الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 524
الحديث رقم 524 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البيعة على إقام الصلاة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
يُخْبِرُ الصحابيُّ جريرُ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه أنه التزمَ وعاهَدَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على التوحيد وأداء الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة، بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وعلى أداء الزكاة المكتوبة، وهي عبادة مالية واجبة، تؤخذ من الأغنياء وتعطى المستحقين مِن الفقراء وغيرهم، وعلى الطاعة لولاة الأمر، والنصح لكل مسلم، وذلك بالحرص على منفعته، وإيصال الخير إليه، ودفع الشر عنه بالقول والفعل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
آخر، قاله ابن الصَّلاح (وَأَنْهَى) وللحَمُّويي والأَصيليِّ (١): «وأنهاكم» (عَنِ) الانتباذ في (الدُّبَّاءِ) بضمِّ الدَّال وتشديد المُوحَّدة ممدودًا (٢): اليقطين اليابس (و) عن الانتباذ في (الحَنْتَمِ) بفتح المُهمَلة: الجرار الخضر، أو غير ذلك (وَ) في (المُقَيَّرِ) ما طُلِيَ بالقار (وَ) في (النَّقِيرِ) بفتح النُّون وكسر القاف، ما يُنقَر في أصل النَّخلة فيُوعَى فيه.
وقد سبقت مباحث هذا الحديث في «باب أداء الخمس من الإيمان»، ووجه مُطابقَته للتَّرجمة من جهة أنَّ في الآية اقتران نفي الشِّرك بإقامة الصَّلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التَّوحيد بإقامتها.
ورواته الأربعة ما بين بلخيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
(٣) (بابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) كذا لأبي ذَرٍّ كما في الفرع وأصله، ولغيره: «إقامة» بالتَّاء، وعزاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمة فقط.
٥٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بتشديد النُّون المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ -بالمهملة والزَّاي-
البجليُّ (١) الكوفيُّ، التَّابعيُّ المُخضرَم (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح الجيم، البجليِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) المكتوبة (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المفروضة (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وخصَّ مُبايَعة جريرٍ بـ «النَّصيحة» لأنَّه كان سيِّد بجيلة وقائدهم، فأرشده (٢) إلى النَّصيحة لأنَّ حاجته إليها أمسُّ، بخلاف وفد عبد القيس ذكر لهم «أداء الخمس» لكونهم أهل مُحارَبةٍ مع من يليهم من كفَّار (٣) مضر، فذُكِر لكلِّ قومٍ الأهمُّ ممَّا يحتاجون إليه ويُخافُ عليهم من جهته، وقد تقدَّمت مباحث الحديث في «باب الدِّين (٤) النصيحة» [خ¦٥٧] آخر «كتاب الإيمان».
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ) للخطايا، ولأبي ذَرٍّ والمُستملي، وفي نسخةٍ للأَصيليِّ (٥): «باب تكفير الصَّلاة» بإضافة «بابٍ» لتاليه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، والترجمة على الْجُزْء الأول مِنْهَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة، تقدم، وَيحيى هُوَ الْقطَّان. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد. وَقيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَعَ هَذَا الاسناد، غير مُحَمَّد بن الْمثنى، قد مضى فِي بَاب قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ فِي آخر كتاب الْإِيمَان، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بلطائف الْإِسْنَاد، وَمعنى الحَدِيث وَغير ذَلِك مُسْتَوفى مستقصىً.
٤ - (بابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّلَاة كَفَّارَة، هَكَذَا: الصَّلَاة كَفَّارَة، فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بَاب تَكْفِير الصَّلَاة الْكَفَّارَة عبارَة عَن الفعلة والخصلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة أَي: تسترها وتمحوها، وَهِي على وزن: فعالة بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة، كقتالة وضرابة، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي بَاب الإسمية، واشتقاقها من الْكفْر بِالْفَتْح وَهُوَ تَغْطِيَة الشَّيْء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من: كفر، بِالتَّشْدِيدِ.
٤ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن الْأَعْمَش قَالَ حَدثنِي شَقِيق قَالَ سَمِعت حُذَيْفَة قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ أَيّكُم يحفظ قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْفِتْنَة قلت أَنا كَمَا قَالَه قَالَ إِنَّك عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا لجريء قلت فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره تكفرها الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَلَكِن الْفِتْنَة الَّتِي تموج كَمَا يموج الْبَحْر قَالَ لَيْسَ عَلَيْك مِنْهَا بَأْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقا قَالَ أيكسر أم يفتح قَالَ يكسر قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا قُلْنَا أَكَانَ عمر يعلم الْبَاب قَالَ نعم كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة إِنِّي حدثته بِحَدِيث لَيْسَ بالأغاليط فهبنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة فَأمرنَا مسروقا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَاب عمر) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي أَبُو وَائِل الْكُوفِي. الْخَامِس حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه حَدثنِي حُذَيْفَة رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره سَمِعت حُذَيْفَة وَفِيه بصريان وهما مُسَدّد وَيحيى وكوفيان الْأَعْمَش وشقيق (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عمر بن حَفْص قَالَه الْمزي فِي الْأَطْرَاف وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا أخرجه عَن عمر بن حَفْص فِي الْفِتَن وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن ابْن نمير وَأبي بكر كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة قَالَه الْمزي وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن ابْن نمير وَأبي كريب وَمُحَمّد بن الْمثنى ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة فَوَهم فِي ذكره لأبي بكر وَفِي إِسْقَاطه لِابْنِ الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ أَيْضا عَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَأبي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش
(ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كُنَّا جُلُوسًا " أَي جالسين قَوْله " فِي الْفِتْنَة " وَهِي الْخِبْرَة والإعجاب بالشَّيْء فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه وأباها الْأَصْمَعِي وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فتنه جعل فِيهِ فتْنَة وأفتنه أوصل الْفِتْنَة إِلَيْهِ قَالَ إِذا قَالَ أفتنته فقد تعرض الْفِتَن وَإِذا قَالَ فتنته فَلم يتَعَرَّض الْفِتَن وَحكى أَبُو زيد أفتن الرجل بِصِيغَة مَا لم يسم فَاعله أَي فتن والفتنة الضلال وَالْإِثْم وَفتن الرجل أماله عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} والفتنة الْكفْر قَالَ تَعَالَى {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} والفتنة الفضيحة والفتنة الْعَذَاب والفتنة مَا يَقع بَين النَّاس من الْقِتَال ذكره ابْن سَيّده والفتنة البلية وأصل ذَلِك كُله من الاختبار وَأَنه من فتنت الذَّهَب فِي النَّار إِذا اختبرته وَفِي الغريبين الْفِتْنَة الغلو فِي التَّأْوِيل المظلم وَقَالَ ابْن طريف فتنته وأفتنته وَفتن بِكَسْر التَّاء فُتُونًا تحول من حسن إِلَى قَبِيح وَفتن إِلَى النِّسَاء وَفتن فِيهِنَّ أَرَادَ الْفُجُور بِهن وَفِي الجمهرة فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا وَفِي الصِّحَاح قَالَ الْفراء أهل الْحجاز يَقُولُونَ (مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين) وَأهل نجد يَقُولُونَ بمفتنين من أفتنت وَزعم عِيَاض أَنَّهَا الِابْتِلَاء والامتحان قَالَ وَقد صَار فِي عرف الْكَلَام لكل أَمر كشفه الاختبار عَن سوء وَيكون فِي الْخَيْر وَالشَّر قَالَ تَعَالَى {ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة} قَوْله " قلت أَنا كَمَا قَالَه " أَي أحفظ كَمَا قَالَه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) الْكَاف هَهُنَا لماذا وَهُوَ حَافظ لنَفس قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا كمثله (قلت) يجوز أَن تكون الْكَاف هُنَا للتَّعْلِيل لِأَنَّهَا اقترنت بِكَلِمَة مَا المصدرية أَي أحفظ لأجل حفظ كَلَامه وَيجوز أَن تكون للاستعلاء يَعْنِي أحفظ على مَا عَلَيْهِ قَوْله وَقَالَ الْكرْمَانِي لَعَلَّه نَقله بِالْمَعْنَى فاللفظ مثل لَفظه فِي أَدَاء ذَلِك الْمَعْنى (قلت) حَاصِل كَلَامه يؤول إِلَى معنى المثلية وَهُوَ فِي سُؤَاله نفي المثلية فَانْتفى بذلك أَن تكون الْكَاف للتشبيه وَقَالَ بَعضهم الْكَاف زَائِدَة (قلت) هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي وَلم يبين وَاحِد مِنْهُمَا أَن الْكَاف إِذا كَانَت زَائِدَة مَا تكون فَائِدَته (فَإِن قلت) لفظ أَنا مُفْرد وَهُوَ مقول قَوْله (قلت) وَقد علم أَن مقول القَوْل يكون جملَة (قلت) أَنا مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا أحفظ أَو أضبط أَو نَحْوهمَا قَوْله " عَلَيْهِ " أَي قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " أَو عَلَيْهَا " أَي أَو على مقَالَته وَالشَّكّ من حُذَيْفَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) يجوز أَن يكون مِمَّن دونه قَوْله " لجريء " خبر أَن فِي قَوْله " إِنَّك " وَاللَّام للتَّأْكِيد والجريء على وزن فعيل من الجراءة وَهِي الْإِقْدَام على الشَّيْء قَوْله " فتْنَة الرجل فِي أَهله " قَالَ ابْن بطال فتْنَة الرجل فِي أَهله أَن يَأْتِي من أَجلهم مَا لَا يحل لَهُ من القَوْل أَو الْعَمَل مِمَّا لم يبلغ كَبِيرَة وَقَالَ الْمُهلب يُرِيد مَا يعرض لَهُ مَعَهُنَّ من شَرّ أَو حزن أَو شُبْهَة قَوْله " وَمَاله " فتْنَة الرجل فِي مَاله أَن يَأْخُذهُ من غير مأخذه ويصرفه فِي غير مصرفه أَو التَّفْرِيط بِمَا يلْزمه من حُقُوق المَال فتكثر عَلَيْهِ المحاسبة قَوْله " وَولده " فتْنَة الرجل فِي وَلَده فرط محبتهم وشغله بهم عَن كثير من الْخَيْر أَو التوغل فِي الِاكْتِسَاب من أَجلهم من غير اكتراث من أَن يكون من حَلَال أَو حرَام قَوْله " وجاره " فتْنَة الرجل فِي جَاره أَن يتَمَنَّى أَن يكون حَاله مثل حَاله إِن كَانَ متسعا قَالَ تَعَالَى {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة} قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " أَي تكفر فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره أَدَاء الصَّلَاة قَالَ تَعَالَى {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ قَول العَبْد سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَقَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ بعض المنتسبين إِلَى الْعلم من أهل عصرنا أَن الْكَبَائِر والصغائر تكفرها الصَّلَاة وَالطَّهَارَة وَاسْتدلَّ بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَبِحَدِيث الصنَابحِي " إِذا تَوَضَّأ خرجت الْخَطَايَا من فِيهِ " الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عمر هَذَا جهل وموافقة للمرجئة وَكَيف يجوز أَن تحمل هَذِه الْأَخْبَار على عمومها وَهُوَ يسمع قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا} فِي آي كثير فَلَو كَانَت الطَّهَارَة وَأَدَاء الصَّلَوَات وأعمال الْبر مكفرة لما احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَة وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فَإِن الْمَعْنى أَنَّهَا تكفر إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر قَوْله " وَالْأَمر " أَي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة (فَإِن قلت) مَا النُّكْتَة فِي تعْيين هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة (قلت) الْحُقُوق لما كَانَت فِي الْأَبدَان وَالْأَمْوَال والأقوال فَذكر من أَفعَال الْأَبدَان أَعْلَاهَا وَهُوَ الصَّلَاة وَالصَّوْم قَالَ الله تَعَالَى {وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين} وَذكر من حُقُوق الْأَمْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الصَّدَقَة وَمن الْأَقْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَوْله " تموج " من ماج الْبَحْر أَي تضطرب وَيدْفَع بَعْضهَا بَعْضهَا لعظمها وَكلمَة مَا فِي كَمَا تموج مَصْدَرِيَّة أَي كموج الْبَحْر وَهُوَ تَشْبِيه غير بليغ قَوْله " قَالَ " أَي قَالَ حُذَيْفَة قَوْله " بَأْس " أَي شدَّة قَوْله
" لبابا " ويروى " بَابا " بِدُونِ اللَّام قَوْله " مغلقا " صفة الْبَاب قَالَ ثَعْلَب فِي الفصيح أغلقت الْبَاب فَهُوَ مغلق وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه والعامة تَقول غلقت بِغَيْر ألف وَهُوَ خطأ وَذكره أَبُو عَليّ الدينَوَرِي فِي بَاب مَا تحذف مِنْهُ الْعَامَّة الْألف وَقَالَ ابْن سَيّده فِي العويص والجوهري فِي الصِّحَاح فأغلقت قَالَ الْجَوْهَرِي وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شَرحه الْأَفْصَح غلقت بِالتَّشْدِيدِ قَالَ الله تَعَالَى {وغلقت الْأَبْوَاب} وَفِيه نظر لِأَن غلقت مُشَدّدَة للتكثير قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره وَفِي الْمُحكم غلق الْبَاب وأغلقه وغلقه الأولى من ابْن دريرد عزاها إِلَى أبي زيد وَهِي نادرة وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام أَن تِلْكَ الْفِتَن لَا يخرج مِنْهَا شَيْء فِي حياتك قَوْله " قَالَ أيكسر " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أيكسر هَذَا الْبَاب أم يفتح قَوْله " قَالَ يكسر " أَي قَالَ حُذَيْفَة يكسر قَوْله " قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا لَا يغلق أبدا هَذَا الْبَاب وَإِذا هُوَ جَوَاب وَجَزَاء أَي إِذا انْكَسَرَ لَا يغلق أبدا لِأَن المكسور لَا يُعَاد بِخِلَاف المفتوح وَالْكَسْر لَا يكون غَالِبا إِلَّا عَن إِكْرَاه وَغَلَبَة وَخلاف عَادَة وَلَفظ لَا يغلق رُوِيَ مَرْفُوعا ومنصوبا وَجه الرّفْع أَن يُقَال أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير الْبَاب إِذا لَا يغلق وَوجه النصب أَن لَا يقدر ذَلِك فَلَا يكون مَا بعده مُعْتَمدًا على مَا قبله وَالْحَاصِل أَنه فعل مُسْتَقْبل مَنْصُوب بِإِذن وَأذن تعْمل النصب فِي الْفِعْل الْمُسْتَقْبل بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي أَن يعْتَمد مَا قبلهَا على مَا بعْدهَا وَأَن يكون الْفِعْل فعل حَال وَأَن لَا يكون مَعهَا وَاو الْعَطف وَهَذِه الثَّلَاثَة مَعْدُومَة فِي النصب قَوْله " قُلْنَا " هُوَ مقول شَقِيق قَوْله " كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة " أَي كَمَا يعلم أَن الْغَد أبعد منا من اللَّيْلَة يُقَال هُوَ دون ذَلِك أَي أقرب مِنْهُ قَوْله " إِنِّي حدثته " مقول حُذَيْفَة قَوْله " لَيْسَ بالأغاليط " جمع أغلوطة وَهِي مَا يغالط بهَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ حدثته حَدِيثا صدقا محققا من أَحَادِيث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا من اجْتِهَاد رَأْي وَنَحْوه وغرضه أَن ذَلِك الْبَاب رجل يقتل أَو يَمُوت كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون حُذَيْفَة علم أَن عمر يقتل وَلكنه كره أَن يُخَاطب عمر بِالْقَتْلِ فَإِن عمر كَانَ يعلم أَنه هُوَ الْبَاب فَأتى بِعِبَارَة يحصل مِنْهَا الْغَرَض وَلَا يكون إِخْبَارًا صَرِيحًا بقتْله قَالَ وَالْحَاصِل أَن الْحَائِل بَين الْفِتْنَة وَالْإِسْلَام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ الْبَاب فَمَا دَامَ عمر حَيا لَا تدخل الْفِتَن فِيهِ فَإِذا مَاتَ دخلت وَكَذَا كَانَ قَوْله " فهبنا " أَي خفنا من هاب وَهُوَ مقول شَقِيق أَيْضا قَوْله " مسروقا " هُوَ مَسْرُوق بن الأجدع وَقد تقدم ذكره قَوْله " فَقَالَ الْبَاب عمر " أَي قَالَ مَسْرُوق الْبَاب هُوَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (فَإِن قلت) قَالَ أَولا أَن بَيْنك وَبَينهَا بَابا فالباب يكون بَين عمر وَبَين الْفِتْنَة وَهنا يَقُول الْبَاب هُوَ عمر وَبَين الْكَلَامَيْنِ مُغَايرَة (قلت) لَا مُغَايرَة بَينهمَا لِأَن المُرَاد بقوله " بَيْنك وَبَينهَا " أَي بَين زَمَانك وَبَين زمَان الْفِتْنَة وجود حياتك وَقَالَ الْكرْمَانِي أَو المُرَاد بَين نَفسك وَبَين الْفِتْنَة بدنك إِذْ الرّوح غير الْبدن أَو بَين الْإِسْلَام والفتنة وَقَالَ أَيْضا (فَإِن قلت) من أَيْن علم حُذَيْفَة أَن الْبَاب عمر وَهل علم من هَذَا السِّيَاق أَنه مُسْند إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بل كل مَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب لم يسند مِنْهُ شَيْء إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) الْكل ظَاهر مُسْند إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَرِينَة السُّؤَال وَالْجَوَاب وَلِأَنَّهُ قَالَ حدثته بِحَدِيث وَلَفظ الحَدِيث الْمُطلق لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي حَدِيثه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) كَيفَ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن الْفِتْنَة الَّتِي تَأتي بعده خوفًا أَن يُدْرِكهَا مَعَ علمه بِأَنَّهُ هُوَ الْبَاب (قلت) من شدَّة خَوفه خشى أَن يكون نسي فَسَأَلَ من يذكرهُ
٥٢٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً أصَابَ منَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {أقِمِ الصَّلَاةَ طرَفَيِ النَّهَارِ وزُلفا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: ١١٤) فقالَ الرَّجُلُ يَا رسولَ الله أَلِي هذَا قالَ لَجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ (الحَدِيث ٥٢٦ طرفه فِي: ٤٦٨٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات) ، لِأَن المُرَاد من الْحَسَنَات: الصَّلَوَات الْخمس، فَإِذا أَقَامَهَا تكفر عَنهُ الذُّنُوب إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر، كَمَا ذكرنَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة: ابْن
زُرَيْع بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة. وَالثَّالِث: سُلَيْمَان بن طرخان أَبُو الْمُعْتَمِر، وَقد مر فِي بَاب من خص بِالْعلمِ. وَالرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل، بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام: النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى نهد بن زيد بن لَيْث بن أسلم، بِضَم اللَّام: ابْن الحاف بن قضاعة، أسلم على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يلقه، وَلكنه أدّى إِلَيْهِ الصَّدقَات، عَاشَ نَحوا من مائَة وَثَلَاثِينَ سنة، وَمَات سنة خمس وَتِسْعين، وَأَنه كَانَ ليُصَلِّي حَتَّى يغشى عَلَيْهِ. وَالْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون مَا خلا قُتَيْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن قُتَيْبَة وَأبي كَامِل كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر بن سلمَان وَعَن عُثْمَان بن جرير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَابْن أبي عدي وَعَن اسماعيل بن مَسْعُود عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَفِي الزَّاهِد عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ: أَبُو الْيُسْر، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وَقد صرح بِهِ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أخبرنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا قيس بن الرّبيع عَن عُثْمَان ابْن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة، عَن أبي الْيُسْر، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَة تبْتَاع تَمرا، فَقلت: إِن فِي الْبَيْت تَمرا أطيب مِنْهُ، فَدخلت معي فِي الْبَيْت، فَأَهْوَيْت إِلَيْهَا فَقَبلتهَا، فَأتيت أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ على نَفسك وَتب، فَأتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أستر على نَفسك وَتب وَلَا تخبر أحدا، فَلم أَصْبِر، فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: أخلفت غازيا فِي سَبِيل الله فِي أَهله بِمثل هَذَا؟ حَتَّى تمنى أَنه لم يكن أسلم إِلَى تِلْكَ السَّاعَة، حَتَّى ظن أَنه من أهل النَّار. قَالَ: فَأَطْرَقَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَويلا. حَتَّى أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: ١١٤) . قَالَ أَبُو الْيُسْر: فَأَتَيْته فقرأها عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَصْحَابه: يَا رَسُول الله أَلِهَذَا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ قَالَ: بل للنَّاس عَامَّة) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقيس بن الرّبيع ضعفه. وَكِيع وَغَيره، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْيُسْر: كَعْب بن عَمْرو السّلمِيّ بَدْرِي. قَوْله: (فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: أَتَى الرجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ بِمَا أَصَابَهُ. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤) يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي أبي الْيُسْر الْمَذْكُور.
وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه: (عَن أبي أُمَامَة أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أقِم فيَّ حد الله، مرّة أَو مرَّتَيْنِ، فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة) ، وروى أَبُو عَليّ الطوسي فِي (كتاب الْأَحْكَام) من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَلم يسمع مِنْهُ (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت رجلا لَقِي امْرَأَة وَلَيْسَ بَينهمَا معرفَة، فَلَيْسَ يَأْتِي الرجل شَيْئا إِلَى امْرَأَته إلَاّ قد أَتَاهُ إِلَيْهَا إلَاّ أَنه لم يُجَامِعهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة، فَأمره أَن يتَوَضَّأ وَيُصلي. قَالَ معَاذ: فَقلت يَا رَسُول الله أَهِي لَهُ خَاصَّة أم للْمُؤْمِنين عَامَّة؟ قَالَ: بل للْمُؤْمِنين عَامَّة) . وروى مُسلم من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (يَا رَسُول الله إِنِّي عَالَجت امْرَأَة فِي أقْصَى الْمَدِينَة، وَإِنِّي أصبت مِنْهَا مَا دون أَن أَمسهَا، فَأَنا هَذَا فَاقْض فيَّ بِمَا شِئْت. فَقَالَ عمر: لقد سترك الله لَو سترت على نَفسك، وَلم يرد عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا. فَانْطَلق الرجل فَأتبعهُ رجلا فَتلا عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة) . وَاعْلَم أَن فِي كَون الرجل فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: أَبَا الْيُسْر، هُوَ أصح الْأَقْوَال السِّتَّة. القَوْل الثَّانِي: إِنَّه عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، أَبُو حَبَّة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، التمار، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَمْرو بن غزيَّة تبْتَاع تَمرا، فَقَالَ: إِن فِي بَيْتِي تَمرا فانطلقي أبيعك مِنْهُ، فَلَمَّا دخلت الْبَيْت بَطش بهَا، فَصنعَ بهَا كل شَيْء إلاّ أَنه لم يَقع عَلَيْهَا، فَلَمَّا ذهب عَنهُ الشَّيْطَان نَدم على مَا صنع، وأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله تناولت امْرَأَة فصنعت بهَا كل شَيْء يصنع الرجل بامرأته إلَاّ أَنِّي لم أقع عَلَيْهَا. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أَدْرِي، وَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
آخر، قاله ابن الصَّلاح (وَأَنْهَى) وللحَمُّويي والأَصيليِّ (١): «وأنهاكم» (عَنِ) الانتباذ في (الدُّبَّاءِ) بضمِّ الدَّال وتشديد المُوحَّدة ممدودًا (٢): اليقطين اليابس (و) عن الانتباذ في (الحَنْتَمِ) بفتح المُهمَلة: الجرار الخضر، أو غير ذلك (وَ) في (المُقَيَّرِ) ما طُلِيَ بالقار (وَ) في (النَّقِيرِ) بفتح النُّون وكسر القاف، ما يُنقَر في أصل النَّخلة فيُوعَى فيه.
وقد سبقت مباحث هذا الحديث في «باب أداء الخمس من الإيمان»، ووجه مُطابقَته للتَّرجمة من جهة أنَّ في الآية اقتران نفي الشِّرك بإقامة الصَّلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التَّوحيد بإقامتها.
ورواته الأربعة ما بين بلخيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
(٣) (بابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) كذا لأبي ذَرٍّ كما في الفرع وأصله، ولغيره: «إقامة» بالتَّاء، وعزاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمة فقط.
٥٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بتشديد النُّون المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ -بالمهملة والزَّاي-
البجليُّ (١) الكوفيُّ، التَّابعيُّ المُخضرَم (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح الجيم، البجليِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) المكتوبة (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المفروضة (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وخصَّ مُبايَعة جريرٍ بـ «النَّصيحة» لأنَّه كان سيِّد بجيلة وقائدهم، فأرشده (٢) إلى النَّصيحة لأنَّ حاجته إليها أمسُّ، بخلاف وفد عبد القيس ذكر لهم «أداء الخمس» لكونهم أهل مُحارَبةٍ مع من يليهم من كفَّار (٣) مضر، فذُكِر لكلِّ قومٍ الأهمُّ ممَّا يحتاجون إليه ويُخافُ عليهم من جهته، وقد تقدَّمت مباحث الحديث في «باب الدِّين (٤) النصيحة» [خ¦٥٧] آخر «كتاب الإيمان».
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ) للخطايا، ولأبي ذَرٍّ والمُستملي، وفي نسخةٍ للأَصيليِّ (٥): «باب تكفير الصَّلاة» بإضافة «بابٍ» لتاليه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، والترجمة على الْجُزْء الأول مِنْهَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة، تقدم، وَيحيى هُوَ الْقطَّان. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد. وَقيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَعَ هَذَا الاسناد، غير مُحَمَّد بن الْمثنى، قد مضى فِي بَاب قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ فِي آخر كتاب الْإِيمَان، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بلطائف الْإِسْنَاد، وَمعنى الحَدِيث وَغير ذَلِك مُسْتَوفى مستقصىً.
٤ - (بابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّلَاة كَفَّارَة، هَكَذَا: الصَّلَاة كَفَّارَة، فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بَاب تَكْفِير الصَّلَاة الْكَفَّارَة عبارَة عَن الفعلة والخصلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة أَي: تسترها وتمحوها، وَهِي على وزن: فعالة بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة، كقتالة وضرابة، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي بَاب الإسمية، واشتقاقها من الْكفْر بِالْفَتْح وَهُوَ تَغْطِيَة الشَّيْء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من: كفر، بِالتَّشْدِيدِ.
٤ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن الْأَعْمَش قَالَ حَدثنِي شَقِيق قَالَ سَمِعت حُذَيْفَة قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ أَيّكُم يحفظ قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْفِتْنَة قلت أَنا كَمَا قَالَه قَالَ إِنَّك عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا لجريء قلت فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره تكفرها الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَلَكِن الْفِتْنَة الَّتِي تموج كَمَا يموج الْبَحْر قَالَ لَيْسَ عَلَيْك مِنْهَا بَأْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقا قَالَ أيكسر أم يفتح قَالَ يكسر قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا قُلْنَا أَكَانَ عمر يعلم الْبَاب قَالَ نعم كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة إِنِّي حدثته بِحَدِيث لَيْسَ بالأغاليط فهبنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة فَأمرنَا مسروقا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَاب عمر) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي أَبُو وَائِل الْكُوفِي. الْخَامِس حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه حَدثنِي حُذَيْفَة رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره سَمِعت حُذَيْفَة وَفِيه بصريان وهما مُسَدّد وَيحيى وكوفيان الْأَعْمَش وشقيق (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عمر بن حَفْص قَالَه الْمزي فِي الْأَطْرَاف وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا أخرجه عَن عمر بن حَفْص فِي الْفِتَن وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن ابْن نمير وَأبي بكر كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة قَالَه الْمزي وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن ابْن نمير وَأبي كريب وَمُحَمّد بن الْمثنى ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة فَوَهم فِي ذكره لأبي بكر وَفِي إِسْقَاطه لِابْنِ الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ أَيْضا عَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَأبي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش
(ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كُنَّا جُلُوسًا " أَي جالسين قَوْله " فِي الْفِتْنَة " وَهِي الْخِبْرَة والإعجاب بالشَّيْء فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه وأباها الْأَصْمَعِي وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فتنه جعل فِيهِ فتْنَة وأفتنه أوصل الْفِتْنَة إِلَيْهِ قَالَ إِذا قَالَ أفتنته فقد تعرض الْفِتَن وَإِذا قَالَ فتنته فَلم يتَعَرَّض الْفِتَن وَحكى أَبُو زيد أفتن الرجل بِصِيغَة مَا لم يسم فَاعله أَي فتن والفتنة الضلال وَالْإِثْم وَفتن الرجل أماله عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} والفتنة الْكفْر قَالَ تَعَالَى {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} والفتنة الفضيحة والفتنة الْعَذَاب والفتنة مَا يَقع بَين النَّاس من الْقِتَال ذكره ابْن سَيّده والفتنة البلية وأصل ذَلِك كُله من الاختبار وَأَنه من فتنت الذَّهَب فِي النَّار إِذا اختبرته وَفِي الغريبين الْفِتْنَة الغلو فِي التَّأْوِيل المظلم وَقَالَ ابْن طريف فتنته وأفتنته وَفتن بِكَسْر التَّاء فُتُونًا تحول من حسن إِلَى قَبِيح وَفتن إِلَى النِّسَاء وَفتن فِيهِنَّ أَرَادَ الْفُجُور بِهن وَفِي الجمهرة فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا وَفِي الصِّحَاح قَالَ الْفراء أهل الْحجاز يَقُولُونَ (مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين) وَأهل نجد يَقُولُونَ بمفتنين من أفتنت وَزعم عِيَاض أَنَّهَا الِابْتِلَاء والامتحان قَالَ وَقد صَار فِي عرف الْكَلَام لكل أَمر كشفه الاختبار عَن سوء وَيكون فِي الْخَيْر وَالشَّر قَالَ تَعَالَى {ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة} قَوْله " قلت أَنا كَمَا قَالَه " أَي أحفظ كَمَا قَالَه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) الْكَاف هَهُنَا لماذا وَهُوَ حَافظ لنَفس قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا كمثله (قلت) يجوز أَن تكون الْكَاف هُنَا للتَّعْلِيل لِأَنَّهَا اقترنت بِكَلِمَة مَا المصدرية أَي أحفظ لأجل حفظ كَلَامه وَيجوز أَن تكون للاستعلاء يَعْنِي أحفظ على مَا عَلَيْهِ قَوْله وَقَالَ الْكرْمَانِي لَعَلَّه نَقله بِالْمَعْنَى فاللفظ مثل لَفظه فِي أَدَاء ذَلِك الْمَعْنى (قلت) حَاصِل كَلَامه يؤول إِلَى معنى المثلية وَهُوَ فِي سُؤَاله نفي المثلية فَانْتفى بذلك أَن تكون الْكَاف للتشبيه وَقَالَ بَعضهم الْكَاف زَائِدَة (قلت) هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي وَلم يبين وَاحِد مِنْهُمَا أَن الْكَاف إِذا كَانَت زَائِدَة مَا تكون فَائِدَته (فَإِن قلت) لفظ أَنا مُفْرد وَهُوَ مقول قَوْله (قلت) وَقد علم أَن مقول القَوْل يكون جملَة (قلت) أَنا مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا أحفظ أَو أضبط أَو نَحْوهمَا قَوْله " عَلَيْهِ " أَي قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " أَو عَلَيْهَا " أَي أَو على مقَالَته وَالشَّكّ من حُذَيْفَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) يجوز أَن يكون مِمَّن دونه قَوْله " لجريء " خبر أَن فِي قَوْله " إِنَّك " وَاللَّام للتَّأْكِيد والجريء على وزن فعيل من الجراءة وَهِي الْإِقْدَام على الشَّيْء قَوْله " فتْنَة الرجل فِي أَهله " قَالَ ابْن بطال فتْنَة الرجل فِي أَهله أَن يَأْتِي من أَجلهم مَا لَا يحل لَهُ من القَوْل أَو الْعَمَل مِمَّا لم يبلغ كَبِيرَة وَقَالَ الْمُهلب يُرِيد مَا يعرض لَهُ مَعَهُنَّ من شَرّ أَو حزن أَو شُبْهَة قَوْله " وَمَاله " فتْنَة الرجل فِي مَاله أَن يَأْخُذهُ من غير مأخذه ويصرفه فِي غير مصرفه أَو التَّفْرِيط بِمَا يلْزمه من حُقُوق المَال فتكثر عَلَيْهِ المحاسبة قَوْله " وَولده " فتْنَة الرجل فِي وَلَده فرط محبتهم وشغله بهم عَن كثير من الْخَيْر أَو التوغل فِي الِاكْتِسَاب من أَجلهم من غير اكتراث من أَن يكون من حَلَال أَو حرَام قَوْله " وجاره " فتْنَة الرجل فِي جَاره أَن يتَمَنَّى أَن يكون حَاله مثل حَاله إِن كَانَ متسعا قَالَ تَعَالَى {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة} قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " أَي تكفر فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره أَدَاء الصَّلَاة قَالَ تَعَالَى {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ قَول العَبْد سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَقَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ بعض المنتسبين إِلَى الْعلم من أهل عصرنا أَن الْكَبَائِر والصغائر تكفرها الصَّلَاة وَالطَّهَارَة وَاسْتدلَّ بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَبِحَدِيث الصنَابحِي " إِذا تَوَضَّأ خرجت الْخَطَايَا من فِيهِ " الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عمر هَذَا جهل وموافقة للمرجئة وَكَيف يجوز أَن تحمل هَذِه الْأَخْبَار على عمومها وَهُوَ يسمع قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا} فِي آي كثير فَلَو كَانَت الطَّهَارَة وَأَدَاء الصَّلَوَات وأعمال الْبر مكفرة لما احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَة وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فَإِن الْمَعْنى أَنَّهَا تكفر إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر قَوْله " وَالْأَمر " أَي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة (فَإِن قلت) مَا النُّكْتَة فِي تعْيين هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة (قلت) الْحُقُوق لما كَانَت فِي الْأَبدَان وَالْأَمْوَال والأقوال فَذكر من أَفعَال الْأَبدَان أَعْلَاهَا وَهُوَ الصَّلَاة وَالصَّوْم قَالَ الله تَعَالَى {وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين} وَذكر من حُقُوق الْأَمْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الصَّدَقَة وَمن الْأَقْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَوْله " تموج " من ماج الْبَحْر أَي تضطرب وَيدْفَع بَعْضهَا بَعْضهَا لعظمها وَكلمَة مَا فِي كَمَا تموج مَصْدَرِيَّة أَي كموج الْبَحْر وَهُوَ تَشْبِيه غير بليغ قَوْله " قَالَ " أَي قَالَ حُذَيْفَة قَوْله " بَأْس " أَي شدَّة قَوْله
" لبابا " ويروى " بَابا " بِدُونِ اللَّام قَوْله " مغلقا " صفة الْبَاب قَالَ ثَعْلَب فِي الفصيح أغلقت الْبَاب فَهُوَ مغلق وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه والعامة تَقول غلقت بِغَيْر ألف وَهُوَ خطأ وَذكره أَبُو عَليّ الدينَوَرِي فِي بَاب مَا تحذف مِنْهُ الْعَامَّة الْألف وَقَالَ ابْن سَيّده فِي العويص والجوهري فِي الصِّحَاح فأغلقت قَالَ الْجَوْهَرِي وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شَرحه الْأَفْصَح غلقت بِالتَّشْدِيدِ قَالَ الله تَعَالَى {وغلقت الْأَبْوَاب} وَفِيه نظر لِأَن غلقت مُشَدّدَة للتكثير قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره وَفِي الْمُحكم غلق الْبَاب وأغلقه وغلقه الأولى من ابْن دريرد عزاها إِلَى أبي زيد وَهِي نادرة وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام أَن تِلْكَ الْفِتَن لَا يخرج مِنْهَا شَيْء فِي حياتك قَوْله " قَالَ أيكسر " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أيكسر هَذَا الْبَاب أم يفتح قَوْله " قَالَ يكسر " أَي قَالَ حُذَيْفَة يكسر قَوْله " قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا لَا يغلق أبدا هَذَا الْبَاب وَإِذا هُوَ جَوَاب وَجَزَاء أَي إِذا انْكَسَرَ لَا يغلق أبدا لِأَن المكسور لَا يُعَاد بِخِلَاف المفتوح وَالْكَسْر لَا يكون غَالِبا إِلَّا عَن إِكْرَاه وَغَلَبَة وَخلاف عَادَة وَلَفظ لَا يغلق رُوِيَ مَرْفُوعا ومنصوبا وَجه الرّفْع أَن يُقَال أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير الْبَاب إِذا لَا يغلق وَوجه النصب أَن لَا يقدر ذَلِك فَلَا يكون مَا بعده مُعْتَمدًا على مَا قبله وَالْحَاصِل أَنه فعل مُسْتَقْبل مَنْصُوب بِإِذن وَأذن تعْمل النصب فِي الْفِعْل الْمُسْتَقْبل بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي أَن يعْتَمد مَا قبلهَا على مَا بعْدهَا وَأَن يكون الْفِعْل فعل حَال وَأَن لَا يكون مَعهَا وَاو الْعَطف وَهَذِه الثَّلَاثَة مَعْدُومَة فِي النصب قَوْله " قُلْنَا " هُوَ مقول شَقِيق قَوْله " كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة " أَي كَمَا يعلم أَن الْغَد أبعد منا من اللَّيْلَة يُقَال هُوَ دون ذَلِك أَي أقرب مِنْهُ قَوْله " إِنِّي حدثته " مقول حُذَيْفَة قَوْله " لَيْسَ بالأغاليط " جمع أغلوطة وَهِي مَا يغالط بهَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ حدثته حَدِيثا صدقا محققا من أَحَادِيث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا من اجْتِهَاد رَأْي وَنَحْوه وغرضه أَن ذَلِك الْبَاب رجل يقتل أَو يَمُوت كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون حُذَيْفَة علم أَن عمر يقتل وَلكنه كره أَن يُخَاطب عمر بِالْقَتْلِ فَإِن عمر كَانَ يعلم أَنه هُوَ الْبَاب فَأتى بِعِبَارَة يحصل مِنْهَا الْغَرَض وَلَا يكون إِخْبَارًا صَرِيحًا بقتْله قَالَ وَالْحَاصِل أَن الْحَائِل بَين الْفِتْنَة وَالْإِسْلَام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ الْبَاب فَمَا دَامَ عمر حَيا لَا تدخل الْفِتَن فِيهِ فَإِذا مَاتَ دخلت وَكَذَا كَانَ قَوْله " فهبنا " أَي خفنا من هاب وَهُوَ مقول شَقِيق أَيْضا قَوْله " مسروقا " هُوَ مَسْرُوق بن الأجدع وَقد تقدم ذكره قَوْله " فَقَالَ الْبَاب عمر " أَي قَالَ مَسْرُوق الْبَاب هُوَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (فَإِن قلت) قَالَ أَولا أَن بَيْنك وَبَينهَا بَابا فالباب يكون بَين عمر وَبَين الْفِتْنَة وَهنا يَقُول الْبَاب هُوَ عمر وَبَين الْكَلَامَيْنِ مُغَايرَة (قلت) لَا مُغَايرَة بَينهمَا لِأَن المُرَاد بقوله " بَيْنك وَبَينهَا " أَي بَين زَمَانك وَبَين زمَان الْفِتْنَة وجود حياتك وَقَالَ الْكرْمَانِي أَو المُرَاد بَين نَفسك وَبَين الْفِتْنَة بدنك إِذْ الرّوح غير الْبدن أَو بَين الْإِسْلَام والفتنة وَقَالَ أَيْضا (فَإِن قلت) من أَيْن علم حُذَيْفَة أَن الْبَاب عمر وَهل علم من هَذَا السِّيَاق أَنه مُسْند إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بل كل مَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب لم يسند مِنْهُ شَيْء إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) الْكل ظَاهر مُسْند إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَرِينَة السُّؤَال وَالْجَوَاب وَلِأَنَّهُ قَالَ حدثته بِحَدِيث وَلَفظ الحَدِيث الْمُطلق لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي حَدِيثه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) كَيفَ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن الْفِتْنَة الَّتِي تَأتي بعده خوفًا أَن يُدْرِكهَا مَعَ علمه بِأَنَّهُ هُوَ الْبَاب (قلت) من شدَّة خَوفه خشى أَن يكون نسي فَسَأَلَ من يذكرهُ
٥٢٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً أصَابَ منَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {أقِمِ الصَّلَاةَ طرَفَيِ النَّهَارِ وزُلفا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: ١١٤) فقالَ الرَّجُلُ يَا رسولَ الله أَلِي هذَا قالَ لَجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ (الحَدِيث ٥٢٦ طرفه فِي: ٤٦٨٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات) ، لِأَن المُرَاد من الْحَسَنَات: الصَّلَوَات الْخمس، فَإِذا أَقَامَهَا تكفر عَنهُ الذُّنُوب إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر، كَمَا ذكرنَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة: ابْن
زُرَيْع بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة. وَالثَّالِث: سُلَيْمَان بن طرخان أَبُو الْمُعْتَمِر، وَقد مر فِي بَاب من خص بِالْعلمِ. وَالرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل، بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام: النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى نهد بن زيد بن لَيْث بن أسلم، بِضَم اللَّام: ابْن الحاف بن قضاعة، أسلم على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يلقه، وَلكنه أدّى إِلَيْهِ الصَّدقَات، عَاشَ نَحوا من مائَة وَثَلَاثِينَ سنة، وَمَات سنة خمس وَتِسْعين، وَأَنه كَانَ ليُصَلِّي حَتَّى يغشى عَلَيْهِ. وَالْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون مَا خلا قُتَيْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن قُتَيْبَة وَأبي كَامِل كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر بن سلمَان وَعَن عُثْمَان بن جرير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَابْن أبي عدي وَعَن اسماعيل بن مَسْعُود عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَفِي الزَّاهِد عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ: أَبُو الْيُسْر، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وَقد صرح بِهِ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أخبرنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا قيس بن الرّبيع عَن عُثْمَان ابْن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة، عَن أبي الْيُسْر، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَة تبْتَاع تَمرا، فَقلت: إِن فِي الْبَيْت تَمرا أطيب مِنْهُ، فَدخلت معي فِي الْبَيْت، فَأَهْوَيْت إِلَيْهَا فَقَبلتهَا، فَأتيت أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ على نَفسك وَتب، فَأتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أستر على نَفسك وَتب وَلَا تخبر أحدا، فَلم أَصْبِر، فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: أخلفت غازيا فِي سَبِيل الله فِي أَهله بِمثل هَذَا؟ حَتَّى تمنى أَنه لم يكن أسلم إِلَى تِلْكَ السَّاعَة، حَتَّى ظن أَنه من أهل النَّار. قَالَ: فَأَطْرَقَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَويلا. حَتَّى أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: ١١٤) . قَالَ أَبُو الْيُسْر: فَأَتَيْته فقرأها عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَصْحَابه: يَا رَسُول الله أَلِهَذَا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ قَالَ: بل للنَّاس عَامَّة) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقيس بن الرّبيع ضعفه. وَكِيع وَغَيره، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْيُسْر: كَعْب بن عَمْرو السّلمِيّ بَدْرِي. قَوْله: (فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: أَتَى الرجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ بِمَا أَصَابَهُ. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤) يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي أبي الْيُسْر الْمَذْكُور.
وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه: (عَن أبي أُمَامَة أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أقِم فيَّ حد الله، مرّة أَو مرَّتَيْنِ، فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة) ، وروى أَبُو عَليّ الطوسي فِي (كتاب الْأَحْكَام) من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَلم يسمع مِنْهُ (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت رجلا لَقِي امْرَأَة وَلَيْسَ بَينهمَا معرفَة، فَلَيْسَ يَأْتِي الرجل شَيْئا إِلَى امْرَأَته إلَاّ قد أَتَاهُ إِلَيْهَا إلَاّ أَنه لم يُجَامِعهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة، فَأمره أَن يتَوَضَّأ وَيُصلي. قَالَ معَاذ: فَقلت يَا رَسُول الله أَهِي لَهُ خَاصَّة أم للْمُؤْمِنين عَامَّة؟ قَالَ: بل للْمُؤْمِنين عَامَّة) . وروى مُسلم من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (يَا رَسُول الله إِنِّي عَالَجت امْرَأَة فِي أقْصَى الْمَدِينَة، وَإِنِّي أصبت مِنْهَا مَا دون أَن أَمسهَا، فَأَنا هَذَا فَاقْض فيَّ بِمَا شِئْت. فَقَالَ عمر: لقد سترك الله لَو سترت على نَفسك، وَلم يرد عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا. فَانْطَلق الرجل فَأتبعهُ رجلا فَتلا عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة) . وَاعْلَم أَن فِي كَون الرجل فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: أَبَا الْيُسْر، هُوَ أصح الْأَقْوَال السِّتَّة. القَوْل الثَّانِي: إِنَّه عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، أَبُو حَبَّة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، التمار، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَمْرو بن غزيَّة تبْتَاع تَمرا، فَقَالَ: إِن فِي بَيْتِي تَمرا فانطلقي أبيعك مِنْهُ، فَلَمَّا دخلت الْبَيْت بَطش بهَا، فَصنعَ بهَا كل شَيْء إلاّ أَنه لم يَقع عَلَيْهَا، فَلَمَّا ذهب عَنهُ الشَّيْطَان نَدم على مَا صنع، وأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله تناولت امْرَأَة فصنعت بهَا كل شَيْء يصنع الرجل بامرأته إلَاّ أَنِّي لم أقع عَلَيْهَا. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أَدْرِي، وَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56