«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6967

الحديث رقم 6967 من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا محمد بن كثير.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن…

«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.»

سند حديث: ٦٩٦٧ - بَابٌحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ…

٦٩٦٧ - بَابٌ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن…

قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم ترجعون إلي لأحكم بينكم إذا تخاصمتم، ولعل بعضكم يكون أبين كلامًا وأعلم بحجته وأقدر على بيان مقصوده من الآخر، فأحكم للذي غلب بحجته على خصمه على الظاهر من كلامه، فالذي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام، يؤول به إلى النار، وحكمي لا ينفعه والحالُ ما ذُكر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحكم بالظاهر تشريفٌ للأمة.
  • أنه ليس كل مجتهد مصيبًا، وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد.
  • العمل بالظن.
  • بيان إثم من خاصم في باطل، حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه.
  • من ادعى مالًا ولم يكن له بينة، فحلف المدعى عليه، وحكم الحاكم ببراءة الحالف، فلا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك، تنافي دعواه سُمِعت، وبطل الحكم.
  • من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًّا في الظاهر، ويحكم له به، لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
  • أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء.
  • استدل بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، بدليل الحصر في قوله: "إنما أقضي له بما أسمع".
  • التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق، وعكسه مذموم، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم، وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق.
  • موعظة الإمام الخصوم؛ ليعتمدوا الحق، والعمل بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُ التَّمْوِيهَ وَغَيْرُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَعُودَ الْعَبْدُ لِلْمَالِكِ، وَالْقِيمَةُ إِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لَمْ يَعُدِ الْعَبْدُ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَنًا عَادَ الْعَبْدُ مُطْلَقًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَقَعِ التَّرَاضِي وَمَعَ وُجُودِ التَّمْوِيهِ لَمْ يَحْصُلِ الرِّضَا بِالْعِوَضِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمْوِيهٌ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعِوَضِ وَتُقَدَّرُ الْقِيمَةُ ثَمَنًا.

[١٠ - باب]

٦٩٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْه فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَحَذَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالنَّسَفِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَضَافَ ابْنُ بَطَّالٍ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ جِدًّا لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلِنَهْيِهِ عَنْ أَخْذِهِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِغَرِيمِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَغَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَوْلُهُ: عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَقَوْلُهُ عَنْ عُرْوَةَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِيهِ وَقَوْلُهُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّهَا، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ حَدِيثُ زَيْنَبَ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى صَحَابِيِّ الْحَدِيثِ.

قَوْلُ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أَيْ كَوَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ فِي عَدَمِ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَقَوْلُهُ: وَلَعَلَّ هِيَ هُنَا بِمَعْنَى عَسَى، وَقَوْلُهُ: أَلْحَنَ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ: أَبْلَغَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ لَحِنَ بِمَعْنَى فَطِنَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْطَنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ فِي حُجَّتِهِ مِنَ الْآخَرِ.

وَقَوْلُهُ: عَلَى نَحْوِ ممَا أَسْمَعُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا أَسْمَعُ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَقَوْلُهُ: مِنْ أَخِيهِ أَيْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْآتِي فِي الْأَحْكَامِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَأْخُذْ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَا يَأْخُذْهُ وَقَوْلُهُ: فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ أَيْ إِنْ أَخَذَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ.

١١ - بَاب فِي النِّكَاحِ

٦٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: إِذَا سَكَتَتْ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنْ الْبِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا وَهُوَ تَزْوِيجٌ صَحِيحٌ

٦٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٠) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ فهو كالفصلِ من السَّابق، وسقطَ لفظ «باب» للنَّسفيِّ والإسماعيليِّ.

٦٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، أخو سليمان بن كثير (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) واسم أبي زينب أبو سلمة بن عبدِ الأسد (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) يُطلقُ على الواحدِ كما هنا، وعلى الجمع كقولهِ تعالى: ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] وليست «إنَّما» هنا للحصر التَّامِّ بل لحصرِ بعض الصِّفات في الموصوف، فهو حصر في البشريَّة بالنِّسبة إلى الاطِّلاع على البواطن، ويُسمَّى هذا عند أهلِ البيان قصرَ قَلبٍ؛ لأنَّه أتى به ردًّا على من يزعم أنَّ من كان رسولًا يعلم الغيب ولا يخفى عليه المظلوم، فأعلم ﷺ أنَّه كالبشر في بعض الصِّفات الخلقيَّة، وإن زاد عليهم بما أكرمَهُ الله به من الكراماتِ من الوحي والاطِّلاعِ على المغيَّبات في أماكن، وأنَّه يجوزُ عليه في الأحكام ما يجوزُ عليهم، وأنَّه إنَّما يحكُم بينهم بالظَّواهر، فيحكم بالبيِّنة واليمين وغيرهما مع جوازِ كون الباطنِ على خلافِ ذلك، ولو شاء الله لأطلعَه على باطن أمر الخصمين، فحكمَ بيقين من غير احتياجٍ إلى حجَّةٍ من المحكوم له من بيِّنةٍ أو يمينٍ، لكن لما كانت أمَّته مأمورين باتِّباعه والاقتداءِ بأقوالهِ وأفعالهِ جعل له من الحكم في أقضيتهِ ما يكون حكمًا لهم في أقضيتِهم؛ لأنَّ الحكمَ بالظَّاهر أطيبُ للقلوبِ وأسكنُ للنُّفوس، وقال ﷺ ذلك توطئةً لما يأتي بعد؛ لأنَّه معلومٌ أنَّه ﷺ بشر (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إليَّ» فلا أعلمُ بواطنَ أمورِكم كما هو مُقتضى الحالة البشريَّة، وإنَّما أحكمُ بالظَّاهر (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ) بالحاء المهملة، أفعل تفضيل من لحِن -بكسر الحاء- إذا فطنَ لحجَّته، أي: ألسنَ

وأفصحَ وأبينَ كلامًا، وأقدرَ على الحجَّة (مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (وَأَقْضِيَ) عطف على المنصوب السَّابق بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فأقضِي» (لَهُ) بسبب بلاغتهِ (عَلَى نَحْوِ مَا) أي: الَّذي (أَسْمَعُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ممَّا أسمعُ» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) وفي رواية: «بحقِّ أخيه المسلم» ولا مفهوم له؛ لأنَّه خرجَ مخرج الغالبِ، وإلَّا فالذِّمِّيُّ والمعاهد كذلك، وسقطَ لفظ «حقّ» لأبي ذرٍّ، فيصيرُ: «فمَن قضيْتُ له مِن أخيهِ» (شَيْئًا) بظاهرٍ يُخالف الباطنَ فهو حرامٌ (فَلَا يَأْخُذْ) بإسقاطِ الضَّمير المنصوب، أي: فلا يأخذْ ما قضيتُ له. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا يأخذه» (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً) بكسر القاف، طائفة (مِنَ النَّارِ) إن أخذَها مع علمه بأنَّها حرامٌ عليه، وهذا من المبالغةِ في التَّشبيه جعل ما يتناوله المحكوم له بحكمهِ ﷺ، وهو في الباطنِ باطلٌ قطعة من النَّار. وقال في «العدَّة»: أطلقَ عليه ذلك؛ لأنَّه سببٌ في حصول النَّار له، فهو من مجاز التَّشبيه كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وحاصله: أنَّه أخذ ما يؤولُ به إلى قطعةٍ من النَّار، فوضع المسبَّب وهو قطعةٌ من النَّار موضعَ السَّبَب وهو ما حكمَ له به.

وفي الحديث: أنَّ حكمَ الحاكمِ لا يُحلُّ ما حرَّم الله ورسوله ولا يحرِّمه، فلو شهدَ شاهدا زورٍ لإنسان بمالٍ فحكمَ به لم يحلَّ للمحكومِ له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتلٍ لم يحلَّ للوليِّ قتله مع علمه بكذبهِمَا، وإنْ شهدا على أنَّه طلَّق امرأتَه لم يحلَّ لمن علم كذبهما أنْ يتزوَّجها، فإن قيل: هذا الحديثُ ظاهره: أنَّه يقع منه ﷺ حكم في الظَّاهر يخالفُ الباطن، وقد اتَّفق الأصوليُّون على أنَّه ﷺ لا يقرُّ على الخطأ في الأحكامِ. فالجوابُ: أنَّه لا تعارض بين الحديثِ وقاعدةِ الأصول؛ لأنَّ مرادَ الأصوليِّين ما حكم فيه باجتهادِهِ (١) هل يجوزُ أن يقعَ فيه خطأ؟ فيه خلاف والأكثرون على أنَّه لا يخطئُ في اجتهاده بخلاف غيره، وأمَّا الَّذي في الحديث فليس من الاجتهادِ في شيءٍ؛ لأنَّه حكم بالبيِّنة ونحوها، فلو وقعَ منه ما يخالفُ الباطن لا يسمَّى الحكم خطأ، بل الحكم صحيحٌ على ما استقرَّ به التَّكليف، وهو وجوبُ العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدَي زورٍ أو نحو ذلك فالتَّقصير منهما، وأمَّا الحكم فلا حيلةَ له فيه، ولا عيبَ عليه بسببهِ بخلاف ما إذا أخطأَ في الاجتهادِ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وأقْضِي لهُ عَلى نَحْوِ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ مِنْ حَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلَا يأخُذْ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ

لما كَانَ هَذَا الْبَاب غير مترجم وَهُوَ كالفصل يكون حَدِيثه مُضَافا إِلَى الْبَاب الَّذِي قبله، وَوجه التطابق ظَاهر لنَهْيه عَن أَخذ مَال الْغَيْر إِذا كَانَ يعلم أَنه فِي نفس الْأَمر للْغَيْر.

وَمُحَمّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَزَيْنَب ابْنة أم سَلمَة تروي عَن أمهَا أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة.

والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الشَّهَادَات عَن القعْنبِي وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب.

قَوْله إِنَّمَا أَنا بشر يَعْنِي: كواحد مِنْكُم وَلَا أعلم الْغَيْب وبواطن الْأُمُور كَمَا هُوَ مُقْتَضى الْحَالة البشرية، وَأَنا أحكم بِالظَّاهِرِ. قَوْله: وَلَعَلَّ اسْتعْمل هُنَا اسْتِعْمَال: عَسى. قَوْله: أَلحن أفعل التَّفْضِيل من: لحن، بِكَسْر الْحَاء إِذا فطن، وَالْمرَاد أَنه إِذا كَانَ أفطن كَانَ قَادِرًا على أَن يكون أقدر من حجَّته من الآخر، وَفِي رِوَايَة الْمَظَالِم بِلَفْظ: أبلغ بحجته. قَوْله: على نَحْو مَا اسْمَع كلمة: مَا، مَوْصُولَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: على نَحْو مِمَّا أسمع. قَوْله: من حق أَخِيه ويروى: من أَخِيه، وَتَفْسِيره: من حق أَخِيه. قَوْله: فَلَا يَأْخُذ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلَا يَأْخُذهُ. قَوْله: قِطْعَة من النَّار قَالَ الْكرْمَانِي: حرَام عَلَيْهِ ومرجعه إِلَى النَّار، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن أَخذهَا مَعَ علمه بِأَنَّهَا حرَام عَلَيْهِ دخل النَّار.

١١ - (بابُ شَهادَةِ الزُّورِ فِي النِّكاحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الزُّور فِي النِّكَاح، وَقد مضى عَن قريب فِي: بَاب الْحِيلَة فِي النِّكَاح، وَذكر فِيهِ الشّغَار والمتعة وأتى بِهَذَا الْبَاب هُنَا لبَيَان حكم شَهَادَة الزُّور، كَمَا ذكرنَا.

٦٩٦٨ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ، حدّثنا هِشامٌ، حدّثنا يَحْياى بنُ أبي كَثِير عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتّى تُسْتأذَنَ، وَلَا الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ فَقِيلَ يَا رسولَ الله كَيْفَ إذْنُها؟ قَالَ: إِذا سَكَتَتْ

انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ الدستوَائي والْحَدِيث قد مر فِي النِّكَاح.

قَوْله: لَا تنْكح على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا تزوج. قَوْله: حَتَّى تستأذن على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، أَي: حَتَّى يُؤْخَذ مِنْهَا الْإِذْن. قَوْله: حَتَّى تستأمر على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: حَتَّى تستشار.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذا لَمْ تُسْتأذَنِ البِكْرُ ولَمْ تُزَوَّجْ فاحْتال رجُلٌ فأقامَ شاهِدَيْ زُورٍ أنّهُ تَزَوَّجَها بِرِضاها، فأثْبَتَ القاضِي نِكاحَها، والزَّوْجُ يَعْلَمُ أنَّ الشهادَةَ باطِلةٌ فَلا بأسَ أنْ يَطأها، وهْوَ تَزْويجٌ صَحِيحٌ.

أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَبَا حنيفَة، وَأَرَادَ بِهِ التشنيع عَلَيْهِ، وَلَا وَجه لَهُ فِي ذكره هَاهُنَا. قَوْله: إِذا لم تُستأذن وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن لم تستأذن. قَوْله: شَاهِدي زور بِإِضَافَة شَاهِدي إِلَى زور، ويروى: فَأَقَامَ شَاهِدين زوراً. قَوْله: وَالزَّوْج يعلم الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأَبُو حنيفَة إِمَام مُجْتَهد أدْرك صحابة وَمن التَّابِعين خلقا كثيرا، وَقد تكلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَصْل وَهُوَ: أَن الْقَضَاء لقطع الْمُنَازعَة بَين الزَّوْجَيْنِ من كل وَجه، فَلَو لم ينفذ الْقَضَاء بِشَهَادَة الزُّور بَاطِنا كَانَ تمهيداً للمنازعة بَينهمَا، وَقد عهدنا بنفوذ مثل ذَلِك فِي الشَّرْع. ألَاّ ترى أَن التَّفْرِيق بِاللّعانِ ينفذ بَاطِنا وَأَحَدهمَا كَاذِب بِيَقِين؟ وَالْقَاضِي إِذا حكم بِطَلَاقِهَا بشاهدي زور، وَهُوَ لَا يعلم أَنه يجوز أَن يَتَزَوَّجهَا من لَا يعلم بِبُطْلَان النِّكَاح وَلَا يحرم عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع، وَقَالَ بعض المشنعين: هَذَا خطأ فِي الْقيَاس، ثمَّ مثل لذَلِك بقوله: وَلَا خلاف بَين

الْأَئِمَّة أَن رجلا لَو أَقَامَ شَاهِدي زور على ابْنَته أَنَّهَا أمته وَحكم الْحَاكِم بذلك لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا، فَكَذَلِك الَّذِي شهد على نِكَاحهَا هما فِي التَّحْرِيم سَوَاء. قلت: هَذَا الْقيَاس الَّذِي فِيهِ الْخَطَأ الظَّاهِر، يفرق بَين القياسين من لَهُ إِدْرَاك مُسْتَقِيم.

٦٩٦٩ - حدّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا سُفْيانُ، حدّثنا يَحْياى بنُ سَعِيد، عنِ القاسِمِ: أنَّ امْرأةً مِنْ ولَدِ جَعْفَرِ تَخَوَّفَتْ أنْ يُزَوِّجَها ولِيُّها وهْيَ كارِهَةٌ، فأرْسلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: عَبْد الرَّحْمانِ ومُجَمِّعٍ ابْنَيْ جارِيَةَ، قالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ فإنَّ خَنْساءَ بِنْتَ خِذَامٍ أنْكَحَها أبُوها وهْيَ كارِهَةٌ فَرَدَّ النبيُّ ذالِكَ.

قَالَ سُفْيانُ: وأمَّا عبدُ الرَّحْمانِ فَسَمِعْتهُ يَقُولُ عنْ أبِيهِ: إنَّ خَنْساءَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عَيْنِيَّة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَالقَاسِم هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب إِذا زوج ابْنَته وَهِي كارهة فنكاحها مَرْدُود.

قَوْله: أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان: أَن امْرَأَة من آل جَعْفَر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلم يدر اسْم الْمَرْأَة، وَقَالَ بَعضهم: ويغلب على الظَّن أَنه جَعْفَر بن أبي طَالب، ثمَّ قَالَ: وتجاسر الْكرْمَانِي فَقَالَ: المُرَاد بِهِ جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر، وَكَانَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد جد جَعْفَر الصَّادِق لأمه انْتهى. ثمَّ قَالَ: وخفي عَلَيْهِ أَن الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقعت وجعفر الصَّادِق صَغِير لِأَن مولده سنة ثَمَانِينَ وَكَانَت وَفَاة عبد الرحمان بن يزِيد بن جَارِيَة فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين من الْهِجْرَة، وَقد وَقع فِي الحَدِيث أَنه أخبر الْمَرْأَة بِحَدِيث خنساء بنت خذام، فَكيف تكون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي مثل تِلْكَ الْحَالة وأبوها ابْن ثَلَاث عشرَة سنة أَو دونهَا؟ انْتهى. قلت: هُوَ أَيْضا تجاسر حَيْثُ قَالَ بِغَلَبَة الظَّن: إِنَّه جَعْفَر بن أبي طَالب، والكرماني لم يقل هَذَا من عِنْده، وَإِنَّمَا نَقله عَن أحد فَلَا ينْسب إِلَيْهِ التجاسر، وَيُمكن أَن يكون جَعْفَر غير مَا قَالَا. قَوْله: وَهِي كارهة الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: عبد الرحمان بِالْجَرِّ وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من التجميع عطف عَلَيْهِ، وهما ابْنا يزِيد بن جَارِيَة بِالْجِيم وَهنا قد نسبا إِلَى جدهما، وَتقدم فِي النِّكَاح أَنَّهُمَا نسبا إِلَى أَبِيهِمَا، وَلَقَد صحف من قَالَ: حَارِثَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: فَلَا تخشين قَالَ الْكرْمَانِي: بِلَفْظ الْجمع خطاب للْمَرْأَة المتخوفة، وأصحابها، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه بِكَسْر الْبَاء وَتَشْديد النُّون، وَلَو كَانَ بِلَا نون التَّأْكِيد لحذفت النُّون فِي النَّهْي على مَا عرف. قَوْله: فَإِن خنساء بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة وبالمد بنت خذام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة ابْن وَدِيعَة الْأَنْصَارِيَّة من الْأَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي حَالهَا فِي ذَلِك الْوَقْت، فرواية مَالك عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عبد الرحمان وَمجمع ابْني يزِيد بن جَارِيَة عَن خنساء أَنَّهَا كَانَت ثَيِّبًا، وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن عبد الله بن يزِيد ابْن وَدِيعَة عَن خنساء بنت خذام أَنَّهَا كَانَت يومئذٍ بكرا، وَالصَّحِيح نقل مَالك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْله: قَالَ سُفْيَان: وَأما عبد الرحمان يَعْنِي: ابْن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: فَسَمعته يَقُول عَن أَبِيه عَن خنساء أَرَادَ أَنه أرْسلهُ فَلم يذكر فِيهِ عبد الرحمان بن يزِيد وَلَا أَخَاهُ.

٦٩٧٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدثنَا شَيْبَانُ، عنْ يَحْياى عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَر، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتأذنَ قالُوا: كَيْفَ إذنُها؟ قَالَ: أنْ تسْكُتَ

انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرحمان النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح.

قَوْله: الأيم هِيَ من لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، لَكِن المُرَاد مِنْهَا هُنَا الثّيّب بِقَرِينَة الْمُقَابلَة للبكر، وَالْأَفْعَال هُنَا كلهَا على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمضى الْكَلَام

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُ التَّمْوِيهَ وَغَيْرُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَعُودَ الْعَبْدُ لِلْمَالِكِ، وَالْقِيمَةُ إِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لَمْ يَعُدِ الْعَبْدُ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَنًا عَادَ الْعَبْدُ مُطْلَقًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَقَعِ التَّرَاضِي وَمَعَ وُجُودِ التَّمْوِيهِ لَمْ يَحْصُلِ الرِّضَا بِالْعِوَضِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمْوِيهٌ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعِوَضِ وَتُقَدَّرُ الْقِيمَةُ ثَمَنًا.

[١٠ - باب]

٦٩٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْه فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَحَذَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالنَّسَفِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَضَافَ ابْنُ بَطَّالٍ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ جِدًّا لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلِنَهْيِهِ عَنْ أَخْذِهِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِغَرِيمِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَغَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَوْلُهُ: عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَقَوْلُهُ عَنْ عُرْوَةَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِيهِ وَقَوْلُهُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّهَا، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ حَدِيثُ زَيْنَبَ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى صَحَابِيِّ الْحَدِيثِ.

قَوْلُ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أَيْ كَوَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ فِي عَدَمِ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَقَوْلُهُ: وَلَعَلَّ هِيَ هُنَا بِمَعْنَى عَسَى، وَقَوْلُهُ: أَلْحَنَ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ: أَبْلَغَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ لَحِنَ بِمَعْنَى فَطِنَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْطَنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ فِي حُجَّتِهِ مِنَ الْآخَرِ.

وَقَوْلُهُ: عَلَى نَحْوِ ممَا أَسْمَعُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا أَسْمَعُ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَقَوْلُهُ: مِنْ أَخِيهِ أَيْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْآتِي فِي الْأَحْكَامِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَأْخُذْ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَا يَأْخُذْهُ وَقَوْلُهُ: فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ أَيْ إِنْ أَخَذَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ.

١١ - بَاب فِي النِّكَاحِ

٦٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: إِذَا سَكَتَتْ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنْ الْبِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فَأَثْبَتَ الْقَاضِي نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا وَهُوَ تَزْوِيجٌ صَحِيحٌ

٦٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٠) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ فهو كالفصلِ من السَّابق، وسقطَ لفظ «باب» للنَّسفيِّ والإسماعيليِّ.

٦٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، أخو سليمان بن كثير (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) واسم أبي زينب أبو سلمة بن عبدِ الأسد (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) يُطلقُ على الواحدِ كما هنا، وعلى الجمع كقولهِ تعالى: ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] وليست «إنَّما» هنا للحصر التَّامِّ بل لحصرِ بعض الصِّفات في الموصوف، فهو حصر في البشريَّة بالنِّسبة إلى الاطِّلاع على البواطن، ويُسمَّى هذا عند أهلِ البيان قصرَ قَلبٍ؛ لأنَّه أتى به ردًّا على من يزعم أنَّ من كان رسولًا يعلم الغيب ولا يخفى عليه المظلوم، فأعلم ﷺ أنَّه كالبشر في بعض الصِّفات الخلقيَّة، وإن زاد عليهم بما أكرمَهُ الله به من الكراماتِ من الوحي والاطِّلاعِ على المغيَّبات في أماكن، وأنَّه يجوزُ عليه في الأحكام ما يجوزُ عليهم، وأنَّه إنَّما يحكُم بينهم بالظَّواهر، فيحكم بالبيِّنة واليمين وغيرهما مع جوازِ كون الباطنِ على خلافِ ذلك، ولو شاء الله لأطلعَه على باطن أمر الخصمين، فحكمَ بيقين من غير احتياجٍ إلى حجَّةٍ من المحكوم له من بيِّنةٍ أو يمينٍ، لكن لما كانت أمَّته مأمورين باتِّباعه والاقتداءِ بأقوالهِ وأفعالهِ جعل له من الحكم في أقضيتهِ ما يكون حكمًا لهم في أقضيتِهم؛ لأنَّ الحكمَ بالظَّاهر أطيبُ للقلوبِ وأسكنُ للنُّفوس، وقال ﷺ ذلك توطئةً لما يأتي بعد؛ لأنَّه معلومٌ أنَّه ﷺ بشر (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إليَّ» فلا أعلمُ بواطنَ أمورِكم كما هو مُقتضى الحالة البشريَّة، وإنَّما أحكمُ بالظَّاهر (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ) بالحاء المهملة، أفعل تفضيل من لحِن -بكسر الحاء- إذا فطنَ لحجَّته، أي: ألسنَ

وأفصحَ وأبينَ كلامًا، وأقدرَ على الحجَّة (مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (وَأَقْضِيَ) عطف على المنصوب السَّابق بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فأقضِي» (لَهُ) بسبب بلاغتهِ (عَلَى نَحْوِ مَا) أي: الَّذي (أَسْمَعُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ممَّا أسمعُ» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) وفي رواية: «بحقِّ أخيه المسلم» ولا مفهوم له؛ لأنَّه خرجَ مخرج الغالبِ، وإلَّا فالذِّمِّيُّ والمعاهد كذلك، وسقطَ لفظ «حقّ» لأبي ذرٍّ، فيصيرُ: «فمَن قضيْتُ له مِن أخيهِ» (شَيْئًا) بظاهرٍ يُخالف الباطنَ فهو حرامٌ (فَلَا يَأْخُذْ) بإسقاطِ الضَّمير المنصوب، أي: فلا يأخذْ ما قضيتُ له. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا يأخذه» (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً) بكسر القاف، طائفة (مِنَ النَّارِ) إن أخذَها مع علمه بأنَّها حرامٌ عليه، وهذا من المبالغةِ في التَّشبيه جعل ما يتناوله المحكوم له بحكمهِ ﷺ، وهو في الباطنِ باطلٌ قطعة من النَّار. وقال في «العدَّة»: أطلقَ عليه ذلك؛ لأنَّه سببٌ في حصول النَّار له، فهو من مجاز التَّشبيه كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وحاصله: أنَّه أخذ ما يؤولُ به إلى قطعةٍ من النَّار، فوضع المسبَّب وهو قطعةٌ من النَّار موضعَ السَّبَب وهو ما حكمَ له به.

وفي الحديث: أنَّ حكمَ الحاكمِ لا يُحلُّ ما حرَّم الله ورسوله ولا يحرِّمه، فلو شهدَ شاهدا زورٍ لإنسان بمالٍ فحكمَ به لم يحلَّ للمحكومِ له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتلٍ لم يحلَّ للوليِّ قتله مع علمه بكذبهِمَا، وإنْ شهدا على أنَّه طلَّق امرأتَه لم يحلَّ لمن علم كذبهما أنْ يتزوَّجها، فإن قيل: هذا الحديثُ ظاهره: أنَّه يقع منه ﷺ حكم في الظَّاهر يخالفُ الباطن، وقد اتَّفق الأصوليُّون على أنَّه ﷺ لا يقرُّ على الخطأ في الأحكامِ. فالجوابُ: أنَّه لا تعارض بين الحديثِ وقاعدةِ الأصول؛ لأنَّ مرادَ الأصوليِّين ما حكم فيه باجتهادِهِ (١) هل يجوزُ أن يقعَ فيه خطأ؟ فيه خلاف والأكثرون على أنَّه لا يخطئُ في اجتهاده بخلاف غيره، وأمَّا الَّذي في الحديث فليس من الاجتهادِ في شيءٍ؛ لأنَّه حكم بالبيِّنة ونحوها، فلو وقعَ منه ما يخالفُ الباطن لا يسمَّى الحكم خطأ، بل الحكم صحيحٌ على ما استقرَّ به التَّكليف، وهو وجوبُ العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدَي زورٍ أو نحو ذلك فالتَّقصير منهما، وأمَّا الحكم فلا حيلةَ له فيه، ولا عيبَ عليه بسببهِ بخلاف ما إذا أخطأَ في الاجتهادِ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وأقْضِي لهُ عَلى نَحْوِ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ مِنْ حَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلَا يأخُذْ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ

لما كَانَ هَذَا الْبَاب غير مترجم وَهُوَ كالفصل يكون حَدِيثه مُضَافا إِلَى الْبَاب الَّذِي قبله، وَوجه التطابق ظَاهر لنَهْيه عَن أَخذ مَال الْغَيْر إِذا كَانَ يعلم أَنه فِي نفس الْأَمر للْغَيْر.

وَمُحَمّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَزَيْنَب ابْنة أم سَلمَة تروي عَن أمهَا أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة.

والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الشَّهَادَات عَن القعْنبِي وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب.

قَوْله إِنَّمَا أَنا بشر يَعْنِي: كواحد مِنْكُم وَلَا أعلم الْغَيْب وبواطن الْأُمُور كَمَا هُوَ مُقْتَضى الْحَالة البشرية، وَأَنا أحكم بِالظَّاهِرِ. قَوْله: وَلَعَلَّ اسْتعْمل هُنَا اسْتِعْمَال: عَسى. قَوْله: أَلحن أفعل التَّفْضِيل من: لحن، بِكَسْر الْحَاء إِذا فطن، وَالْمرَاد أَنه إِذا كَانَ أفطن كَانَ قَادِرًا على أَن يكون أقدر من حجَّته من الآخر، وَفِي رِوَايَة الْمَظَالِم بِلَفْظ: أبلغ بحجته. قَوْله: على نَحْو مَا اسْمَع كلمة: مَا، مَوْصُولَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: على نَحْو مِمَّا أسمع. قَوْله: من حق أَخِيه ويروى: من أَخِيه، وَتَفْسِيره: من حق أَخِيه. قَوْله: فَلَا يَأْخُذ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلَا يَأْخُذهُ. قَوْله: قِطْعَة من النَّار قَالَ الْكرْمَانِي: حرَام عَلَيْهِ ومرجعه إِلَى النَّار، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن أَخذهَا مَعَ علمه بِأَنَّهَا حرَام عَلَيْهِ دخل النَّار.

١١ - (بابُ شَهادَةِ الزُّورِ فِي النِّكاحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الزُّور فِي النِّكَاح، وَقد مضى عَن قريب فِي: بَاب الْحِيلَة فِي النِّكَاح، وَذكر فِيهِ الشّغَار والمتعة وأتى بِهَذَا الْبَاب هُنَا لبَيَان حكم شَهَادَة الزُّور، كَمَا ذكرنَا.

٦٩٦٨ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ، حدّثنا هِشامٌ، حدّثنا يَحْياى بنُ أبي كَثِير عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتّى تُسْتأذَنَ، وَلَا الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ فَقِيلَ يَا رسولَ الله كَيْفَ إذْنُها؟ قَالَ: إِذا سَكَتَتْ

انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ الدستوَائي والْحَدِيث قد مر فِي النِّكَاح.

قَوْله: لَا تنْكح على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا تزوج. قَوْله: حَتَّى تستأذن على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، أَي: حَتَّى يُؤْخَذ مِنْهَا الْإِذْن. قَوْله: حَتَّى تستأمر على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: حَتَّى تستشار.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذا لَمْ تُسْتأذَنِ البِكْرُ ولَمْ تُزَوَّجْ فاحْتال رجُلٌ فأقامَ شاهِدَيْ زُورٍ أنّهُ تَزَوَّجَها بِرِضاها، فأثْبَتَ القاضِي نِكاحَها، والزَّوْجُ يَعْلَمُ أنَّ الشهادَةَ باطِلةٌ فَلا بأسَ أنْ يَطأها، وهْوَ تَزْويجٌ صَحِيحٌ.

أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَبَا حنيفَة، وَأَرَادَ بِهِ التشنيع عَلَيْهِ، وَلَا وَجه لَهُ فِي ذكره هَاهُنَا. قَوْله: إِذا لم تُستأذن وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن لم تستأذن. قَوْله: شَاهِدي زور بِإِضَافَة شَاهِدي إِلَى زور، ويروى: فَأَقَامَ شَاهِدين زوراً. قَوْله: وَالزَّوْج يعلم الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأَبُو حنيفَة إِمَام مُجْتَهد أدْرك صحابة وَمن التَّابِعين خلقا كثيرا، وَقد تكلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَصْل وَهُوَ: أَن الْقَضَاء لقطع الْمُنَازعَة بَين الزَّوْجَيْنِ من كل وَجه، فَلَو لم ينفذ الْقَضَاء بِشَهَادَة الزُّور بَاطِنا كَانَ تمهيداً للمنازعة بَينهمَا، وَقد عهدنا بنفوذ مثل ذَلِك فِي الشَّرْع. ألَاّ ترى أَن التَّفْرِيق بِاللّعانِ ينفذ بَاطِنا وَأَحَدهمَا كَاذِب بِيَقِين؟ وَالْقَاضِي إِذا حكم بِطَلَاقِهَا بشاهدي زور، وَهُوَ لَا يعلم أَنه يجوز أَن يَتَزَوَّجهَا من لَا يعلم بِبُطْلَان النِّكَاح وَلَا يحرم عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع، وَقَالَ بعض المشنعين: هَذَا خطأ فِي الْقيَاس، ثمَّ مثل لذَلِك بقوله: وَلَا خلاف بَين

الْأَئِمَّة أَن رجلا لَو أَقَامَ شَاهِدي زور على ابْنَته أَنَّهَا أمته وَحكم الْحَاكِم بذلك لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا، فَكَذَلِك الَّذِي شهد على نِكَاحهَا هما فِي التَّحْرِيم سَوَاء. قلت: هَذَا الْقيَاس الَّذِي فِيهِ الْخَطَأ الظَّاهِر، يفرق بَين القياسين من لَهُ إِدْرَاك مُسْتَقِيم.

٦٩٦٩ - حدّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا سُفْيانُ، حدّثنا يَحْياى بنُ سَعِيد، عنِ القاسِمِ: أنَّ امْرأةً مِنْ ولَدِ جَعْفَرِ تَخَوَّفَتْ أنْ يُزَوِّجَها ولِيُّها وهْيَ كارِهَةٌ، فأرْسلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: عَبْد الرَّحْمانِ ومُجَمِّعٍ ابْنَيْ جارِيَةَ، قالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ فإنَّ خَنْساءَ بِنْتَ خِذَامٍ أنْكَحَها أبُوها وهْيَ كارِهَةٌ فَرَدَّ النبيُّ ذالِكَ.

قَالَ سُفْيانُ: وأمَّا عبدُ الرَّحْمانِ فَسَمِعْتهُ يَقُولُ عنْ أبِيهِ: إنَّ خَنْساءَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عَيْنِيَّة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَالقَاسِم هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب إِذا زوج ابْنَته وَهِي كارهة فنكاحها مَرْدُود.

قَوْله: أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان: أَن امْرَأَة من آل جَعْفَر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلم يدر اسْم الْمَرْأَة، وَقَالَ بَعضهم: ويغلب على الظَّن أَنه جَعْفَر بن أبي طَالب، ثمَّ قَالَ: وتجاسر الْكرْمَانِي فَقَالَ: المُرَاد بِهِ جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر، وَكَانَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد جد جَعْفَر الصَّادِق لأمه انْتهى. ثمَّ قَالَ: وخفي عَلَيْهِ أَن الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقعت وجعفر الصَّادِق صَغِير لِأَن مولده سنة ثَمَانِينَ وَكَانَت وَفَاة عبد الرحمان بن يزِيد بن جَارِيَة فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين من الْهِجْرَة، وَقد وَقع فِي الحَدِيث أَنه أخبر الْمَرْأَة بِحَدِيث خنساء بنت خذام، فَكيف تكون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي مثل تِلْكَ الْحَالة وأبوها ابْن ثَلَاث عشرَة سنة أَو دونهَا؟ انْتهى. قلت: هُوَ أَيْضا تجاسر حَيْثُ قَالَ بِغَلَبَة الظَّن: إِنَّه جَعْفَر بن أبي طَالب، والكرماني لم يقل هَذَا من عِنْده، وَإِنَّمَا نَقله عَن أحد فَلَا ينْسب إِلَيْهِ التجاسر، وَيُمكن أَن يكون جَعْفَر غير مَا قَالَا. قَوْله: وَهِي كارهة الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: عبد الرحمان بِالْجَرِّ وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من التجميع عطف عَلَيْهِ، وهما ابْنا يزِيد بن جَارِيَة بِالْجِيم وَهنا قد نسبا إِلَى جدهما، وَتقدم فِي النِّكَاح أَنَّهُمَا نسبا إِلَى أَبِيهِمَا، وَلَقَد صحف من قَالَ: حَارِثَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: فَلَا تخشين قَالَ الْكرْمَانِي: بِلَفْظ الْجمع خطاب للْمَرْأَة المتخوفة، وأصحابها، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه بِكَسْر الْبَاء وَتَشْديد النُّون، وَلَو كَانَ بِلَا نون التَّأْكِيد لحذفت النُّون فِي النَّهْي على مَا عرف. قَوْله: فَإِن خنساء بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة وبالمد بنت خذام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة ابْن وَدِيعَة الْأَنْصَارِيَّة من الْأَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي حَالهَا فِي ذَلِك الْوَقْت، فرواية مَالك عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عبد الرحمان وَمجمع ابْني يزِيد بن جَارِيَة عَن خنساء أَنَّهَا كَانَت ثَيِّبًا، وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن عبد الله بن يزِيد ابْن وَدِيعَة عَن خنساء بنت خذام أَنَّهَا كَانَت يومئذٍ بكرا، وَالصَّحِيح نقل مَالك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَوْله: قَالَ سُفْيَان: وَأما عبد الرحمان يَعْنِي: ابْن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: فَسَمعته يَقُول عَن أَبِيه عَن خنساء أَرَادَ أَنه أرْسلهُ فَلم يذكر فِيهِ عبد الرحمان بن يزِيد وَلَا أَخَاهُ.

٦٩٧٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدثنَا شَيْبَانُ، عنْ يَحْياى عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَر، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتأذنَ قالُوا: كَيْفَ إذنُها؟ قَالَ: أنْ تسْكُتَ

انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرحمان النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح.

قَوْله: الأيم هِيَ من لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، لَكِن المُرَاد مِنْهَا هُنَا الثّيّب بِقَرِينَة الْمُقَابلَة للبكر، وَالْأَفْعَال هُنَا كلهَا على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمضى الْكَلَام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 26 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 27.1 / 29.5
الإضاءة 7%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56