَّ القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبُعْد درجته، قال: وفي كلام الزَّركشيِّ في «التَّنقيح» هنا خبطٌ. وقال تعالى: (﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) أي: (بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا حُكْمُ اللهِ) يعني: أنَّ «ذلك» بمعنى: «هذا» (﴿لاَّ رَيْبَ﴾) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فيه» أي: (لَا شَكَّ).

(﴿تِلْكَ آيَاتُ (٤)﴾ [البقرة: ٢٥٢] يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) فاستعمل ﴿تِلْكَ﴾ التي للبعيد في موضع «هذه» التي للقريب (وَمِثْلُهُ) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ) فلمَّا شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.

(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالَهُ) وفي نسخةٍ «خالي» (حَرَامًا) أي: ابن ملحان أخا أمِّ سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ (٥) (إِلَى قَوْمِه) بني عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «إلى قومٍ» (وَقَالَ) لهم حرامٌ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعْضهَا أحسن وأزين وَأحلى وأصوت وأرتل وألحن وَأَعْلَى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين من بعض. قَوْله: يتخافتون أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} ثمَّ فسره بقوله: يتسارون بتَشْديد الرَّاء أَي: يتساررون فِيمَا بَينهم بِكَلَام خَفِي. وَقيل فِي بعض النّسخ بشين مُعْجمَة وَزِيَادَة وَاو بِغَيْر تثقيل أَي: يتراجعون.

٧٥٢٥ - حدّثني عَمْرُو بنُ زُرارَةَ، عنْ هُشَيْمٍ، أخبرنَا أبُو بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} قَالَ: نَزَلَتْ ورسولُ الله مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكانَ إِذا صَلَى بِأصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذا سَمَعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَنْ أنْزَلَهُ ومَنّ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله لِنَبِيِّهِ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ {وَلَا تخَافت بهَا} عنْ أصْحابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُم {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً}

مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى.

وَعَمْرو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وهشيم بن بشير وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: فَيسمع بِالنّصب وَالرَّفْع قيل: إِذا كَانَ النَّبِي، مختفياً عَن الْكفَّار فَكيف يرفع الصَّوْت؟ وَهُوَ يُنَافِي الاختفاء؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ الْإِتْيَان بشبه الْجَهْر أَو إِنَّه مَا كَانَ يبْقى لَهُ عِنْد الصَّلَاة ومناجاة الرب اخْتِيَار لاستغراقه فِي ذَلِك.

٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماَعيلَ، حدَّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} فِي الدُّعاء.

انْظُر الحَدِيث ٤٧٢٣ وطرفه

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، أخرجه عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَانَ.

٧٥٢٧ - حدّثنا إسْحَاقُ، حدّثنا أبُو عاصِمٍ، أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ وزادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يدل على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى.

وَإِسْحَاق قَالَ الْحَاكِم: هُوَ ابْن نصر، وَقَالَ الغساني: هُوَ ابْن مَنْصُور أشبه، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن.

قَوْله: لَيْسَ منا أَي: لَيْسَ من أهل سنتنا، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَيْسَ من أهل ديننَا. قَوْله: من لم يَتَغَنَّ أَي: من لم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: غَيره هُوَ صَاحب لأبي هُرَيْرَة، زَاد فِي آخر الحَدِيث يجْهر بِهِ أَي: بِالْقُرْآنِ.

٤٥

- (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ) ، ورَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، فَبَيَّنَ الله أنَّ قِيامُهُ بالكِتابِ هُوَ فِعلُهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56