«سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4819

الحديث رقم 4819 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة حم الزخرف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿ونادوا يا…

«سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾». وَقَالَ قَتَادَةُ: مَثَلًا لِلْآخِرِينَ عِظَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ، وَالْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا. ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ، فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، وَهُمَا لُغَتَانِ: رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾. وَيُقَالُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ الْجَاحِدِينَ، مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جُمْلَةِ الْكِتَابِ، أَصْلِ الْكِتَابِ.

﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ مُشْرِكِينَ وَاللهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا،

⦗١٣١⦘

﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا.

الدُّخَانُ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَابِسًا ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، ﴿فَاعْتُلُوهُ﴾ ادْفَعُوهُ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ﴾ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، ﴿تَرْجُمُونِ﴾ الْقَتْلُ، وَرَهْوًا سَاكِنًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تُبَّعٍ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ.

﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فَارْتَقِبْ فَانْتَظِرْ.

سند حديث: ٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ…

٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿ونادوا يا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَّبَكُمْ وَسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ سَوَاءٌ يُقَالُ فِيهِ بَرَاءٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلَوْ قِيلَ بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الِاثْنَيْنِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: إِنَّنِي بَرَاءٌ مَجَازُهَا لُغَةٌ عَالِيَةٌ يَجْعَلُونَ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أَنَا بَرِيءٌ وَهِيَ بَرِيئَةٌ وَنَحْنُ بَرَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ) وَصَلَهُ الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ:، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا الزُّخْرُفُ حَتَّى رَأَيْتُهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَزُخْرُفًا﴾ قَالَ: الذَّهَبُ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَكَانَ ابْنِ آدَمَ.

١ - بَاب: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآية

٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ. يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ: ضَابِطٌ لَهُ. وَالْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ، أَصْلِ الْكِتَابِ. ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، وَهُمَا لُغَتَانِ: رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ، وَيُقَالُ ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ ظَاهِرُهَا أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا طَالَ إِبْلَاسُهُمْ تَكَلَّمُوا، وَالْمُبْلِسُ السَّاكِتُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنَ الْفَرَجِ، فَكَانَ فَائِدَةُ الْكَلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ حُصُولُ بَعْضِ فَرَجٍ لِطُولِ الْعَهْدِ، أَوِ النِّدَاءُ يَقَعُ قَبْلَ الْإِبْلَاسِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَرْتِيبًا.

قَوْلُهُ: (عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ) هُوَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ.

قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِإِثْبَاتِ الْكَافِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَنَادَوْا يَا مَالِ بِالتَّرْخِيمِ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَادَوْا يَا مَالِ يَعْنِي بِالتَّرْخِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا قَالَ: مَا أَشْغَلَ أَهْلَ النَّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ؟ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وَشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قَالَ: أَغْضَبُونَا، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ قَالَ: إِلَى النَّارِ، ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ قَالَ: عِظَةً لِلْآخِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْكُمَيْتِ:

وَلَسْتُمْ

لِلصِّعَابِ مُقْرِنِينَا.

قَوْلُهُ: (وَالْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا.

قَوْلُهُ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جُمْلَةُ الْكِتَابِ، أَصْلُ الْكِتَابِ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: فِي أَصْلِ الْكِتَابِ وَجُمْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ. وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: هَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ قَطُّ. أَيْ مَا كَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ إِنْ بِمَعْنَى لَوْ أَيْ لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ بِمَعْنَى مَا فِي قَوْلٍ، وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ. إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ فِي قَوْلِكُمْ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَيِ الْكَافِرِينَ بِذَلِكَ وَالْجَاحِدِينَ لِمَا قُلْتُمْ، وَالْعَابِدِينَ مِنْ عَبِدَ بِكَسْرِ الْبَاءِ يَعْبَدُ بِفَتْحِهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ … وَأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِمِ

أَيْ أَمْتَنِعُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: عَبِدَ مَعْنَاهُ اسْتَنْكَفَ، ثُمَّ سَاقَ قِصَّةً عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: عَبَدَ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى عَابِدٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَبَدُ بِالتَّحْرِيكِ الْغَضَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى إِسْنَادِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: أَوَّلُ الْجَاحِدِينَ، مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ كَذَا ضَبَطُوهُ وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَةِ عَبِدَ بِمَعْنَى جَحَدَ انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْفَرَبْرِيُّ.

(تَنْبِيهٌ): ضُبِطَتْ عَبِدَ يَعْبَدُ هُنَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ

٢ - باب: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ مُشْرِكِينَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا

﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ. ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: مُشْرِكِينَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَلَكِنَّ اللَّهَ عَادَ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فَكَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ: جُزْءًا أَيْ نَصِيبًا، وَقِيلَ جُزْءًا إِنَاثًا، تَقُولُ جَزَّأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا أَتَتْ بِأُنْثَى

٤٤ - سُورَةُ حم الدُّخَانِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَابِسًا، وَيُقَالُ ﴿رَهْوًا﴾ سَاكِنًا. ﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ بَيْنَ

ظَهْرَيْهِ. فَاعْتُلُوهُ: ادْفَعُوهُ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ. وَيُقَالُ ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ الْقَتْلُ. ورهوا: ساكنا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿تُبَّعٍ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم الدُّخَانِ. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سَقَطَتْ (سُورَةُ) وَ (الْبَسْمَلَةُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَابِسًا، وَيُقَالُ رَهْوًا سَاكِنًا) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِهِ وَزَادَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ضُرِبَ يَقُولُ لَا تَأْمُرْهُ أَنْ يَرْجِعَ بَلِ اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿رَهْوًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عُطِفَ مُوسَى لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ لِيَلْتَئِمَ وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَقِيلَ لَهُ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ يَقُولُ: كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أَيْ سَاكِنًا، يُقَالُ: جَاءَتِ الْخَيْلُ رَهْوًا أَيْ: سَاكِنَةً، وَأَرِهْ عَلَى نَفْسِكَ أَيِ ارْفُقْ بِهَا، وَيُقَالُ عَيْشٌ رَاهٍ. وَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِثْبَاتُهُ هُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ أَيْ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: أَنْكَحْنَاهُمُ الْحُورَ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، بَيَانُ مُخِّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهِنَّ، وَيَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي كَبِدِ إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ ادْفَعُوهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ قَالَ: ادْفَعُوهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أَنْ تَرْجُمُونَ: الْقَتْلُ) سَقَطَ وَيُقَالُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ قَالَهُ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّتْمِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَرْجُمُونِ﴾ قَالَ: بِالْحِجَارَةِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ حَمْلَ الرَّجْمَ هُنَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَرَهْوًا: سَاكِنًا) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَسْوَدَ كَمُهْلِ الزَّيْتِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُهْلِ، قَالَ: شَيْءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْمُهْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْقَطِرَانِ، إِلَّا أَنَّهُ رَقِيقٌ شَبِيهٌ بِالزَّيْتِ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْمَهْلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ الصَّدِيدُ وَمَا يَسِيلُ مِنَ الْمَيِّتِ، وَبِالضَّمِّ هُوَ عَكَرُ الزَّيْتِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَاتُّ عَنِ الْجَمْرِ مِنَ الرَّمَادِ. وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ خَبَثُ الْجَوَاهِرِ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُهْلِ أَقْوَالٌ أُخْرَى: فَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هُوَ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ، وَقِيلَ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ أَوِ الْحَدِيدُ أَوِ الْفِضَّةُ، وَقِيلَ السُّمُّ، وَقِيلَ خُشَارُ الزَّيْتِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قَالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ إِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تُبَّعٍ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَمَوْضِعُ تُبَّعٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الْخَلِيفَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مُلُوكُ الْعَرَبِ الْأَعَاظِمِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ تُبَّعٌ رَجُلًا صَالِحًا. قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: إِنَّهُ كَسَا الْبَيْتَ، وَنَهَى عَنْ سَبِّهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السُّلَمِيُّ، مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليُّ الكوفيُّ، ثمَّ المكيُّ، الإمام الحجَّة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى بنِ أميَّة التَّميميِّ حليف قريش، واسم أمه: مُنْيَة -بضم الميم وسكون النون وفتح التَّحتية- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ: (﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) وقرئَ: (يا مالِ) بكسر اللَّام على التَّرخيم، وفيه إشعارٌ بأنَّهم لضعفِهم لا يستطيعون تأديةَ اللَّفظ بالتَّمام، فإن قلتَ: كيف قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ بعدما وصفهُم (١) بالإبلاسِ؟ أُجيب بأنَّها أزمنةٌ متطاولةٌ (٢) وأحقابٌ (٣) ممتدَّةٌ، فتختلفُ بهم الأحوالُ، فيسكتونَ أوقاتًا لغلبةِ اليأسِ عليهِم، ويستغيثونَ أوقاتًا لشدَّة ما بهم.

وهذا الحديث ذكره في «باب صفة النار»، من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٦٦].

(وَقَالَ قَتَادَةُ) في قولهِ تعالى: (﴿مَثَلًا﴾) من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾ (﴿لِلْآخِرِينَ﴾) [الزخرف: ٥٦] أي: (عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) والعظةُ: الموعظةُ، وثبت قوله: «لمن بعدهم» لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير قتادة في قولهِ (٥): (﴿مُقْرِنِينَ﴾) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] السَّابق ذكره، أي: (ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ) أي: (ضَابِطٌ لَهُ)، قاله أبو عُبيدة.

(وَالأَكْوَابُ) هي (٦) (الأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) وقيل: لا عراويَ لها ولا خراطيمَ معًا. قال الجواليقيُّ: ليتمكن الشَّاربُ من أين شاءَ، فإنَّ العروةَ تمنعُ من ذلك.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق: (﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] جُمْلَةِ الكِتَابِ، أَصْلِ الكِتَابِ) وأمُّ كلِّ شيءٍ أصله، والمراد: اللَّوحُ المحفوظُ؛ لأنَّه أصلُ (٧) الكتب السَّماويَّةِ، وسقطَ قوله: «وقال قتادة … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.

(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] السَّابق تفسيره قريبًا عن مجاهد: بأوَّل المؤمنين، وفسَّره هنا بقوله: (أَيْ: مَا كَانَ) يريد أنَّ ﴿إِن﴾ في قولهِ: ﴿إِن كَانَ﴾ نافية لا شرطيَّة، ثمَّ أخبرَ بقوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الموحِّدين من أهل مكَّة أن (١) لا ولد له، وتكون الفاء سببيَّة، ومنع مكيٌّ أن تكون نافية، قال: لأنَّه يوهمُ أنَّك إنَّما نفيتَ عن الله الولد فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا محالٌ. ورُدَّ (٢) عليه: بأنَّ «كان» قد تدلُّ على الدَّوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وعن ابن عبَّاس فيما رواه الطَّبريُّ قال: يقول: لم يكن للرَّحمنِ ولدٌ. وقيل: إنَّ ﴿إِن﴾ شرطيَّة على بابها، واختُلف في تأويله؛ فقيل: إن صحَّ ذلك فأنا أوَّل من يعبده، لكنَّه لم يصحَّ ألبتَّة بالدَّليل القاطعِ، وذلك أنَّه علَّق العبادةَ بكينونةِ الولدِ، وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلَّقُ بها محالًا مثلها، فهو في صورةِ إثبات الكينونةِ

والعبادةِ، وفي معنى نفيهمَا (١) على أبلغِ الوجوهِ وأقواها. كذا قرَّره في «الكشاف» (فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ) أي: المستنكفينَ، وهذا تفسيرُ قوله: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لأنَّه مشتقٌّ من عبِد -بكسر الموحدة- إذا أنفَ واشتدَّت أنفتهُ (وَهُمَا) أي: عابدٌ وعبِدٌ (لُغَتَانِ) يقال: (رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) بكسر الموحدة في ضبط الدِّمياطيِّ والفرع وغيرهما، وقال ابنُ عرفةَ: يقال: عبِد -بالكسر- يعبَد -بالفتح- فهو عبدٌ، وقلَّما يقال: عابدٌ، والقرآنُ لا يجيءُ على القليلِ ولا الشَّاذِّ، ومراده: أنَّ تخريج من قال: إنَّ العابدين بمعنى: الآنفين لا يصحُّ، وقال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا التَّعليق فاسدٌ؛ لأنَّ هذه الأنفة حاصلةٌ، سواء حصل ذلك الزَّعم والاعتقاد أو لم يحصلْ.

(وَقَرَأَ (٢) عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ)) أي: موضع قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] السَّابق ذكره قريبًا، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ لخط المصحفِ (وَيُقَالُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (الجَاحِدِينَ) يقال: عبدني حقِّي، أي: جحدنيهِ (مِنْ عَبِدَ) بكسر الموحدة (يَعْبَدُ) بفتحها، كذا فيما وقفتُ عليه من الأصولِ، وقال السَّفاقسيُّ: ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي وضمِّها في المستقبلِ، قال: ولم يذكرْ أهل اللُّغة عبد بمعنى: جحدَ، ورَدَّ عليه بما ذكره محمد بنُ عُزيزٍالسِّجستانيُّ صاحب «غريب القرآن» من أنَّ معنى العابدين: الجاحدين، وفُسِّر على هذا: إن كان له ولدٌ؛ فأنا أوَّل الجاحدينَ (٣)، وهذا معروفٌ من قولِ العرب: إنْ كان هذا الأمرُ قط؛ يعني: ما كان. وقال السُّدِّيُّ: معناه: لو كان للرَّحمنِ ولدٌ فأنا أوَّل العابدين؛ أي (٤): مَن عبدَه بذلك، ولكن لا ولد له، وثبتَ هنا قوله: «وقال قتادةُ: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جملة الكتاب، أصل الكتاب» السَّابق قريبًا في رواية غير أبي ذرٍّ.

(﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]) بفتح الهمزة، أي: لأن كنتُم. قال في «الأنوار»: وهو في الحقيقةِ علَّة مقتضيةٌ لتركِ الإعراضِ، وقرأ نافع وحمزة

والكِسائيُّ بكسرها، على أنَّها شرطيَّة، وإسرافهم كان متحقِّقًا، و «إنْ» إنَّما تدخل على غيرِ المحقَّقِ، أو المحقَّقِ المبهم الزَّمان. وأجابَ في «الكشاف»: بأنَّه من الشَّرطِ الَّذي يصدرُ عن المُدْلِي بصحَّة الأمرِ والمتحقَّق لثبوتهِ (١)، كقول الأجيرِ: إنْ كنتُ عملتُ لك عملًا؛ فوفِّنِي حقِّي. وهو عالمٌ بذلك، ولكنَّه يخيَّل في كلامهِ أن تفريطكَ في إيصالِ حقِّي فعلُ من له شكٌّ في استحقاقهِ إيَّاه تجهيلًا له، وقيل: المعنى على المجازاةِ، والمعنى: أفنضربُ عنكم الذِّكر صفحًا متى أسرفتُم؟ أي: إنَّكم متروكون من الإنذارِ متى كنتُم قومًا مسرفين، أي: (مُشْرِكِينَ) سقطَ «مشركين» لأبي ذرٍّ (وَاللهِ لَوْ أَنَّ هَذَا القُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لَهَلَكُوا) قاله قتادة، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وزاد: ولكن الله عادَ عليهم بعائدتهِ ورحمتهِ، فكرَّره عليهم ودَعاهم إليه، وزاد غيرُ ابن أبي حاتمٍ: عشرين سنةً، أو ما شاء الله.

(﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾) أي: من القومِ المسرفين (﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ) قاله قتادة، فيما وصلهُ عبدُ الرَّزَّاق.

(﴿جُزْءًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: (عِدْلًا) بكسر العين وسكون الدال، وفي «آل ملك» (٢): «عَدْلًا» بفتح العين وسكون الدال (٣)، أي: مثلًا، فالمراد بالجزءِ هنا إثباتُ الشُّركاء لله تعالى؛ لأنَّهم لمَّا أثبتوا الشُّركاءَ زعمُوا أنَّ كلَّ العبادةِ ليست لله، بل بعضُها جزءٌ له تعالى، وبعضُها جزءٌ لغيره، وقيل: معنى الجعل أنَّهم أثبتُوا للهِ ولدًا؛ لأنَّ ولدَ الرَّجلِ جزء منه، والأوَّل أولى؛ لأنَّا إذا حملنَا الآية على إنكارِ الشَّريك لله، والآية اللَّاحقة على إنكارِ الولدِ؛ كان ذلك جامعًا للرَّدِّ على جميعِ المبطلين.

(((٤٤))) (الدُّخَان) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] الآية، وهي سبعٌ أو تسع وخمسون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم الدُّخَان».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿رَهْوًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي: (طَرِيقًا يَابِسًا) زاد الفِريابيُّ: كهيئتِهِ يومَ ضربَهُ. وزاد أبو ذرٍّ: «ويقال: ﴿رَهْوًا﴾ ساكنًا» يقال: جاءَت الخيلُ رَهوًا، أي: ساكنة، قال النَّابغة:

والخَيْلُ تَمْرَحُ (١) رَهْوًا فِي أَعِنَّتِهَا … كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ

وعن أبي عُبيدة: ﴿رَهْوًا﴾ منفتحًا فُرَجًا على ما تركتهُ، روي: أنَّه لما انفلقَ البحرُ لموسى وطلعَ منه خاف أن يدركهُ فرعونُ، فأرادَ أن يضربهُ ليعودَ حتَّى لا يلحقهُ، فقيل له: اتركهُ، إنَّهم جندٌ مُغْرقون.

(﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]) ولأبي ذرٍّ: «﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾» (عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ) أي: اخترنَا مؤمني (٢) بني إسرائيلَ على عالمي زمانِهم. (﴿فَاعْتِلُوهُ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: ٤٧] أي: (ادْفَعُوهُ) دفعًا عنيفًا.

(﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أَنْكَحْنَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ أنكحنَاهُم» (حُوْرًا عِيْنًا، يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) والعِينُ: جمع: عيناء، العظيمةُ العينينِ من النِّساء الواسعتهما، وليس المرادُ عقد التَّزويج، ولأبي ذرٍّ هنا: «﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ ادفعوهُ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شَرَعُوا ابْتَدَعُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله} (الشورى: ١٢) وَفسّر: (شرعوا) بقوله: (ابتدعوا) وَلَكِن لَيْسَ هَذَا الْموضع مَحل ذكره لِأَنَّهُ فِي سُورَة حم عسق.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى: ٣٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} وَفِي التَّفْسِير: لما قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة كَانَت تنوبه نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يَده سَعَة، فَقَالَ الْأَنْصَار: يَا رَسُول الله! قد هدَانَا الله تَعَالَى على يَديك وتنوبك نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يدك سَعَة فنجمع لَك من أَمْوَالنَا فَاسْتَعِنْ بِهِ على ذَلِك. فَنزلت هَذِه الْآيَة، قل: يَا مُحَمَّد لَا أسئلكم على مَا أتيتكم بِهِ من الْبَينَات وَالْهدى أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى إلَاّ أَن تودوا الله عز وَجل وتقربوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، فَقَالَ هُوَ الْقُرْبَى إِلَى الله تَعَالَى، وَعَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة: مَعْنَاهُ إلَاّ أَن تودوا قَرَابَتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وَاخْتلف فِي قرَابَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقيل: عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ولد عبد الْمطلب، وَقيل: هم الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَيقسم عَلَيْهِم الْخمس وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب الَّذين لم يفترقوا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام.

٨١٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا عَنْ عَبْدِ المَلِكَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسا عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَال ابنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَاّ كَانَ لَهُ فِيهمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إلَاّ أنْ تصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر بِهِ، وَحَاصِل كَلَام ابْن عَبَّاس أَن جَمِيع قُرَيْش أقَارِب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ المُرَاد من الْآيَة بَنو هَاشم وَنَحْوهم، كَمَا يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى قَول سعيد بن جُبَير، وَالله أعلم.

( {سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة حم الزخرف، وَفِي بعض النّسخ سُورَة الزخرف، وَفِي بَعْضهَا وَمن سُورَة حم الزخرف. قَالَ مقَاتل: هِيَ مَكِّيَّة غير آيَة وَاحِدَة وَهِي: {واسأل من أرسلنَا} (الزخرف: ٥٤) الْآيَة. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة حرف، وَثَمَانمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع وَثَمَانُونَ آيَة وَقَالَ ابْن سَيّده: الزخرف الذَّهَب، هَذَا الأَصْل ثمَّ سعى كل زِينَة زخرفا، وزخرف الْبَيْت زينته، وكل مَا زوق وزين فقد زخرف.

{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}

عَلَى أُمَّةٍ عَلَى إمَامٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون} (الزخرف: ٢٢) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ مُجَاهِد: فَذكره. فَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أولى. قلت: لَيْت شعري مَا وَجه الْأَوْلَوِيَّة، وَفسّر الْأمة بِالْإِمَامِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد على مِلَّة، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، على أمة. أَي: على دين، وَمن طَرِيق السّديّ مثله.

{وَقِيلَهُ يَا رَبِّ} تَفْسِيرُهُ أيَحْسَبُونَ أنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلا نَسْمَعُ قِبلَهُمْ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ} (الزخرف: ٨٨) وَفسّر؟ (قيله يَا رب) بقوله: (أيحسبون) إِلَى آخِره، وَبَعْضهمْ أنكر هَذَا التَّفْسِير. فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح لَو كَانَت التِّلَاوَة وقيلهم، وَإِنَّمَا الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقيله يَا رب، يَعْنِي: وَقَول مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شاكيا إِلَى ربه، وَقيل؛ مَعْنَاهُ وَعِنْده علم السَّاعَة وَعلم قيله، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة، وقيله بِكَسْر اللَّام على معنى: {وَعِنْده علم السَّاعَة} (الزخرف: ٥٨) وَعلم قيله. وَهَذَا الْعَطف غير قوي فِي الْمَعْنى مَعَ وُقُوع

الْفَصْل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ بِمَا لَا يحسن اعتراضا مَعَ تنافر النّظم، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح اللَّام وَالْأَوْجه أَن يكون الْجَرّ وَالنّصب على إِضْمَار حرف الْقسم وحذفه، وَيكون قَوْله: إِن هَؤُلَاءِ قوم، جَوَاب الْقسم كَأَنَّهُ قيل: وَأقسم بقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ، وَالضَّمِير فِي قيله. للرسول، وأقسام الله بقيله رفع مِنْهُ وتعظيم لرعايته والتجائه إِلَيْهِ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} لَوْلا أنّ جَعلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ سُقُفا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ دَرَجٌ: وَسُرُرَ فِضَةٍ.

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون} وَقد فسر ابْن عَبَّاس هَذِه الْآيَة بِمَا ذكره البُخَارِيّ بقوله: لَوْلَا أَن جعل النَّاس إِلَى آخِره، وَهَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن أبي عَاصِم، حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: لَوْلَا أَن يكون النَّاس مُجْتَمعين على الْكفْر فيصيروا كلهم كفَّارًا. قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن ابْن زيد، يَعْنِي لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة فِي طلب الدُّنْيَا واختيارها على العقبى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم، بدل اشتماله من قَوْله: لمن يكفر، وَيجوز أَن يَكُونَا بِمَنْزِلَة اللامين فِي قَوْلك: وهبت لَهُ ثوبا لقميصه. قَوْله: (سقفا) ، قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عمر وبفتح السِّين على الْوَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِضَم السِّين، وَالْقَاف على الْجمع، وَقيل: هُوَ جمع سقوف جمع الْجمع. قَوْله: (ومعارج) يَعْنِي: مصاعد ومراقي ودرجا وسلاليم، وَهُوَ جمع معرج، وَاسم جمع لمعراج. قَوْله: (عَلَيْهَا يظهرون) أَي: على المعارج يعلونها يَعْنِي: يعلون سطوحها.

مُقْرِنِينَ مِطِيقِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين} (الزخرف: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: (مطيقين) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَفِي التَّفْسِير: مُقرنين أَي: مطيقين ضابطين قاهرين، وَقيل: هُوَ من الْقرن، كَأَنَّهُ أَرَادَ: وَمَا كُنَّا لَهُ مقاومين فِي الْقُوَّة.

آسَفُونا أسْخَطُونا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم أَجْمَعِينَ} (الزخرف: ٥٥) وَفَسرهُ: (آسفونا) بقوله: (أسخطونا) كَذَا فسره ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طلة، عَنهُ وَقيل: مَعْنَاهُ أغضبونا. وَقيل: خالفونا وَالْكل مُتَقَارب.

يَعْشُ يَعْمَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين} وَفسّر: (يَعش) بقوله: (يعمى) من عشا يعشو، وَهُوَ النّظر ببصر ضَعِيف، وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالضَّمِّ، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس بِالْفَتْح أَي: يظلم عَنهُ ويضعف بَصَره، وَعَن الْقرظِيّ: وَمن يول ظَهره، (وَذكر الرَّحْمَن) هُوَ الْقُرْآن. قَوْله: (نقيض لَهُ) أَي: نضمه إِلَيْهِ ونسلطه عَلَيْهِ، (فَهُوَ لَهُ قرين) فَلَا يُفَارِقهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ} (الزخرف: ٥) أيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقِبُونَ عَلَيْهِ.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا إِن كُنْتُم قوما مسرفين} وَفَسرهُ بقوله: {أَي تكذبون بِالْقُرْآنِ ثمَّ لَا تعاقبون} ؟ يَعْنِي: أفنعرض عَن المكذبين بِالْقُرْآنِ وَلَا تعاقبهم؟ وَقيل: مَعْنَاهُ أفنضرب عَنْكُم الْعَذَاب ونمسك ونعرض عَنْكُم ونترككم فَلَا نعاقبكم على كفركم، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، وَالسُّديّ، وَعَن الْكسَائي: أفنطوي عَنْكُم الذّكر طيا فَلَا تدعون وَلَا توعظون؟ وَهَذَا من فصيحات الْقُرْآن، وَالْعرب تَقول لمن أمسك على الشَّيْء مَا أعرض عَنهُ صفحا والأصلح فِي ذَلِك أَنَّك إِذا أَعرَضت عَنهُ وليته صفحة عُنُقك، وَضربت عَن كَذَا وأضربت إِذا تركته، وَأَمْسَكت عَنهُ، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ مُجَاهِد.

وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فأهلكنا أَشد مِنْهُم بطشا وَمضى مثل الْأَوَّلين} وَفَسرهُ بقوله: (سنة الْأَوَّلين) وَقيل: سنتهمْ وعقوبتهم.

{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} يَعْنِي الإبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ

قد مر عَن قريب معنى، مُقرنين، وَالضَّمِير فِي: لَهُ، يرجع إِلَى الْأَنْعَام الْمَذْكُورَة قبله، وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير لِأَن الْأَنْعَام فِي معنى الْجمع كالجند والجيش والرهط وَنَحْوهَا من أَسمَاء الْجِنْس، قَالَه الْفراء، وَقيل: ردهَا إِلَى مَا.

يَنْشأُ فِي الحِلْيَةِ الجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمانِ وَلَدا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين} (الزخرف: ٨١) قَوْله: (ينشأ) ، أَي يكبر وَيثبت فِي الْحِلْية أَي فِي الزِّينَة، وَفَسرهُ بقوله: الْجَوَارِي يَعْنِي: جعلتم الْإِنَاث ولد الله حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله فَكيف تحكمون بذلك وَلما ترْضونَ بِهِ لأنفسكم؟ وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. فِي قَوْله: (أَو من ينشأ فِي الْحِلْية) ، قَالَ: الْبَنَات. وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: ينشاه، بِفَتْح أَوله مخففا، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص بِضَم أَوله مُثقلًا وَقَرَأَ الجحدري بِضَم أَوله مخففا.

{لَوْ شَاءَ الرَّحْمانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} يَعْنُونَ الأوْثانَ يَقُولُ الله تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ علْم} (الزخرف: ٠٢) أيْ الأوْثانُ إنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا لَو شَاءَ الرحمان مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون} ، قَوْله: (يعنون الْأَوْثَان) ، هُوَ قَول مُجَاهِد، وَقَالَ قَتَادَة: يعنون الْمَلَائِكَة وَالضَّمِير فِي: مَا عبدناهم، يرجع إِلَى الْأَوْثَان عِنْد عَامَّة الْمُفَسّرين، وَنزلت منزلَة من يعقل فَذكر الضَّمِير. قَوْله: (مَا لَهُم بذلك) ، أَي: فِيمَا يَقُولُونَ: (إِن هم أَلا يخرصون) أَي: يكذبُون.

فِي عَقبِهِ: وَلَدِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبَة لَعَلَّهُم يرجعُونَ} (الزخرف: ٨٢) وَفسّر الْعقب بِالْوَلَدِ وَالْمرَاد بِهِ الْجِنْس حَتَّى يدْخل ولد الْوَلَد، وَقَالَ ابْن فَارس: بل الْوَرَثَة كلهم عقب، والكلمة الْبَاقِيَة. قَوْله: (لَا إلاه إِلَّا الله) .

مُقْتَرِنِينَ يَمْسُونَ مَعا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين} (الزخرف: ٣٥) وَفسّر: (مُقرنين) بقوله: (يَمْشُونَ مَعًا) أَي: يَمْشُونَ مُجْتَمعين مَعًا ويمشون مُتَتَابعين يعاون بَعضهم بَعْضًا.

سَلَفا قَوْمُ فِرْعُونَ سَلَفا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمَثَلاً عِبْرَةً.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فجعلناهم سلفا ومثلاً للآخرين} قَوْله: (جعلناهم) ، أَي: جعلنَا قوم فِرْعَوْن سلفا لكفار هَذِه الْأمة، وَفِي التَّفْسِير: سلفا: هم الماضون المتقدمون من الْأُمَم. قَوْله: (ومثلاً) ، أَي: عِبْرَة للآخرين أَي؛ لمن يَجِيء بعدهمْ، وقرىء بِضَم السِّين وَاللَّام وفتحهما.

يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذا قَوْمك مِنْهُم يصدون} (الزخرف: ٧٥) وَفَسرهُ بقوله: {يضجون} بِالْجِيم وبكسر الضَّاد، وَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَالْمَعْنى: يعرضون، وَقَالَ الْكسَائي: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَأنكر بَعضهم الضَّم وَقَالَ: لَو كَانَ مضموما لَكَانَ يُقَال: عَنهُ، وَلم يقل: مِنْهُ وَقيل: معنى، مِنْهُ، من أَجله فَلَا إِنْكَار فِي الضَّم.

مُبْرِمُونَ مجْمعُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أم أبرموا أمرا فَإنَّا مبرمون} (الزخرف: ٩٧) وَفَسرهُ بقوله: (مجمعون) وَقيل: محكمون، وَالْمعْنَى: أم أحكموا أمرا فِي الْمَكْر برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإنَّا مبرمون محكمون.

أوَّلُ العَابِدِينَ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {قل إِن كَانَ للرحمان ولد فَأَنا أول العابدين} (الزخرف: ١٨) وَفسّر العابدين بِالْمُؤْمِنِينَ، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أول الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فَقولُوا مَا شِئْتُم، وَفِي التَّفْسِير: يَعْنِي: إِن كَانَ للرحمن ولد فِي زعمكم وقولكم فَأَنا أول الْمُوَحِّدين الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فِي تكذيبكم والجاحدين مَا قُلْتُمْ من أَن لَهُ ولدا، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي مَا كَانَ للرحمان ولد وَأَنا أول الشَّاهِدين لَهُ بذلك.

وَقَالَ غَيْرُهُ: {إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} (الزخرف: ٦٢) العَرَبُ تَقُولُ نَحْنُ مِنْكَ البَرَاء وَالخَلاءُ وَالوَاحِدُ وَالاثنانِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَّبَكُمْ وَسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ سَوَاءٌ يُقَالُ فِيهِ بَرَاءٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلَوْ قِيلَ بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الِاثْنَيْنِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: إِنَّنِي بَرَاءٌ مَجَازُهَا لُغَةٌ عَالِيَةٌ يَجْعَلُونَ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أَنَا بَرِيءٌ وَهِيَ بَرِيئَةٌ وَنَحْنُ بَرَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ) وَصَلَهُ الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ:، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا الزُّخْرُفُ حَتَّى رَأَيْتُهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَزُخْرُفًا﴾ قَالَ: الذَّهَبُ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَكَانَ ابْنِ آدَمَ.

١ - بَاب: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآية

٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ. يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ: ضَابِطٌ لَهُ. وَالْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ، أَصْلِ الْكِتَابِ. ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، وَهُمَا لُغَتَانِ: رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ، وَيُقَالُ ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ ظَاهِرُهَا أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا طَالَ إِبْلَاسُهُمْ تَكَلَّمُوا، وَالْمُبْلِسُ السَّاكِتُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنَ الْفَرَجِ، فَكَانَ فَائِدَةُ الْكَلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ حُصُولُ بَعْضِ فَرَجٍ لِطُولِ الْعَهْدِ، أَوِ النِّدَاءُ يَقَعُ قَبْلَ الْإِبْلَاسِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَرْتِيبًا.

قَوْلُهُ: (عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ) هُوَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ.

قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِإِثْبَاتِ الْكَافِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَنَادَوْا يَا مَالِ بِالتَّرْخِيمِ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَادَوْا يَا مَالِ يَعْنِي بِالتَّرْخِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهَا قَالَ: مَا أَشْغَلَ أَهْلَ النَّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ؟ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وَشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قَالَ: أَغْضَبُونَا، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ قَالَ: إِلَى النَّارِ، ﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ قَالَ: عِظَةً لِلْآخِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْكُمَيْتِ:

وَلَسْتُمْ

لِلصِّعَابِ مُقْرِنِينَا.

قَوْلُهُ: (وَالْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْأَكْوَابُ: الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا.

قَوْلُهُ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جُمْلَةُ الْكِتَابِ، أَصْلُ الْكِتَابِ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: فِي أَصْلِ الْكِتَابِ وَجُمْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ. وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: هَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ قَطُّ. أَيْ مَا كَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ إِنْ بِمَعْنَى لَوْ أَيْ لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ بِمَعْنَى مَا فِي قَوْلٍ، وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ. إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ فِي قَوْلِكُمْ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَيِ الْكَافِرِينَ بِذَلِكَ وَالْجَاحِدِينَ لِمَا قُلْتُمْ، وَالْعَابِدِينَ مِنْ عَبِدَ بِكَسْرِ الْبَاءِ يَعْبَدُ بِفَتْحِهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ … وَأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِمِ

أَيْ أَمْتَنِعُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: عَبِدَ مَعْنَاهُ اسْتَنْكَفَ، ثُمَّ سَاقَ قِصَّةً عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: عَبَدَ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى عَابِدٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَبَدُ بِالتَّحْرِيكِ الْغَضَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى إِسْنَادِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ قَالَ: هُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: أَوَّلُ الْجَاحِدِينَ، مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ كَذَا ضَبَطُوهُ وَلَمْ أَرَ فِي اللُّغَةِ عَبِدَ بِمَعْنَى جَحَدَ انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْفَرَبْرِيُّ.

(تَنْبِيهٌ): ضُبِطَتْ عَبِدَ يَعْبَدُ هُنَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ

٢ - باب: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ مُشْرِكِينَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا

﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ. ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: مُشْرِكِينَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَلَكِنَّ اللَّهَ عَادَ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فَكَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ عُقُوبَةُ الْأَوَّلِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ: جُزْءًا أَيْ نَصِيبًا، وَقِيلَ جُزْءًا إِنَاثًا، تَقُولُ جَزَّأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا أَتَتْ بِأُنْثَى

٤٤ - سُورَةُ حم الدُّخَانِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَابِسًا، وَيُقَالُ ﴿رَهْوًا﴾ سَاكِنًا. ﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ بَيْنَ

ظَهْرَيْهِ. فَاعْتُلُوهُ: ادْفَعُوهُ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ. وَيُقَالُ ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ الْقَتْلُ. ورهوا: ساكنا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿تُبَّعٍ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم الدُّخَانِ. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سَقَطَتْ (سُورَةُ) وَ (الْبَسْمَلَةُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾ طَرِيقًا يَابِسًا، وَيُقَالُ رَهْوًا سَاكِنًا) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِهِ وَزَادَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ضُرِبَ يَقُولُ لَا تَأْمُرْهُ أَنْ يَرْجِعَ بَلِ اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿رَهْوًا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عُطِفَ مُوسَى لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ لِيَلْتَئِمَ وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَقِيلَ لَهُ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ يَقُولُ: كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أَيْ سَاكِنًا، يُقَالُ: جَاءَتِ الْخَيْلُ رَهْوًا أَيْ: سَاكِنَةً، وَأَرِهْ عَلَى نَفْسِكَ أَيِ ارْفُقْ بِهَا، وَيُقَالُ عَيْشٌ رَاهٍ. وَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِثْبَاتُهُ هُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ أَيْ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: أَنْكَحْنَاهُمُ الْحُورَ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، بَيَانُ مُخِّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهِنَّ، وَيَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي كَبِدِ إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ ادْفَعُوهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ قَالَ: ادْفَعُوهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أَنْ تَرْجُمُونَ: الْقَتْلُ) سَقَطَ وَيُقَالُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ قَالَهُ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّتْمِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَرْجُمُونِ﴾ قَالَ: بِالْحِجَارَةِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ حَمْلَ الرَّجْمَ هُنَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَرَهْوًا: سَاكِنًا) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَسْوَدَ كَمُهْلِ الزَّيْتِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُهْلِ، قَالَ: شَيْءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْمُهْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْقَطِرَانِ، إِلَّا أَنَّهُ رَقِيقٌ شَبِيهٌ بِالزَّيْتِ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْمَهْلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ الصَّدِيدُ وَمَا يَسِيلُ مِنَ الْمَيِّتِ، وَبِالضَّمِّ هُوَ عَكَرُ الزَّيْتِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَاتُّ عَنِ الْجَمْرِ مِنَ الرَّمَادِ. وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ خَبَثُ الْجَوَاهِرِ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُهْلِ أَقْوَالٌ أُخْرَى: فَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هُوَ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ، وَقِيلَ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ أَوِ الْحَدِيدُ أَوِ الْفِضَّةُ، وَقِيلَ السُّمُّ، وَقِيلَ خُشَارُ الزَّيْتِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قَالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ إِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تُبَّعٍ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَمَوْضِعُ تُبَّعٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الْخَلِيفَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مُلُوكُ الْعَرَبِ الْأَعَاظِمِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ تُبَّعٌ رَجُلًا صَالِحًا. قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: إِنَّهُ كَسَا الْبَيْتَ، وَنَهَى عَنْ سَبِّهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السُّلَمِيُّ، مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليُّ الكوفيُّ، ثمَّ المكيُّ، الإمام الحجَّة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى بنِ أميَّة التَّميميِّ حليف قريش، واسم أمه: مُنْيَة -بضم الميم وسكون النون وفتح التَّحتية- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ: (﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) وقرئَ: (يا مالِ) بكسر اللَّام على التَّرخيم، وفيه إشعارٌ بأنَّهم لضعفِهم لا يستطيعون تأديةَ اللَّفظ بالتَّمام، فإن قلتَ: كيف قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ بعدما وصفهُم (١) بالإبلاسِ؟ أُجيب بأنَّها أزمنةٌ متطاولةٌ (٢) وأحقابٌ (٣) ممتدَّةٌ، فتختلفُ بهم الأحوالُ، فيسكتونَ أوقاتًا لغلبةِ اليأسِ عليهِم، ويستغيثونَ أوقاتًا لشدَّة ما بهم.

وهذا الحديث ذكره في «باب صفة النار»، من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٦٦].

(وَقَالَ قَتَادَةُ) في قولهِ تعالى: (﴿مَثَلًا﴾) من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾ (﴿لِلْآخِرِينَ﴾) [الزخرف: ٥٦] أي: (عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ) والعظةُ: الموعظةُ، وثبت قوله: «لمن بعدهم» لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير قتادة في قولهِ (٥): (﴿مُقْرِنِينَ﴾) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] السَّابق ذكره، أي: (ضَابِطِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ) أي: (ضَابِطٌ لَهُ)، قاله أبو عُبيدة.

(وَالأَكْوَابُ) هي (٦) (الأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) وقيل: لا عراويَ لها ولا خراطيمَ معًا. قال الجواليقيُّ: ليتمكن الشَّاربُ من أين شاءَ، فإنَّ العروةَ تمنعُ من ذلك.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق: (﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] جُمْلَةِ الكِتَابِ، أَصْلِ الكِتَابِ) وأمُّ كلِّ شيءٍ أصله، والمراد: اللَّوحُ المحفوظُ؛ لأنَّه أصلُ (٧) الكتب السَّماويَّةِ، وسقطَ قوله: «وقال قتادة … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.

(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] السَّابق تفسيره قريبًا عن مجاهد: بأوَّل المؤمنين، وفسَّره هنا بقوله: (أَيْ: مَا كَانَ) يريد أنَّ ﴿إِن﴾ في قولهِ: ﴿إِن كَانَ﴾ نافية لا شرطيَّة، ثمَّ أخبرَ بقوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الموحِّدين من أهل مكَّة أن (١) لا ولد له، وتكون الفاء سببيَّة، ومنع مكيٌّ أن تكون نافية، قال: لأنَّه يوهمُ أنَّك إنَّما نفيتَ عن الله الولد فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا محالٌ. ورُدَّ (٢) عليه: بأنَّ «كان» قد تدلُّ على الدَّوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وعن ابن عبَّاس فيما رواه الطَّبريُّ قال: يقول: لم يكن للرَّحمنِ ولدٌ. وقيل: إنَّ ﴿إِن﴾ شرطيَّة على بابها، واختُلف في تأويله؛ فقيل: إن صحَّ ذلك فأنا أوَّل من يعبده، لكنَّه لم يصحَّ ألبتَّة بالدَّليل القاطعِ، وذلك أنَّه علَّق العبادةَ بكينونةِ الولدِ، وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلَّقُ بها محالًا مثلها، فهو في صورةِ إثبات الكينونةِ

والعبادةِ، وفي معنى نفيهمَا (١) على أبلغِ الوجوهِ وأقواها. كذا قرَّره في «الكشاف» (فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ) أي: المستنكفينَ، وهذا تفسيرُ قوله: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لأنَّه مشتقٌّ من عبِد -بكسر الموحدة- إذا أنفَ واشتدَّت أنفتهُ (وَهُمَا) أي: عابدٌ وعبِدٌ (لُغَتَانِ) يقال: (رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ) بكسر الموحدة في ضبط الدِّمياطيِّ والفرع وغيرهما، وقال ابنُ عرفةَ: يقال: عبِد -بالكسر- يعبَد -بالفتح- فهو عبدٌ، وقلَّما يقال: عابدٌ، والقرآنُ لا يجيءُ على القليلِ ولا الشَّاذِّ، ومراده: أنَّ تخريج من قال: إنَّ العابدين بمعنى: الآنفين لا يصحُّ، وقال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا التَّعليق فاسدٌ؛ لأنَّ هذه الأنفة حاصلةٌ، سواء حصل ذلك الزَّعم والاعتقاد أو لم يحصلْ.

(وَقَرَأَ (٢) عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ)) أي: موضع قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] السَّابق ذكره قريبًا، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ لخط المصحفِ (وَيُقَالُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (الجَاحِدِينَ) يقال: عبدني حقِّي، أي: جحدنيهِ (مِنْ عَبِدَ) بكسر الموحدة (يَعْبَدُ) بفتحها، كذا فيما وقفتُ عليه من الأصولِ، وقال السَّفاقسيُّ: ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي وضمِّها في المستقبلِ، قال: ولم يذكرْ أهل اللُّغة عبد بمعنى: جحدَ، ورَدَّ عليه بما ذكره محمد بنُ عُزيزٍالسِّجستانيُّ صاحب «غريب القرآن» من أنَّ معنى العابدين: الجاحدين، وفُسِّر على هذا: إن كان له ولدٌ؛ فأنا أوَّل الجاحدينَ (٣)، وهذا معروفٌ من قولِ العرب: إنْ كان هذا الأمرُ قط؛ يعني: ما كان. وقال السُّدِّيُّ: معناه: لو كان للرَّحمنِ ولدٌ فأنا أوَّل العابدين؛ أي (٤): مَن عبدَه بذلك، ولكن لا ولد له، وثبتَ هنا قوله: «وقال قتادةُ: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ جملة الكتاب، أصل الكتاب» السَّابق قريبًا في رواية غير أبي ذرٍّ.

(﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]) بفتح الهمزة، أي: لأن كنتُم. قال في «الأنوار»: وهو في الحقيقةِ علَّة مقتضيةٌ لتركِ الإعراضِ، وقرأ نافع وحمزة

والكِسائيُّ بكسرها، على أنَّها شرطيَّة، وإسرافهم كان متحقِّقًا، و «إنْ» إنَّما تدخل على غيرِ المحقَّقِ، أو المحقَّقِ المبهم الزَّمان. وأجابَ في «الكشاف»: بأنَّه من الشَّرطِ الَّذي يصدرُ عن المُدْلِي بصحَّة الأمرِ والمتحقَّق لثبوتهِ (١)، كقول الأجيرِ: إنْ كنتُ عملتُ لك عملًا؛ فوفِّنِي حقِّي. وهو عالمٌ بذلك، ولكنَّه يخيَّل في كلامهِ أن تفريطكَ في إيصالِ حقِّي فعلُ من له شكٌّ في استحقاقهِ إيَّاه تجهيلًا له، وقيل: المعنى على المجازاةِ، والمعنى: أفنضربُ عنكم الذِّكر صفحًا متى أسرفتُم؟ أي: إنَّكم متروكون من الإنذارِ متى كنتُم قومًا مسرفين، أي: (مُشْرِكِينَ) سقطَ «مشركين» لأبي ذرٍّ (وَاللهِ لَوْ أَنَّ هَذَا القُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لَهَلَكُوا) قاله قتادة، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وزاد: ولكن الله عادَ عليهم بعائدتهِ ورحمتهِ، فكرَّره عليهم ودَعاهم إليه، وزاد غيرُ ابن أبي حاتمٍ: عشرين سنةً، أو ما شاء الله.

(﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾) أي: من القومِ المسرفين (﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ) قاله قتادة، فيما وصلهُ عبدُ الرَّزَّاق.

(﴿جُزْءًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: (عِدْلًا) بكسر العين وسكون الدال، وفي «آل ملك» (٢): «عَدْلًا» بفتح العين وسكون الدال (٣)، أي: مثلًا، فالمراد بالجزءِ هنا إثباتُ الشُّركاء لله تعالى؛ لأنَّهم لمَّا أثبتوا الشُّركاءَ زعمُوا أنَّ كلَّ العبادةِ ليست لله، بل بعضُها جزءٌ له تعالى، وبعضُها جزءٌ لغيره، وقيل: معنى الجعل أنَّهم أثبتُوا للهِ ولدًا؛ لأنَّ ولدَ الرَّجلِ جزء منه، والأوَّل أولى؛ لأنَّا إذا حملنَا الآية على إنكارِ الشَّريك لله، والآية اللَّاحقة على إنكارِ الولدِ؛ كان ذلك جامعًا للرَّدِّ على جميعِ المبطلين.

(((٤٤))) (الدُّخَان) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] الآية، وهي سبعٌ أو تسع وخمسون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم الدُّخَان».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿رَهْوًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي: (طَرِيقًا يَابِسًا) زاد الفِريابيُّ: كهيئتِهِ يومَ ضربَهُ. وزاد أبو ذرٍّ: «ويقال: ﴿رَهْوًا﴾ ساكنًا» يقال: جاءَت الخيلُ رَهوًا، أي: ساكنة، قال النَّابغة:

والخَيْلُ تَمْرَحُ (١) رَهْوًا فِي أَعِنَّتِهَا … كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ

وعن أبي عُبيدة: ﴿رَهْوًا﴾ منفتحًا فُرَجًا على ما تركتهُ، روي: أنَّه لما انفلقَ البحرُ لموسى وطلعَ منه خاف أن يدركهُ فرعونُ، فأرادَ أن يضربهُ ليعودَ حتَّى لا يلحقهُ، فقيل له: اتركهُ، إنَّهم جندٌ مُغْرقون.

(﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]) ولأبي ذرٍّ: «﴿عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾» (عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ) أي: اخترنَا مؤمني (٢) بني إسرائيلَ على عالمي زمانِهم. (﴿فَاعْتِلُوهُ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: ٤٧] أي: (ادْفَعُوهُ) دفعًا عنيفًا.

(﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أَنْكَحْنَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ: «﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ أنكحنَاهُم» (حُوْرًا عِيْنًا، يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ) والعِينُ: جمع: عيناء، العظيمةُ العينينِ من النِّساء الواسعتهما، وليس المرادُ عقد التَّزويج، ولأبي ذرٍّ هنا: «﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ ادفعوهُ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شَرَعُوا ابْتَدَعُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله} (الشورى: ١٢) وَفسّر: (شرعوا) بقوله: (ابتدعوا) وَلَكِن لَيْسَ هَذَا الْموضع مَحل ذكره لِأَنَّهُ فِي سُورَة حم عسق.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى: ٣٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} وَفِي التَّفْسِير: لما قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة كَانَت تنوبه نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يَده سَعَة، فَقَالَ الْأَنْصَار: يَا رَسُول الله! قد هدَانَا الله تَعَالَى على يَديك وتنوبك نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ فِي يدك سَعَة فنجمع لَك من أَمْوَالنَا فَاسْتَعِنْ بِهِ على ذَلِك. فَنزلت هَذِه الْآيَة، قل: يَا مُحَمَّد لَا أسئلكم على مَا أتيتكم بِهِ من الْبَينَات وَالْهدى أجرا إلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى إلَاّ أَن تودوا الله عز وَجل وتقربوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، فَقَالَ هُوَ الْقُرْبَى إِلَى الله تَعَالَى، وَعَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة: مَعْنَاهُ إلَاّ أَن تودوا قَرَابَتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وَاخْتلف فِي قرَابَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقيل: عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ولد عبد الْمطلب، وَقيل: هم الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَيقسم عَلَيْهِم الْخمس وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب الَّذين لم يفترقوا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام.

٨١٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا عَنْ عَبْدِ المَلِكَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسا عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إلَاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَال ابنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَاّ كَانَ لَهُ فِيهمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إلَاّ أنْ تصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن غنْدر بِهِ، وَحَاصِل كَلَام ابْن عَبَّاس أَن جَمِيع قُرَيْش أقَارِب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ المُرَاد من الْآيَة بَنو هَاشم وَنَحْوهم، كَمَا يتَبَادَر الذِّهْن إِلَى قَول سعيد بن جُبَير، وَالله أعلم.

( {سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة حم الزخرف، وَفِي بعض النّسخ سُورَة الزخرف، وَفِي بَعْضهَا وَمن سُورَة حم الزخرف. قَالَ مقَاتل: هِيَ مَكِّيَّة غير آيَة وَاحِدَة وَهِي: {واسأل من أرسلنَا} (الزخرف: ٥٤) الْآيَة. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة حرف، وَثَمَانمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع وَثَمَانُونَ آيَة وَقَالَ ابْن سَيّده: الزخرف الذَّهَب، هَذَا الأَصْل ثمَّ سعى كل زِينَة زخرفا، وزخرف الْبَيْت زينته، وكل مَا زوق وزين فقد زخرف.

{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}

عَلَى أُمَّةٍ عَلَى إمَامٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون} (الزخرف: ٢٢) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ مُجَاهِد: فَذكره. فَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أولى. قلت: لَيْت شعري مَا وَجه الْأَوْلَوِيَّة، وَفسّر الْأمة بِالْإِمَامِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد على مِلَّة، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، على أمة. أَي: على دين، وَمن طَرِيق السّديّ مثله.

{وَقِيلَهُ يَا رَبِّ} تَفْسِيرُهُ أيَحْسَبُونَ أنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلا نَسْمَعُ قِبلَهُمْ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ} (الزخرف: ٨٨) وَفسّر؟ (قيله يَا رب) بقوله: (أيحسبون) إِلَى آخِره، وَبَعْضهمْ أنكر هَذَا التَّفْسِير. فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح لَو كَانَت التِّلَاوَة وقيلهم، وَإِنَّمَا الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقيله يَا رب، يَعْنِي: وَقَول مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شاكيا إِلَى ربه، وَقيل؛ مَعْنَاهُ وَعِنْده علم السَّاعَة وَعلم قيله، وَقَالَ النَّسَفِيّ: قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة، وقيله بِكَسْر اللَّام على معنى: {وَعِنْده علم السَّاعَة} (الزخرف: ٥٨) وَعلم قيله. وَهَذَا الْعَطف غير قوي فِي الْمَعْنى مَعَ وُقُوع

الْفَصْل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ بِمَا لَا يحسن اعتراضا مَعَ تنافر النّظم، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح اللَّام وَالْأَوْجه أَن يكون الْجَرّ وَالنّصب على إِضْمَار حرف الْقسم وحذفه، وَيكون قَوْله: إِن هَؤُلَاءِ قوم، جَوَاب الْقسم كَأَنَّهُ قيل: وَأقسم بقيله يَا رب إِن هَؤُلَاءِ قوم لَا يُؤمنُونَ، وَالضَّمِير فِي قيله. للرسول، وأقسام الله بقيله رفع مِنْهُ وتعظيم لرعايته والتجائه إِلَيْهِ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} لَوْلا أنّ جَعلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ سُقُفا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ دَرَجٌ: وَسُرُرَ فِضَةٍ.

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون} وَقد فسر ابْن عَبَّاس هَذِه الْآيَة بِمَا ذكره البُخَارِيّ بقوله: لَوْلَا أَن جعل النَّاس إِلَى آخِره، وَهَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن أبي عَاصِم، حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: لَوْلَا أَن يكون النَّاس مُجْتَمعين على الْكفْر فيصيروا كلهم كفَّارًا. قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن ابْن زيد، يَعْنِي لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة فِي طلب الدُّنْيَا واختيارها على العقبى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، لبيوتهم، بدل اشتماله من قَوْله: لمن يكفر، وَيجوز أَن يَكُونَا بِمَنْزِلَة اللامين فِي قَوْلك: وهبت لَهُ ثوبا لقميصه. قَوْله: (سقفا) ، قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عمر وبفتح السِّين على الْوَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِضَم السِّين، وَالْقَاف على الْجمع، وَقيل: هُوَ جمع سقوف جمع الْجمع. قَوْله: (ومعارج) يَعْنِي: مصاعد ومراقي ودرجا وسلاليم، وَهُوَ جمع معرج، وَاسم جمع لمعراج. قَوْله: (عَلَيْهَا يظهرون) أَي: على المعارج يعلونها يَعْنِي: يعلون سطوحها.

مُقْرِنِينَ مِطِيقِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين} (الزخرف: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: (مطيقين) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَفِي التَّفْسِير: مُقرنين أَي: مطيقين ضابطين قاهرين، وَقيل: هُوَ من الْقرن، كَأَنَّهُ أَرَادَ: وَمَا كُنَّا لَهُ مقاومين فِي الْقُوَّة.

آسَفُونا أسْخَطُونا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم أَجْمَعِينَ} (الزخرف: ٥٥) وَفَسرهُ: (آسفونا) بقوله: (أسخطونا) كَذَا فسره ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طلة، عَنهُ وَقيل: مَعْنَاهُ أغضبونا. وَقيل: خالفونا وَالْكل مُتَقَارب.

يَعْشُ يَعْمَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين} وَفسّر: (يَعش) بقوله: (يعمى) من عشا يعشو، وَهُوَ النّظر ببصر ضَعِيف، وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالضَّمِّ، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس بِالْفَتْح أَي: يظلم عَنهُ ويضعف بَصَره، وَعَن الْقرظِيّ: وَمن يول ظَهره، (وَذكر الرَّحْمَن) هُوَ الْقُرْآن. قَوْله: (نقيض لَهُ) أَي: نضمه إِلَيْهِ ونسلطه عَلَيْهِ، (فَهُوَ لَهُ قرين) فَلَا يُفَارِقهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ} (الزخرف: ٥) أيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقِبُونَ عَلَيْهِ.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا إِن كُنْتُم قوما مسرفين} وَفَسرهُ بقوله: {أَي تكذبون بِالْقُرْآنِ ثمَّ لَا تعاقبون} ؟ يَعْنِي: أفنعرض عَن المكذبين بِالْقُرْآنِ وَلَا تعاقبهم؟ وَقيل: مَعْنَاهُ أفنضرب عَنْكُم الْعَذَاب ونمسك ونعرض عَنْكُم ونترككم فَلَا نعاقبكم على كفركم، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، وَالسُّديّ، وَعَن الْكسَائي: أفنطوي عَنْكُم الذّكر طيا فَلَا تدعون وَلَا توعظون؟ وَهَذَا من فصيحات الْقُرْآن، وَالْعرب تَقول لمن أمسك على الشَّيْء مَا أعرض عَنهُ صفحا والأصلح فِي ذَلِك أَنَّك إِذا أَعرَضت عَنهُ وليته صفحة عُنُقك، وَضربت عَن كَذَا وأضربت إِذا تركته، وَأَمْسَكت عَنهُ، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ مُجَاهِد.

وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فأهلكنا أَشد مِنْهُم بطشا وَمضى مثل الْأَوَّلين} وَفَسرهُ بقوله: (سنة الْأَوَّلين) وَقيل: سنتهمْ وعقوبتهم.

{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} يَعْنِي الإبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ

قد مر عَن قريب معنى، مُقرنين، وَالضَّمِير فِي: لَهُ، يرجع إِلَى الْأَنْعَام الْمَذْكُورَة قبله، وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير لِأَن الْأَنْعَام فِي معنى الْجمع كالجند والجيش والرهط وَنَحْوهَا من أَسمَاء الْجِنْس، قَالَه الْفراء، وَقيل: ردهَا إِلَى مَا.

يَنْشأُ فِي الحِلْيَةِ الجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمانِ وَلَدا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين} (الزخرف: ٨١) قَوْله: (ينشأ) ، أَي يكبر وَيثبت فِي الْحِلْية أَي فِي الزِّينَة، وَفَسرهُ بقوله: الْجَوَارِي يَعْنِي: جعلتم الْإِنَاث ولد الله حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله فَكيف تحكمون بذلك وَلما ترْضونَ بِهِ لأنفسكم؟ وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. فِي قَوْله: (أَو من ينشأ فِي الْحِلْية) ، قَالَ: الْبَنَات. وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: ينشاه، بِفَتْح أَوله مخففا، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص بِضَم أَوله مُثقلًا وَقَرَأَ الجحدري بِضَم أَوله مخففا.

{لَوْ شَاءَ الرَّحْمانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} يَعْنُونَ الأوْثانَ يَقُولُ الله تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ علْم} (الزخرف: ٠٢) أيْ الأوْثانُ إنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا لَو شَاءَ الرحمان مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون} ، قَوْله: (يعنون الْأَوْثَان) ، هُوَ قَول مُجَاهِد، وَقَالَ قَتَادَة: يعنون الْمَلَائِكَة وَالضَّمِير فِي: مَا عبدناهم، يرجع إِلَى الْأَوْثَان عِنْد عَامَّة الْمُفَسّرين، وَنزلت منزلَة من يعقل فَذكر الضَّمِير. قَوْله: (مَا لَهُم بذلك) ، أَي: فِيمَا يَقُولُونَ: (إِن هم أَلا يخرصون) أَي: يكذبُون.

فِي عَقبِهِ: وَلَدِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبَة لَعَلَّهُم يرجعُونَ} (الزخرف: ٨٢) وَفسّر الْعقب بِالْوَلَدِ وَالْمرَاد بِهِ الْجِنْس حَتَّى يدْخل ولد الْوَلَد، وَقَالَ ابْن فَارس: بل الْوَرَثَة كلهم عقب، والكلمة الْبَاقِيَة. قَوْله: (لَا إلاه إِلَّا الله) .

مُقْتَرِنِينَ يَمْسُونَ مَعا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين} (الزخرف: ٣٥) وَفسّر: (مُقرنين) بقوله: (يَمْشُونَ مَعًا) أَي: يَمْشُونَ مُجْتَمعين مَعًا ويمشون مُتَتَابعين يعاون بَعضهم بَعْضًا.

سَلَفا قَوْمُ فِرْعُونَ سَلَفا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمَثَلاً عِبْرَةً.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فجعلناهم سلفا ومثلاً للآخرين} قَوْله: (جعلناهم) ، أَي: جعلنَا قوم فِرْعَوْن سلفا لكفار هَذِه الْأمة، وَفِي التَّفْسِير: سلفا: هم الماضون المتقدمون من الْأُمَم. قَوْله: (ومثلاً) ، أَي: عِبْرَة للآخرين أَي؛ لمن يَجِيء بعدهمْ، وقرىء بِضَم السِّين وَاللَّام وفتحهما.

يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذا قَوْمك مِنْهُم يصدون} (الزخرف: ٧٥) وَفَسرهُ بقوله: {يضجون} بِالْجِيم وبكسر الضَّاد، وَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَالْمَعْنى: يعرضون، وَقَالَ الْكسَائي: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَأنكر بَعضهم الضَّم وَقَالَ: لَو كَانَ مضموما لَكَانَ يُقَال: عَنهُ، وَلم يقل: مِنْهُ وَقيل: معنى، مِنْهُ، من أَجله فَلَا إِنْكَار فِي الضَّم.

مُبْرِمُونَ مجْمعُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أم أبرموا أمرا فَإنَّا مبرمون} (الزخرف: ٩٧) وَفَسرهُ بقوله: (مجمعون) وَقيل: محكمون، وَالْمعْنَى: أم أحكموا أمرا فِي الْمَكْر برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإنَّا مبرمون محكمون.

أوَّلُ العَابِدِينَ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {قل إِن كَانَ للرحمان ولد فَأَنا أول العابدين} (الزخرف: ١٨) وَفسّر العابدين بِالْمُؤْمِنِينَ، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أول الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فَقولُوا مَا شِئْتُم، وَفِي التَّفْسِير: يَعْنِي: إِن كَانَ للرحمن ولد فِي زعمكم وقولكم فَأَنا أول الْمُوَحِّدين الْمُؤمنِينَ بِاللَّه فِي تكذيبكم والجاحدين مَا قُلْتُمْ من أَن لَهُ ولدا، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي مَا كَانَ للرحمان ولد وَأَنا أول الشَّاهِدين لَهُ بذلك.

وَقَالَ غَيْرُهُ: {إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} (الزخرف: ٦٢) العَرَبُ تَقُولُ نَحْنُ مِنْكَ البَرَاء وَالخَلاءُ وَالوَاحِدُ وَالاثنانِ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.5 / 29.5
الإضاءة 46%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56