الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6831
الحديث رقم 6831 من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البكران يجلدان وينفيان.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ:
أفاد الحديث أن رجلًا كان أجيرًا عند آخر فزنى بامرأته، وسمع والد الزاني أن كل من زنى فعليه الرجم، فافتدى من زوج المرأة بمائة شاة وأمة، ثم سأل بعض أهل العلم فأخبروه أنه ليس على ابنه الرجم، بل الرجم على المرأة، وعلى ابنه جلد مائة وتغريب عام، فلذلك ذهب زوج الزانية ووالد الزاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهم بكتاب الله، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم المائة شاة والأمة على والد الزاني، وأخبره أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام؛ لأنه بكر لم يتزوج، وأمر بالتأكد من الزانية، فاعترفت بالجريمة فرجمها؛ لأنها محصنة أي متزوجة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى أَنَّ مَنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ فِتْنَةً وَأَنْ لَا يُجِيبُوا إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ الْحَقِّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ وَيُنَاظِرَهُمْ وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: فَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ؟ إِذًا لَا يَصْلُحَانِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟ مَنْ صَاحِبُهُ؟ ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ مَنْ هُمَا؟ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ أَحْسَنَ بَيْعَةٍ وَأَجْمَلَهَا.
وَفِيهِ أَنَّ لِلْكَبِيرِ الْقَدْرِ أَنْ يَتَوَاضَعَ وَيُفَضِّلَ مَنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَدَبًا وَفِرَارًا مِنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ ابْسُطْ يَدَكَ لَمْ يَمْتَنِعْ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ إِمَامٍ.
وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ يُخْشَى فِي بَقَائِهِ فِتْنَةٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ غَيْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ حَتَّى يَطْلُبَهُ الْمَقْذُوفُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاذِفِهِ أَوْ يُرِيدُ السَّتْرَ.
وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إِنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ الْوُقُوعَ فِي مَحْذُورٍ أَنْ يَأْتِيَهِمْ فَيَعِظَهُمْ وَيُحَذِّرَهُمْ قَبْلَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشِّيعَةِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ إِمَامَتِهِ وَلَا اسْتِحْقَاقَهُ لِلْخِلَافَةِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَوَاضُعًا مِنْهُ، وَالثَّانِي: لِتَجْوِيزِهِ إِمَامَةَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَقِّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِغَيْرِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَرْضَى أَنْ يَتَقَدَّمَهُ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ غَائِبًا فِي جِهَادِ أَهْلِ الشَّامِ مُتَشَاغِلًا بِفَتْحِهَا، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ عُمَرَ: لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي إِلَخْ، عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ.
وَفِيهِ إِشَارَةُ ذِي الرَّأْيِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بِمَا يَنْفَعُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ، وَرُجُوعُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُضُوحِ الصَّوَابِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ إِذَا بَايَعُوا الْخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَهُ بِالْخَلْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَيَصِيرُ كَمَنْ قُتِلَ. وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِ عُمَرَ فِي حَقِّ سَعْدٍ: اقْتُلُوهُ أَيِ اجْعَلُوهُ كَمَنْ قُتِلَ.
٣٢ - بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ.
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ "عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ"
٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ "وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ"
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ خَبَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الزِّيَادَةَ بِلَفْظِ: وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَاللَّذَانِ بَلَغَا سِنًّا يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْرُوقٍ: الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ، وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَلَا يُجْلَدَانِ، وَالشَّيْخَانِ يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقَ عَلَى نَفْيِ الزَّانِي إِلَّا عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا تُنْفَى.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْرِيبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُدُ، وَالطَّبَرِيُّ بِالتَّعْمِيمِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ، وَخَصَّ الْأَوْزَاعِيُّ النَّفْيَ بِالذُّكُورِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ بِأَنَّ فِي نَفْيِ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ؛ لِمَنْعِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ نَفْيِهِ، وَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ إِلَّا الْجَانِي، وَمِنْ ثَمَّ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَخَطَبَ عُمَرُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُنْفَى إِلَيْهَا: فَقِيلَ هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إِلَى يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقِيلَ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، وَقِيلَ إِلَى مِيلٍ، وَقِيلَ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ نَفْيٍ.
وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَبْسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا نَفْيَ وَمِنْ عَجِيبِ الِاسْتِدْلَالِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ لِسُقُوطِ النَّفْيِ أَصْلًا بِأَنَّ نَفْيَ الْأَمَةِ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ: بِيعُوهَا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ عَنِ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ قَالَ: وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى النِّسَاءِ نَفْيٌ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّجَالِ، كَذَا قَالَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا سَقَطَ خُصَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْبِكْرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُحْصَنِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ؛ فَعَنْ مَالِكٍ: يَخْتَصُّ بِالظَّهْرِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا جَلْدٌ فِي ظَهْرِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ، وَيُجْلَدُ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا مُجَرَّدًا، وَالْمَرْأَةَ قَاعِدَةً، وَفِي الْقَذْفِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجَرَّدُ أَحَدٌ فِي الْحَدِّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ لِلنَّفْيِ ذِكْرٌ فَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يُزَادُ عَلَى الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ عَمِلُوا بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّ يُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوتِ إِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ: لَمَّا نَزَلَ ﴿وَاللاتِي
يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ فِي لِبَعْضِهِمْ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنُ عُلَيَّةَ بِلَامٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رَآهُ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ نَظِيرُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ: يُقَامُ وَلَا يُعَطَّلُ وَالْمُرَادُ بِتَعْطِيلِ الْحَدِّ تَرْكُهُ أَصْلًا أَوْ نَقْصُهُ عَدَدًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الِاجْتِزَاءَ بِوَاحِدٍ، وَعَنْ إِسْحَاقَ اثْنَيْنِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيٍّ أَرْبَعَةٍ، وَعَنْ رَبِيعَةَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَعَنِ الْحَسَنِ عَشَرَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَدْنَاهَا رَجُلٌ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ اثْنَانِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) هَكَذَا اخْتَصَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ السَّنَدِ ذِكْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنَ الْمَتْنِ سِيَاقَ قِصَّةِ الْعَسِيفِ كُلِّهَا، وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِ: يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ اخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُهُ: جَلْدَ مِائَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ أَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ.
قَوْلُهُ: (غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَانُ ثُمَّ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ (عَنْ عُقَيْلٍ) وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) هَكَذَا خَالَفَ عُقَيْلٌ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَتْنُ مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ، فَقَدْ وَافَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ جَمِيعَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ شَيْخَهُ عِنْدَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا آخَرَ فَالرَّاجِحُ قَوْلُ عُقَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَكِنْ قَدْ رَوَى عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ مُوَافِقًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَيْنٍ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُصَغَّرٌ - ابْنُ الْمُثَنَّى، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوِلَاءِ: حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ. وَابْنُ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ لَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْيٍّ عَامٍّ وَبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَعُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِمَعْنَى مَعَ. وَالْمُرَادُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَلْدُ الْمِائَةِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْجَلْدُ لِكَوْنِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٣١ - ٦٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بنِ درهم، أبو غسان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن سلمةَ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى) -رجلٌ أو امرأةٌ- (وَلَمْ يُحْصَنْ) بضم أوله وفتح الصاد (١) (جَلْدَ مِئَةٍ) بنصب جلد على نزعِ الخافِض (وَتَغْرِيبَ عَامٍ) ولاءً (٢) إلى مسافة القصر؛ لأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبعدِ عن الأهلِ والوطن فأكثر إنْ رآه الإمام؛ لأنَّ عمر غرَّب إلى الشَّأم، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة، ولا يكفي تغريبُه إلى ما دون مسافةِ القصر؛ إذ لا يتمُّ الإيحاشُ المذكور به؛ لأنَّ الأخبار تتواصلُ إليه حينئذٍ.
وحكى ابن نصر في كتاب «الإجماع» الاتِّفاق على نفي الزَّاني إلَّا عند الكوفيِّين وعليه الجمهور، وادَّعى الطَّحاويُّ أنَّه منسوخٌ، واختلف القائلون بالتَّغريب فقال الشَّافعيُّ بالتَّعميم للرَّجل (٣) والمرأة، وفي قول له: لا يُنفى الرَّقيق. وخصَّ مالكٌ النَّفي بالرَّجل وقيَّده بالحرِّ، وعن (٤) أحمد روايتان، واحتجَّ من شرطَ الحريَّة بأنَّ في نفي العبد عُقوبة لمالكهِ لمنعه (٥) منفعتَه مدَّة نفيه، وتصرُّفُ الشَّرعِ يقتضي أن لا يُعاقب غير الجاني.
وهذا الحديثُ سبقَ في «الشَّهادات»، في «باب شهادةِ القاذف» [خ¦٢٦٤٩] واختصر عبدُ العزيز من السَّند ذكر أبي هُريرة، ومن المتن سياق قصَّة العسيفِ، واقتصرَ منها على ما ذكرَه، ويحتمل أن يكون ابنُ شهابٍ اختصره لما حدَّث به عبد العزيز، قاله في «الفتح».
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلم -بالسَّند السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) ابن العوَّام (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (غَرَّبَ) وهذا منقطعٌ؛ لأنَّ عروة لم يسمعْ من عمر، لكنَّه ثبت عن عمر من وجهٍ آخر أخرجه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم من رواية
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
تعرف السِّيَادَة بِكَوْن لكل قَبيلَة سيد لَا تطيع إلَاّ سيد قَومهَا، فَجرى هَذَا القَوْل مِنْهُ على الْعَادة الْمَعْهُودَة حِين لم يعرف أَن حكم الْإِسْلَام بِخِلَافِهِ، فَلَمَّا بلغه أَن الْخلَافَة فِي قُرَيْش أمسك عَن ذَلِك. وَأَقْبَلت الْجَمَاعَة إِلَى الْبيعَة. قَوْله: إِنَّا جذيلها بِضَم الْجِيم. مصغر الجذل بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال وَهُوَ أصل الشّجر، وَالْمرَاد بِهِ عود ينصب فِي العطن للجربى لتحتك. أَي: أَنا مِمَّن يستشفى فِيهِ برأيي كَمَا يستشفى الْإِبِل الجربى بالاحتكاك بِهِ، والتصغير للتعظيم، والمحكك صفة: جذيل. قَوْله: وعذيقها مصغر العذق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة النّخل وبالكسر القنو مِنْهَا. قَوْله: المرجب من الترجيب وَهُوَ التَّعْظِيم وَهُوَ أَنَّهَا إِذا كَانَت كَرِيمَة فمالت بنوا لَهَا من جَانبهَا المائل بِنَاء رفيعاً كالدعامة ليعتمدها وَلَا يسْقط، وَلَا يعْمل ذَلِك إلَاّ لكرمها، وَقيل: هُوَ ضم عذاقها إِلَى سعفاتها وشدها بالخوص لِئَلَّا ينفضها الرّيح، أَو يوضع الشوك حولهَا لِئَلَّا تصل إِلَيْهَا الْأَيْدِي المتفرقة. قَوْله: اللَّغط بالغين الْمُعْجَمَة الصَّوْت والجلبة. قَوْله: حَتَّى فرقت بِكَسْر الرَّاء أَي: حَتَّى خشيت، وَفِي رِوَايَة مَالك: حَتَّى خفت، وَفِي رِوَايَة جوَيْرِية: حَتَّى أشفقنا الِاخْتِلَاف. قَوْله: ونزونا بِفَتْح النُّون وَالزَّاي وَسُكُون الْوَاو أَي: وثبنا عَلَيْهِ وغلبنا عَلَيْهِ. قَوْله: قتلتم سعد بن عبَادَة قيل: مَا مَعْنَاهُ وَهُوَ كَانَ حَيا؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا كِنَايَة عَن الْإِعْرَاض والخذلان والاحتساب فِي عدد الْقَتْلَى لِأَن من أبطل فعله وسلب قوته فَهُوَ كالمقتول. قَوْله: فَقلت: قتل الله سعد بن عبَادَة الْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوجه قَوْله هَذَا إِمَّا إِخْبَار عَمَّا قدر الله عَن إهماله وَعدم صَيْرُورَته خَليفَة، وَإِمَّا دُعَاء صدر عَنهُ عَلَيْهِ فِي مُقَابلَة عدم نصرته للحق. قيل: إِنَّه تخلف عَن الْبيعَة وَخرج إِلَى الشَّام فَوجدَ مَيتا فِي مغتسله وَقد اخضر جسده وَلم يشعروا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا قَائِلا يَقُول وَلَا يرَوْنَ شخصه.
الْخَزْرَج سعد بن عبَادَة فرميناه بسهمين فَلم نخط فُؤَاده.
قَوْله: مَا وجدنَا أَي: من دفن رَسُول الله قَوْله: من أَمر فِي مَوضِع الْمَفْعُول. قَوْله: أقوى مفعول. قَوْله: مَا وجدنَا قَوْله: وَلم تكن بيعَة جملَة حَالية. قَوْله: أَن يبايعوا بِفَتْح همزَة أَن لِأَنَّهُ مفعول قَوْله: خشينا قَوْله: فإمَّا بايعناهم من الْمُبَايعَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف قبل الْعين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تابعناهم بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة قبل الْعين. قَوْله: على مَا لَا نرضى ويروى: على مَا نرضى، وَالْأول هُوَ الْوَجْه وَهُوَ رِوَايَة مَالك أَيْضا. قَوْله: فَمن بَايع رجلا بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة مَالك: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: فَلَا يُتَابع هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُتَابَعَة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: وَلَا الَّذِي بَايعه بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: تغرة أَن يقتلا أَي خوف وقوعهما فِي الْقَتْل، وَقد مر تَفْسِير هَذَا عَن قريب.
٣٢ - (بابٌ البِكْرَانِ يُجْلَدانِ ويُنْفَيانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ البكران يجلدان وينفيان، وَهُوَ تَثْنِيَة بكر وَهُوَ الَّذِي لم يُجَامع فِي نِكَاح صَحِيح وَإِنَّمَا ثنَّاه ليشْمل الرجل وَالْمَرْأَة. فَقَوله: البكران، مُبْتَدأ: ويجلدان، على صِيغَة الْمَجْهُول خَبره وَقد ورد خبر بِلَفْظ التَّرْجَمَة أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثله.
النُّور: ٢ ٣ ف
سَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة إِلَى قَوْله: الْمُؤْمِنُونَ كَمَا ذكر هُنَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق من قَوْله: الزَّانِيَة إِلَى قَوْله: فِي دين الله ثمَّ قَالَ الْآيَة، ثمَّ إِنَّه ذكر الْآيَة الأولى لبَيَان أَن الْجلد ثَابت بِكِتَاب الله عز وَجل، وَذكر الْآيَة الثَّانِيَة لتعلقها بِمَا قبلهَا وَذَلِكَ لِأَن قَوْله: الزاينة وَالزَّانِي يدلان على الجنسين المنافيين لجنسي الْعَفِيف والعفيفة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى هَذَا {الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة} يَعْنِي لَا يرغب فِي نِكَاح الصوالح من النِّسَاء، وَكَذَا الزَّانِيَة لَا ترغب فِي نِكَاح الصلحاء من الرِّجَال.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا قَالَه مُجَاهِد: إِنَّه كَانَ فِي
الْجَاهِلِيَّة نسَاء يَزْنِين فَأَرَادَ أنَاس من الْمُسلمين نِكَاحهنَّ، فَنزلت. وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة، وَعَن سعيد بن الْمسيب: إِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: {وَانْكِحُوا الايامى مِنْكُم} (٠ النُّور: ٣٢ ف وَالْآيَة الأولى ناسخة لقَوْله تَعَالَى: واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم} ٠ النِّسَاء: ١٥ ف الْآيَة وَلقَوْله: {واللذان يأتيانها مِنْكُم فأذوها} ٠ النِّسَاء: ١٦ ف فَكل من زنى مِنْهُمَا أوذي إِلَى الْمَوْت، قَالَه مُجَاهِد، وَقَالَ النّحاس: لَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْمُفَسّرين قَوْله: {لَا تأخذكم بهما رأفة} أَي: لَا تأخذكم بسببهما رَحْمَة، وَالْمعْنَى: لَا تخففوا الْعَذَاب وَلَكِن أوجعوهما. قَوْله: إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يَعْنِي: إِن كُنْتُم تصدقُونَ بتوحيد الله وبالبعث الَّذِي فِيهِ جَزَاء الْأَعْمَال.
قَوْله: طَائِفَة اخْتلفُوا فِي مبلغ عَددهَا، فَعَن النَّخعِيّ وَمُجاهد: أَقَله رجل وَاحِد فَمَا فَوْقه، وَعَن عَطاء وَعِكْرِمَة: رجلَانِ فَصَاعِدا، وَعَن الزُّهْرِيّ: ثَلَاثَة فَصَاعِدا وَعَن ابْن زيد: أَرْبَعَة بِعَدَد من تقبل شَهَادَته على الزِّنَى، وَعَن قَتَادَة نفر من الْمُسلمين. وَقَالَ الزّجاج: لَا يجوز أَن تكون الطَّائِفَة وَاحِدًا لِأَن مَعْنَاهَا معنى الْجَمَاعَة، وَالْجَمَاعَة لَا تكون أقل من اثْنَيْنِ، وَقَالَ غَيره: لَا يمْنَع ذَلِك على قَول أهل اللُّغَة، لِأَن معنى طَائِفَة: قِطْعَة، يُقَال أكلت طَائِفَة من الشَّاة أَي: قِطْعَة مِنْهَا.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِي إقامَةِ الحُدُودِ.
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تأخذكم بهما رأفة} ٠ النُّور: ٢ يَعْنِي: رَحْمَة فِي إِقَامَة الْحُدُود، ويروى: رأفة ويروى: رأفة إِقَامَة الْحُدُود بِدُونِ لفظ فِي، ويروى: قَالَ ابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَعَلِيهِ جرى ابْن بطال، وَالْمُعْتَمد هُوَ الأول، وَابْن علية اسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، وَعَلِيهِ اسْم أمه مولاة لبني أَسد.
٦٨٣١ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ، حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى ولَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي سَلمَة الْمَاجشون.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله ... الخ. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة.
قَوْله: وَلم يحصن على صِيغَة الْمَجْهُول والمعلوم. قَوْله: جلد مائَة بِالنّصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بجلد مائَة. قَوْله: وتغريب عَام عطف عَلَيْهِ.
وَفِي التَّوْضِيح فِي الحَدِيث تغريب الْبكر مَعَ الْجلد وَهُوَ حجَّة على أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي إِنْكَار التَّغْرِيب. قلت: أَبُو حنيفَة يحْتَج بِظَاهِر الْقُرْآن فَإِنَّهُ لَا نفي فِيهِ، وَقَالَ مَالك: ينفى الْبكر الْحر وَلَا تغرب الْمَرْأَة وَلَا العَبْد، وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: يغرب الْمَرْأَة وَالرجل. وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي نفي العَبْد، وَعند الشَّافِعِيَّة: لَا تغرب الْمَرْأَة وَحدهَا بل مَعَ زوج أَو محرم وَاخْتلف فِي الْمسَافَة الَّتِي تغرب إِلَيْهَا، فَروِيَ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: إِلَى فدك، وَمثله عَن ابْنه، وَبِه قَالَ عبد الْملك، وَزَاد: إِلَى مثل الجيار من الْمَدِينَة، وَرُوِيَ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة، وَقَالَ الشّعبِيّ: يَنْفِيه من عمله إِلَى غَيره. وَقَالَ مَالك: يغرب عَاما فِي بلد يحبس فِيهِ لِئَلَّا يرجع إِلَى الْبَلَد الَّذِي نفي مِنْهُ، وَعَن أَحْمد: إِلَى قدر مَا تقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِلَى ميل وَأَقل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يجزىء من ذَلِك مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم النَّفْي قل أَو كثر.
(قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عمر بن الْخطاب غرب ثمَّ لم تزل تِلْكَ السّنة) هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَي قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام أَن عمر إِلَى آخِره وَهَذَا مُنْقَطع لِأَن عُرْوَة لم يسمع من عمر رَضِي الله عَنهُ لكنه ثَبت عَن عمر من وَجه آخر أخرجه التِّرْمِذِيّ حَدثنِي أَبُو كريب وَيحيى بن أكتم قَالَا حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضرب وَغرب وَأَن أَبَا بكر ضرب وَغرب وَأَن عمر ضرب وَغرب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن خُزَيْمَة وَصَححهُ الْحَاكِم وَذكر التِّرْمِذِيّ أَن أَكثر أَصْحَاب عبيد الله بن عمر رَوَوْهُ عَنهُ مَوْقُوفا على أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله " ثمَّ لم تزل " بِفَتْح الزَّاي قَوْله " تِلْكَ "
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى أَنَّ مَنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ فِتْنَةً وَأَنْ لَا يُجِيبُوا إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ الْحَقِّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ وَيُنَاظِرَهُمْ وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: فَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ؟ إِذًا لَا يَصْلُحَانِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟ مَنْ صَاحِبُهُ؟ ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ مَنْ هُمَا؟ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ أَحْسَنَ بَيْعَةٍ وَأَجْمَلَهَا.
وَفِيهِ أَنَّ لِلْكَبِيرِ الْقَدْرِ أَنْ يَتَوَاضَعَ وَيُفَضِّلَ مَنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَدَبًا وَفِرَارًا مِنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ ابْسُطْ يَدَكَ لَمْ يَمْتَنِعْ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ إِمَامٍ.
وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ يُخْشَى فِي بَقَائِهِ فِتْنَةٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ غَيْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ حَتَّى يَطْلُبَهُ الْمَقْذُوفُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاذِفِهِ أَوْ يُرِيدُ السَّتْرَ.
وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إِنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ الْوُقُوعَ فِي مَحْذُورٍ أَنْ يَأْتِيَهِمْ فَيَعِظَهُمْ وَيُحَذِّرَهُمْ قَبْلَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشِّيعَةِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ إِمَامَتِهِ وَلَا اسْتِحْقَاقَهُ لِلْخِلَافَةِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَوَاضُعًا مِنْهُ، وَالثَّانِي: لِتَجْوِيزِهِ إِمَامَةَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَقِّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِغَيْرِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَرْضَى أَنْ يَتَقَدَّمَهُ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ غَائِبًا فِي جِهَادِ أَهْلِ الشَّامِ مُتَشَاغِلًا بِفَتْحِهَا، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ عُمَرَ: لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي إِلَخْ، عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ.
وَفِيهِ إِشَارَةُ ذِي الرَّأْيِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بِمَا يَنْفَعُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ، وَرُجُوعُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُضُوحِ الصَّوَابِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ إِذَا بَايَعُوا الْخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَهُ بِالْخَلْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَيَصِيرُ كَمَنْ قُتِلَ. وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِ عُمَرَ فِي حَقِّ سَعْدٍ: اقْتُلُوهُ أَيِ اجْعَلُوهُ كَمَنْ قُتِلَ.
٣٢ - بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ.
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ "عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ"
٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ "وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ"
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ خَبَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الزِّيَادَةَ بِلَفْظِ: وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَاللَّذَانِ بَلَغَا سِنًّا يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْرُوقٍ: الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ، وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَلَا يُجْلَدَانِ، وَالشَّيْخَانِ يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقَ عَلَى نَفْيِ الزَّانِي إِلَّا عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا تُنْفَى.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْرِيبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُدُ، وَالطَّبَرِيُّ بِالتَّعْمِيمِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ، وَخَصَّ الْأَوْزَاعِيُّ النَّفْيَ بِالذُّكُورِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ بِأَنَّ فِي نَفْيِ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ؛ لِمَنْعِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ نَفْيِهِ، وَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ إِلَّا الْجَانِي، وَمِنْ ثَمَّ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَخَطَبَ عُمَرُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُنْفَى إِلَيْهَا: فَقِيلَ هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إِلَى يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقِيلَ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، وَقِيلَ إِلَى مِيلٍ، وَقِيلَ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ نَفْيٍ.
وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَبْسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا نَفْيَ وَمِنْ عَجِيبِ الِاسْتِدْلَالِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ لِسُقُوطِ النَّفْيِ أَصْلًا بِأَنَّ نَفْيَ الْأَمَةِ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ: بِيعُوهَا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ عَنِ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ قَالَ: وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى النِّسَاءِ نَفْيٌ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّجَالِ، كَذَا قَالَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا سَقَطَ خُصَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْبِكْرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُحْصَنِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ؛ فَعَنْ مَالِكٍ: يَخْتَصُّ بِالظَّهْرِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا جَلْدٌ فِي ظَهْرِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ، وَيُجْلَدُ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا مُجَرَّدًا، وَالْمَرْأَةَ قَاعِدَةً، وَفِي الْقَذْفِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجَرَّدُ أَحَدٌ فِي الْحَدِّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ لِلنَّفْيِ ذِكْرٌ فَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يُزَادُ عَلَى الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ عَمِلُوا بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّ يُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوتِ إِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ: لَمَّا نَزَلَ ﴿وَاللاتِي
يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ فِي لِبَعْضِهِمْ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنُ عُلَيَّةَ بِلَامٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رَآهُ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ نَظِيرُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ: يُقَامُ وَلَا يُعَطَّلُ وَالْمُرَادُ بِتَعْطِيلِ الْحَدِّ تَرْكُهُ أَصْلًا أَوْ نَقْصُهُ عَدَدًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الِاجْتِزَاءَ بِوَاحِدٍ، وَعَنْ إِسْحَاقَ اثْنَيْنِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيٍّ أَرْبَعَةٍ، وَعَنْ رَبِيعَةَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَعَنِ الْحَسَنِ عَشَرَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَدْنَاهَا رَجُلٌ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ اثْنَانِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) هَكَذَا اخْتَصَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ السَّنَدِ ذِكْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنَ الْمَتْنِ سِيَاقَ قِصَّةِ الْعَسِيفِ كُلِّهَا، وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِ: يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ اخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُهُ: جَلْدَ مِائَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ أَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ.
قَوْلُهُ: (غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَانُ ثُمَّ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ (عَنْ عُقَيْلٍ) وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) هَكَذَا خَالَفَ عُقَيْلٌ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَتْنُ مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ، فَقَدْ وَافَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ جَمِيعَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ شَيْخَهُ عِنْدَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا آخَرَ فَالرَّاجِحُ قَوْلُ عُقَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَكِنْ قَدْ رَوَى عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ مُوَافِقًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَيْنٍ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُصَغَّرٌ - ابْنُ الْمُثَنَّى، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوِلَاءِ: حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ. وَابْنُ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ لَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْيٍّ عَامٍّ وَبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَعُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِمَعْنَى مَعَ. وَالْمُرَادُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَلْدُ الْمِائَةِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْجَلْدُ لِكَوْنِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٣١ - ٦٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بنِ درهم، أبو غسان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن سلمةَ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى) -رجلٌ أو امرأةٌ- (وَلَمْ يُحْصَنْ) بضم أوله وفتح الصاد (١) (جَلْدَ مِئَةٍ) بنصب جلد على نزعِ الخافِض (وَتَغْرِيبَ عَامٍ) ولاءً (٢) إلى مسافة القصر؛ لأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبعدِ عن الأهلِ والوطن فأكثر إنْ رآه الإمام؛ لأنَّ عمر غرَّب إلى الشَّأم، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة، ولا يكفي تغريبُه إلى ما دون مسافةِ القصر؛ إذ لا يتمُّ الإيحاشُ المذكور به؛ لأنَّ الأخبار تتواصلُ إليه حينئذٍ.
وحكى ابن نصر في كتاب «الإجماع» الاتِّفاق على نفي الزَّاني إلَّا عند الكوفيِّين وعليه الجمهور، وادَّعى الطَّحاويُّ أنَّه منسوخٌ، واختلف القائلون بالتَّغريب فقال الشَّافعيُّ بالتَّعميم للرَّجل (٣) والمرأة، وفي قول له: لا يُنفى الرَّقيق. وخصَّ مالكٌ النَّفي بالرَّجل وقيَّده بالحرِّ، وعن (٤) أحمد روايتان، واحتجَّ من شرطَ الحريَّة بأنَّ في نفي العبد عُقوبة لمالكهِ لمنعه (٥) منفعتَه مدَّة نفيه، وتصرُّفُ الشَّرعِ يقتضي أن لا يُعاقب غير الجاني.
وهذا الحديثُ سبقَ في «الشَّهادات»، في «باب شهادةِ القاذف» [خ¦٢٦٤٩] واختصر عبدُ العزيز من السَّند ذكر أبي هُريرة، ومن المتن سياق قصَّة العسيفِ، واقتصرَ منها على ما ذكرَه، ويحتمل أن يكون ابنُ شهابٍ اختصره لما حدَّث به عبد العزيز، قاله في «الفتح».
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلم -بالسَّند السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) ابن العوَّام (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (غَرَّبَ) وهذا منقطعٌ؛ لأنَّ عروة لم يسمعْ من عمر، لكنَّه ثبت عن عمر من وجهٍ آخر أخرجه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم من رواية
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
تعرف السِّيَادَة بِكَوْن لكل قَبيلَة سيد لَا تطيع إلَاّ سيد قَومهَا، فَجرى هَذَا القَوْل مِنْهُ على الْعَادة الْمَعْهُودَة حِين لم يعرف أَن حكم الْإِسْلَام بِخِلَافِهِ، فَلَمَّا بلغه أَن الْخلَافَة فِي قُرَيْش أمسك عَن ذَلِك. وَأَقْبَلت الْجَمَاعَة إِلَى الْبيعَة. قَوْله: إِنَّا جذيلها بِضَم الْجِيم. مصغر الجذل بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال وَهُوَ أصل الشّجر، وَالْمرَاد بِهِ عود ينصب فِي العطن للجربى لتحتك. أَي: أَنا مِمَّن يستشفى فِيهِ برأيي كَمَا يستشفى الْإِبِل الجربى بالاحتكاك بِهِ، والتصغير للتعظيم، والمحكك صفة: جذيل. قَوْله: وعذيقها مصغر العذق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة النّخل وبالكسر القنو مِنْهَا. قَوْله: المرجب من الترجيب وَهُوَ التَّعْظِيم وَهُوَ أَنَّهَا إِذا كَانَت كَرِيمَة فمالت بنوا لَهَا من جَانبهَا المائل بِنَاء رفيعاً كالدعامة ليعتمدها وَلَا يسْقط، وَلَا يعْمل ذَلِك إلَاّ لكرمها، وَقيل: هُوَ ضم عذاقها إِلَى سعفاتها وشدها بالخوص لِئَلَّا ينفضها الرّيح، أَو يوضع الشوك حولهَا لِئَلَّا تصل إِلَيْهَا الْأَيْدِي المتفرقة. قَوْله: اللَّغط بالغين الْمُعْجَمَة الصَّوْت والجلبة. قَوْله: حَتَّى فرقت بِكَسْر الرَّاء أَي: حَتَّى خشيت، وَفِي رِوَايَة مَالك: حَتَّى خفت، وَفِي رِوَايَة جوَيْرِية: حَتَّى أشفقنا الِاخْتِلَاف. قَوْله: ونزونا بِفَتْح النُّون وَالزَّاي وَسُكُون الْوَاو أَي: وثبنا عَلَيْهِ وغلبنا عَلَيْهِ. قَوْله: قتلتم سعد بن عبَادَة قيل: مَا مَعْنَاهُ وَهُوَ كَانَ حَيا؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا كِنَايَة عَن الْإِعْرَاض والخذلان والاحتساب فِي عدد الْقَتْلَى لِأَن من أبطل فعله وسلب قوته فَهُوَ كالمقتول. قَوْله: فَقلت: قتل الله سعد بن عبَادَة الْقَائِل هُوَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوجه قَوْله هَذَا إِمَّا إِخْبَار عَمَّا قدر الله عَن إهماله وَعدم صَيْرُورَته خَليفَة، وَإِمَّا دُعَاء صدر عَنهُ عَلَيْهِ فِي مُقَابلَة عدم نصرته للحق. قيل: إِنَّه تخلف عَن الْبيعَة وَخرج إِلَى الشَّام فَوجدَ مَيتا فِي مغتسله وَقد اخضر جسده وَلم يشعروا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا قَائِلا يَقُول وَلَا يرَوْنَ شخصه.
الْخَزْرَج سعد بن عبَادَة فرميناه بسهمين فَلم نخط فُؤَاده.
قَوْله: مَا وجدنَا أَي: من دفن رَسُول الله قَوْله: من أَمر فِي مَوضِع الْمَفْعُول. قَوْله: أقوى مفعول. قَوْله: مَا وجدنَا قَوْله: وَلم تكن بيعَة جملَة حَالية. قَوْله: أَن يبايعوا بِفَتْح همزَة أَن لِأَنَّهُ مفعول قَوْله: خشينا قَوْله: فإمَّا بايعناهم من الْمُبَايعَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف قبل الْعين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تابعناهم بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة قبل الْعين. قَوْله: على مَا لَا نرضى ويروى: على مَا نرضى، وَالْأول هُوَ الْوَجْه وَهُوَ رِوَايَة مَالك أَيْضا. قَوْله: فَمن بَايع رجلا بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة مَالك: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: فَلَا يُتَابع هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُتَابَعَة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: وَلَا الَّذِي بَايعه بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: تغرة أَن يقتلا أَي خوف وقوعهما فِي الْقَتْل، وَقد مر تَفْسِير هَذَا عَن قريب.
٣٢ - (بابٌ البِكْرَانِ يُجْلَدانِ ويُنْفَيانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ البكران يجلدان وينفيان، وَهُوَ تَثْنِيَة بكر وَهُوَ الَّذِي لم يُجَامع فِي نِكَاح صَحِيح وَإِنَّمَا ثنَّاه ليشْمل الرجل وَالْمَرْأَة. فَقَوله: البكران، مُبْتَدأ: ويجلدان، على صِيغَة الْمَجْهُول خَبره وَقد ورد خبر بِلَفْظ التَّرْجَمَة أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثله.
النُّور: ٢ ٣ ف
سَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة إِلَى قَوْله: الْمُؤْمِنُونَ كَمَا ذكر هُنَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق من قَوْله: الزَّانِيَة إِلَى قَوْله: فِي دين الله ثمَّ قَالَ الْآيَة، ثمَّ إِنَّه ذكر الْآيَة الأولى لبَيَان أَن الْجلد ثَابت بِكِتَاب الله عز وَجل، وَذكر الْآيَة الثَّانِيَة لتعلقها بِمَا قبلهَا وَذَلِكَ لِأَن قَوْله: الزاينة وَالزَّانِي يدلان على الجنسين المنافيين لجنسي الْعَفِيف والعفيفة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى هَذَا {الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة} يَعْنِي لَا يرغب فِي نِكَاح الصوالح من النِّسَاء، وَكَذَا الزَّانِيَة لَا ترغب فِي نِكَاح الصلحاء من الرِّجَال.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا قَالَه مُجَاهِد: إِنَّه كَانَ فِي
الْجَاهِلِيَّة نسَاء يَزْنِين فَأَرَادَ أنَاس من الْمُسلمين نِكَاحهنَّ، فَنزلت. وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة، وَعَن سعيد بن الْمسيب: إِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: {وَانْكِحُوا الايامى مِنْكُم} (٠ النُّور: ٣٢ ف وَالْآيَة الأولى ناسخة لقَوْله تَعَالَى: واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم} ٠ النِّسَاء: ١٥ ف الْآيَة وَلقَوْله: {واللذان يأتيانها مِنْكُم فأذوها} ٠ النِّسَاء: ١٦ ف فَكل من زنى مِنْهُمَا أوذي إِلَى الْمَوْت، قَالَه مُجَاهِد، وَقَالَ النّحاس: لَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْمُفَسّرين قَوْله: {لَا تأخذكم بهما رأفة} أَي: لَا تأخذكم بسببهما رَحْمَة، وَالْمعْنَى: لَا تخففوا الْعَذَاب وَلَكِن أوجعوهما. قَوْله: إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يَعْنِي: إِن كُنْتُم تصدقُونَ بتوحيد الله وبالبعث الَّذِي فِيهِ جَزَاء الْأَعْمَال.
قَوْله: طَائِفَة اخْتلفُوا فِي مبلغ عَددهَا، فَعَن النَّخعِيّ وَمُجاهد: أَقَله رجل وَاحِد فَمَا فَوْقه، وَعَن عَطاء وَعِكْرِمَة: رجلَانِ فَصَاعِدا، وَعَن الزُّهْرِيّ: ثَلَاثَة فَصَاعِدا وَعَن ابْن زيد: أَرْبَعَة بِعَدَد من تقبل شَهَادَته على الزِّنَى، وَعَن قَتَادَة نفر من الْمُسلمين. وَقَالَ الزّجاج: لَا يجوز أَن تكون الطَّائِفَة وَاحِدًا لِأَن مَعْنَاهَا معنى الْجَمَاعَة، وَالْجَمَاعَة لَا تكون أقل من اثْنَيْنِ، وَقَالَ غَيره: لَا يمْنَع ذَلِك على قَول أهل اللُّغَة، لِأَن معنى طَائِفَة: قِطْعَة، يُقَال أكلت طَائِفَة من الشَّاة أَي: قِطْعَة مِنْهَا.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِي إقامَةِ الحُدُودِ.
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تأخذكم بهما رأفة} ٠ النُّور: ٢ يَعْنِي: رَحْمَة فِي إِقَامَة الْحُدُود، ويروى: رأفة ويروى: رأفة إِقَامَة الْحُدُود بِدُونِ لفظ فِي، ويروى: قَالَ ابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَعَلِيهِ جرى ابْن بطال، وَالْمُعْتَمد هُوَ الأول، وَابْن علية اسْمه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، وَعَلِيهِ اسْم أمه مولاة لبني أَسد.
٦٨٣١ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ، حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى ولَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي سَلمَة الْمَاجشون.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله ... الخ. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة.
قَوْله: وَلم يحصن على صِيغَة الْمَجْهُول والمعلوم. قَوْله: جلد مائَة بِالنّصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بجلد مائَة. قَوْله: وتغريب عَام عطف عَلَيْهِ.
وَفِي التَّوْضِيح فِي الحَدِيث تغريب الْبكر مَعَ الْجلد وَهُوَ حجَّة على أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي إِنْكَار التَّغْرِيب. قلت: أَبُو حنيفَة يحْتَج بِظَاهِر الْقُرْآن فَإِنَّهُ لَا نفي فِيهِ، وَقَالَ مَالك: ينفى الْبكر الْحر وَلَا تغرب الْمَرْأَة وَلَا العَبْد، وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: يغرب الْمَرْأَة وَالرجل. وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي نفي العَبْد، وَعند الشَّافِعِيَّة: لَا تغرب الْمَرْأَة وَحدهَا بل مَعَ زوج أَو محرم وَاخْتلف فِي الْمسَافَة الَّتِي تغرب إِلَيْهَا، فَروِيَ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: إِلَى فدك، وَمثله عَن ابْنه، وَبِه قَالَ عبد الْملك، وَزَاد: إِلَى مثل الجيار من الْمَدِينَة، وَرُوِيَ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة، وَقَالَ الشّعبِيّ: يَنْفِيه من عمله إِلَى غَيره. وَقَالَ مَالك: يغرب عَاما فِي بلد يحبس فِيهِ لِئَلَّا يرجع إِلَى الْبَلَد الَّذِي نفي مِنْهُ، وَعَن أَحْمد: إِلَى قدر مَا تقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِلَى ميل وَأَقل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يجزىء من ذَلِك مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم النَّفْي قل أَو كثر.
(قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عمر بن الْخطاب غرب ثمَّ لم تزل تِلْكَ السّنة) هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَي قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام أَن عمر إِلَى آخِره وَهَذَا مُنْقَطع لِأَن عُرْوَة لم يسمع من عمر رَضِي الله عَنهُ لكنه ثَبت عَن عمر من وَجه آخر أخرجه التِّرْمِذِيّ حَدثنِي أَبُو كريب وَيحيى بن أكتم قَالَا حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ضرب وَغرب وَأَن أَبَا بكر ضرب وَغرب وَأَن عمر ضرب وَغرب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن خُزَيْمَة وَصَححهُ الْحَاكِم وَذكر التِّرْمِذِيّ أَن أَكثر أَصْحَاب عبيد الله بن عمر رَوَوْهُ عَنهُ مَوْقُوفا على أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله " ثمَّ لم تزل " بِفَتْح الزَّاي قَوْله " تِلْكَ "
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56