«أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 572

الحديث رقم 572 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقت العشاء إلى نصف الليل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم…

«أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.»

وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ : سَمِعَ أَنَسًا : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.

سند حديث: ٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ…

٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَسْجِدِ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاقِدُ مِنْهُمْ كَانَ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا، أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا لَكِنَّهُ تَوَضَّأَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ، اكْتِفَاءً بِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ (يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَخْشَ أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ رُبَّمَا رَقَدَ عَنِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَيَأْمُرُ أَنْ يُوقِظُوهُ، وَالْمُصَنِّفُ حَمَلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى مَا إِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - وَهُوَ مَحْمُودٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ، وَعَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلَاةَ)، زَادَ فِي التَّمَنِّي رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى رَأْسِي وَهُوَ وَهْمٌ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ هَيْئَةِ عَصْرِهِ ﷺ شَعْرَهُ مِنَ الْمَاءِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَثْبَتَ) هُوَ مَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ يَسَارٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَدَّدَ) أَيْ فَرَّقَ. وَقَرْنُ الرَّأْسِ جَانِبُهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ ضَمَّهَا) كَذَا لَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ، وَلِمُسْلِمٍ وَصَبَّهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِفُ عَصْرَ الْمَاءِ مِنَ الشَّعْرِ بِالْيَدِ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مُوَجَّهَةٌ، لِأَنَّ ضَمَّ الْيَدِ صِفَةٌ لِلْعَاصِرِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَهُ) كَذَا بِالْإِفْرَادِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ إِبْهَامَيْهِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ طَرَفُ الْأُذُنِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَرْفُوعٌ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى طَرَفَ مَنْصُوبٌ وَفَاعِلُهُ إِبْهَامُهُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ رِوَايَةُ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَاهُ طَرَفَ الْأُذُنِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطِشُ) أَيْ لَا يُبْطِئُ وَلَا يَسْتَعْجِلُ، وَيُقَصِّرُ بِالْقَافِ لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا يَعْصِرُ بِالْعَيْنِ، وَالْأُولَى أَصْوَبُ.

قَوْلُهُ: (لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا) كَذَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ إِنَّهُ لَلْوَقْتِ لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ قَالَ: وَذَهَبَ النَّاسُ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ فِي سِتَّةِ عَشَرَ رَجُلًا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ.

٢٥ - بَاب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ

وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا

٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا. وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أنها: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.

[الحديث ٥٧٢ أطرافه -: ٥٨٦٩، ٨٤٧، ٦٦١، ٦٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي بَيَانِ أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ وَآخِرِهَا، وَفِيهِ: فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقَّتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَقَّتَ لِأَدَائِهَا اخْتِيَارًا، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّمَا التَّفْرِيطُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العشاء، وليس فيه تصريحٌ بقيد «نصف اللَّيل».

٥٧٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ) بن عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ (المُحَارِبِيُّ) الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا زَائِدَةُ) بالزَّاي، ابن قدامة، بضمِّ القاف (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) ابن أبي حُمَيْدٍ البصريِّ، المُتوفَّى وهو قائمٌ يصلِّي سنة اثنتين أو ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ: «أنس (١) بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ) ليلةً (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صَلَّى) العشاء (ثمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ) أي: المعهودون (وَنَامُوا، أَمَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه (إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) أي: مدَّة انتظاركم، وظاهر هذا السِّياق أنَّ وقت العشاء يخرج بالنِّصف، والجمهور أنَّه وقت الاختيار، ورجَّح النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» تأخيرها إليه.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.

(وَزَادَ (١) ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجمحيُّ بالولاء المصريُّ فقال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ بمُعجَمةٍ ثمَّ فاءٍ فقافٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (إنَّه سَمِعَ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: «سمع أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) ﵊، بفتح الواو وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، أي: بريقه

ولمعانَه (لَيْلَتَئِذٍ) أي: ليلة إذ (١) أخَّر العشاء، والتَّنوين عوضٌ عن (٢) المضاف إليه.

وهذا التَّعليق وصله المخلِّص في «فوائده»، ومراد المؤلِّف ﵀ به بيان سماع حُمَيْدٍ للحديث (٣) من أنسٍ ﵁.

(٢٦) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ) وزاد (٤) في رواية أبي ذَرٍّ بعد هذا: «والحديث» وتُؤوِّلت على: وباب الحديث الوارد في فضله، أي: في (٥) فضل (٦) صلاة الفجر (٧)، واستبعده في «الفتح»، ومال إلى أنَّها وهمٌ وتصحيفٌ، فالله أعلم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَنْصُوبًا على المفعولية. و: (طرف الْأذن) مَرْفُوعا بالفاعلية، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن حجاج عَن ابْن جريج: (حَتَّى مست إبهاماه طرف الْأذن) . فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: كَيفَ أنث الْفِعْل الْمسند إِلَى الطّرف وَهُوَ مُذَكّر؟ قلت: لِأَن الْمُضَاف اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ لشدَّة الِاتِّصَال بَينهمَا، فأنث كَذَلِك. قَوْله: (لَا يقصر) ، بِالْقَافِ من التَّقْصِير، وَمَعْنَاهُ لَا يبطىء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يعصر، بِالْعينِ. قَوْله: (وَلَا يبطش) أَي: لَا يستعجل. قَوْله: (لأمرتهم) أَي: انْتِفَاء الْأَمر لوُجُود الْمَشَقَّة. قَوْله: (وَهَكَذَا) أَي: فِي هَذَا الْوَقْت بَين ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى بقوله: (إِنَّه للْوَقْت) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة النّوم قبل الْعشَاء لمن يغلب عَلَيْهِ النّوم وَلمن تعرض لَهُ ضَرُورَة لَازِمَة. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة صَلَاة الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام والإعلام بِالصَّلَاةِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب حُضُور النِّسَاء وَالصبيان الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن النّوم من الْقَاعِد لَا ينْقض الْوضُوء إِذا كَانَ مَقْعَده مُمكنا، وَهَذَا هُوَ محمل الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين، وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر أحد من الروَاة أَنهم توضأوا من ذَلِك النّوم، وَلَا يدل لفظ: (ثمَّ استيقظوا) ، على النّوم الْمُسْتَغْرق الَّذِي يزِيل الْعقل، لِأَن الْعَرَب تَقول: اسْتَيْقَظَ من سنته وغفلته. وَفِيه: رد على الْمُزنِيّ حَيْثُ يَقُول: قَلِيل النّوم وَكَثِيره حدث ينْقض الْوضُوء. لِأَنَّهُ محَال أَن يذهب على أَصْحَابه أَن النّوم حدث فيصلون بِهِ.

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي النّوم، فمذهب الْبَعْض إِلَى أَن النّوم لَا ينْقض الْوضُوء على أَي حَالَة كَانَ، وَهَذَا محكي عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي مجلز وَحميد الْأَعْرَج وَشعْبَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ والمزني وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول غَرِيب للشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول. قَالَ: وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة. وَمذهب الْبَعْض أَن كَثِيره ينقص بِكُل حَال وقليله لَا ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام على هَيْئَة من هيئات الْمُصَلِّين: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لَا ينْتَقض وضوؤه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لم يكن، وَإِن نَام مضطجعآ أَو مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ انْتقض، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَدَاوُد وَقَول غَرِيب للشَّافِعِيّ، وَمذهب الْبَعْض أَنه لَا ينْقض إِلَّا نوم الرَّاكِع والساجد، وَرُوِيَ هَذَا عَن أَحْمد أَيْضا. وَمذهب الْبَعْض: لَا ينْقض النّوم فِي الصَّلَاة بِكُل حَال، وينقض خَارج الصَّلَاة. وَهُوَ قَول ضَعِيف للشَّافِعِيّ. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام جَالِسا مُمكنا مقعدته من الأَرْض لم ينْتَقض، وإلَاّ انْتقض، سَوَاء قل أَو كثر، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.

٥٦٩ - حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني أبُو بَكْرٍ عنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صالِحُ بنُ كَيْسَانَ أَخْبرنِي ابنُ شِهَابٍ عَن عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ قالَتْ أعْتَمَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعِشَاءِ حَتَّى نادَاهُ عُمَرُ الصَّلَاةَ نامَ النِّساءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فقالَ مَا يَنْتَظِرُهَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ غَيْرُكُمُ قَالَ ولَا تُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلَاّ بِالمَدِينَةِ قَالَ وكانُوا يُصَلُّونَ العِشَاءَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلِثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٦ وطرفييه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام النِّسَاء وَالصبيان) فَإِنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يُنكر على من نَام من الَّذين كَانُوا ينتظرون خُرُوجه لصَلَاة الْعشَاء، وَلم يكن نومهم إِلَّا حِين غلب النّوم عَلَيْهِم.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَيُّوب ابْن سُلَيْمَان بن بِلَال، مولى عبد الله بن أبي عَتيق، واسْمه: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بكر، هُوَ عبد الحميد بن أبي أويس، واسْمه: عبد الله أَخُو إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ، وَيعرف بالأعشى. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ، مولى عبد الله بن أبي عَتيق الْمَذْكُور آنِفا. الرَّابِع: صَالح ابْن كيسَان أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو الْحَارِث الْغِفَارِيّ مَوْلَاهُم. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عُرْوَة ابْن الزبير. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار المفردة من الْمَاضِي. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ من الْأَفْرَاد. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَمَّن روى عَن أَبِيه. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابَة. وَفِيه: القَوْل، فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أعتم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قد مر مَعْنَاهُ فِي بَاب فضل الْعشَاء لِأَن الحَدِيث قد تقدم فِيهِ، رَوَاهُ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب. قَوْله: (الصَّلَاة) ، نصب على الإغراء. قَوْله: (نَام النِّسَاء) من تَتِمَّة كَلَام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَلَا تصلَّى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: لَا تصل الصَّلَاة بالهيئة الْمَخْصُوصَة بِالْجَمَاعَة إلَاّ بِالْمَدِينَةِ، وَبِه صرح الدَّاودِيّ، لِأَن من كَانَ بِمَكَّة من الْمُسْتَضْعَفِينَ لم يَكُونُوا يصلونَ إلَاّ سرّا، وَأما غير مَكَّة وَالْمَدينَة من الْبِلَاد فَلم يكن الْإِسْلَام دَخلهَا. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: الرَّاوِي، وَلم يقل: قَالَت، نظرا إِلَى الرَّاوِي سَوَاء كَانَ الْقَائِل بِهِ عَائِشَة أَو غَيرهَا. قَوْله: (بَين أَن يغيب) لَا بُد من تَقْدِير أَجزَاء المغيب حَتَّى يَصح دُخُول: بَين، عَلَيْهِ. و: (الشَّفق) الْبيَاض دون الْحمرَة عِنْد أبي حنيفَة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ هُوَ: الْحمرَة. قَوْله: (الأول) بِالْجَرِّ صفة: الثُّلُث، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب زِيَادَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي: قَالَ ابْن شهَاب: (وَذكر لي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَمَا كَانَ لَكِن أَن تنزروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للصَّلَاة، وَذَلِكَ حِين صَاح عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) قَوْله: (تنزروا) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون وَضم الزَّاي بعْدهَا رَاء أَي: تلحوا عَلَيْهِ، وَرُوِيَ بِضَم أَوله بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ رَاء مَكْسُورَة ثمَّ زَاي أَي: تحرجوا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الأول فِي بَاب فضل الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام. وَفِيه: أَنه إِذا تَأَخّر عَن أَصْحَابه، أَو جرى مِنْهُ مَا يظنّ أَنه يشق عَلَيْهِم، يعْتَذر إِلَيْهِم وَيَقُول لَهُم: لكم فِيهِ مصلحَة من جِهَة كَذَا، أَو: كَانَ لي عذر، وَنَحْوه.

٥٧٠ - ٥٧١ حدَّثنا مَحْمُودُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَاثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قَالَ لَيْسَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ وكانَ ابنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي أقَدَّمَهَا أم أخَّرَهَا إذَا كانَ لَا يَخْشَى أنْ يَغْلِبَهُ النوْمُ عنْ وَقْتِهَا وكانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ فقَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أعْتَمَ رسولُ الله لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ واسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا واسْتَيْقَظُوا فقامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ الصَّلَاةَ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عبَّاسٍ فِخَرَجَ نَبِيُّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ الآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاء واضِعا يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ فَقَالَ لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أنْ يُصَلُّوها هَكَذَا فاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وضعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ كَمَا أنْبَأَهُ ابنُ عبَّاسٍ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أصَابِعِهِ شَيْئَا مِنْ تَبْدِيدٍ ثمَّ وَضَعَ أطْرَافَ أصَابِعِه على قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا عَلى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّت إبهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلى الصُّدْغِ وناحِيَةَ اللِّحْيَةِ لَا يُقَصِّرُ ولَا يَبْطُشُ إِلَّا كَذَلِكَ وَقَالَ لَوْلَا أنْ أشقَّ عَلى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَن يُصَلّوا هَكذَا. (الحَدِيث ٥٧١ طرفه فِي: ٧٢٣٩) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى رقدنا فِي الْمَسْجِد) وَفِي قَوْله: (رقد النَّاس) ، وَفِي قَوْله: (وَكَانَ يرقد قبلهَا) ، أَي: كَانَ ابْن عمر يرقد قبل الْعشَاء، وَحمله البُخَارِيّ على مَا إِذا غَلبه النّوم، وَهُوَ اللَّائِق بِحَال ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مَحْمُود بن غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحَافِظ الْمروزِي، تقدم. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق الْيَمَانِيّ، تقدم. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ويماني ومكي ومدني.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه: أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أَحْمد ابْن حَنْبَل إِلَى قَوْله: (لَيْسَ أحد ينْتَظر الصَّلَاة غَيْركُمْ) . وَأخرجه مُسلم عَن عَطاء مُفردا مَفْصُولًا من حَدِيث نَافِع بِلَفْظ: (قلت لعطاء: أَي: حِين أحب إِلَيْك أَن أُصَلِّي الْعشَاء؟ فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس) الحَدِيث. قلت: لعطاء: كم ذكر لَك أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَخّرهَا ليلتئذ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ عَطاء: وَأحب إِلَيّ أَن تصليها إِمَامًا وخلوا مؤخرة، كَمَا صلاهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ليلتئذ، فَإِن شقّ ذَلِك عَلَيْك خلوا. أَو على النَّاس فِي الْجَمَاعَة وَأَنت إمَامهمْ فصلها وسطا لَا مُعجلَة وَلَا مؤخرة. وَعند النَّسَائِيّ: عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: (أخر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء ذَات لَيْلَة حَتَّى ذهب اللَّيْل، فَقَامَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَنَادَى: الصَّلَاة يَا رَسُول الله، رقد النِّسَاء والولدان. فَخرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَاء يقطر من رَأسه، فَقَالَ: إِنَّه للْوَقْت، لَوْلَا أشق على أمتِي لصليت بهم هَذِه السَّاعَة) .

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (شغل) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: شغلت عَنْك بِكَذَا، على مَا لم يسم فَاعله. قَوْله: ((عَنْهَا) أَي: عَن وَقتهَا، أَي: متجاوزا عَنهُ. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر لَا يُبَالِي) أَي: لَا يكترث أقدَّم الْعشَاء أم أَخّرهَا عِنْد عدم خَوفه من غَلَبَة النّوم عَن وَقت الْعشَاء، وَقد (كَانَ يرقد قبلهَا) أَي: قبل الْعشَاء. قَوْله: (قَالَ ابْن جريج) أَي: قَالَ عبد الْملك بن جريج بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قبله، وَهُوَ: مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، وَلَيْسَ هُوَ بتعليق، وَقد أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) بالإسنادين، وَأخرجه من طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ وَعنهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) . قَوْله: (فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ: الصَّلَاة)) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: زَاد: (رقد النِّسَاء وَالصبيان) ، كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة، و: الصَّلَاة، مَنْصُوبَة على الإغراء. قَوْله: (يقطر رَأسه مَاء) جملَة فعلية مضارعية وَقت حَالا بِدُونِ: الْوَاو، وَالْمعْنَى: يقطر مَاء رَأسه، لِأَن التَّمْيِيز فِي حكم الْفَاعِل. قَوْله: (وَاضِعا يَده على رَأسه) ، أَيْضا حَال. وَكَانَ قد اغْتسل قبل أَن يخرج. وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (على رَأْسِي) ، وَهَذَا وهم. قَوْله: (فاستثبت) . مقول ابْن جريج بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، والاستثبات: طلب التثبيت، وَهُوَ التَّأْكِيد فِي سُؤَاله. قَوْله: (عَطاء) مَنْصُوب بقوله: فاستثبت) وَهُوَ عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَقد تردد فِيهِ الْكرْمَانِي بَين عَطاء بن يسَار وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَالْحَامِل عَلَيْهِ كَون كل مِنْهُمَا يروي عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من زعم أَنه ابْن يسَار. قلت: أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي: وَلكنه مَا جزم بِأَنَّهُ ابْن يسَار، بل قَالَ: الظَّاهِر أَنه عَطاء بن يسَار، وَيحْتَمل عَطاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: (كَمَا أنبأه) أَي: مثل مَا أخبرهُ ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فبدد) أَي: فرق، التبديد: التَّفْرِيق. قَوْله: (على قرن الرَّأْس) ، الْقرن، بِسُكُون الرَّاء: جَانب الرَّأْس. قَوْله: (ثمَّ ضمهَا) أَي: ثمَّ ضم أَصَابِعه، وَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْمِيم. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وصبها) ، بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ عِيَاض، رَحمَه الله: هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ يصف عصر المَاء من الشّعْر بِالْيَدِ. قَوْله: (حَتَّى مست إبهامه طرف الْأذن) ، فإبهامه مَرْفُوع بالفاعلية، وطرف الْأذن مَنْصُوب على المفعولية. وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بإفراد الْإِبْهَام، وَفِي رِوَايَة غَيره إبهاميه بالتثنية وَالنّصب، ووجهها أَن يكون قَوْله: (إبهاميه) مَنْصُوبًا على المفعولية. و: (طرف الْأذن) مَرْفُوعا بالفاعلية، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن حجاج عَن ابْن جريج: (حَتَّى مست إبهاماه طرف الْأذن) . فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: كَيفَ أنث الْفِعْل الْمسند إِلَى الطّرف وَهُوَ مُذَكّر؟ قلت: لِأَن الْمُضَاف اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ لشدَّة الِاتِّصَال بَينهمَا، فأنث كَذَلِك. قَوْله: (لَا يقصر) ، بِالْقَافِ من التَّقْصِير، وَمَعْنَاهُ لَا يبطىء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يعصر، بِالْعينِ. قَوْله: (وَلَا يبطش) أَي: لَا يستعجل. قَوْله: (لأمرتهم) أَي: انْتِفَاء الْأَمر لوُجُود الْمَشَقَّة. قَوْله: (وَهَكَذَا) أَي: فِي هَذَا الْوَقْت بَين ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى بقوله: (إِنَّه للْوَقْت) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة النّوم قبل الْعشَاء لمن يغلب عَلَيْهِ النّوم وَلمن تعرض لَهُ ضَرُورَة لَازِمَة. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة صَلَاة الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام والإعلام بِالصَّلَاةِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب حُضُور النِّسَاء وَالصبيان الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن النّوم من الْقَاعِد لَا ينْقض الْوضُوء إِذا كَانَ مَقْعَده مُمكنا، وَهَذَا هُوَ محمل الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين، وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر أحد من الروَاة أَنهم توضأوا من ذَلِك النّوم، وَلَا يدل لفظ: (ثمَّ استيقظوا) ، على النّوم الْمُسْتَغْرق الَّذِي يزِيل الْعقل، لِأَن الْعَرَب تَقول: اسْتَيْقَظَ من سنته وغفلته. وَفِيه: رد على الْمُزنِيّ حَيْثُ يَقُول: قَلِيل النّوم وَكَثِيره حدث ينْقض الْوضُوء. لِأَنَّهُ محَال أَن يذهب على أَصْحَابه أَن النّوم حدث فيصلون بِهِ.

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي النّوم، فمذهب الْبَعْض إِلَى أَن النّوم لَا ينْقض الْوضُوء على أَي حَالَة كَانَ، وَهَذَا محكي عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي مجلز وَحميد الْأَعْرَج وَشعْبَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ والمزني وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول غَرِيب للشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول. قَالَ: وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة. وَمذهب الْبَعْض أَن كَثِيره ينقص بِكُل حَال وقليله لَا ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام على هَيْئَة من هيئات الْمُصَلِّين: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لَا ينْتَقض وضوؤه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لم يكن، وَإِن نَام مضطجعآ أَو مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ انْتقض، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَدَاوُد وَقَول غَرِيب للشَّافِعِيّ، وَمذهب الْبَعْض أَنه لَا ينْقض إِلَّا نوم الرَّاكِع والساجد، وَرُوِيَ هَذَا عَن أَحْمد أَيْضا. وَمذهب الْبَعْض: لَا ينْقض النّوم فِي الصَّلَاة بِكُل حَال، وينقض خَارج الصَّلَاة. وَهُوَ قَول ضَعِيف للشَّافِعِيّ. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام جَالِسا مُمكنا مقعدته من الأَرْض لم ينْتَقض، وإلَاّ انْتقض، سَوَاء قل أَو كثر، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.

٢٥ - (بابُ وقْتِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ الليْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَهَذِه التَّرْجَمَة تدل على أَن اخْتِيَاره فِي آخر وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَقد تكلمنا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي بَاب وَقت الْعَصْر فِيمَا مضى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهر التَّرْجَمَة مشْعر بِأَن مَذْهَب البُخَارِيّ: أَن وَقت الْعشَاء إِلَى النّصْف فَقَط، وَلِهَذَا لم يذكر حَدِيثا يدل على امتداد وقته إِلَى الصُّبْح. انْتهى. قلت: مُرَاده من هَذَا وَقت الِاخْتِيَار لَا وَقت الْجَوَاز، وَهُوَ صَرِيح بذلك قبل كَلَامه هَذَا بِأَن المُرَاد من التَّرْجَمَة الْوَقْت الْمُخْتَار من الْعشَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: فَإِن قلت: قد تقدم أَن الْوَقْت الْمُخْتَار إِلَى الثُّلُث كَمَا قَالَ فِي الْبَاب السَّابِق: (وَكَانُوا يصلونَ فِيمَا بَين أَن يغيب الشَّفق، إِلَى ثلث اللَّيْل) ؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذْ الثُّلُث دَاخل فِي النّصْف.

وقالَ أبُو بَرْزَةَ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَحِبُّ تأخِيرَهَا

هَذَا طرف من حَدِيث أبي بَرزَة الَّذِي تقدم فِي بَاب وَقت الْعَصْر، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِيه: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء الَّتِي تدعونها الْعَتَمَة) . فَإِن قلت: هَذَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ إِلَّا نصف اللَّيْل. قلت: لما وَردت أَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب بَعْضهَا مُقَيّد بِالثُّلثِ وَبَعضهَا بِالنِّصْفِ، كَانَ النّصْف غَايَة التَّأْخِير، فَدلَّ على التَّرْجَمَة دلَالَة لَا تَصْرِيحًا.

٥٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ الَّرحِيمِ المحَارِبي قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسٍ

قَالَ أخَّرَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاء إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ ونامُوا أمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي الْكُوفِي، ويكنى أَبَا زِيَاد، وَهُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله: (الْمحَاربي) ، بِضَم الْمِيم وإهمال الْحَاء وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ نِسْبَة إِلَى: محَارب ابْن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف، وَقد تقدم. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا إلَاّ هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قد صلى النَّاس) ، أَي: المعهودون من الْمُسلمين إِذْ ذَاك. قَوْله: ((أما إِنَّكُم) ، بتَخْفِيف الْمِيم حرف التَّنْبِيه. قَوْله: (مَا انتظرتموها) أَي: مُدَّة انتظاركم، وَالْمعْنَى: أَن الرجل إِذا انْتظر الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ فِي نفس الصَّلَاة.

وزَادَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا قَالَ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ

وَهَذَا تَعْلِيق نبه بِهِ على أَن حميد الطَّوِيل سمع أنسا، وَذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي اللبَاس بِلَفْظ: وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب عَن حميد ... فَذكره. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَوَصله الْبَغَوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم. . إِلَى آخِره، وَأول الحَدِيث: (سُئِلَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَل اتخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتمًا؟ قَالَ: نعم، أخر الْعشَاء) . فَذكره وَفِي آخِره: (فَكَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص خَاتمه ليلتئذ) . وَابْن أبي مَرْيَم: هُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ. قَوْله: (وبيص خَاتمه) ، الوبيص، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة: البريث واللمعان. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وخاتام وخيتام. قَوْله: (ليلتئذ) أَي: لَيْلَة إِذْ أخر الصَّلَاة، والتنوين عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ.

٢٦ - (بابُ فَضْلِ صَّلَاةِ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع فِي رِوَايَة غَيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم تظهر مُنَاسبَة لفظ الحَدِيث فِي هَذَا الْموضع، وَقد يُقَال: الْغَرَض مِنْهُ بَاب كَذَا: وَبَاب الحَدِيث الْوَارِد فِي فضل صَلَاة الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: وَلم يظْهر لي تَوْجِيه لهَذَا: اللَّفْظ، واستبعد تَوْجِيه الْكرْمَانِي، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن هَذَا وهم، وَيدل لذَلِك أَنه ترْجم لحَدِيث جرير إيضا بَاب صَلَاة الْعَصْر بِغَيْر زِيَادَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِيهِ بَاب فضل صَلَاة الْفجْر وَالْعصر، فتحرفت الْكَلِمَة الْأَخِيرَة. قلت: استبعاده كَلَام الْكرْمَانِي بعيد، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يُقَال: تَقْدِير كَلَامه: بَاب فِي بَيَان فضل الْفجْر، وَفِي بَيَان الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَهَذَا أوجه من إدعاء الْوَهم، وَلَا يلْزم من قَوْله: لفظ الحَدِيث فِي بَاب صَلَاة الْفجْر، أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة هَهُنَا وهما، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره بعيد، لِأَن تحرف الْعَصْر بِالْحَدِيثِ بعيد جدا.

فَإِن قلت: فَمَا وَجه خُصُوصِيَّة هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة دون سَائِر الْأَبْوَاب الَّذِي يذكر فِيهَا فَضَائِل الْأَعْمَال؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون وَجه ذَاك أَن صَلَاة الْفجْر إِنَّمَا هِيَ عقيب النّوم، وَالنَّوْم أَخُو الْمَوْت، أَلا ترى كَيفَ ورد أَن يُقَال عِنْد الاستيقاظ من النّوم: (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور) . فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يجْتَهد المستيقظ على أَدَاء صَلَاة الْفجْر شكرا لله على حَيَاته وإعادة روحه إِلَيْهِ، وَيعلم أَن لإقامتها فضلا عَظِيما لوُرُود الْأَحَادِيث فِيهِ، فنبه على ذَلِك بقوله: والْحَدِيث، وَخص هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الزِّيَادَة.

٥٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا قَيْسٌ قَالَ لي جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله كنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ نَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ أمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكم

كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤيَتِهِ فإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا فأفْعَلُوا ثمَّ قَالَ فسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ((على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير، وَهَهُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد عَن قيس ابْن أبي حَازِم، قَالَ: قَالَ لي جرير بن عبد الله، وَهُنَاكَ: قَالَ عَن جرير، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ متعلقات الحَدِيث كلهَا. قَوْله: (أوَ لَا تضاهون) من المضاهاة، وَهِي المشابهة. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وَلَا ترتابون فِيهِ.

٥٧٤ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثني أبُو جَمْرَةَ عنْ أبِي بَكْرٍ بن أبي مُوسَى عنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من صَلى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أحد البردين صَلَاة الْفجْر.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: ثَلَاثَة بصريون بالتوالي. وَفِيه: فِي أبي بكر اخْتلفُوا فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ بعض أهل الْعلم: هُوَ أَبُو بكر بن عمَارَة ابْن رؤيبة الثَّقَفِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَنهُ. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يروي عَن أبي مُوسَى إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَإِنَّمَا يعرف: عَن أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة عَن أَبِيه، وَلَكِن هَكَذَا قَالَ همام، يعنيان بذلك حَدِيث أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة الْمخْرج عِنْد مُسلم بِلَفْظ، قَالَ عمَارَة: (سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) . يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث السّري بن إِسْمَاعِيل عَن الشّعبِيّ عَن عمَارَة بن رؤيبة: (لن يدْخل النَّار من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، وَكَانَ يُبَادر بِصَلَاتِهِ قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (البردين) : تَثْنِيَة برد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، وَالْمرَاد بهما: صَلَاة الْفجْر وَالْعصر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ كثير من الْعلمَاء: البردان الْفجْر وَالْعصر، وسميا بذلك لِأَنَّهُمَا يفْعَلَانِ فِي وَقت الْبرد. وَقَالَ الْخطابِيّ: لِأَنَّهُمَا يصليان فِي بردي النَّهَار، وهما طرفاه حِين يطيب الْهَوَاء وَتذهب سُورَة الْحر. وَقَالَ السفاقسي عَن أبي عُبَيْدَة: المُرَاد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب، وَفِيه نظر لِأَن الْمَذْكُور تَثْنِيَة وَمَعَ هَذَا لم يتبعهُ على هَذَا أحد، وَزعم الْقَزاز أَنه اجْتهد فِي تَمْيِيز هذَيْن الْوَقْتَيْنِ لعظم فائدتهما، فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى أَدخل الْجنَّة كل من صلى تِلْكَ الصَّلَاة مِمَّن آمن بِهِ فِي أول دَعوته، وَبشر بِهَذَا الْخَبَر أَن من صلاهما مَعَه فِي أول فَرْضه إِلَى أَن نسخ لَيْلَة الْإِسْرَاء، أدخلهم الله الْجنَّة كَمَا بَادرُوا إِلَيْهِ من الْإِيمَان تفضلاً مِنْهُ تَعَالَى. انْتهى. قلت: كَلَامه يُؤَدِّي إِلَى أَن هَذَا مَخْصُوص ((لِأُنَاس مُعينين، وَلَا عُمُوم فِيهِ؛ وَأَنه مَنْسُوخ، وَلَيْسَ كَذَلِك من وُجُوه: الأول: أَن رَاوِيه أَبَا مُوسَى سَمعه فِي آواخر الْإِسْلَام، وَأَنه فهم الْعُمُوم، وَكَذَا غَيره فهم ذَلِك لِأَنَّهُ خير فضل لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولأمته. الثَّانِي: أَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. الثَّالِث: أَن كلمة: من، شَرْطِيَّة. وَقَوله: (دخل الْجنَّة) جَوَاب الشَّرْط، فَكل من أَتَى بِالشّرطِ فقد اسْتحق الْمَشْرُوط لعُمُوم كلمة الشَّرْط، وَلَا يُقَال: إِن مَفْهُومه يَقْتَضِي أَن من لم يصلها لم يدْخل الْجنَّة، لأَنا نقُول: الْمَفْهُوم لَيْسَ بِحجَّة وَأَيْضًا فَإِن قَوْله: (دخل الْجنَّة) خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن الْغَالِب أَن من صلاهما وراعاهما، انْتهى. عَمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لِأَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، أَو يكون آخر أمره دُخُول الْجنَّة. وَأما وَجه التَّخْصِيص بهما فَهُوَ لزِيَادَة شرفهما وترغيبا فِي حفظهما لشهود الْمَلَائِكَة فيهمَا، كَمَا تقدم، وَقد مضى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِيهِ

خَطِيئَة حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت الصَّلَاة تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ يحدث فِيهِ) . وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مستقصىً، وَذكرنَا أَيْضا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، والتوفيق بَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِعَادَة إلَاّ فِي بعض الْمَوَاضِع، كَمَا نذكرهُ الأن.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَقَوله: يَقُول: فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل النصب على الْحَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: (فِي جمَاعَة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (تضعف) أَي: تزداد، والتضعيف أَن يُزَاد على أصل الشَّيْء فَيجْعَل بمثلين أَو أَكثر، والضعف بِالْكَسْرِ الْمثل قَوْله: (خَمْسَة وَعشْرين ضعفا) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، ويروى (خمْسا وَعشْرين) ، ووجهها أَن يؤول الضعْف بالدرجة أَو بِالصَّلَاةِ، تَوْضِيحه أَن: ضعفا، مُمَيّز مُذَكّر فَتجب التَّاء فَقيل بالتأويل الْمَذْكُور، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِن وجوب التَّاء فِيمَا إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا، وَإِذا لم يكن مَذْكُورا يَسْتَوِي فِيهِ التَّاء وَعدمهَا، وَهَهُنَا مُمَيّز الْخمس غير مَذْكُور فَجَاز الْأَمْرَانِ فَإِن قلت: يَقْتَضِي قَوْله: (فِي بَيته وَفِي سوقه) أَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جمَاعَة تزيد على الصَّلَاة فِي الْبَيْت، وَفِي السُّوق، سَوَاء كَانَت جمَاعَة أَو فُرَادَى، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا خَارج مخرج الْغَالِب، لِأَن من لم يحضر الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي مُنْفَردا فِي بَيته أَو سوقه، وَأما الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيته جمَاعَة فَلهُ الْفضل فِيهَا على صلَاته مُنْفَردا بِلَا نزاع. قَوْله: (وَذَلِكَ) ، إِشَارَة إِلَى التَّضْعِيف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تضعف) : يَعْنِي: التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَببه أَنه إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (إلَاّ الصَّلَاة) أَي: قصد الصَّلَاة فِي جمَاعَة. قَوْله: (لم يخط) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الطَّاء. قَوْله: (خطْوَة) ، يجوز فِيهِ ضم الْخَاء وَفتحهَا، وَجزم الْيَعْمرِي بِأَنَّهَا هَهُنَا بِالْفَتْح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسلم بِالضَّمِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطوة، بِالضَّمِّ: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وبالفتح: الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (فَإِذا صلى) المُرَاد بِهِ: فَإِذا صلى الصَّلَاة التَّامَّة ليستحق هَذِه الْفَضَائِل. قَوْله: (مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. وَهَذَا خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَلَو قَامَ فِي بقْعَة أُخْرَى من الْمَسْجِد مستمرا على نِيَّة انْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك. قَوْله: (اللَّهُمَّ ارحمه) ، أَي: لم تزل الْمَلَائِكَة يصلونَ عَلَيْهِ حَال كَونهم قائلين: يَا الله إرحمه. وَزَاد ابْن مَاجَه: (اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من ذَلِك: الدّلَالَة على أَفضَلِيَّة الصَّلَاة على غَيرهَا من الْأَعْمَال، لِأَن فِيهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة على فاعلها ودعاءهم لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة. وَمِنْه: الدّلَالَة على تَفْضِيل صالحي النَّاس على الْمَلَائِكَة لأَنهم يكونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بعبادتهم، وَالْمَلَائِكَة يشتغلون بالاستغفار وَالدُّعَاء لَهُم. كَذَا قيل قلت: هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن خَواص بني آدم، وهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل من الْمَلَائِكَة، وعوامهم أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام بني آدم. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْجَمَاعَة لَيست شرطا لصِحَّة الصَّلَاة، لِأَن قَوْله على صلَاته وَحده، يدل على صِحَة صلَاته مُنْفَردا لاقْتِضَاء صِيغَة: أفعل التَّفْضِيل، الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفَاضُل، فَذَلِك يَقْتَضِي وجود الْفَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرد، لِأَن مَا لَا يَصح من الصَّلَاة لَا فَضِيلَة فِيهِ. وَفِيه: رد على دَاوُد وَمن تبعه فِي اشتراطهم الْجَمَاعَة فِي صِحَة الصَّلَاة.

٣١ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة وَذكر التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا مُطلقَة إِشَارَة إِلَى زِيَادَة خُصُوصِيَّة الْفجْر بالفضيلة.

٦٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الليْلِ

وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ فاقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا. .

قَالَ شُعَيْبٌ وحدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ تَفْضُلُهَا تَكْمِلَة الحَدِيث بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (انْظُر الحَدِيث ٦٤٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار) ، فَإِنَّهُ يدل على مزية لصَلَاة الْفجْر على غَيرهَا.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر لطائف أسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل) أَي: تزيد صَلَاة الْجَمِيع الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي: لَا، بِمَعْنى اللَّام. فَافْهَم. قَوْله: (بِخَمْسَة وَعشْرين جزأ) ، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ. وَقيل: وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ: (خمس وَعشْرين) ، بِدُونِ الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِدُون الْهَاء فِي آخِره، وَأول بِأَن لفظ: خمس، مجرور بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ: الْبَاء، كَمَا وَقع فِي نَظِيره فِي قَول الشَّاعِر:

(أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع)

وَتَقْدِيره: إِلَى كُلَيْب. وَأما حذف الْهَاء فعلى تَأْوِيل الْجُزْء بالدرجة. قلت: وَأما لِأَن الْمُمَيز غير مَذْكُور، وَهَهُنَا مُمَيّز: خمس، غير مَذْكُور. قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَهُوَ الْمُوجب لتفضيل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وَكَذَا فِي صَلَاة الْعَصْر أَيْضا،، فَلذَلِك حث الشَّارِع على الْمُحَافظَة عَلَيْهِمَا ليَكُون من حضرهما ترفع الْمَلَائِكَة عمله وَتشفع لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُمكن أَن يكون اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا هما الدرجتان الزائدتان على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جزأ فِي سَائِر الصَّلَوَات الَّتِي لَا تَجْتَمِع الْمَلَائِكَة فِيهَا. قَوْله: (قُرْآن الْفجْر) ، كِنَايَة عَن صَلَاة الْفجْر، لِأَن الصَّلَاة مستلزمة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (مشهودا) أَي: محضورا فِيهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الأول فتقديره: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وحَدثني نَافِع، أَي: بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعا نَحوه إلَاّ أَنه قَالَ: (بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) ، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة مَالك وَغَيره من نَافِع، وَطَرِيق شُعَيْب هَذِه مَوْصُولَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن تكون معلقَة وَهُوَ بعيد، بل هِيَ معطوفة على الاسناد الاول وَالتَّقْدِير حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب انْتهى (قلت) استبعاده قَول الْكرْمَانِي بعيد لِأَنَّهُ مَا حكم بِالْجَزْمِ بل بِالِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ بِحَسب الظَّاهِر، بل الْقَرِيب مَا ذكره ويقويه أَن طَرِيق شُعَيْب هَذِه لم تَرَ إلَاّ عِنْد البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل: لم يستخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم وَلَا أوردهَا الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين فِي تَرْجَمَة شُعَيْب.

٦٥٠ - حدَّثنا حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأَعْمشُ قَالَ سَمِعْتُ سالِما قَالَ سَمِعْتُ أم الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقلْتُ مَا أغْضَبَكَ فَقَالَ وَالله مَا أعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا إلَاّ أنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَعمال الَّذين يصلونَ بِالْجَمَاعَة قد وَقع فِيهَا النَّقْص والتغيير مَا خلا صلَاتهم بِالْجَمَاعَة، وَلم يَقع فِيهَا شَيْء من ذَلِك، فَدلَّ ذَلِك على أَن فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفجْر، وَالَّذِي يفهم من هَذَا الحَدِيث أَعم من ذَلِك، فَكيف يكون التطابق؟ قلت: إِذا طابق جُزْء من الحَدِيث التَّرْجَمَة يَكْفِي، وَمثل هَذَا وَقع لَهُ كثيرا فِي هَذَا الْكتاب.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء، الَّتِي اسْمهَا: هجيمة، وَهِي أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية، لَا الْكُبْرَى الَّتِي اسْمهَا: خيرة، وَهِي الصحابية. وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن الْكُبْرَى مَاتَت فِي حَيَاة أبي الدَّرْدَاء، وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بعده بِزَمَان طَوِيل، وَقد جزم أَبُو حَاتِم بِأَن سَالم بن أبي الْجَعْد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء، فعلى هَذَا لم يدْرك أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أم الدَّرْدَاء هِيَ: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان.

قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه: عُوَيْمِر بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: التَّابِعِيّ عَن التابعية. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة كوفيون.

وَهَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مغضب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا أعرف من أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (من مُحَمَّد) بِدُونِ لَفْظَة: أمة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال وَمن تبعه، فَقَالَ: يُرِيد من شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا لم يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إلَاّ الصَّلَاة فِي جمَاعَة، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (من أَمر مُحَمَّد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَكَذَا سَاقه الْحميدِي فِي (جمعه) ، وَكَذَا هُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) و (مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم) : من طرق عَن الْأَعْمَش، وَعِنْدهم بِلَفْظ: (مَا أعرف فيهم) ، أَي: فِي أهل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاء قيل: كَانَ لفظ: فيهم، لما حذف من رِوَايَة البُخَارِيّ صحف بعض النقلَة لفظ: أَمر، بِلَفْظَة: أمة، ليعود الضَّمِير فِي: أَنهم، على الْأمة. قلت: لَا مَحْذُور فِي كَون لَفْظَة: امة، بل الظَّاهِر هَذَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يصلونَ جَمِيعًا) ، أَي: مُجْتَمعين، وانتصابه على الْحَال، ومفعول: يصلونَ، مَحْذُوف تَقْدِيره، يصلونَ الصَّلَاة أَو الصَّلَوَات.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْغَضَب عِنْد تغير شَيْء من أُمُور الدّين، وَجَوَاز إِنْكَار الْمُنكر بِالْغَضَبِ إِذا لم يسْتَطع أَكثر من ذَلِك.

٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْظَمُ النَّاسِ أجْرا فِي الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ فأبْعَدُهُمْ مَمْشًى والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمَام أعْظَمُ أجْرا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى) ، بَيَان ذَلِك أَنه بَين فِيهِ أَن سَبَب أعظمية الْأجر فِي الصَّلَاة هُوَ: بعد الممشى، وَهُوَ الْمسَافَة، وَذَلِكَ لوُجُود الْمَشَقَّة فِيهِ. وَقد علم أَن أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فَكل صَلَاة تُوجد فِيهَا الْمَشَقَّة من حَيْثُ بعد الممشى فَهِيَ أعظم أجرا وَأفضل من الصَّلَاة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا ذَلِك، فينتج من ذَلِك أَن صَلَاة الْفجْر إِذا كَانَ فِيهَا بُعْد الممشى مَعَ كَونه عقيب النّوم الَّذِي فِيهِ رَاحَة للبدن، مَعَ مصادفة الظلمَة أَحْيَانًا تكون أعظم أجرا وَأفضل من غَيرهَا، فبهذه الْحَيْثِيَّة طابق هَذَا الحَدِيث التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: تشاركها الْعشَاء فِي ذَلِك مَعَ دلَالَة آخر الحَدِيث على ذَلِك؟ قلت: نعم تشاركها فِي وجود تِلْكَ الْمَشَقَّة، وَلَا تشاركها فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا تشاركها مُطلقًا فَلَا يضر ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ مُطَابقَة مَا بَين الحَدِيث والترجمة، وَهِي مَوْجُودَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر فِيهِ الْكِفَايَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا أَكْثَره بعض الشُّرَّاح من كَلَام فِيهِ مَا فِيهِ من حرارة فِي الْقلب من الْحَسَد.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فيي: بَاب من علم، لَكِن ذكر أَبُو أُسَامَة ثمَّة باسمه حَمَّاد، وَهَهُنَا بكنيته، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه: عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى واسْمه: عبد الله بن قيس.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجرا) نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أبعدهم) بِالرَّفْع خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي. قَوْله: (أعظم النَّاس) . قَوْله: (فأبعدهم) ، الْفَاء فِيهِ للاستمرار، كَمَا فِي قَوْلهم الأمثل فالأمثل، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يذكر أحد من النُّحَاة أَن الْفَاء تَجِيء بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار، وَلَكِن يُمكن أَن تكون الْفَاء هَهُنَا للتَّرْتِيب مَعَ تفَاوت من بعض الْوُجُوه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا: أَن تدل على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه:

(يَا لهف زيابة لِلْحَارِثِ الصابح ... فالغانم فالآيب)

أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب. وَالثَّانِي: تدل على ترتيبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه، نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل، واعمل الْأَحْسَن فالأجمل. وَالثَّالِث: أَن تدل على تَرْتِيب موصوفاتها فِي ذَلِك، نَحْو: رحم الله المحلقين

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَسْجِدِ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاقِدُ مِنْهُمْ كَانَ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا، أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا لَكِنَّهُ تَوَضَّأَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ، اكْتِفَاءً بِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ (يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَخْشَ أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ رُبَّمَا رَقَدَ عَنِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَيَأْمُرُ أَنْ يُوقِظُوهُ، وَالْمُصَنِّفُ حَمَلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى مَا إِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - وَهُوَ مَحْمُودٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ، وَعَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلَاةَ)، زَادَ فِي التَّمَنِّي رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى رَأْسِي وَهُوَ وَهْمٌ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ هَيْئَةِ عَصْرِهِ ﷺ شَعْرَهُ مِنَ الْمَاءِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَثْبَتَ) هُوَ مَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ يَسَارٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَدَّدَ) أَيْ فَرَّقَ. وَقَرْنُ الرَّأْسِ جَانِبُهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ ضَمَّهَا) كَذَا لَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ، وَلِمُسْلِمٍ وَصَبَّهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِفُ عَصْرَ الْمَاءِ مِنَ الشَّعْرِ بِالْيَدِ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مُوَجَّهَةٌ، لِأَنَّ ضَمَّ الْيَدِ صِفَةٌ لِلْعَاصِرِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَهُ) كَذَا بِالْإِفْرَادِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ إِبْهَامَيْهِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ طَرَفُ الْأُذُنِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَرْفُوعٌ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى طَرَفَ مَنْصُوبٌ وَفَاعِلُهُ إِبْهَامُهُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ رِوَايَةُ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَاهُ طَرَفَ الْأُذُنِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطِشُ) أَيْ لَا يُبْطِئُ وَلَا يَسْتَعْجِلُ، وَيُقَصِّرُ بِالْقَافِ لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا يَعْصِرُ بِالْعَيْنِ، وَالْأُولَى أَصْوَبُ.

قَوْلُهُ: (لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا) كَذَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ إِنَّهُ لَلْوَقْتِ لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ قَالَ: وَذَهَبَ النَّاسُ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ فِي سِتَّةِ عَشَرَ رَجُلًا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ.

٢٥ - بَاب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ

وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا

٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا. وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أنها: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.

[الحديث ٥٧٢ أطرافه -: ٥٨٦٩، ٨٤٧، ٦٦١، ٦٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي بَيَانِ أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ وَآخِرِهَا، وَفِيهِ: فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقَّتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَقَّتَ لِأَدَائِهَا اخْتِيَارًا، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّمَا التَّفْرِيطُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العشاء، وليس فيه تصريحٌ بقيد «نصف اللَّيل».

٥٧٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ) بن عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ (المُحَارِبِيُّ) الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا زَائِدَةُ) بالزَّاي، ابن قدامة، بضمِّ القاف (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) ابن أبي حُمَيْدٍ البصريِّ، المُتوفَّى وهو قائمٌ يصلِّي سنة اثنتين أو ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ: «أنس (١) بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ) ليلةً (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صَلَّى) العشاء (ثمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ) أي: المعهودون (وَنَامُوا، أَمَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه (إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) أي: مدَّة انتظاركم، وظاهر هذا السِّياق أنَّ وقت العشاء يخرج بالنِّصف، والجمهور أنَّه وقت الاختيار، ورجَّح النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» تأخيرها إليه.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.

(وَزَادَ (١) ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجمحيُّ بالولاء المصريُّ فقال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ بمُعجَمةٍ ثمَّ فاءٍ فقافٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (إنَّه سَمِعَ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: «سمع أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) ﵊، بفتح الواو وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، أي: بريقه

ولمعانَه (لَيْلَتَئِذٍ) أي: ليلة إذ (١) أخَّر العشاء، والتَّنوين عوضٌ عن (٢) المضاف إليه.

وهذا التَّعليق وصله المخلِّص في «فوائده»، ومراد المؤلِّف ﵀ به بيان سماع حُمَيْدٍ للحديث (٣) من أنسٍ ﵁.

(٢٦) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ) وزاد (٤) في رواية أبي ذَرٍّ بعد هذا: «والحديث» وتُؤوِّلت على: وباب الحديث الوارد في فضله، أي: في (٥) فضل (٦) صلاة الفجر (٧)، واستبعده في «الفتح»، ومال إلى أنَّها وهمٌ وتصحيفٌ، فالله أعلم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَنْصُوبًا على المفعولية. و: (طرف الْأذن) مَرْفُوعا بالفاعلية، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن حجاج عَن ابْن جريج: (حَتَّى مست إبهاماه طرف الْأذن) . فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: كَيفَ أنث الْفِعْل الْمسند إِلَى الطّرف وَهُوَ مُذَكّر؟ قلت: لِأَن الْمُضَاف اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ لشدَّة الِاتِّصَال بَينهمَا، فأنث كَذَلِك. قَوْله: (لَا يقصر) ، بِالْقَافِ من التَّقْصِير، وَمَعْنَاهُ لَا يبطىء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يعصر، بِالْعينِ. قَوْله: (وَلَا يبطش) أَي: لَا يستعجل. قَوْله: (لأمرتهم) أَي: انْتِفَاء الْأَمر لوُجُود الْمَشَقَّة. قَوْله: (وَهَكَذَا) أَي: فِي هَذَا الْوَقْت بَين ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى بقوله: (إِنَّه للْوَقْت) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة النّوم قبل الْعشَاء لمن يغلب عَلَيْهِ النّوم وَلمن تعرض لَهُ ضَرُورَة لَازِمَة. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة صَلَاة الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام والإعلام بِالصَّلَاةِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب حُضُور النِّسَاء وَالصبيان الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن النّوم من الْقَاعِد لَا ينْقض الْوضُوء إِذا كَانَ مَقْعَده مُمكنا، وَهَذَا هُوَ محمل الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين، وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر أحد من الروَاة أَنهم توضأوا من ذَلِك النّوم، وَلَا يدل لفظ: (ثمَّ استيقظوا) ، على النّوم الْمُسْتَغْرق الَّذِي يزِيل الْعقل، لِأَن الْعَرَب تَقول: اسْتَيْقَظَ من سنته وغفلته. وَفِيه: رد على الْمُزنِيّ حَيْثُ يَقُول: قَلِيل النّوم وَكَثِيره حدث ينْقض الْوضُوء. لِأَنَّهُ محَال أَن يذهب على أَصْحَابه أَن النّوم حدث فيصلون بِهِ.

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي النّوم، فمذهب الْبَعْض إِلَى أَن النّوم لَا ينْقض الْوضُوء على أَي حَالَة كَانَ، وَهَذَا محكي عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي مجلز وَحميد الْأَعْرَج وَشعْبَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ والمزني وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول غَرِيب للشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول. قَالَ: وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة. وَمذهب الْبَعْض أَن كَثِيره ينقص بِكُل حَال وقليله لَا ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام على هَيْئَة من هيئات الْمُصَلِّين: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لَا ينْتَقض وضوؤه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لم يكن، وَإِن نَام مضطجعآ أَو مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ انْتقض، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَدَاوُد وَقَول غَرِيب للشَّافِعِيّ، وَمذهب الْبَعْض أَنه لَا ينْقض إِلَّا نوم الرَّاكِع والساجد، وَرُوِيَ هَذَا عَن أَحْمد أَيْضا. وَمذهب الْبَعْض: لَا ينْقض النّوم فِي الصَّلَاة بِكُل حَال، وينقض خَارج الصَّلَاة. وَهُوَ قَول ضَعِيف للشَّافِعِيّ. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام جَالِسا مُمكنا مقعدته من الأَرْض لم ينْتَقض، وإلَاّ انْتقض، سَوَاء قل أَو كثر، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.

٥٦٩ - حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني أبُو بَكْرٍ عنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صالِحُ بنُ كَيْسَانَ أَخْبرنِي ابنُ شِهَابٍ عَن عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ قالَتْ أعْتَمَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعِشَاءِ حَتَّى نادَاهُ عُمَرُ الصَّلَاةَ نامَ النِّساءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فقالَ مَا يَنْتَظِرُهَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ غَيْرُكُمُ قَالَ ولَا تُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلَاّ بِالمَدِينَةِ قَالَ وكانُوا يُصَلُّونَ العِشَاءَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلِثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٦ وطرفييه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام النِّسَاء وَالصبيان) فَإِنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يُنكر على من نَام من الَّذين كَانُوا ينتظرون خُرُوجه لصَلَاة الْعشَاء، وَلم يكن نومهم إِلَّا حِين غلب النّوم عَلَيْهِم.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَيُّوب ابْن سُلَيْمَان بن بِلَال، مولى عبد الله بن أبي عَتيق، واسْمه: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بكر، هُوَ عبد الحميد بن أبي أويس، واسْمه: عبد الله أَخُو إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ، وَيعرف بالأعشى. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ، مولى عبد الله بن أبي عَتيق الْمَذْكُور آنِفا. الرَّابِع: صَالح ابْن كيسَان أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو الْحَارِث الْغِفَارِيّ مَوْلَاهُم. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عُرْوَة ابْن الزبير. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار المفردة من الْمَاضِي. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ من الْأَفْرَاد. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَمَّن روى عَن أَبِيه. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابَة. وَفِيه: القَوْل، فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أعتم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قد مر مَعْنَاهُ فِي بَاب فضل الْعشَاء لِأَن الحَدِيث قد تقدم فِيهِ، رَوَاهُ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب. قَوْله: (الصَّلَاة) ، نصب على الإغراء. قَوْله: (نَام النِّسَاء) من تَتِمَّة كَلَام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَلَا تصلَّى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: لَا تصل الصَّلَاة بالهيئة الْمَخْصُوصَة بِالْجَمَاعَة إلَاّ بِالْمَدِينَةِ، وَبِه صرح الدَّاودِيّ، لِأَن من كَانَ بِمَكَّة من الْمُسْتَضْعَفِينَ لم يَكُونُوا يصلونَ إلَاّ سرّا، وَأما غير مَكَّة وَالْمَدينَة من الْبِلَاد فَلم يكن الْإِسْلَام دَخلهَا. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: الرَّاوِي، وَلم يقل: قَالَت، نظرا إِلَى الرَّاوِي سَوَاء كَانَ الْقَائِل بِهِ عَائِشَة أَو غَيرهَا. قَوْله: (بَين أَن يغيب) لَا بُد من تَقْدِير أَجزَاء المغيب حَتَّى يَصح دُخُول: بَين، عَلَيْهِ. و: (الشَّفق) الْبيَاض دون الْحمرَة عِنْد أبي حنيفَة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ هُوَ: الْحمرَة. قَوْله: (الأول) بِالْجَرِّ صفة: الثُّلُث، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب زِيَادَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي: قَالَ ابْن شهَاب: (وَذكر لي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَمَا كَانَ لَكِن أَن تنزروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للصَّلَاة، وَذَلِكَ حِين صَاح عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) قَوْله: (تنزروا) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون وَضم الزَّاي بعْدهَا رَاء أَي: تلحوا عَلَيْهِ، وَرُوِيَ بِضَم أَوله بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ رَاء مَكْسُورَة ثمَّ زَاي أَي: تحرجوا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الأول فِي بَاب فضل الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام. وَفِيه: أَنه إِذا تَأَخّر عَن أَصْحَابه، أَو جرى مِنْهُ مَا يظنّ أَنه يشق عَلَيْهِم، يعْتَذر إِلَيْهِم وَيَقُول لَهُم: لكم فِيهِ مصلحَة من جِهَة كَذَا، أَو: كَانَ لي عذر، وَنَحْوه.

٥٧٠ - ٥٧١ حدَّثنا مَحْمُودُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَاثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قَالَ لَيْسَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ وكانَ ابنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي أقَدَّمَهَا أم أخَّرَهَا إذَا كانَ لَا يَخْشَى أنْ يَغْلِبَهُ النوْمُ عنْ وَقْتِهَا وكانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ فقَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أعْتَمَ رسولُ الله لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ واسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا واسْتَيْقَظُوا فقامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ الصَّلَاةَ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عبَّاسٍ فِخَرَجَ نَبِيُّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ الآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاء واضِعا يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ فَقَالَ لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أنْ يُصَلُّوها هَكَذَا فاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وضعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ كَمَا أنْبَأَهُ ابنُ عبَّاسٍ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أصَابِعِهِ شَيْئَا مِنْ تَبْدِيدٍ ثمَّ وَضَعَ أطْرَافَ أصَابِعِه على قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا عَلى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّت إبهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلى الصُّدْغِ وناحِيَةَ اللِّحْيَةِ لَا يُقَصِّرُ ولَا يَبْطُشُ إِلَّا كَذَلِكَ وَقَالَ لَوْلَا أنْ أشقَّ عَلى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَن يُصَلّوا هَكذَا. (الحَدِيث ٥٧١ طرفه فِي: ٧٢٣٩) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى رقدنا فِي الْمَسْجِد) وَفِي قَوْله: (رقد النَّاس) ، وَفِي قَوْله: (وَكَانَ يرقد قبلهَا) ، أَي: كَانَ ابْن عمر يرقد قبل الْعشَاء، وَحمله البُخَارِيّ على مَا إِذا غَلبه النّوم، وَهُوَ اللَّائِق بِحَال ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مَحْمُود بن غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحَافِظ الْمروزِي، تقدم. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق الْيَمَانِيّ، تقدم. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ويماني ومكي ومدني.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه: أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أَحْمد ابْن حَنْبَل إِلَى قَوْله: (لَيْسَ أحد ينْتَظر الصَّلَاة غَيْركُمْ) . وَأخرجه مُسلم عَن عَطاء مُفردا مَفْصُولًا من حَدِيث نَافِع بِلَفْظ: (قلت لعطاء: أَي: حِين أحب إِلَيْك أَن أُصَلِّي الْعشَاء؟ فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس) الحَدِيث. قلت: لعطاء: كم ذكر لَك أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَخّرهَا ليلتئذ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ عَطاء: وَأحب إِلَيّ أَن تصليها إِمَامًا وخلوا مؤخرة، كَمَا صلاهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ليلتئذ، فَإِن شقّ ذَلِك عَلَيْك خلوا. أَو على النَّاس فِي الْجَمَاعَة وَأَنت إمَامهمْ فصلها وسطا لَا مُعجلَة وَلَا مؤخرة. وَعند النَّسَائِيّ: عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: (أخر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء ذَات لَيْلَة حَتَّى ذهب اللَّيْل، فَقَامَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَنَادَى: الصَّلَاة يَا رَسُول الله، رقد النِّسَاء والولدان. فَخرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَاء يقطر من رَأسه، فَقَالَ: إِنَّه للْوَقْت، لَوْلَا أشق على أمتِي لصليت بهم هَذِه السَّاعَة) .

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (شغل) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: شغلت عَنْك بِكَذَا، على مَا لم يسم فَاعله. قَوْله: ((عَنْهَا) أَي: عَن وَقتهَا، أَي: متجاوزا عَنهُ. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر لَا يُبَالِي) أَي: لَا يكترث أقدَّم الْعشَاء أم أَخّرهَا عِنْد عدم خَوفه من غَلَبَة النّوم عَن وَقت الْعشَاء، وَقد (كَانَ يرقد قبلهَا) أَي: قبل الْعشَاء. قَوْله: (قَالَ ابْن جريج) أَي: قَالَ عبد الْملك بن جريج بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قبله، وَهُوَ: مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، وَلَيْسَ هُوَ بتعليق، وَقد أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) بالإسنادين، وَأخرجه من طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ وَعنهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) . قَوْله: (فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ: الصَّلَاة)) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: زَاد: (رقد النِّسَاء وَالصبيان) ، كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة، و: الصَّلَاة، مَنْصُوبَة على الإغراء. قَوْله: (يقطر رَأسه مَاء) جملَة فعلية مضارعية وَقت حَالا بِدُونِ: الْوَاو، وَالْمعْنَى: يقطر مَاء رَأسه، لِأَن التَّمْيِيز فِي حكم الْفَاعِل. قَوْله: (وَاضِعا يَده على رَأسه) ، أَيْضا حَال. وَكَانَ قد اغْتسل قبل أَن يخرج. وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (على رَأْسِي) ، وَهَذَا وهم. قَوْله: (فاستثبت) . مقول ابْن جريج بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، والاستثبات: طلب التثبيت، وَهُوَ التَّأْكِيد فِي سُؤَاله. قَوْله: (عَطاء) مَنْصُوب بقوله: فاستثبت) وَهُوَ عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَقد تردد فِيهِ الْكرْمَانِي بَين عَطاء بن يسَار وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَالْحَامِل عَلَيْهِ كَون كل مِنْهُمَا يروي عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من زعم أَنه ابْن يسَار. قلت: أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي: وَلكنه مَا جزم بِأَنَّهُ ابْن يسَار، بل قَالَ: الظَّاهِر أَنه عَطاء بن يسَار، وَيحْتَمل عَطاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: (كَمَا أنبأه) أَي: مثل مَا أخبرهُ ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فبدد) أَي: فرق، التبديد: التَّفْرِيق. قَوْله: (على قرن الرَّأْس) ، الْقرن، بِسُكُون الرَّاء: جَانب الرَّأْس. قَوْله: (ثمَّ ضمهَا) أَي: ثمَّ ضم أَصَابِعه، وَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْمِيم. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وصبها) ، بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ عِيَاض، رَحمَه الله: هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ يصف عصر المَاء من الشّعْر بِالْيَدِ. قَوْله: (حَتَّى مست إبهامه طرف الْأذن) ، فإبهامه مَرْفُوع بالفاعلية، وطرف الْأذن مَنْصُوب على المفعولية. وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بإفراد الْإِبْهَام، وَفِي رِوَايَة غَيره إبهاميه بالتثنية وَالنّصب، ووجهها أَن يكون قَوْله: (إبهاميه) مَنْصُوبًا على المفعولية. و: (طرف الْأذن) مَرْفُوعا بالفاعلية، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن حجاج عَن ابْن جريج: (حَتَّى مست إبهاماه طرف الْأذن) . فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: كَيفَ أنث الْفِعْل الْمسند إِلَى الطّرف وَهُوَ مُذَكّر؟ قلت: لِأَن الْمُضَاف اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ لشدَّة الِاتِّصَال بَينهمَا، فأنث كَذَلِك. قَوْله: (لَا يقصر) ، بِالْقَافِ من التَّقْصِير، وَمَعْنَاهُ لَا يبطىء. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يعصر، بِالْعينِ. قَوْله: (وَلَا يبطش) أَي: لَا يستعجل. قَوْله: (لأمرتهم) أَي: انْتِفَاء الْأَمر لوُجُود الْمَشَقَّة. قَوْله: (وَهَكَذَا) أَي: فِي هَذَا الْوَقْت بَين ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى بقوله: (إِنَّه للْوَقْت) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة النّوم قبل الْعشَاء لمن يغلب عَلَيْهِ النّوم وَلمن تعرض لَهُ ضَرُورَة لَازِمَة. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة صَلَاة الْعشَاء. وَفِيه: تذكير الإِمَام والإعلام بِالصَّلَاةِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب حُضُور النِّسَاء وَالصبيان الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن النّوم من الْقَاعِد لَا ينْقض الْوضُوء إِذا كَانَ مَقْعَده مُمكنا، وَهَذَا هُوَ محمل الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَرين، وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر أحد من الروَاة أَنهم توضأوا من ذَلِك النّوم، وَلَا يدل لفظ: (ثمَّ استيقظوا) ، على النّوم الْمُسْتَغْرق الَّذِي يزِيل الْعقل، لِأَن الْعَرَب تَقول: اسْتَيْقَظَ من سنته وغفلته. وَفِيه: رد على الْمُزنِيّ حَيْثُ يَقُول: قَلِيل النّوم وَكَثِيره حدث ينْقض الْوضُوء. لِأَنَّهُ محَال أَن يذهب على أَصْحَابه أَن النّوم حدث فيصلون بِهِ.

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي النّوم، فمذهب الْبَعْض إِلَى أَن النّوم لَا ينْقض الْوضُوء على أَي حَالَة كَانَ، وَهَذَا محكي عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي مجلز وَحميد الْأَعْرَج وَشعْبَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ والمزني وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول غَرِيب للشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول. قَالَ: وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة. وَمذهب الْبَعْض أَن كَثِيره ينقص بِكُل حَال وقليله لَا ينْقض بِكُل حَال، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام على هَيْئَة من هيئات الْمُصَلِّين: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لَا ينْتَقض وضوؤه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لم يكن، وَإِن نَام مضطجعآ أَو مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ انْتقض، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَدَاوُد وَقَول غَرِيب للشَّافِعِيّ، وَمذهب الْبَعْض أَنه لَا ينْقض إِلَّا نوم الرَّاكِع والساجد، وَرُوِيَ هَذَا عَن أَحْمد أَيْضا. وَمذهب الْبَعْض: لَا ينْقض النّوم فِي الصَّلَاة بِكُل حَال، وينقض خَارج الصَّلَاة. وَهُوَ قَول ضَعِيف للشَّافِعِيّ. وَمذهب الْبَعْض أَنه إِذا نَام جَالِسا مُمكنا مقعدته من الأَرْض لم ينْتَقض، وإلَاّ انْتقض، سَوَاء قل أَو كثر، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.

٢٥ - (بابُ وقْتِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ الليْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَهَذِه التَّرْجَمَة تدل على أَن اخْتِيَاره فِي آخر وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَقد تكلمنا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي بَاب وَقت الْعَصْر فِيمَا مضى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهر التَّرْجَمَة مشْعر بِأَن مَذْهَب البُخَارِيّ: أَن وَقت الْعشَاء إِلَى النّصْف فَقَط، وَلِهَذَا لم يذكر حَدِيثا يدل على امتداد وقته إِلَى الصُّبْح. انْتهى. قلت: مُرَاده من هَذَا وَقت الِاخْتِيَار لَا وَقت الْجَوَاز، وَهُوَ صَرِيح بذلك قبل كَلَامه هَذَا بِأَن المُرَاد من التَّرْجَمَة الْوَقْت الْمُخْتَار من الْعشَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: فَإِن قلت: قد تقدم أَن الْوَقْت الْمُخْتَار إِلَى الثُّلُث كَمَا قَالَ فِي الْبَاب السَّابِق: (وَكَانُوا يصلونَ فِيمَا بَين أَن يغيب الشَّفق، إِلَى ثلث اللَّيْل) ؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذْ الثُّلُث دَاخل فِي النّصْف.

وقالَ أبُو بَرْزَةَ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَحِبُّ تأخِيرَهَا

هَذَا طرف من حَدِيث أبي بَرزَة الَّذِي تقدم فِي بَاب وَقت الْعَصْر، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِيه: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء الَّتِي تدعونها الْعَتَمَة) . فَإِن قلت: هَذَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ إِلَّا نصف اللَّيْل. قلت: لما وَردت أَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب بَعْضهَا مُقَيّد بِالثُّلثِ وَبَعضهَا بِالنِّصْفِ، كَانَ النّصْف غَايَة التَّأْخِير، فَدلَّ على التَّرْجَمَة دلَالَة لَا تَصْرِيحًا.

٥٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ الَّرحِيمِ المحَارِبي قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسٍ

قَالَ أخَّرَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاء إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ ونامُوا أمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي الْكُوفِي، ويكنى أَبَا زِيَاد، وَهُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله: (الْمحَاربي) ، بِضَم الْمِيم وإهمال الْحَاء وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ نِسْبَة إِلَى: محَارب ابْن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف، وَقد تقدم. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا إلَاّ هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قد صلى النَّاس) ، أَي: المعهودون من الْمُسلمين إِذْ ذَاك. قَوْله: ((أما إِنَّكُم) ، بتَخْفِيف الْمِيم حرف التَّنْبِيه. قَوْله: (مَا انتظرتموها) أَي: مُدَّة انتظاركم، وَالْمعْنَى: أَن الرجل إِذا انْتظر الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ فِي نفس الصَّلَاة.

وزَادَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا قَالَ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ

وَهَذَا تَعْلِيق نبه بِهِ على أَن حميد الطَّوِيل سمع أنسا، وَذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي اللبَاس بِلَفْظ: وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب عَن حميد ... فَذكره. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَوَصله الْبَغَوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم. . إِلَى آخِره، وَأول الحَدِيث: (سُئِلَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَل اتخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتمًا؟ قَالَ: نعم، أخر الْعشَاء) . فَذكره وَفِي آخِره: (فَكَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص خَاتمه ليلتئذ) . وَابْن أبي مَرْيَم: هُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ. قَوْله: (وبيص خَاتمه) ، الوبيص، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة: البريث واللمعان. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وخاتام وخيتام. قَوْله: (ليلتئذ) أَي: لَيْلَة إِذْ أخر الصَّلَاة، والتنوين عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ.

٢٦ - (بابُ فَضْلِ صَّلَاةِ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع فِي رِوَايَة غَيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم تظهر مُنَاسبَة لفظ الحَدِيث فِي هَذَا الْموضع، وَقد يُقَال: الْغَرَض مِنْهُ بَاب كَذَا: وَبَاب الحَدِيث الْوَارِد فِي فضل صَلَاة الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: وَلم يظْهر لي تَوْجِيه لهَذَا: اللَّفْظ، واستبعد تَوْجِيه الْكرْمَانِي، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن هَذَا وهم، وَيدل لذَلِك أَنه ترْجم لحَدِيث جرير إيضا بَاب صَلَاة الْعَصْر بِغَيْر زِيَادَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِيهِ بَاب فضل صَلَاة الْفجْر وَالْعصر، فتحرفت الْكَلِمَة الْأَخِيرَة. قلت: استبعاده كَلَام الْكرْمَانِي بعيد، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يُقَال: تَقْدِير كَلَامه: بَاب فِي بَيَان فضل الْفجْر، وَفِي بَيَان الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَهَذَا أوجه من إدعاء الْوَهم، وَلَا يلْزم من قَوْله: لفظ الحَدِيث فِي بَاب صَلَاة الْفجْر، أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة هَهُنَا وهما، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره بعيد، لِأَن تحرف الْعَصْر بِالْحَدِيثِ بعيد جدا.

فَإِن قلت: فَمَا وَجه خُصُوصِيَّة هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة دون سَائِر الْأَبْوَاب الَّذِي يذكر فِيهَا فَضَائِل الْأَعْمَال؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون وَجه ذَاك أَن صَلَاة الْفجْر إِنَّمَا هِيَ عقيب النّوم، وَالنَّوْم أَخُو الْمَوْت، أَلا ترى كَيفَ ورد أَن يُقَال عِنْد الاستيقاظ من النّوم: (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور) . فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يجْتَهد المستيقظ على أَدَاء صَلَاة الْفجْر شكرا لله على حَيَاته وإعادة روحه إِلَيْهِ، وَيعلم أَن لإقامتها فضلا عَظِيما لوُرُود الْأَحَادِيث فِيهِ، فنبه على ذَلِك بقوله: والْحَدِيث، وَخص هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الزِّيَادَة.

٥٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا قَيْسٌ قَالَ لي جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله كنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ نَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ أمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكم

كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤيَتِهِ فإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا فأفْعَلُوا ثمَّ قَالَ فسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ((على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير، وَهَهُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد عَن قيس ابْن أبي حَازِم، قَالَ: قَالَ لي جرير بن عبد الله، وَهُنَاكَ: قَالَ عَن جرير، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ متعلقات الحَدِيث كلهَا. قَوْله: (أوَ لَا تضاهون) من المضاهاة، وَهِي المشابهة. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وَلَا ترتابون فِيهِ.

٥٧٤ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثني أبُو جَمْرَةَ عنْ أبِي بَكْرٍ بن أبي مُوسَى عنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من صَلى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أحد البردين صَلَاة الْفجْر.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: ثَلَاثَة بصريون بالتوالي. وَفِيه: فِي أبي بكر اخْتلفُوا فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ بعض أهل الْعلم: هُوَ أَبُو بكر بن عمَارَة ابْن رؤيبة الثَّقَفِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَنهُ. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يروي عَن أبي مُوسَى إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَإِنَّمَا يعرف: عَن أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة عَن أَبِيه، وَلَكِن هَكَذَا قَالَ همام، يعنيان بذلك حَدِيث أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة الْمخْرج عِنْد مُسلم بِلَفْظ، قَالَ عمَارَة: (سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) . يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث السّري بن إِسْمَاعِيل عَن الشّعبِيّ عَن عمَارَة بن رؤيبة: (لن يدْخل النَّار من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، وَكَانَ يُبَادر بِصَلَاتِهِ قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (البردين) : تَثْنِيَة برد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، وَالْمرَاد بهما: صَلَاة الْفجْر وَالْعصر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ كثير من الْعلمَاء: البردان الْفجْر وَالْعصر، وسميا بذلك لِأَنَّهُمَا يفْعَلَانِ فِي وَقت الْبرد. وَقَالَ الْخطابِيّ: لِأَنَّهُمَا يصليان فِي بردي النَّهَار، وهما طرفاه حِين يطيب الْهَوَاء وَتذهب سُورَة الْحر. وَقَالَ السفاقسي عَن أبي عُبَيْدَة: المُرَاد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب، وَفِيه نظر لِأَن الْمَذْكُور تَثْنِيَة وَمَعَ هَذَا لم يتبعهُ على هَذَا أحد، وَزعم الْقَزاز أَنه اجْتهد فِي تَمْيِيز هذَيْن الْوَقْتَيْنِ لعظم فائدتهما، فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى أَدخل الْجنَّة كل من صلى تِلْكَ الصَّلَاة مِمَّن آمن بِهِ فِي أول دَعوته، وَبشر بِهَذَا الْخَبَر أَن من صلاهما مَعَه فِي أول فَرْضه إِلَى أَن نسخ لَيْلَة الْإِسْرَاء، أدخلهم الله الْجنَّة كَمَا بَادرُوا إِلَيْهِ من الْإِيمَان تفضلاً مِنْهُ تَعَالَى. انْتهى. قلت: كَلَامه يُؤَدِّي إِلَى أَن هَذَا مَخْصُوص ((لِأُنَاس مُعينين، وَلَا عُمُوم فِيهِ؛ وَأَنه مَنْسُوخ، وَلَيْسَ كَذَلِك من وُجُوه: الأول: أَن رَاوِيه أَبَا مُوسَى سَمعه فِي آواخر الْإِسْلَام، وَأَنه فهم الْعُمُوم، وَكَذَا غَيره فهم ذَلِك لِأَنَّهُ خير فضل لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولأمته. الثَّانِي: أَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. الثَّالِث: أَن كلمة: من، شَرْطِيَّة. وَقَوله: (دخل الْجنَّة) جَوَاب الشَّرْط، فَكل من أَتَى بِالشّرطِ فقد اسْتحق الْمَشْرُوط لعُمُوم كلمة الشَّرْط، وَلَا يُقَال: إِن مَفْهُومه يَقْتَضِي أَن من لم يصلها لم يدْخل الْجنَّة، لأَنا نقُول: الْمَفْهُوم لَيْسَ بِحجَّة وَأَيْضًا فَإِن قَوْله: (دخل الْجنَّة) خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن الْغَالِب أَن من صلاهما وراعاهما، انْتهى. عَمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لِأَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، أَو يكون آخر أمره دُخُول الْجنَّة. وَأما وَجه التَّخْصِيص بهما فَهُوَ لزِيَادَة شرفهما وترغيبا فِي حفظهما لشهود الْمَلَائِكَة فيهمَا، كَمَا تقدم، وَقد مضى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِيهِ

خَطِيئَة حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت الصَّلَاة تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ يحدث فِيهِ) . وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مستقصىً، وَذكرنَا أَيْضا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، والتوفيق بَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِعَادَة إلَاّ فِي بعض الْمَوَاضِع، كَمَا نذكرهُ الأن.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَقَوله: يَقُول: فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل النصب على الْحَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: (فِي جمَاعَة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (تضعف) أَي: تزداد، والتضعيف أَن يُزَاد على أصل الشَّيْء فَيجْعَل بمثلين أَو أَكثر، والضعف بِالْكَسْرِ الْمثل قَوْله: (خَمْسَة وَعشْرين ضعفا) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، ويروى (خمْسا وَعشْرين) ، ووجهها أَن يؤول الضعْف بالدرجة أَو بِالصَّلَاةِ، تَوْضِيحه أَن: ضعفا، مُمَيّز مُذَكّر فَتجب التَّاء فَقيل بالتأويل الْمَذْكُور، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِن وجوب التَّاء فِيمَا إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا، وَإِذا لم يكن مَذْكُورا يَسْتَوِي فِيهِ التَّاء وَعدمهَا، وَهَهُنَا مُمَيّز الْخمس غير مَذْكُور فَجَاز الْأَمْرَانِ فَإِن قلت: يَقْتَضِي قَوْله: (فِي بَيته وَفِي سوقه) أَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جمَاعَة تزيد على الصَّلَاة فِي الْبَيْت، وَفِي السُّوق، سَوَاء كَانَت جمَاعَة أَو فُرَادَى، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا خَارج مخرج الْغَالِب، لِأَن من لم يحضر الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي مُنْفَردا فِي بَيته أَو سوقه، وَأما الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيته جمَاعَة فَلهُ الْفضل فِيهَا على صلَاته مُنْفَردا بِلَا نزاع. قَوْله: (وَذَلِكَ) ، إِشَارَة إِلَى التَّضْعِيف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تضعف) : يَعْنِي: التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَببه أَنه إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (إلَاّ الصَّلَاة) أَي: قصد الصَّلَاة فِي جمَاعَة. قَوْله: (لم يخط) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الطَّاء. قَوْله: (خطْوَة) ، يجوز فِيهِ ضم الْخَاء وَفتحهَا، وَجزم الْيَعْمرِي بِأَنَّهَا هَهُنَا بِالْفَتْح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسلم بِالضَّمِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطوة، بِالضَّمِّ: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وبالفتح: الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (فَإِذا صلى) المُرَاد بِهِ: فَإِذا صلى الصَّلَاة التَّامَّة ليستحق هَذِه الْفَضَائِل. قَوْله: (مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. وَهَذَا خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَلَو قَامَ فِي بقْعَة أُخْرَى من الْمَسْجِد مستمرا على نِيَّة انْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك. قَوْله: (اللَّهُمَّ ارحمه) ، أَي: لم تزل الْمَلَائِكَة يصلونَ عَلَيْهِ حَال كَونهم قائلين: يَا الله إرحمه. وَزَاد ابْن مَاجَه: (اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من ذَلِك: الدّلَالَة على أَفضَلِيَّة الصَّلَاة على غَيرهَا من الْأَعْمَال، لِأَن فِيهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة على فاعلها ودعاءهم لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة. وَمِنْه: الدّلَالَة على تَفْضِيل صالحي النَّاس على الْمَلَائِكَة لأَنهم يكونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بعبادتهم، وَالْمَلَائِكَة يشتغلون بالاستغفار وَالدُّعَاء لَهُم. كَذَا قيل قلت: هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن خَواص بني آدم، وهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل من الْمَلَائِكَة، وعوامهم أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام بني آدم. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْجَمَاعَة لَيست شرطا لصِحَّة الصَّلَاة، لِأَن قَوْله على صلَاته وَحده، يدل على صِحَة صلَاته مُنْفَردا لاقْتِضَاء صِيغَة: أفعل التَّفْضِيل، الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفَاضُل، فَذَلِك يَقْتَضِي وجود الْفَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرد، لِأَن مَا لَا يَصح من الصَّلَاة لَا فَضِيلَة فِيهِ. وَفِيه: رد على دَاوُد وَمن تبعه فِي اشتراطهم الْجَمَاعَة فِي صِحَة الصَّلَاة.

٣١ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة وَذكر التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا مُطلقَة إِشَارَة إِلَى زِيَادَة خُصُوصِيَّة الْفجْر بالفضيلة.

٦٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الليْلِ

وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ فاقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا. .

قَالَ شُعَيْبٌ وحدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ تَفْضُلُهَا تَكْمِلَة الحَدِيث بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (انْظُر الحَدِيث ٦٤٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار) ، فَإِنَّهُ يدل على مزية لصَلَاة الْفجْر على غَيرهَا.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر لطائف أسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل) أَي: تزيد صَلَاة الْجَمِيع الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي: لَا، بِمَعْنى اللَّام. فَافْهَم. قَوْله: (بِخَمْسَة وَعشْرين جزأ) ، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ. وَقيل: وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ: (خمس وَعشْرين) ، بِدُونِ الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِدُون الْهَاء فِي آخِره، وَأول بِأَن لفظ: خمس، مجرور بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ: الْبَاء، كَمَا وَقع فِي نَظِيره فِي قَول الشَّاعِر:

(أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع)

وَتَقْدِيره: إِلَى كُلَيْب. وَأما حذف الْهَاء فعلى تَأْوِيل الْجُزْء بالدرجة. قلت: وَأما لِأَن الْمُمَيز غير مَذْكُور، وَهَهُنَا مُمَيّز: خمس، غير مَذْكُور. قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَهُوَ الْمُوجب لتفضيل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وَكَذَا فِي صَلَاة الْعَصْر أَيْضا،، فَلذَلِك حث الشَّارِع على الْمُحَافظَة عَلَيْهِمَا ليَكُون من حضرهما ترفع الْمَلَائِكَة عمله وَتشفع لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُمكن أَن يكون اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا هما الدرجتان الزائدتان على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جزأ فِي سَائِر الصَّلَوَات الَّتِي لَا تَجْتَمِع الْمَلَائِكَة فِيهَا. قَوْله: (قُرْآن الْفجْر) ، كِنَايَة عَن صَلَاة الْفجْر، لِأَن الصَّلَاة مستلزمة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (مشهودا) أَي: محضورا فِيهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الأول فتقديره: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وحَدثني نَافِع، أَي: بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعا نَحوه إلَاّ أَنه قَالَ: (بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) ، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة مَالك وَغَيره من نَافِع، وَطَرِيق شُعَيْب هَذِه مَوْصُولَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن تكون معلقَة وَهُوَ بعيد، بل هِيَ معطوفة على الاسناد الاول وَالتَّقْدِير حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب انْتهى (قلت) استبعاده قَول الْكرْمَانِي بعيد لِأَنَّهُ مَا حكم بِالْجَزْمِ بل بِالِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ بِحَسب الظَّاهِر، بل الْقَرِيب مَا ذكره ويقويه أَن طَرِيق شُعَيْب هَذِه لم تَرَ إلَاّ عِنْد البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل: لم يستخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم وَلَا أوردهَا الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين فِي تَرْجَمَة شُعَيْب.

٦٥٠ - حدَّثنا حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأَعْمشُ قَالَ سَمِعْتُ سالِما قَالَ سَمِعْتُ أم الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقلْتُ مَا أغْضَبَكَ فَقَالَ وَالله مَا أعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا إلَاّ أنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَعمال الَّذين يصلونَ بِالْجَمَاعَة قد وَقع فِيهَا النَّقْص والتغيير مَا خلا صلَاتهم بِالْجَمَاعَة، وَلم يَقع فِيهَا شَيْء من ذَلِك، فَدلَّ ذَلِك على أَن فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفجْر، وَالَّذِي يفهم من هَذَا الحَدِيث أَعم من ذَلِك، فَكيف يكون التطابق؟ قلت: إِذا طابق جُزْء من الحَدِيث التَّرْجَمَة يَكْفِي، وَمثل هَذَا وَقع لَهُ كثيرا فِي هَذَا الْكتاب.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء، الَّتِي اسْمهَا: هجيمة، وَهِي أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية، لَا الْكُبْرَى الَّتِي اسْمهَا: خيرة، وَهِي الصحابية. وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن الْكُبْرَى مَاتَت فِي حَيَاة أبي الدَّرْدَاء، وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بعده بِزَمَان طَوِيل، وَقد جزم أَبُو حَاتِم بِأَن سَالم بن أبي الْجَعْد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء، فعلى هَذَا لم يدْرك أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أم الدَّرْدَاء هِيَ: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان.

قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه: عُوَيْمِر بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: التَّابِعِيّ عَن التابعية. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة كوفيون.

وَهَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مغضب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا أعرف من أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (من مُحَمَّد) بِدُونِ لَفْظَة: أمة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال وَمن تبعه، فَقَالَ: يُرِيد من شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا لم يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إلَاّ الصَّلَاة فِي جمَاعَة، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (من أَمر مُحَمَّد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَكَذَا سَاقه الْحميدِي فِي (جمعه) ، وَكَذَا هُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) و (مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم) : من طرق عَن الْأَعْمَش، وَعِنْدهم بِلَفْظ: (مَا أعرف فيهم) ، أَي: فِي أهل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاء قيل: كَانَ لفظ: فيهم، لما حذف من رِوَايَة البُخَارِيّ صحف بعض النقلَة لفظ: أَمر، بِلَفْظَة: أمة، ليعود الضَّمِير فِي: أَنهم، على الْأمة. قلت: لَا مَحْذُور فِي كَون لَفْظَة: امة، بل الظَّاهِر هَذَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يصلونَ جَمِيعًا) ، أَي: مُجْتَمعين، وانتصابه على الْحَال، ومفعول: يصلونَ، مَحْذُوف تَقْدِيره، يصلونَ الصَّلَاة أَو الصَّلَوَات.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْغَضَب عِنْد تغير شَيْء من أُمُور الدّين، وَجَوَاز إِنْكَار الْمُنكر بِالْغَضَبِ إِذا لم يسْتَطع أَكثر من ذَلِك.

٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْظَمُ النَّاسِ أجْرا فِي الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ فأبْعَدُهُمْ مَمْشًى والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمَام أعْظَمُ أجْرا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى) ، بَيَان ذَلِك أَنه بَين فِيهِ أَن سَبَب أعظمية الْأجر فِي الصَّلَاة هُوَ: بعد الممشى، وَهُوَ الْمسَافَة، وَذَلِكَ لوُجُود الْمَشَقَّة فِيهِ. وَقد علم أَن أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فَكل صَلَاة تُوجد فِيهَا الْمَشَقَّة من حَيْثُ بعد الممشى فَهِيَ أعظم أجرا وَأفضل من الصَّلَاة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا ذَلِك، فينتج من ذَلِك أَن صَلَاة الْفجْر إِذا كَانَ فِيهَا بُعْد الممشى مَعَ كَونه عقيب النّوم الَّذِي فِيهِ رَاحَة للبدن، مَعَ مصادفة الظلمَة أَحْيَانًا تكون أعظم أجرا وَأفضل من غَيرهَا، فبهذه الْحَيْثِيَّة طابق هَذَا الحَدِيث التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: تشاركها الْعشَاء فِي ذَلِك مَعَ دلَالَة آخر الحَدِيث على ذَلِك؟ قلت: نعم تشاركها فِي وجود تِلْكَ الْمَشَقَّة، وَلَا تشاركها فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا تشاركها مُطلقًا فَلَا يضر ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ مُطَابقَة مَا بَين الحَدِيث والترجمة، وَهِي مَوْجُودَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر فِيهِ الْكِفَايَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا أَكْثَره بعض الشُّرَّاح من كَلَام فِيهِ مَا فِيهِ من حرارة فِي الْقلب من الْحَسَد.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فيي: بَاب من علم، لَكِن ذكر أَبُو أُسَامَة ثمَّة باسمه حَمَّاد، وَهَهُنَا بكنيته، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه: عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى واسْمه: عبد الله بن قيس.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجرا) نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أبعدهم) بِالرَّفْع خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي. قَوْله: (أعظم النَّاس) . قَوْله: (فأبعدهم) ، الْفَاء فِيهِ للاستمرار، كَمَا فِي قَوْلهم الأمثل فالأمثل، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يذكر أحد من النُّحَاة أَن الْفَاء تَجِيء بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار، وَلَكِن يُمكن أَن تكون الْفَاء هَهُنَا للتَّرْتِيب مَعَ تفَاوت من بعض الْوُجُوه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا: أَن تدل على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه:

(يَا لهف زيابة لِلْحَارِثِ الصابح ... فالغانم فالآيب)

أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب. وَالثَّانِي: تدل على ترتيبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه، نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل، واعمل الْأَحْسَن فالأجمل. وَالثَّالِث: أَن تدل على تَرْتِيب موصوفاتها فِي ذَلِك، نَحْو: رحم الله المحلقين

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56