الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7349
الحديث رقم 7349 من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٣٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، أي ألزم طاعتك وإجابةَ أمرك، فيقول: هل بلغت رسالتي إلى قومك؟ فيجيب نوح: نعم يا رب بلغتها، فيسأل أمته: هل بلغكم؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا نذير ولا بلغنا، فيقول الله عز وجل لنوح: من يشهد لك أنك بلغتهم؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته، قال عليه الصلاة والسلام: فتشهدون له أنه قد بلغ رسالة ربه، {ويكون الرسول عليكم شهيدًا} يزكيكم ويعلم بعدالتكم، فذلك معنى قوله جل ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، وقال عليه الصلاة والسلام: والوسط: العدل.
والاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة صحيح؛ لأن الله تعالى وصف الأمة بالعدالة والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَدَّاهَا وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى كُفْرِهِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْآيَةُ: مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَحَارَبَهُمْ وَامْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ وَرَدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَحَاصِلُ مَا رَجَّحَهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِمُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ بِطَرِيقِ الْإِنْصَافِ مِمَّنْ عَانَدَ مِنْهُمْ، فَمَفْهُومُ الْآيَةِ: جَوَازُ مُجَادَلَتِهِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَهِيَ الْمُجَادَلَةُ بِالسَّيْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
٧٣٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ: عَدْلًا؛ ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ) أَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ الْهُدَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِثْلَ الْجُعْلِ الْقَرِيبِ الَّذِي اخْتَصَصْنَاكُمْ فِيهِ بِالْهِدَايَةِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْآيَةِ الِامْتِنَانُ بِالْهِدَايَةِ وَالْعَدَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا أَمَرَ إِلَى آخِرِهِ فَمُطَابَقَتُهُ لِحَدِيثِ الْبَابِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ لَمَّا كَانَتْ تَعُمُّ الْجَمِيعَ لِظَاهِرِ الْخِطَابِ، أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَوْ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ لَيْسُوا عُدُولًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَوْ نُسِبَ إِلَى الْعِلْمِ فَهِيَ نِسْبَةٌ صُورِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالْجِهادُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجَمَاعَةُ؛ فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، وَفِي خُطْبَةِ عُمَرَ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَطَبَهَا بِالْجَابِيَةِ: عَلَيْكُمْ
بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ وَفِيهِ: وَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُ الْبَابِ الْحَضُّ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِالْجَمَاعَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَشَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ، وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِقَوْلِهِ: وَسَطًا وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ كُلِّ عَصْرٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مُتَابَعَةَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ الَّتِي تَرْجَمَ بِهَا احْتَجَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) (بابُ قَوْلِهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) خيارًا، وقيل للخيار: وسطٌ؛ لأنَّ الأطراف يتسارع (٢) إليها الخللُ، والأوساط محميَّةٌ، قال حبيبٌ:
كانت هي الوسط المحميَّ فاكتنفت … بها الحوادث حتَّى أصبحت طرفا
أو عدولًا؛ لأنَّ الوسط عدلٌ بين الأطراف فليس إلى بعضها أقرب من بعضٍ، أي: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا بين الغلوِّ والتَّقصير، فإنَّكم لم تغلوا غُلوَّ النَّصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهيَّة، ولم (٣) تُقَصِّروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزِّنى وعيسى بأنَّه ولد الزِّنى، وسقط لفظ «قوله تعالى» لأبي ذرٍّ (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ) أمَّته (بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون.
٧٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال» أي: قال أبو أسامة: قال (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يُجَاءُ بِنُوحٍ) ﵇ بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم، وفي «تفسير سورة
البقرة» [خ¦٤٤٨٧] «يُدعى نوحٌ» (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ) رسالتي (١) إلى قومك؟ (فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ) بلَّغتُها (فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ) بضمِّ الفوقيَّة من «فَتُسأل»: (هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ) ﵎ له، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فيقال»: (مَنْ شُهُودُكَ) الَّذين يشهدون لك أنَّك بلَّغتهم؟ (فَيَقُولُ) نوحٌ: يشهد لي (مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فقال رسول الله ﷺ: فيُجاء بكم» (فَتَشْهَدُونَ) أنَّه بلَّغهم (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ:) في تفسير ﴿وَسَطًا﴾ أي: (عَدْلًا (٢) ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «عدلًا إلى قوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾» واللَّام في ﴿لِّتَكُونُواْ﴾: لام «كي» فتفيد العِلِّيَّة، أو (٣) هي لام الصَّيرورة، وأتى بـ ﴿شُهَدَاء﴾ الَّذي هو جمع «شهيدٍ» ليدلَّ على المبالغة دون «شاهدِيْن» و «شُهودٍ» جمعَي (٤) «شاهد» وفي ﴿عَلَى﴾ قولان: إنَّها على بابها وهو الظَّاهر، أو بمعنى اللَّام، بمعنى: إنَّكم تنقلون إليهم ما علِمْتُموه من الوحي والدِّين كما نقله الرسول ﷺ (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) عطفٌ على ﴿لِّتَكُونُواْ﴾ أي: يُزَكِّيكم ويعلَمُ بعدالتكم، والشَّهادة قد تكون بلا مُشاهدةٍ، كالشَّهادة بالتَّسامع في الأشياء المعروفة، ولمَّا كان الشَّهيد كالرَّقيب جيء بكلمة الاستعلاء.
والاستدلال (٥) بالآية على أنَّ الإجماع حجَّةٌ؛ لأنَّ الله تعالى وصف هذه الأمَّة بالعدالة، والعدل: هو المُستحقُّ للشَّهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيءٍ وشهدوا به لزم قبوله، والحديث سبق في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٧] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٩].
قال إسحاق بن منصورٍ: (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وبعد الواو السَّاكنة نونٌ المخزوميِّ القرشيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وحاصله أنَّ إسحاق بن
منصورٍ شيخ البخاريِّ روى هذا الحديث عن أبي أسامة بلفظ التَّحديث، وعن جعفر بن عونٍ بالعنعنة.
(٢٠) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (إِذَا اجْتَهَدَ العَامِلُ) بتقديم الميم على اللَّام، أي: عامل الزّكاة ونحوه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «العالم» بتأخيرها، أي: المفتي (أَوِ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلَافَ) شرع (الرَّسُولِ) صلوات الله وسلامه عليه، أي: مخالفًا لحكم سُنَّته في أخذه (١) واجب الزَّكاة أو في قضائه، و «أو» للتَّنويع (مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ) أي: لم يتعمَّد المخالفة، وإنَّما خالف خطأً (فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ) لا يُعمَل به (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ) وصله مسلمٌ، وكذا سبق في «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٧] لكن بلفظٍ آخر، واستُشكِل قوله: «فأخطأ خلاف الرَّسول» لأنَّ ظاهره منافٍ للمراد؛ لأنَّ من أخطأ خلاف الرَّسول فلا يُذَمُّ، بخلاف من أخطأ وِفَاقَهُ؛ ولذا قال في «الكواكب»: وفي التَّرجمة نوع تَعَجرُفٍ، وأجاب في «الفتح» بأنَّ الكلام تمَّ عند قوله: «فأخطأ» وهو يتعلَّق (٢) بقوله: «اجتهد» وقوله: «خلاف الرَّسول» أي: فقال خلاف الرسول، وحذفُ «قال» في الكلام كثيرٌ، فأيُّ عجرفةٍ في هذا؟! قال: ووقع في «حاشية نسخة الدِّمياطيِّ» بخطِّه: الصَّواب في التَّرجمة «فأخطأ بخلاف الرسول» قال في «الفتح»: وليس دعوى حذف الباء برافعٍ للإشكال، بل إن سلك طريق التغيير فلعلَّ اللام متأخِّرةٌ، ويكون الأصل: «خالف» بدل «خلاف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ تقديره بقوله: «فقال خلاف الرَّسول» يكون عطفًا على «أخطأ» فيؤدي إلى نفي المقصود الذي ذكرناه الآن. انتهى. وسقط لغير أبي ذرٍّ «عليه» من قوله «عليه أمرنا».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَنحن أول الْأُمَم وهم آخر الْأُمَم؟ فَيَقُولُونَ: نشْهد أَن الله عز وَجل بعث إِلَيْنَا رَسُولا وَأنزل إِلَيْنَا كتابا فَكَانَ فِيمَا أنزل الله إِلَيْنَا خبركم.
وَمَا أمَرَ النبيُّ بِلُزُومِ الجَماعَةِ وهُمْ أهْلُ العِلْمِ
هَذَا عطف على مَا قبله، تَقْدِيره: وَفِيمَا أَمر النَّبِي، بِلُزُوم الْجَمَاعَة المُرَاد بِالْجَمَاعَة أهل الْحل وَالْعقد فِي كل عصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُقْتَضى الْأَمر بِلُزُوم الْجَمَاعَة أَنه يلْزم الْمُكَلف مُتَابعَة مَا اجْتمع عَلَيْهِ المجتهدون وهم المُرَاد بقوله: وَهل أهل الْعلم.
٧٣٤٩ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، حَدثنَا أبُو أُسامَةَ، حدّثنا الْأَعْمَش، حدَّثنا أبُو صالِحٍ، عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رسولُ الله يُجاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لهُ هلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْألُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جاءَنا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُك؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ. فَيُجاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رسولُ الله {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
انْظُر الحَدِيث ٣٣٣٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر نوح، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي التَّفْسِير عَن يُونُس بن رَاشد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: حَدثنَا، الْأَعْمَش ويروى: قَالَ الْأَعْمَش، حذف مِنْهُ: قَالَ، الثَّانِيَة. قَوْله: فَيَقُول مُحَمَّد ويروى: فَيُقَال.
وعنْ جَعْفَرِ بنِ عَوْنٍ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ بِهاذَا.
وجعفر بن عون بالنُّون بن جَعْفَر المَخْزُومِي الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله: أَبُو أُسَامَة، وَالْقَائِل هُوَ إِسْحَاق بن مَنْصُور، فروى هَذَا الحَدِيث عَن أبي أُسَامَة بِصِيغَة التحديث. وَعَن جَعْفَر بن عَوْف بالعنعنة. وَأَبُو نعيم جزم بِأَن رِوَايَة جَعْفَر بن عون معلقَة. وَأخرجه من طَرِيق أبي مَسْعُود الرَّازِيّ عَن أبي أُسَامَة وَحده، وَمن طَرِيق بنْدَار عَن جَعْفَر بن عون وَحده.
٢٠ - (بابٌ إذَا اجْتَهَدَ العامِلُ أوِ الحاكِمُ فأخْطأ خِلَافَ الرَّسولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أمْرُنا فَهْوَ رَدُّ) .)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا اجْتهد الْعَامِل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا اجْتهد الْعَالم. قَوْله: الْعَامِل قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عَامل الزَّكَاة. قلت: لفظ الْعَامِل أَعم من آخذ الزَّكَاة، وَقَالَ الْحَاكِم: أَي القَاضِي، وَهَذَا أَيْضا أَعم من القَاضِي. قَوْله: أَو الْحَاكِم كلمة: أَو، فِيهِ للتنويع. فَإِن قلت: قد مضى فِي كتاب الْأَحْكَام: بَاب إِذا قضى الْحَاكِم بجور وَخلاف أهل الْعلم فَهُوَ مَرْدُود، فَمَا فَائِدَة ذكر هَذِه التَّرْجَمَة هُنَا؟ قلت: تِلْكَ التَّرْجَمَة معقودة لمُخَالفَة الْإِجْمَاع، وَهَذِه التَّرْجَمَة معقودة لمُخَالفَة الرَّسُول قَوْله: فَأَخْطَأَ، أَي: فِي أَخذ وَاجِب الزَّكَاة، أَو فِي قَضَائِهِ. قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: هُوَ أَعم من ذَلِك. قَوْله: خلاف الرَّسُول، أَي: مُخَالفا للسّنة. قَوْله: من غير علم أَي: جَاهِلا. قَالَ الْكرْمَانِي: وَحَاصِله إِن حكم بِغَيْر السّنة ثمَّ تبين لَهُ أَن السّنة بِخِلَاف حكمه وَجب عَلَيْهِ الرُّجُوع مِنْهُ إِلَيْهَا وَهُوَ الِاعْتِصَام بِالسنةِ، ثمَّ قَالَ: وَفِي التَّرْجَمَة نوع تعجرف. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى قَوْله: فَأَخْطَأَ، لِأَن ظَاهره يُنَافِي الْمَقْصُود. لِأَن من أَخطَأ خلاف الرَّسُول لَا يذم بِخِلَاف من أَخطَأ وفاقه. وَقَالَ بَعضهم ردا عَلَيْهِ. وَتَمام الْكَلَام عِنْد قَوْله: فَأَخْطَأَ، وَيتَعَلَّق بقوله: اجْتهد. وَقَوله: خلاف الرَّسُول، أَي: فَقَالَ خلاف الرَّسُول، فَأَي عجرفة فِي هَذَا. انْتهى. قلت: فِيمَا قَالَه عجرفة أَكثر مِمَّا قَالَه الْكرْمَانِي لِأَن تَقْدِيره بقوله: فَقَالَ خلاف الرَّسُول، يكون عطفا على أَخطَأ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَدَّاهَا وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى كُفْرِهِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْآيَةُ: مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَحَارَبَهُمْ وَامْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ وَرَدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَحَاصِلُ مَا رَجَّحَهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِمُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ بِطَرِيقِ الْإِنْصَافِ مِمَّنْ عَانَدَ مِنْهُمْ، فَمَفْهُومُ الْآيَةِ: جَوَازُ مُجَادَلَتِهِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَهِيَ الْمُجَادَلَةُ بِالسَّيْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
٧٣٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ: عَدْلًا؛ ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ) أَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ الْهُدَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِثْلَ الْجُعْلِ الْقَرِيبِ الَّذِي اخْتَصَصْنَاكُمْ فِيهِ بِالْهِدَايَةِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْآيَةِ الِامْتِنَانُ بِالْهِدَايَةِ وَالْعَدَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا أَمَرَ إِلَى آخِرِهِ فَمُطَابَقَتُهُ لِحَدِيثِ الْبَابِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ لَمَّا كَانَتْ تَعُمُّ الْجَمِيعَ لِظَاهِرِ الْخِطَابِ، أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَوْ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ لَيْسُوا عُدُولًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَوْ نُسِبَ إِلَى الْعِلْمِ فَهِيَ نِسْبَةٌ صُورِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالْجِهادُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجَمَاعَةُ؛ فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، وَفِي خُطْبَةِ عُمَرَ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَطَبَهَا بِالْجَابِيَةِ: عَلَيْكُمْ
بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ وَفِيهِ: وَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُ الْبَابِ الْحَضُّ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِالْجَمَاعَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَشَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ، وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِقَوْلِهِ: وَسَطًا وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ كُلِّ عَصْرٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ مُتَابَعَةَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ الَّتِي تَرْجَمَ بِهَا احْتَجَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) (بابُ قَوْلِهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) خيارًا، وقيل للخيار: وسطٌ؛ لأنَّ الأطراف يتسارع (٢) إليها الخللُ، والأوساط محميَّةٌ، قال حبيبٌ:
كانت هي الوسط المحميَّ فاكتنفت … بها الحوادث حتَّى أصبحت طرفا
أو عدولًا؛ لأنَّ الوسط عدلٌ بين الأطراف فليس إلى بعضها أقرب من بعضٍ، أي: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا بين الغلوِّ والتَّقصير، فإنَّكم لم تغلوا غُلوَّ النَّصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهيَّة، ولم (٣) تُقَصِّروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزِّنى وعيسى بأنَّه ولد الزِّنى، وسقط لفظ «قوله تعالى» لأبي ذرٍّ (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ) أمَّته (بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون.
٧٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال» أي: قال أبو أسامة: قال (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يُجَاءُ بِنُوحٍ) ﵇ بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم، وفي «تفسير سورة
البقرة» [خ¦٤٤٨٧] «يُدعى نوحٌ» (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ) رسالتي (١) إلى قومك؟ (فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ) بلَّغتُها (فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ) بضمِّ الفوقيَّة من «فَتُسأل»: (هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ) ﵎ له، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فيقال»: (مَنْ شُهُودُكَ) الَّذين يشهدون لك أنَّك بلَّغتهم؟ (فَيَقُولُ) نوحٌ: يشهد لي (مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فقال رسول الله ﷺ: فيُجاء بكم» (فَتَشْهَدُونَ) أنَّه بلَّغهم (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ:) في تفسير ﴿وَسَطًا﴾ أي: (عَدْلًا (٢) ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «عدلًا إلى قوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾» واللَّام في ﴿لِّتَكُونُواْ﴾: لام «كي» فتفيد العِلِّيَّة، أو (٣) هي لام الصَّيرورة، وأتى بـ ﴿شُهَدَاء﴾ الَّذي هو جمع «شهيدٍ» ليدلَّ على المبالغة دون «شاهدِيْن» و «شُهودٍ» جمعَي (٤) «شاهد» وفي ﴿عَلَى﴾ قولان: إنَّها على بابها وهو الظَّاهر، أو بمعنى اللَّام، بمعنى: إنَّكم تنقلون إليهم ما علِمْتُموه من الوحي والدِّين كما نقله الرسول ﷺ (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) عطفٌ على ﴿لِّتَكُونُواْ﴾ أي: يُزَكِّيكم ويعلَمُ بعدالتكم، والشَّهادة قد تكون بلا مُشاهدةٍ، كالشَّهادة بالتَّسامع في الأشياء المعروفة، ولمَّا كان الشَّهيد كالرَّقيب جيء بكلمة الاستعلاء.
والاستدلال (٥) بالآية على أنَّ الإجماع حجَّةٌ؛ لأنَّ الله تعالى وصف هذه الأمَّة بالعدالة، والعدل: هو المُستحقُّ للشَّهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيءٍ وشهدوا به لزم قبوله، والحديث سبق في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٧] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٩].
قال إسحاق بن منصورٍ: (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وبعد الواو السَّاكنة نونٌ المخزوميِّ القرشيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وحاصله أنَّ إسحاق بن
منصورٍ شيخ البخاريِّ روى هذا الحديث عن أبي أسامة بلفظ التَّحديث، وعن جعفر بن عونٍ بالعنعنة.
(٢٠) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (إِذَا اجْتَهَدَ العَامِلُ) بتقديم الميم على اللَّام، أي: عامل الزّكاة ونحوه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «العالم» بتأخيرها، أي: المفتي (أَوِ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلَافَ) شرع (الرَّسُولِ) صلوات الله وسلامه عليه، أي: مخالفًا لحكم سُنَّته في أخذه (١) واجب الزَّكاة أو في قضائه، و «أو» للتَّنويع (مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ) أي: لم يتعمَّد المخالفة، وإنَّما خالف خطأً (فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ) لا يُعمَل به (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ) وصله مسلمٌ، وكذا سبق في «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٧] لكن بلفظٍ آخر، واستُشكِل قوله: «فأخطأ خلاف الرَّسول» لأنَّ ظاهره منافٍ للمراد؛ لأنَّ من أخطأ خلاف الرَّسول فلا يُذَمُّ، بخلاف من أخطأ وِفَاقَهُ؛ ولذا قال في «الكواكب»: وفي التَّرجمة نوع تَعَجرُفٍ، وأجاب في «الفتح» بأنَّ الكلام تمَّ عند قوله: «فأخطأ» وهو يتعلَّق (٢) بقوله: «اجتهد» وقوله: «خلاف الرَّسول» أي: فقال خلاف الرسول، وحذفُ «قال» في الكلام كثيرٌ، فأيُّ عجرفةٍ في هذا؟! قال: ووقع في «حاشية نسخة الدِّمياطيِّ» بخطِّه: الصَّواب في التَّرجمة «فأخطأ بخلاف الرسول» قال في «الفتح»: وليس دعوى حذف الباء برافعٍ للإشكال، بل إن سلك طريق التغيير فلعلَّ اللام متأخِّرةٌ، ويكون الأصل: «خالف» بدل «خلاف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ تقديره بقوله: «فقال خلاف الرَّسول» يكون عطفًا على «أخطأ» فيؤدي إلى نفي المقصود الذي ذكرناه الآن. انتهى. وسقط لغير أبي ذرٍّ «عليه» من قوله «عليه أمرنا».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَنحن أول الْأُمَم وهم آخر الْأُمَم؟ فَيَقُولُونَ: نشْهد أَن الله عز وَجل بعث إِلَيْنَا رَسُولا وَأنزل إِلَيْنَا كتابا فَكَانَ فِيمَا أنزل الله إِلَيْنَا خبركم.
وَمَا أمَرَ النبيُّ بِلُزُومِ الجَماعَةِ وهُمْ أهْلُ العِلْمِ
هَذَا عطف على مَا قبله، تَقْدِيره: وَفِيمَا أَمر النَّبِي، بِلُزُوم الْجَمَاعَة المُرَاد بِالْجَمَاعَة أهل الْحل وَالْعقد فِي كل عصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُقْتَضى الْأَمر بِلُزُوم الْجَمَاعَة أَنه يلْزم الْمُكَلف مُتَابعَة مَا اجْتمع عَلَيْهِ المجتهدون وهم المُرَاد بقوله: وَهل أهل الْعلم.
٧٣٤٩ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، حَدثنَا أبُو أُسامَةَ، حدّثنا الْأَعْمَش، حدَّثنا أبُو صالِحٍ، عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رسولُ الله يُجاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لهُ هلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْألُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جاءَنا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُك؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ. فَيُجاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأَ رسولُ الله {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
انْظُر الحَدِيث ٣٣٣٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر نوح، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي التَّفْسِير عَن يُونُس بن رَاشد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: حَدثنَا، الْأَعْمَش ويروى: قَالَ الْأَعْمَش، حذف مِنْهُ: قَالَ، الثَّانِيَة. قَوْله: فَيَقُول مُحَمَّد ويروى: فَيُقَال.
وعنْ جَعْفَرِ بنِ عَوْنٍ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ بِهاذَا.
وجعفر بن عون بالنُّون بن جَعْفَر المَخْزُومِي الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله: أَبُو أُسَامَة، وَالْقَائِل هُوَ إِسْحَاق بن مَنْصُور، فروى هَذَا الحَدِيث عَن أبي أُسَامَة بِصِيغَة التحديث. وَعَن جَعْفَر بن عَوْف بالعنعنة. وَأَبُو نعيم جزم بِأَن رِوَايَة جَعْفَر بن عون معلقَة. وَأخرجه من طَرِيق أبي مَسْعُود الرَّازِيّ عَن أبي أُسَامَة وَحده، وَمن طَرِيق بنْدَار عَن جَعْفَر بن عون وَحده.
٢٠ - (بابٌ إذَا اجْتَهَدَ العامِلُ أوِ الحاكِمُ فأخْطأ خِلَافَ الرَّسولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أمْرُنا فَهْوَ رَدُّ) .)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا اجْتهد الْعَامِل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا اجْتهد الْعَالم. قَوْله: الْعَامِل قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عَامل الزَّكَاة. قلت: لفظ الْعَامِل أَعم من آخذ الزَّكَاة، وَقَالَ الْحَاكِم: أَي القَاضِي، وَهَذَا أَيْضا أَعم من القَاضِي. قَوْله: أَو الْحَاكِم كلمة: أَو، فِيهِ للتنويع. فَإِن قلت: قد مضى فِي كتاب الْأَحْكَام: بَاب إِذا قضى الْحَاكِم بجور وَخلاف أهل الْعلم فَهُوَ مَرْدُود، فَمَا فَائِدَة ذكر هَذِه التَّرْجَمَة هُنَا؟ قلت: تِلْكَ التَّرْجَمَة معقودة لمُخَالفَة الْإِجْمَاع، وَهَذِه التَّرْجَمَة معقودة لمُخَالفَة الرَّسُول قَوْله: فَأَخْطَأَ، أَي: فِي أَخذ وَاجِب الزَّكَاة، أَو فِي قَضَائِهِ. قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: هُوَ أَعم من ذَلِك. قَوْله: خلاف الرَّسُول، أَي: مُخَالفا للسّنة. قَوْله: من غير علم أَي: جَاهِلا. قَالَ الْكرْمَانِي: وَحَاصِله إِن حكم بِغَيْر السّنة ثمَّ تبين لَهُ أَن السّنة بِخِلَاف حكمه وَجب عَلَيْهِ الرُّجُوع مِنْهُ إِلَيْهَا وَهُوَ الِاعْتِصَام بِالسنةِ، ثمَّ قَالَ: وَفِي التَّرْجَمَة نوع تعجرف. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى قَوْله: فَأَخْطَأَ، لِأَن ظَاهره يُنَافِي الْمَقْصُود. لِأَن من أَخطَأ خلاف الرَّسُول لَا يذم بِخِلَاف من أَخطَأ وفاقه. وَقَالَ بَعضهم ردا عَلَيْهِ. وَتَمام الْكَلَام عِنْد قَوْله: فَأَخْطَأَ، وَيتَعَلَّق بقوله: اجْتهد. وَقَوله: خلاف الرَّسُول، أَي: فَقَالَ خلاف الرَّسُول، فَأَي عجرفة فِي هَذَا. انْتهى. قلت: فِيمَا قَالَه عجرفة أَكثر مِمَّا قَالَه الْكرْمَانِي لِأَن تَقْدِيره بقوله: فَقَالَ خلاف الرَّسُول، يكون عطفا على أَخطَأ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56