الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7309
الحديث رقم 7309 من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما كان النبي يسأل مما لم ينزل عليه الوحي.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٠١⦘
وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.»
٧٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: مرضت يومًا فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم يزورني وأبو بكر معه، وهما ماشيان، فوجداني قد فقدت وعيي، فتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام ثم سكب الماء الذي توضأ به علي، فاستيقظت من ذلك الإغماء، فوجدت النبي عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله، ماذا أفعل في مالي؟ وكيف أقسمه؟ فلم يرد علي بشيء حتى نزلت آية الميراث.
زاد مسلم: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176]، وعنده في رواية: فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْطِيلِ السُّنَنِ، وَقَوَّى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِي وَاحْتَجَّ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ نَسْخٍ أَوْ مُعَارَضَةِ أَثَرِ غَيْرِهِ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ عَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعَنَ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا، وَقَدْ أَعَاذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتُرِيِّ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ قَالَ: مَا أَحْدَثَ أَحَدٌ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا إِلَّا سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ وَافَقَ السُّنَّةَ سَلِمَ، وَإِلَّا فَلَا.
٨ - بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الرُّوحِ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ.
٧٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) أَيْ كَانَ لَهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَأْتِيَهُ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ: لَا أَدْرِي دَلِيلًا فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُعَلَّقِ وَالْمَوْصُولِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشِّقِّ الثَّانِي، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِعَدَمِ جَوَابِهِ بِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا أَدْرِي حَزَازَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ ذَلِكَ.
كَذَا قَالَ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ شَدِيدٌ مِنْهُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى نَفْيِ الثُّبُوتِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ كَعَادَتِهِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مَا وَرَدَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ص مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، الْحَدِيثَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَجَابَ بِلَا أَعْلَمُ أَوْ لَا أَدْرِي وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ، قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سَلْ رَبَّكَ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ انْتِفَاضَةً الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِلْحَاكِمِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَهُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي أَوَائِلِ مُخْتَصَرِهِ لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي وَقَدْ أَوْرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ فِي الْأَمَالِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ.
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ الرَّأْيُ التَّفَكُّرُ، وَالْقِيَاسُ الْإِلْحَاقُ، وَقِيلَ الرَّأْيُ أَعَمُّ لِيَدْخُلَ فِيهِ الِاسْتِحْسَانُ وَنَحْوُهُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَخِيرَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ مُشْتَمِلِينَ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَكَابِرِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ وَتَفَرَّقَتْ أَهْوَاؤُهُمْ هَلَكُوا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ هُوَ الْعِلْمُ الْمَوْرُوثُ، وَمَا أَحْدَثَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ هُوَ الْمَذْمُومُ، وَكَانَ السَّلَفُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فَيَقُولُونَ لِلسُّنَّةِ عِلْمٌ وَلِمَا عَدَاهَا رَأْيٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ، وَعَنْهُ مَا جَاءَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ سُنَّةٌ لَمْ أَدْفَعْهُ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِيَكُنِ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ الْأَثَرَ وَخُذُوا مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكُمُ الْخَبَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّأْيَ إِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا لِلنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ عِلْمٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ أَنَّ الْجُهَّالَ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاءَ مُعْضِلَةٍ لَيْسَتْ لَهَا أُصُولٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ اطِّلَاعِ الْوَحْيِ وَإِلَّا فَقَدْ شَرَعَ ﷺ لِأُمَّتِهِ الْقِيَاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، حَيْثُ قَالَ - لِلَّتِي سَأَلَتْهُ: هَلْ تَحُجُّ عَنْ أُمِّهَا؟ -: فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ تَشْبِيهُ مَا لَا حُكْمَ فِيهِ بِمَا فِيهِ حُكْمٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ شَبَّهَ الْحُمُرَ بِالْخَيْلِ فَأَجَابَ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْحُمُرِ بِالْآيَةِ الْجَامِعَةِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. كَذَا قَالَ: وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ حُجَّةٌ فِي الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْمَنْصُوصِ، بَلْ فِيهِ إِذْنٌ فِي الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي قَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ إِلَى أَنْ قَالَ ; فَلَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. وَقَالَ: لَمَّا رَأَى شَبَهًا بِزَمْعَةَ، احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ آثَارًا تَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْقِيَاسِ، وَتَعَقَّبَهَا ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدِ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْكَلَامَ فِي أَشْيَاءَ وَأَجَابَ بِالرَّأْيِ فِي أَشْيَاءَ، وَقَدْ بَوَّبَ لِكُلِّ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِيهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ: بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، وَحَدِيثَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا فَهِمَهُ الْمُهَلَّبُ، وَالدَّاوِدِيُّ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ هَلْ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ. ثَالِثُهَا: فِيمَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَحْيِ مِنْ مَنَامٍ وَشِبْهِهِ. وَنَقَلَ أَنْ لَا نَصَّ لِمَالِكٍ فِيهِ. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَ أَنَّ حُجَّةَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا إِلَّا بِأَمْرٍ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِوَحْيٍ يُتْلَى عَلَى النَّاسِ، وَإِمَّا بِرِسَالَةٍ عَنِ اللَّهِ أَنِ افْعَلْ كَذَا.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الْآيَةَ، فَالْكِتَابُ مَا يُتْلَى وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ تِلَاوَةٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَيْ بِوَحْيِهِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ لَابِسٌ الْجُبَّةَ، فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَجَابَهُ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ أَنَّ عِنْدَهُ كِتَابًا فِي الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للمفعول أيضًا (١) (عَلَيْهِ الوَحْيُ) قرآنًا أو غيره (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) كما جاء في أحاديث -تأتي إن شاء الله تعالى- لكنَّها ليست على شرط المؤلِّف (أَوْ لَمْ يُجِبْ) عن ذلك (حَتَّى يُنْزَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) -بالرَّفع- ببيان (٢) ذلك، فيُجب حينئذٍ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حتَّى يُنزِل الله عليه الوحيَ» بالنَّصب على المفعوليَّة (وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ) من عطف المرادف، وقيل: الرَّأيُ التَّفكر، أي: لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس، وقيل: الرَّأيُ أعمُّ؛ لشموله مثل الاستحسان (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما علَّمك الله.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥] وقوله: «الآية» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ.
٧٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُنْكَدِرِ) محمَّدًا (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ) في بني سلمة (وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ) أي: غُشي (عَلَيَّ) والواو للحال (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ) بفتح الواو، أي: ماء وَضوئه (٣) (عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ) من الإغماء (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ- كَيْفَ أَقْضِي (٤) فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ) جابرٌ: (فَمَا أَجَابَنِي) ﷺ
(بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ) وفي «النِّساء» [خ¦٤٥٧٧] «فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]» وسبق هناك أنَّ الدِّمياطيَّ قال: إنَّه وهمٌ، وأنَّ الذي في جابرٍ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] كما رواه مسلمٌ، وفيه زيادة بحثٍ فاطلبه ثَمَّ [خ¦٤٥٧٧]، وليس في الحديث المعلَّق ولا الموصول دليلٌ؛ لقول المصنِّف في التَّرجمة: لا أدري، وقال في «الكواكب»: في قوله: «لا أدري» حزازةٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ عليه، ولم يثبت عنه ﷺ ذلك، قال في «فتح الباري»: وهو تساهلٌ شديدٌ منه (١) في الإقدام على نفي الثُّبوت، والظَّاهر أنَّه أشار في التَّرجمة إلى ما ورد في ذلك ممَّا لم يثبُت عنده منه شيءٌ على شرطه وإن كان يصلح للحُجَّة، على عادته في أمثال ذلك، وفي حديث ابن عمر عند ابن حِبَّان: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أيُّ البقاع خيرٌ؟ قال: «لا أدري» فأتاه جبريل فسأله، فقال: لا أدري، فقال: سَلْ ربَّك فانتفض جبريل انتفاضةً … الحديث، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الدَّارقطنيِّ والحاكم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري الحدود كفارةٌ لأهلها أم لا؟» وعن المهلَّب: إنَّما سكت النَّبيُّ ﷺ في أشياء مُعضلةٍ ليس لها أصلٌ في الشَّريعة، فلا بدَّ فيها من الاطِّلاع على الوحي، وإلَّا فقد شرَّع ﷺ لأمَّته القياس، وأعلمهم كيفيَّة الاستنباط في مسائل لها أصولٌ ومعانٍ؛ ليريهم كيف يصنعون فيما لا نصَّ فيه، والقياس: هو تشبيه ما لا حُكم فيه بما فيه حكمٌ في المعنى، وقد شبَّه ﷺ الحُمُرَ بالخيل، فقال: «ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا غير هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» [خ¦٢٣٧١] وقال للمرأة التي أخبرته أنَّ أباها لم يحجَّ: «أرأيتِ لو كان على أبيك دينٌ، أكنت قاضيته؟ فالله أحقُّ بالقضاء» فهذا هو عين القياس، وتعقَّبه السَّفاقسيُّ: بأنَّ البخاريَّ لم يُرِد النَّفي المطلق، وإنَّما أراد أنَّه ﷺ ترك الكلام في أشياء، وأجاب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأُمُور، وَأَرَادُوا الْقِتَال بِسَبَبِهِ وَأَن لَا يردوا أَبَا جندل وَلَا يرضون بِالصُّلْحِ. قَوْله: وَمَا وَضعنَا سُيُوفنَا على عواتقنا جمع عاتق. قَوْله: إِلَى أَمر يفظعنا بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: يخوفنا ويهولنا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يوقعنا فِي أَمر فظيع أَي: شَدِيد شنيع وَقد فظع يفظع فَهُوَ مفظع، وفظع الْأَمر فَهُوَ فظيع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم، وأفظعت الشَّيْء واستفظعته وجدته فظيعاً. قَوْله: أَلا أسهلن بِنَا أَي: أفضين بِنَا إِلَى سهولة يَعْنِي السيوف أفضين بِنَا إِلَى أَمر سهل نعرفه خَبرا غير هَذَا الْأَمر أَي: الَّذِي نَحن فِيهِ من هَذِه الْمُقَاتلَة فِي صفّين، فَإِنَّهُ لَا يسهل بِنَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بهَا وَقَالَ بَعضهم إلَاّ أسهلن أَي: أنزلتنا فِي السهل من الأَرْض أَي: أفضين بِنَا وَهُوَ كِنَايَة عَن التَّحَوُّل من الشدَّة إِلَى الْفرج. قلت: هَذَا معنى بعيد على مَا لَا يخفى على المتأمل.
قَوْله: قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِل أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قَالَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور: شهِدت صفّين وبئست صفون أَي: بئست الْمُقَاتلَة الَّتِي وَقعت فِيهَا. وإعراب هَذَا اللَّفْظ كإعراب الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الَاْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وَالْمَشْهُور أَن يعرب بالنُّون وَيكون بِالْيَاءِ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذِه صفّين بِرَفْع النُّون وَرَأَيْت صفّين ومررت بصفين بِفَتْح النُّون فيهمَا، وَكَذَلِكَ تَقول فِي قنسرين وفلسطين ونبرين، وَالْحَاصِل أَن فِيهَا لغتين: إِحْدَاهمَا: إِجْرَاء الْإِعْرَاب على مَا قبل النُّون وَتركهَا مَفْتُوحَة كجمع السَّلامَة. وَالثَّانيَِة: أَن يَجْعَل النُّون حرف الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: شهِدت صفّين وبئست صفّين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وبئست الصفون، بِالْألف وَاللَّام وَهُوَ لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث، وَالْمَشْهُور كسر الصَّاد وَقيل: جَاءَ بِفَتْحِهَا أَيْضا.
٨ - (بابُ مَا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ: (لَا أدْرِي) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأيٍ وَلَا بِقِياسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، الخ. قَوْله: يسْأَل على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: لَا أَدْرِي قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ حزازة حَيْثُ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ وَلم يثبت عَنهُ، ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تساهل شَدِيد مِنْهُ لِأَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا ورد فِي ذَلِك وَلكنه لم يثبت عِنْده مِنْهُ شَيْء على شَرطه، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا فَلْيقل بِهِ، وَمن لم يعلم فَلْيقل: الله أعلم وَذكر حَدِيث ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: أَي الْبِقَاع خير؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سل رَبك، فانتفض جِبْرِيل انتفاضة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، قَالَ: مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا. انْتهى.
قلَّة نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى التساهل الشَّديد تساهل أَشد مِنْهُ لِأَن قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، صَحِيح. وَقَوله: وَلم يثبت عَنهُ ذَلِك، أَيْضا صَحِيح لِأَن مُرَاده أَنه لم يثبت عِنْده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل البُخَارِيّ: لَا أَدْرِي، غير وَاقع فِي مَحَله. قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لَا فرق بَينهمَا وهما مُتَرَادِفَانِ، وَقيل: الرَّأْي هُوَ التفكر، أَي: لم يقل بِمُقْتَضى الْعقل وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَقيل: الرَّأْي أَعم لتنَاوله مثل الِاسْتِحْسَان، وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله الرَّد على البُخَارِيّ فِي قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس لِأَن النَّبِي، قد علم أمته كَيْفيَّة الْقيَاس والاستنباط فِي مسَائِل لَهَا أصُول وَمَعَان فِي كتاب الله عز وَجل لِيُرِيَهُمْ كَيفَ يصنعون فِيمَا عدموا فِيهِ النُّصُوص، وَالْقِيَاس هُوَ تَشْبِيه مَا لَا حكم فِيهِ بِمَا فِيهِ حكم فِي الْمَعْنى، وَقد شبه، الْحمر بِالْخَيْلِ فَقَالَ: مَا أنزل الله عليّ فيهمَا بِشَيْء غير هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} وَقَالَ للَّتِي أخْبرته: إِن أَبَاهَا لم يحجّ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيته؟ فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ. وَهَذَا هُوَ عين الْقيَاس عِنْد الْعَرَب، وَعند الْعلمَاء بمعاني الْكَلَام، وَأما سُكُوته، حَتَّى نزل الْوَحْي فَإِنَّمَا سكت فِي أَشْيَاء معضلة لَيست لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِيهَا من اطلَاع الْوَحْي، وَنحن الْآن قد فرغت لنا الشَّرَائِع وأكمل الله الدّين فَإِنَّمَا نَنْظُر ونقيس موضوعاتها فِيمَا أعضل من النَّوَازِل. قَوْله: لقَوْله: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: لقَوْل الله تَعَالَى، ويروى: هَكَذَا لقَوْل الله، وَهُوَ رِوَايَة
الْمُسْتَمْلِي، وَاحْتج البُخَارِيّ بقوله تَعَالَى: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: بِمَا أعلمك الله. وَأجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ إِذا حكم بَين النَّاس الْقيَاس فقد حكم أَيْضا بِمَا أرَاهُ الله، وَنقل ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ بِمَا حَاصله: إِن الَّذِي احْتج بِهِ البُخَارِيّ بِمَا ادَّعَاهُ من النَّفْي حجَّة فِي الْإِثْبَات، لِأَن المُرَاد بقوله: لَيْسَ محصوراً فِي النُّصُوص بل فِيهِ إِذن بالْقَوْل فِي الرَّأْي. قلت: فحينئذٍ تنْقَلب الْحجَّة عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النبيُّ عنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حتَّى نَزَلَتْ.
ذكر هَذَا التَّعْلِيق عَن عبد الله بن مَسْعُود دَلِيلا لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: وَلم يجب، لِأَن عدم الْإِجَابَة السُّكُوت وَلَا ينتهض هَذَا دَلِيلا لما ادَّعَاهُ لأَنا قد ذكرنَا أَن سُكُوته فِي مثل هَذَا الْموضع لكَونه فِي أَشْيَاء معضلة وَلَيْسَ لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِي مثل هَذَا من الْوَحْي، وَمَعَ هَذَا مَا أطلعه الله فِي هَذِه الْآيَة، وَهِي: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} الْآيَة على حَقِيقَة كَيْفيَّة الرّوح، بل قَالَ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مَوْصُولا فِي آخر: بَاب مَا يكره من كَثْرَة السُّؤَال، لكنه ذكر فِيهِ: فَقَامَ سَاعَة ينْتَظر، وَأوردهُ فِي كتاب الْعلم بِلَفْظ: فَسكت، وَأوردهُ فِي تَفْسِير سُبْحَانَ، بِلَفْظ: فَأمْسك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فأسكت النَّبِي، فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا.
٧٣٠٩ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ المُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رسولُ الله يَعُودُني وأبُو بَكْرٍ وهُما ماشِيان، فَأَتَانِي وقعدْ أُغْمَيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رسولُ الله ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فأفَقْتُ فَقُلتُ يَا رسولَ الله ورُبَّما قَالَ سُفْيانُ: فَقُلْتُ: أيْ رسولَ الله كَيْفَ أقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَما أجابَنْي بِشَيْءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة على زَعمه تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث مضى فِي سُورَة النِّسَاء فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُم الله} وَلَفظه فِي آخر الحَدِيث فَنزلت {يُوصِيكُم الله}
قَوْله: وَقد أغمى عَليّ أَي: غشي، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: وضوءه بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَالَ الدَّاودِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث الْوضُوء للْمَرِيض شِفَاء. قَوْله: وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي.
قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ: جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، ورد عَلَيْهِ بِأَن هَذَا لَا يتَضَمَّن حكما، وَلَيْسَ من قَول رَسُول الله،
٩ - (بابُ تَعْلِيمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ مِمَّا عَلَّمَهُ الله لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم رَسُول الله، أمته إِلَى آخِره، قَالَ الْمُهلب: مُرَاده أَن الْعَالم إِذا كَانَ يُمكنهُ أَن يحدث بالنصوص لَا يحدث بنظره وَلَا قِيَاسه. انْتهى. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح ترْجم فِي كتاب الْعلم: بَاب هَل يَجْعَل للنِّسَاء يَوْمًا على حِدة فِي الْعلم، ثمَّ نقل كَلَام الْمُهلب، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا معنى التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ، حَدثهمْ حَدِيثا عَن الله لَا يبلغهُ قِيَاس وَلَا نظر، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيف ووحي، وَكَذَلِكَ مَا حَدثهمْ بِهِ من سنَنه فَهُوَ عَن الله تَعَالَى أَيْضا لقَوْله: هُهِهّهْ ٠ النَّجْم: ٣ ف قَوْله: لَيْسَ بِرَأْي قد مر تَفْسِير الرَّأْي. قَوْله: وَلَا تَمْثِيل أَي: قِيَاس وَهُوَ إِثْبَات مثل حكم مَعْلُوم فِي مَعْلُوم آخر لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الحكم، وَهَذَا يدل على أَنه من نفاة الْقيَاس، وَقد قُلْنَا فِيمَا مضى: إِن الْقيَاس اعْتِبَار وَالِاعْتِبَار مَأْمُور بِهِ لقَوْله تَعَالَى: ٠ الْحَشْر: ٢ ف فَالْقِيَاس مَأْمُور بِهِ.
٧٣١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الأصْبَهانيِّ، عنْ أبي صالِحٍ ذَكْوَانَ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْطِيلِ السُّنَنِ، وَقَوَّى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِي وَاحْتَجَّ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ نَسْخٍ أَوْ مُعَارَضَةِ أَثَرِ غَيْرِهِ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ عَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعَنَ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا، وَقَدْ أَعَاذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتُرِيِّ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ قَالَ: مَا أَحْدَثَ أَحَدٌ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا إِلَّا سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ وَافَقَ السُّنَّةَ سَلِمَ، وَإِلَّا فَلَا.
٨ - بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الرُّوحِ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ.
٧٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) أَيْ كَانَ لَهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَأْتِيَهُ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ: لَا أَدْرِي دَلِيلًا فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُعَلَّقِ وَالْمَوْصُولِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشِّقِّ الثَّانِي، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِعَدَمِ جَوَابِهِ بِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا أَدْرِي حَزَازَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ ذَلِكَ.
كَذَا قَالَ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ شَدِيدٌ مِنْهُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى نَفْيِ الثُّبُوتِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ كَعَادَتِهِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مَا وَرَدَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ص مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، الْحَدِيثَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَجَابَ بِلَا أَعْلَمُ أَوْ لَا أَدْرِي وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ، قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سَلْ رَبَّكَ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ انْتِفَاضَةً الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِلْحَاكِمِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَهُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي أَوَائِلِ مُخْتَصَرِهِ لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي وَقَدْ أَوْرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ فِي الْأَمَالِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ.
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ الرَّأْيُ التَّفَكُّرُ، وَالْقِيَاسُ الْإِلْحَاقُ، وَقِيلَ الرَّأْيُ أَعَمُّ لِيَدْخُلَ فِيهِ الِاسْتِحْسَانُ وَنَحْوُهُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَخِيرَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ مُشْتَمِلِينَ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَكَابِرِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ وَتَفَرَّقَتْ أَهْوَاؤُهُمْ هَلَكُوا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ هُوَ الْعِلْمُ الْمَوْرُوثُ، وَمَا أَحْدَثَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ هُوَ الْمَذْمُومُ، وَكَانَ السَّلَفُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فَيَقُولُونَ لِلسُّنَّةِ عِلْمٌ وَلِمَا عَدَاهَا رَأْيٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ، وَعَنْهُ مَا جَاءَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ سُنَّةٌ لَمْ أَدْفَعْهُ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِيَكُنِ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ الْأَثَرَ وَخُذُوا مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكُمُ الْخَبَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّأْيَ إِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا لِلنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ عِلْمٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ أَنَّ الْجُهَّالَ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاءَ مُعْضِلَةٍ لَيْسَتْ لَهَا أُصُولٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ اطِّلَاعِ الْوَحْيِ وَإِلَّا فَقَدْ شَرَعَ ﷺ لِأُمَّتِهِ الْقِيَاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، حَيْثُ قَالَ - لِلَّتِي سَأَلَتْهُ: هَلْ تَحُجُّ عَنْ أُمِّهَا؟ -: فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ تَشْبِيهُ مَا لَا حُكْمَ فِيهِ بِمَا فِيهِ حُكْمٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ شَبَّهَ الْحُمُرَ بِالْخَيْلِ فَأَجَابَ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْحُمُرِ بِالْآيَةِ الْجَامِعَةِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. كَذَا قَالَ: وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ حُجَّةٌ فِي الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْمَنْصُوصِ، بَلْ فِيهِ إِذْنٌ فِي الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي قَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ إِلَى أَنْ قَالَ ; فَلَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. وَقَالَ: لَمَّا رَأَى شَبَهًا بِزَمْعَةَ، احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ آثَارًا تَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْقِيَاسِ، وَتَعَقَّبَهَا ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدِ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْكَلَامَ فِي أَشْيَاءَ وَأَجَابَ بِالرَّأْيِ فِي أَشْيَاءَ، وَقَدْ بَوَّبَ لِكُلِّ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِيهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ: بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، وَحَدِيثَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا فَهِمَهُ الْمُهَلَّبُ، وَالدَّاوِدِيُّ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ هَلْ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ. ثَالِثُهَا: فِيمَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَحْيِ مِنْ مَنَامٍ وَشِبْهِهِ. وَنَقَلَ أَنْ لَا نَصَّ لِمَالِكٍ فِيهِ. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَ أَنَّ حُجَّةَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا إِلَّا بِأَمْرٍ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِوَحْيٍ يُتْلَى عَلَى النَّاسِ، وَإِمَّا بِرِسَالَةٍ عَنِ اللَّهِ أَنِ افْعَلْ كَذَا.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الْآيَةَ، فَالْكِتَابُ مَا يُتْلَى وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ تِلَاوَةٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَيْ بِوَحْيِهِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ لَابِسٌ الْجُبَّةَ، فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَجَابَهُ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ أَنَّ عِنْدَهُ كِتَابًا فِي الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للمفعول أيضًا (١) (عَلَيْهِ الوَحْيُ) قرآنًا أو غيره (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) كما جاء في أحاديث -تأتي إن شاء الله تعالى- لكنَّها ليست على شرط المؤلِّف (أَوْ لَمْ يُجِبْ) عن ذلك (حَتَّى يُنْزَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) -بالرَّفع- ببيان (٢) ذلك، فيُجب حينئذٍ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حتَّى يُنزِل الله عليه الوحيَ» بالنَّصب على المفعوليَّة (وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ) من عطف المرادف، وقيل: الرَّأيُ التَّفكر، أي: لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس، وقيل: الرَّأيُ أعمُّ؛ لشموله مثل الاستحسان (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما علَّمك الله.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥] وقوله: «الآية» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ.
٧٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُنْكَدِرِ) محمَّدًا (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ) في بني سلمة (وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ) أي: غُشي (عَلَيَّ) والواو للحال (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ) بفتح الواو، أي: ماء وَضوئه (٣) (عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ) من الإغماء (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ- كَيْفَ أَقْضِي (٤) فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ) جابرٌ: (فَمَا أَجَابَنِي) ﷺ
(بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ) وفي «النِّساء» [خ¦٤٥٧٧] «فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]» وسبق هناك أنَّ الدِّمياطيَّ قال: إنَّه وهمٌ، وأنَّ الذي في جابرٍ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] كما رواه مسلمٌ، وفيه زيادة بحثٍ فاطلبه ثَمَّ [خ¦٤٥٧٧]، وليس في الحديث المعلَّق ولا الموصول دليلٌ؛ لقول المصنِّف في التَّرجمة: لا أدري، وقال في «الكواكب»: في قوله: «لا أدري» حزازةٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ عليه، ولم يثبت عنه ﷺ ذلك، قال في «فتح الباري»: وهو تساهلٌ شديدٌ منه (١) في الإقدام على نفي الثُّبوت، والظَّاهر أنَّه أشار في التَّرجمة إلى ما ورد في ذلك ممَّا لم يثبُت عنده منه شيءٌ على شرطه وإن كان يصلح للحُجَّة، على عادته في أمثال ذلك، وفي حديث ابن عمر عند ابن حِبَّان: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أيُّ البقاع خيرٌ؟ قال: «لا أدري» فأتاه جبريل فسأله، فقال: لا أدري، فقال: سَلْ ربَّك فانتفض جبريل انتفاضةً … الحديث، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الدَّارقطنيِّ والحاكم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري الحدود كفارةٌ لأهلها أم لا؟» وعن المهلَّب: إنَّما سكت النَّبيُّ ﷺ في أشياء مُعضلةٍ ليس لها أصلٌ في الشَّريعة، فلا بدَّ فيها من الاطِّلاع على الوحي، وإلَّا فقد شرَّع ﷺ لأمَّته القياس، وأعلمهم كيفيَّة الاستنباط في مسائل لها أصولٌ ومعانٍ؛ ليريهم كيف يصنعون فيما لا نصَّ فيه، والقياس: هو تشبيه ما لا حُكم فيه بما فيه حكمٌ في المعنى، وقد شبَّه ﷺ الحُمُرَ بالخيل، فقال: «ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا غير هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» [خ¦٢٣٧١] وقال للمرأة التي أخبرته أنَّ أباها لم يحجَّ: «أرأيتِ لو كان على أبيك دينٌ، أكنت قاضيته؟ فالله أحقُّ بالقضاء» فهذا هو عين القياس، وتعقَّبه السَّفاقسيُّ: بأنَّ البخاريَّ لم يُرِد النَّفي المطلق، وإنَّما أراد أنَّه ﷺ ترك الكلام في أشياء، وأجاب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأُمُور، وَأَرَادُوا الْقِتَال بِسَبَبِهِ وَأَن لَا يردوا أَبَا جندل وَلَا يرضون بِالصُّلْحِ. قَوْله: وَمَا وَضعنَا سُيُوفنَا على عواتقنا جمع عاتق. قَوْله: إِلَى أَمر يفظعنا بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: يخوفنا ويهولنا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يوقعنا فِي أَمر فظيع أَي: شَدِيد شنيع وَقد فظع يفظع فَهُوَ مفظع، وفظع الْأَمر فَهُوَ فظيع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم، وأفظعت الشَّيْء واستفظعته وجدته فظيعاً. قَوْله: أَلا أسهلن بِنَا أَي: أفضين بِنَا إِلَى سهولة يَعْنِي السيوف أفضين بِنَا إِلَى أَمر سهل نعرفه خَبرا غير هَذَا الْأَمر أَي: الَّذِي نَحن فِيهِ من هَذِه الْمُقَاتلَة فِي صفّين، فَإِنَّهُ لَا يسهل بِنَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بهَا وَقَالَ بَعضهم إلَاّ أسهلن أَي: أنزلتنا فِي السهل من الأَرْض أَي: أفضين بِنَا وَهُوَ كِنَايَة عَن التَّحَوُّل من الشدَّة إِلَى الْفرج. قلت: هَذَا معنى بعيد على مَا لَا يخفى على المتأمل.
قَوْله: قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِل أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قَالَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور: شهِدت صفّين وبئست صفون أَي: بئست الْمُقَاتلَة الَّتِي وَقعت فِيهَا. وإعراب هَذَا اللَّفْظ كإعراب الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الَاْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وَالْمَشْهُور أَن يعرب بالنُّون وَيكون بِالْيَاءِ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذِه صفّين بِرَفْع النُّون وَرَأَيْت صفّين ومررت بصفين بِفَتْح النُّون فيهمَا، وَكَذَلِكَ تَقول فِي قنسرين وفلسطين ونبرين، وَالْحَاصِل أَن فِيهَا لغتين: إِحْدَاهمَا: إِجْرَاء الْإِعْرَاب على مَا قبل النُّون وَتركهَا مَفْتُوحَة كجمع السَّلامَة. وَالثَّانيَِة: أَن يَجْعَل النُّون حرف الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: شهِدت صفّين وبئست صفّين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وبئست الصفون، بِالْألف وَاللَّام وَهُوَ لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث، وَالْمَشْهُور كسر الصَّاد وَقيل: جَاءَ بِفَتْحِهَا أَيْضا.
٨ - (بابُ مَا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ: (لَا أدْرِي) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأيٍ وَلَا بِقِياسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، الخ. قَوْله: يسْأَل على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: لَا أَدْرِي قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ حزازة حَيْثُ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ وَلم يثبت عَنهُ، ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تساهل شَدِيد مِنْهُ لِأَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا ورد فِي ذَلِك وَلكنه لم يثبت عِنْده مِنْهُ شَيْء على شَرطه، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا فَلْيقل بِهِ، وَمن لم يعلم فَلْيقل: الله أعلم وَذكر حَدِيث ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: أَي الْبِقَاع خير؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سل رَبك، فانتفض جِبْرِيل انتفاضة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، قَالَ: مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا. انْتهى.
قلَّة نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى التساهل الشَّديد تساهل أَشد مِنْهُ لِأَن قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، صَحِيح. وَقَوله: وَلم يثبت عَنهُ ذَلِك، أَيْضا صَحِيح لِأَن مُرَاده أَنه لم يثبت عِنْده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل البُخَارِيّ: لَا أَدْرِي، غير وَاقع فِي مَحَله. قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لَا فرق بَينهمَا وهما مُتَرَادِفَانِ، وَقيل: الرَّأْي هُوَ التفكر، أَي: لم يقل بِمُقْتَضى الْعقل وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَقيل: الرَّأْي أَعم لتنَاوله مثل الِاسْتِحْسَان، وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله الرَّد على البُخَارِيّ فِي قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس لِأَن النَّبِي، قد علم أمته كَيْفيَّة الْقيَاس والاستنباط فِي مسَائِل لَهَا أصُول وَمَعَان فِي كتاب الله عز وَجل لِيُرِيَهُمْ كَيفَ يصنعون فِيمَا عدموا فِيهِ النُّصُوص، وَالْقِيَاس هُوَ تَشْبِيه مَا لَا حكم فِيهِ بِمَا فِيهِ حكم فِي الْمَعْنى، وَقد شبه، الْحمر بِالْخَيْلِ فَقَالَ: مَا أنزل الله عليّ فيهمَا بِشَيْء غير هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} وَقَالَ للَّتِي أخْبرته: إِن أَبَاهَا لم يحجّ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيته؟ فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ. وَهَذَا هُوَ عين الْقيَاس عِنْد الْعَرَب، وَعند الْعلمَاء بمعاني الْكَلَام، وَأما سُكُوته، حَتَّى نزل الْوَحْي فَإِنَّمَا سكت فِي أَشْيَاء معضلة لَيست لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِيهَا من اطلَاع الْوَحْي، وَنحن الْآن قد فرغت لنا الشَّرَائِع وأكمل الله الدّين فَإِنَّمَا نَنْظُر ونقيس موضوعاتها فِيمَا أعضل من النَّوَازِل. قَوْله: لقَوْله: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: لقَوْل الله تَعَالَى، ويروى: هَكَذَا لقَوْل الله، وَهُوَ رِوَايَة
الْمُسْتَمْلِي، وَاحْتج البُخَارِيّ بقوله تَعَالَى: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: بِمَا أعلمك الله. وَأجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ إِذا حكم بَين النَّاس الْقيَاس فقد حكم أَيْضا بِمَا أرَاهُ الله، وَنقل ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ بِمَا حَاصله: إِن الَّذِي احْتج بِهِ البُخَارِيّ بِمَا ادَّعَاهُ من النَّفْي حجَّة فِي الْإِثْبَات، لِأَن المُرَاد بقوله: لَيْسَ محصوراً فِي النُّصُوص بل فِيهِ إِذن بالْقَوْل فِي الرَّأْي. قلت: فحينئذٍ تنْقَلب الْحجَّة عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النبيُّ عنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حتَّى نَزَلَتْ.
ذكر هَذَا التَّعْلِيق عَن عبد الله بن مَسْعُود دَلِيلا لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: وَلم يجب، لِأَن عدم الْإِجَابَة السُّكُوت وَلَا ينتهض هَذَا دَلِيلا لما ادَّعَاهُ لأَنا قد ذكرنَا أَن سُكُوته فِي مثل هَذَا الْموضع لكَونه فِي أَشْيَاء معضلة وَلَيْسَ لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِي مثل هَذَا من الْوَحْي، وَمَعَ هَذَا مَا أطلعه الله فِي هَذِه الْآيَة، وَهِي: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} الْآيَة على حَقِيقَة كَيْفيَّة الرّوح، بل قَالَ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مَوْصُولا فِي آخر: بَاب مَا يكره من كَثْرَة السُّؤَال، لكنه ذكر فِيهِ: فَقَامَ سَاعَة ينْتَظر، وَأوردهُ فِي كتاب الْعلم بِلَفْظ: فَسكت، وَأوردهُ فِي تَفْسِير سُبْحَانَ، بِلَفْظ: فَأمْسك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فأسكت النَّبِي، فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا.
٧٣٠٩ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ المُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رسولُ الله يَعُودُني وأبُو بَكْرٍ وهُما ماشِيان، فَأَتَانِي وقعدْ أُغْمَيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رسولُ الله ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فأفَقْتُ فَقُلتُ يَا رسولَ الله ورُبَّما قَالَ سُفْيانُ: فَقُلْتُ: أيْ رسولَ الله كَيْفَ أقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَما أجابَنْي بِشَيْءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة على زَعمه تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث مضى فِي سُورَة النِّسَاء فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُم الله} وَلَفظه فِي آخر الحَدِيث فَنزلت {يُوصِيكُم الله}
قَوْله: وَقد أغمى عَليّ أَي: غشي، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: وضوءه بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَالَ الدَّاودِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث الْوضُوء للْمَرِيض شِفَاء. قَوْله: وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي.
قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ: جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، ورد عَلَيْهِ بِأَن هَذَا لَا يتَضَمَّن حكما، وَلَيْسَ من قَول رَسُول الله،
٩ - (بابُ تَعْلِيمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ مِمَّا عَلَّمَهُ الله لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم رَسُول الله، أمته إِلَى آخِره، قَالَ الْمُهلب: مُرَاده أَن الْعَالم إِذا كَانَ يُمكنهُ أَن يحدث بالنصوص لَا يحدث بنظره وَلَا قِيَاسه. انْتهى. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح ترْجم فِي كتاب الْعلم: بَاب هَل يَجْعَل للنِّسَاء يَوْمًا على حِدة فِي الْعلم، ثمَّ نقل كَلَام الْمُهلب، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا معنى التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ، حَدثهمْ حَدِيثا عَن الله لَا يبلغهُ قِيَاس وَلَا نظر، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيف ووحي، وَكَذَلِكَ مَا حَدثهمْ بِهِ من سنَنه فَهُوَ عَن الله تَعَالَى أَيْضا لقَوْله: هُهِهّهْ ٠ النَّجْم: ٣ ف قَوْله: لَيْسَ بِرَأْي قد مر تَفْسِير الرَّأْي. قَوْله: وَلَا تَمْثِيل أَي: قِيَاس وَهُوَ إِثْبَات مثل حكم مَعْلُوم فِي مَعْلُوم آخر لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الحكم، وَهَذَا يدل على أَنه من نفاة الْقيَاس، وَقد قُلْنَا فِيمَا مضى: إِن الْقيَاس اعْتِبَار وَالِاعْتِبَار مَأْمُور بِهِ لقَوْله تَعَالَى: ٠ الْحَشْر: ٢ ف فَالْقِيَاس مَأْمُور بِهِ.
٧٣١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الأصْبَهانيِّ، عنْ أبي صالِحٍ ذَكْوَانَ،
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56