«سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4806

الحديث رقم 4806 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة ص.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألت مجاهدا، عن السجدة في ﴿ص﴾ قال: سئل ابن…

«سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا».

سند حديث: ٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ…

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سألت مجاهدا، عن السجدة في ﴿ص﴾ قال: سئل ابن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

٣٨ - سُورَةُ ص

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا.

٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةٍ فِي ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ ﵇ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ. وهُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَنات، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ مُعَازِّينَ. ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الْاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. الْأَسْبَابُ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ. ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيْدُ الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الْأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مِنْ ذِكْرِ. طَفِقَ مَسْحًا: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادِ﴾ الْوَثَاقِ

قَوْلُهُ: سُورَةُ ص - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ص، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَقَدْ قَرَأَهَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الدَّالِ فَقِيلَ الدَّرَجُ وَقِيلَ بَلْ هِيَ عِنْدَهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُصَادَاةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَارِضِ الْقُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَسْمَاءِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ غَافِرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ) هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، وَأَبِي حُصَيْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ مَشَايِخُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَدَلَ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فَلَعَلَّ لِلْعَوَّامِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي ص سَجْدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمُجَاهِدٍ، فَرِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ شَاذَّةٌ.

قَوْلُهُ في الرواية الثانية (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيِّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) سَقَطَ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الرَّفْعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّجُودِ فِي ص فِي كِتَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مُسْتَوْفًى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ

قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَالْعَرَبُ تُحَوِّلُ فَعِيلًا إِلَى فُعَالٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ مِثْلُ طَوِيلٍ وَطُوَالٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

تَعْدُو بِهِ سَلْهَبَةً سُرَاعَةً

أَيْ سَرِيعَةً، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَنُقِلَتْ عَنْ عَلِيٍّ عُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مِثْلُ كُبَّارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كُبَارٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكُبَارٌ الْمُخَفَّفُ أَبْلَغُ مِنْ كَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الْقَطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحِسَابُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْعَكْسِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقَطُّ: الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ قُطُوطٌ وَقِطَطَةٌ كَقِرْدٍ وَقُرُودٍ وَقِرَدَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَطَّ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعَهُ وَالْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِمَّا وَعَدْتَنَا بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيفَةِ قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ تُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ الصَّكُّ، وَيُقَالُ لِلْجَائِزَةِ أَيْضًا قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكِتَابِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيْ (مُعَازِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ قَالَ: فِي حَمِيَّةٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي غُرَّةٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الِاخْتِلَاقُ الْكَذِبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: مِلَّةُ قُرَيْشٍ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾: كَذِبٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: النَّصْرَانِيَّةُ. وَعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: دِينُهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ

قَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، يَعْنِي قُرَيْشًا) سَقَطَ لَفْظُ: قَوْلُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ قَالَ: قُرَيْشٌ، وَقَوْلُهُ جُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمْ، وَمَا مَزِيدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِجُنْدٍ وَهُنَالِكَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَكَانِ الْمُرَاجَعَةِ، وَمَهْزُومٌ صِفَةٌ لِجُنْدٍ أَيْ سَيُهْزَمُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُمْ هُزِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا بِبَدْرٍ، فَعَلَى هَذَا فَهُنَالِكَ ظَرْفٌ لِلْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ وَمَكَانُ الْهَزِيمَةِ لَمْ يُذْكَرْ.

قَوْلُهُ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مجاهد بِلَفْظِ: طُرُقُ السَّمَاءِ أَبْوَابُهَا وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ هِيَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ ارْتَقَى فُلَانٌ فِي الْأَسْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ إِفَاقَةٌ وَلَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ فَتَحَهَا أَيِ الْفَاءَ قَالَ: مَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهَا مِنْ فَوَاقِي نَاقَةٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَالَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْفَاءِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَاحِدٌ مِثْلَ قُصَاصِ الشَّعْرِ يُقَالُ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قِطَّنَا﴾ أَيْ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿قِطَّنَا﴾ قَالَ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ شَبِيهُ قَوْلِهِمْ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، هو بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنِ العَوَّامِ) بفتح العين والواو المشددة، ابن حوشب بنِ يزيد الشَّيبانيِّ الواسطيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عنها (فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام، فقال: نبيُّكم ﷺ ممَّن أمر أن يقتدي بهم، أي: وقد سجدها داود، فسجدَها رسولُ الله ﷺ اقتداءً به (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا).

٤٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو الذُّهليُّ، كما قاله الكلاباذيُّ وابنُ

طاهرٍ، ونسبه إلى جدِّه؛ لأنَّ اسم أبيه يحيَى، أو محمد بن عبد الله بنِ المبارك المخرَّميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) بفتح الطاء وكسر الفاء (عَنِ العَوَّامِ) بنِ حوشبٍ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾) ولأبي ذرٍّ: «عن سجدة في ﴿ص﴾» (فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟) أي: من أيِّ دليلٍ؟ (فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ) زاد أبو ذرٍّ: «فسجدَها (٣) داود ﵇» (فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) وهي سجدةُ شكرٍ عند الشَّافعيَّة، لحديث النَّسائيِّ: «سجدَها داودُ توبةً ونسجدُها شُكرًا» أي: على قبولِ توبتهِ، فتسنُّ عند تلاوتها في غير صلاةٍ ولا تدخلُ فيها.

(﴿عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]) أي: (عَجِيبٌ) وذلك أنَّ التَّفرُّد بالألوهيَّةِ خلاف ما عليه آباؤُهم مطلقًا وتصوروهُ من أنَّ الإلهَ الواحدَ لا يسع الخلقَ كلَّهم.

(القِطُّ) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا؛ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، من قطَّه إذا قطعهُ، لكنَّه (هُوَ هَهُنَا (٤) صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ) قال سعيد بنُ جبيرٍ: يعنونَ حظَّنا ونصيبنَا من الجنَّة الَّتي تقول. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٥): «صحيفَةُ الحِسَابِ» بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة، أي: عجِّل لنا كتابَنا في الدُّنيا قبلَ يوم الحسابِ، قالوه على سبيلِ الاستهزاءِ لعنهم اللهُ، وعند عبد بنِ حميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارثِ. وفيه تفسيرٌ آخر يأتي (٦) قريبًا إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ عنه: (﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]) أي: (مُعَازِّينَ) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشدَّدة، وقال غيرُه: في استكبارٍ عن الحقِّ، أي: ما كفرَ من كفرَ به لخللٍ وجدهُ فيه بل كفرُوا به استكبارًا وحميَّة جاهلية.

(﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾) في قولهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] هي (مِلَّةُ قُرَيْشٍ) الَّتي كانت عليها آباؤهم أو دين النَّصرانيَّة، و ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: لم نسمَعْ في الملَّة الآخرةِ بهذا الَّذي جئت به، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من هذا، أي: ما سمعنا بهذا كائنًا في الملَّةِ الآخرة، أي: لم نسمَع من الكهَّانِ، ولا من أهلِ الكتبِ أنَّه يحدثُ توحيدُ الله في الملَّة الآخرة، وهذا من فرط كذبِهم.

(الاِخْتِلَاقُ) في قولهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] هو (الكَذِبُ) المختلقُ.

(﴿الْأَسْبَابِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] هي (طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) قاله مجاهدٌ، وكلُّ ما يوصلكَ إلى شيءٍ من بابٍ أو طريقٍ فهو سببهُ (١)، وهذا أمر توبيخٍ وتعجيزٍ، أي: إن ادَّعوا أنَّ عندهُم خزائنَ رحمةِ ربِّك أولهم ملك السَّموات والأرضِ وما بينهما، فليصعدُوا في الأسبابِ الَّتي توصلهم إلى السَّماء فليأتوا منها بالوحيِ إلى من يختارونَ، وهذا في غايةِ التَّهكُّم بهم.

(﴿جُندٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «قوله: ﴿جُندٌ﴾» (﴿مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]) قاله مجاهدٌ أيضًا فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (يَعْنِي: قُرَيْشًا) و ﴿هُنَالِكَ﴾ مشارٌ به إلى موضعِ التَّقاولِ والمحاورةِ بالكلمات السَّابقة، وهو مكَّة، أي: سيهزمونَ بمكَّة، وهو إخبارٌ بالغيبِ، وصحَّح الإمام فخر الدِّين كون ذلك في فتح مكَّة، قال: لأنَّ المعنى أنَّهم جندٌ سيصيرونَ مُنْهزمين في الموضعِ الَّذي ذكروا فيه هذه الكلمات. انتهى. وهذا معارضٌ بما أخرجه الطَّبريُّ من طريق سعيد، عن قتادةَ، قال: وعدهُ الله -وهو بمكَّة- أنَّه سيهزمُ جندَ المشركين، فجاء تأويلها ببدرٍ. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى بدرٍ ومصارعهم، وسقطَ من قوله: «﴿جُندٌ﴾ … » إلى آخر قوله «قُريشًا» لأبي ذرٍّ (٢).

(﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]) أي: (القُرُونُ المَاضِيَةُ) قاله مجاهدٌ أيضًا، أي: كانوا أكثر منكُم وأشدَّ قوَّةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذابِ الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ الله.

(فَوَاقٌ) بالرَّفع لأبي ذرٍّ، أي: (رُجُوعٌ) هو من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحَّته (٣)، وإفاقةُ

النَّاقةِ ساعة يرجع اللَّبنُ إلى ضَرْعِها، يريد قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذرٍّ: «﴿فَوَاقٍ﴾ رجُوعٍ» بجرِّهما، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وهما الزَّمان الَّذي بين حلبتي الحالبِ.

(﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]) أي: (عَذَابَنَا) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]) بضم السين، وهي قراءة نافعٍ والكِسائيُّ، أي: (أَحَطْنَا بِهِمْ) من الإحاطةِ، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: لعلَّه أخطأنَاهُم (١) وحذف مع ذلك القول الَّذي هذا (٢) تفسيره، وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]. انتهى. وعند ابنِ أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ: أخطأنَاهم (٣) أم هم في النَّارِ لا يعلم مكانَهم. وقال ابنُ عطيَّة: المعنى ليسوا (٤) معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميلُ عنهم. وقال ابنُ كيسانَ: أم كانوا خيرًا منَّا ونحن لا نعلمُ؟ فكأنَّ أبصارنا تزيغُ عنهم في الدُّنيا فلا نعدُّهم شيئًا.

(﴿أَتْرَابٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] أي (٥) (أَمْثَالٌ) على سنٍّ واحدٍ، قيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها: تِرْب، وقيل: متواخياتٌ لا يتباغضنَ ولا يتغايرنَ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (الأَيْدُ) بالرفع في قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هو (القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ) والعامَّة على ثبوتِ الياء في «الأيدي»، جمع: يَد، وهي إمَّا الجارحة وكنَّى بها عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثر الأعمالِ إنَّما تزاول باليدِ، أو المراد النِّعمة، وقرئ: ﴿الْأَيْدِ﴾ بغير ياء اجتزاءً عنها بالكسرةِ.

(﴿وَالْأَبْصَارِ﴾) هو (البَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ) قاله ابنُ عبَّاس أيضًا.

(﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]) أي: (مِنْ ذِكْرِ) ربِّي، فـ ﴿عَن﴾ بمعنى: من، و ﴿الْخَيْرِ﴾: المالُ الكثير، والمراد به: الخيلُ الَّتي شغلتهُ، والراء تعاقب اللَّام، ويحتملُ أنَّه سمَّاها خيرًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ مَنْ قَالَ أنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِي سُورَة النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء بن يسَار إِلَى إخره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.

٨٣ - (سُورَةْ: {ص} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ص} مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت بعد سُورَة الانشقاق وَقيل الْأَعْرَاف، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَسَبْعمائة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَعَن ابْن عَبَّاس: بَحر بِمَكَّة كَانَ عَلَيْهِ عرش الرَّحْمَن لَا ليل وَلَا نَهَار، وَعَن سعيد بن جُبَير: بَحر يحيي الله بِهِ الْمَوْتَى بَين النفختين، وَعَن الضَّحَّاك: {ص} صدق الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد: فَاتِحَة السُّورَة، وَعَن قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن السّديّ: اسْم من أَسمَاء الله، وَعَن مُحَمَّد الْقرظِيّ: هُوَ مِفْتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى إِلَى صَمد وصانع المصنوعات وصادق الْوَعْد، وَعَن ابْن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: اسْم حَيَّة رَأسهَا تَحت الْعَرْش وذنبها تَحت الأَرْض السُّفْلى، قَالَ: وَأَظنهُ عَن عِكْرِمَة، وَقيل: هُوَ من المصاداة من قَوْلك: صَاد فلَانا وَهُوَ أَمر من ذَلِك. فَمَعْنَاه: صَاد بعملك الْقُرْآن أَي: عَارضه لتنظر أَيْن عَمَلك. فَمن أول هَكَذَا يقْرَأ: صَاد بِكَسْر الدَّال لِأَنَّهُ أَمر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن، وقرأه عَامَّة قراء الْأَمْصَار بِسُكُون الدَّال إلاّ عبد الله بن إِسْحَاق وَعِيسَى بن عمر فَإِنَّهُمَا يكسرانه.

بِسم الله الرحمان الرَّحِيم

سَقَطت الْبَسْمَلَة فَقَط للنسفي، وَاقْتصر الْبَاقُونَ على لفظ {ص} .

٦٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سألْتُ مُجاهدا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: {أُوْلَئِكَ الَّذِي هَدَي الله فَبِهُدعاهُمُ اقْتَدِهْ} (الْأَنْعَام: ٠٩) وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيها..

غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقد مر غير مرّة، والعوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الواوين حَوْشَب الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مر فِي سُورَة الْأَنْعَام وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَالك.

٧٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سَألْتُ مُجاهِدا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ سألْتُ ابنَ عَباسٍ مِنْ أيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ أوَ مَا تَقْرَأُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَها رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الكلاباذي وَابْن طَاهِر: هُوَ الذهلي نِسْبَة إِلَى جده وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير، تَقْدِيره سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا وَلم يقل: مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا بل يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، أَو ينْسبهُ إِلَى جده وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما دخل نيسابور فشغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ وَكَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ غير غَيرهمَا: يحْتَمل أَن يكون مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي فَإِنَّهُ من هَذِه الطَّبَقَة وَالله أعلم.

قَوْله: (من أَيْن سجدت) ؟ على صِيغَة الْخطاب للحاضر، ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول للغائبة، أَي: بِأَيّ دَلِيل صَارَت سَجْدَة! قَوْله: (فسجدها دَاوُد) ، وَلم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسجد دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِيهَا وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَأْمُور بالاقتداء بِهِ وَنحن مأمورون بالاقتداء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومتابعته، وَهَذَا حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: لَيْسَ فِي {ص} سَجْدَة عَزِيمَة وَبَاقِي الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كتاب الصَّلَاة فِي أَبْوَاب سُجُود التِّلَاوَة.

عُجابٌ: عَجِيبٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَذَا الشَّيْء عُجاب} (ص: ٥) وَذكر أَن معنى: عُجاب، بِمَعْنى: (عَجِيب) وقرىء: عُجاب، بتَشْديد الْجِيم وَالْمعْنَى وَاحِد، وَقيل: هُوَ أَكثر، وَقَالَ مقَاتل هَذَا بلغَة أَزْد شنُوءَة مثل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض.

الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هاهُنا صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب} (ص: ٦١) وَقَالَ: (القط الصَّحِيفَة) مُطلقًا وَلَكِن المُرَاد هَاهُنَا صحيفَة الْحَسَنَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: صحيفَة الْحساب، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ لما نزلت فِي الحاقة: {فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ} (الحاقة: ٩١) الْآيَة. قَالُوا على وَجه الِاسْتِهْزَاء، عجل لنا قطنا، يعنون كتَابنَا عجله لنا فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْحساب، وَعَن قَتَادَة وَمُجاهد وَالسُّديّ: يعنون عقوبتنا وَمَا كتب لنا من الْعَذَاب، وَعَن عَطاء: قَالَه النَّضر بن الْحَارِث، وَعَن أبي عُبَيْدَة: القط الْكتاب وَالْجمع قطوط وقططة كقرد وقرود وقردة وَأَصله من قطّ الشَّيْء إِذا قطعه، وَيُطلق على الصَّحِيفَة لِأَنَّهَا قِطْعَة تقطع وَكَذَلِكَ الصَّك.

وَقَالَ مُجاهِدٌ فِي عِزَّةٍ مُعازِّين

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق} (ص: ٢) وَأَرَادَ أَن قَوْله: (فِي عزة) فِي مَوضِع خبر وَأَنه بِمَعْنى: (معازين) أَي: مغالبين، وَقيل: فِي حمية جَاهِلِيَّة وتكبر. قَوْله: (وشقاق) ، أَي: خلاف وفراق.

المِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةُ قُرَيْشٍ الاخْتِلاقُ الكَذِبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا سمعنَا بِهَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة إِن هَذَا إلَاّ اخْتِلَاق} (ص: ٧) وَفسّر الْملَّة الْآخِرَة بِملَّة قُرَيْش، والاختلاق بِالْكَذِبِ، وَبِه فسر مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس والقرطبي والكلبي وَمُقَاتِل: يعنون النَّصْرَانِيَّة لِأَن النَّصَارَى تجْعَل مَعَ الله إلهاا.

الأسْبابُ طُرْقُ السَّماءِ فِي أبْوابِها

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب} (ص: ١) وَفسّر الْأَسْبَاب بطرق السَّمَاء فِي أَبْوَابهَا، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَفِي التَّفْسِير: فليرتقوا أَي: فليصعدوا فِي الْجبَال إِلَى السَّمَوَات فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْي إِلَى من يختارون ويشاؤون، وَهَذَا أَمر توبيخ وتعجيز.

جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ يَعْنِي قُرَيْشا

لغير أبي ذَر قَوْله: (جندما) إِلَى آخِره. قَوْله: (يَعْنِي قُريْشًا) ، وَهَكَذَا قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: جند، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم جند، وَكلمَة مَا متزيدة أَو صفة لجند. (وهنالك) يشار بِهِ إِلَى مَكَان الْمُرَاجَعَة، ومهزوم صفة جند، أَي: سيهزمون بذلك الْمَكَان وَهُوَ من الْأَخْبَار بِالْغَيْبِ لأَنهم هزموا بعد ذَلِك بِمَكَّة. وَعَن قَتَادَة وعده الله، عز وَجل، بِمَكَّة أَنهم سيهزمون، يهزمهم الله، فجَاء تَأْوِيلهَا يَوْم بدر.

أُولَئِكَ الأحْزَابُ القُرُونُ المَاضِيَةُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَصْحَاب الأيكة أُولَئِكَ الْأَحْزَاب} (ص: ٣١) وفسرها بقوله: (الْقُرُون الْمَاضِيَة) وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَزَاد غَيره الَّذين قهروا وأهلكوا.

فَوَالِقٍ: رُجُوعٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة مَا لَهَا من فوَاق} (ص: ٥١) يَقُول: لَيْسَ لَهُم إِقَامَة وَلَا رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: من فتح الْفَاء قَالَ: مَالهَا من رَاحَة، وَمن ضمهَا جعلهَا من فوَاق النَّاقة وَهُوَ مَا بَين الحليتين، وَقَرَأَ بِضَم الْفَاء حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقيل الضيم وَالْفَتْح بِمَعْنى وَاحِد مثل قصاص الشّعْر جَاءَ فِيهِ الْفَتْح وَالضَّم.

قِطَّنا: عَذَابَنا

قيل هَذَا مُكَرر وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ فسر (قطنا) فِي الأول بالصحيفة، وَهَاهُنَا الْعَذَاب. أَي: عجل لنا عذابنا على أَنه لَا يُوجد فِي أَكثر النّسخ.

اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيا احْطْنا بِهِمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {اتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار} وَفَسرهُ بقوله: (أحطنا بهم) كَذَا فِي الْأُصُول، وبخط

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

٣٨ - سُورَةُ ص

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا.

٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةٍ فِي ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ ﵇ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ. وهُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَنات، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ مُعَازِّينَ. ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الْاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. الْأَسْبَابُ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ. ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيْدُ الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الْأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مِنْ ذِكْرِ. طَفِقَ مَسْحًا: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادِ﴾ الْوَثَاقِ

قَوْلُهُ: سُورَةُ ص - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ص، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَقَدْ قَرَأَهَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الدَّالِ فَقِيلَ الدَّرَجُ وَقِيلَ بَلْ هِيَ عِنْدَهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُصَادَاةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَارِضِ الْقُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَسْمَاءِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ غَافِرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ) هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، وَأَبِي حُصَيْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ مَشَايِخُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَدَلَ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فَلَعَلَّ لِلْعَوَّامِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي ص سَجْدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمُجَاهِدٍ، فَرِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ شَاذَّةٌ.

قَوْلُهُ في الرواية الثانية (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيِّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) سَقَطَ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الرَّفْعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّجُودِ فِي ص فِي كِتَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مُسْتَوْفًى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ

قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَالْعَرَبُ تُحَوِّلُ فَعِيلًا إِلَى فُعَالٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ مِثْلُ طَوِيلٍ وَطُوَالٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

تَعْدُو بِهِ سَلْهَبَةً سُرَاعَةً

أَيْ سَرِيعَةً، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَنُقِلَتْ عَنْ عَلِيٍّ عُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مِثْلُ كُبَّارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كُبَارٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكُبَارٌ الْمُخَفَّفُ أَبْلَغُ مِنْ كَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الْقَطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحِسَابُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْعَكْسِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقَطُّ: الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ قُطُوطٌ وَقِطَطَةٌ كَقِرْدٍ وَقُرُودٍ وَقِرَدَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَطَّ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعَهُ وَالْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِمَّا وَعَدْتَنَا بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيفَةِ قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ تُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ الصَّكُّ، وَيُقَالُ لِلْجَائِزَةِ أَيْضًا قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكِتَابِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيْ (مُعَازِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ قَالَ: فِي حَمِيَّةٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي غُرَّةٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الِاخْتِلَاقُ الْكَذِبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: مِلَّةُ قُرَيْشٍ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾: كَذِبٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: النَّصْرَانِيَّةُ. وَعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: دِينُهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ

قَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، يَعْنِي قُرَيْشًا) سَقَطَ لَفْظُ: قَوْلُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ قَالَ: قُرَيْشٌ، وَقَوْلُهُ جُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمْ، وَمَا مَزِيدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِجُنْدٍ وَهُنَالِكَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَكَانِ الْمُرَاجَعَةِ، وَمَهْزُومٌ صِفَةٌ لِجُنْدٍ أَيْ سَيُهْزَمُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُمْ هُزِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا بِبَدْرٍ، فَعَلَى هَذَا فَهُنَالِكَ ظَرْفٌ لِلْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ وَمَكَانُ الْهَزِيمَةِ لَمْ يُذْكَرْ.

قَوْلُهُ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مجاهد بِلَفْظِ: طُرُقُ السَّمَاءِ أَبْوَابُهَا وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ هِيَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ ارْتَقَى فُلَانٌ فِي الْأَسْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ إِفَاقَةٌ وَلَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ فَتَحَهَا أَيِ الْفَاءَ قَالَ: مَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهَا مِنْ فَوَاقِي نَاقَةٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَالَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْفَاءِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَاحِدٌ مِثْلَ قُصَاصِ الشَّعْرِ يُقَالُ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قِطَّنَا﴾ أَيْ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿قِطَّنَا﴾ قَالَ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ شَبِيهُ قَوْلِهِمْ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، هو بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنِ العَوَّامِ) بفتح العين والواو المشددة، ابن حوشب بنِ يزيد الشَّيبانيِّ الواسطيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عنها (فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام، فقال: نبيُّكم ﷺ ممَّن أمر أن يقتدي بهم، أي: وقد سجدها داود، فسجدَها رسولُ الله ﷺ اقتداءً به (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا).

٤٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو الذُّهليُّ، كما قاله الكلاباذيُّ وابنُ

طاهرٍ، ونسبه إلى جدِّه؛ لأنَّ اسم أبيه يحيَى، أو محمد بن عبد الله بنِ المبارك المخرَّميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) بفتح الطاء وكسر الفاء (عَنِ العَوَّامِ) بنِ حوشبٍ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾) ولأبي ذرٍّ: «عن سجدة في ﴿ص﴾» (فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟) أي: من أيِّ دليلٍ؟ (فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ) زاد أبو ذرٍّ: «فسجدَها (٣) داود ﵇» (فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) وهي سجدةُ شكرٍ عند الشَّافعيَّة، لحديث النَّسائيِّ: «سجدَها داودُ توبةً ونسجدُها شُكرًا» أي: على قبولِ توبتهِ، فتسنُّ عند تلاوتها في غير صلاةٍ ولا تدخلُ فيها.

(﴿عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]) أي: (عَجِيبٌ) وذلك أنَّ التَّفرُّد بالألوهيَّةِ خلاف ما عليه آباؤُهم مطلقًا وتصوروهُ من أنَّ الإلهَ الواحدَ لا يسع الخلقَ كلَّهم.

(القِطُّ) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا؛ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، من قطَّه إذا قطعهُ، لكنَّه (هُوَ هَهُنَا (٤) صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ) قال سعيد بنُ جبيرٍ: يعنونَ حظَّنا ونصيبنَا من الجنَّة الَّتي تقول. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٥): «صحيفَةُ الحِسَابِ» بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة، أي: عجِّل لنا كتابَنا في الدُّنيا قبلَ يوم الحسابِ، قالوه على سبيلِ الاستهزاءِ لعنهم اللهُ، وعند عبد بنِ حميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارثِ. وفيه تفسيرٌ آخر يأتي (٦) قريبًا إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ عنه: (﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]) أي: (مُعَازِّينَ) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشدَّدة، وقال غيرُه: في استكبارٍ عن الحقِّ، أي: ما كفرَ من كفرَ به لخللٍ وجدهُ فيه بل كفرُوا به استكبارًا وحميَّة جاهلية.

(﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾) في قولهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] هي (مِلَّةُ قُرَيْشٍ) الَّتي كانت عليها آباؤهم أو دين النَّصرانيَّة، و ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: لم نسمَعْ في الملَّة الآخرةِ بهذا الَّذي جئت به، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من هذا، أي: ما سمعنا بهذا كائنًا في الملَّةِ الآخرة، أي: لم نسمَع من الكهَّانِ، ولا من أهلِ الكتبِ أنَّه يحدثُ توحيدُ الله في الملَّة الآخرة، وهذا من فرط كذبِهم.

(الاِخْتِلَاقُ) في قولهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] هو (الكَذِبُ) المختلقُ.

(﴿الْأَسْبَابِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] هي (طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) قاله مجاهدٌ، وكلُّ ما يوصلكَ إلى شيءٍ من بابٍ أو طريقٍ فهو سببهُ (١)، وهذا أمر توبيخٍ وتعجيزٍ، أي: إن ادَّعوا أنَّ عندهُم خزائنَ رحمةِ ربِّك أولهم ملك السَّموات والأرضِ وما بينهما، فليصعدُوا في الأسبابِ الَّتي توصلهم إلى السَّماء فليأتوا منها بالوحيِ إلى من يختارونَ، وهذا في غايةِ التَّهكُّم بهم.

(﴿جُندٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «قوله: ﴿جُندٌ﴾» (﴿مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]) قاله مجاهدٌ أيضًا فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (يَعْنِي: قُرَيْشًا) و ﴿هُنَالِكَ﴾ مشارٌ به إلى موضعِ التَّقاولِ والمحاورةِ بالكلمات السَّابقة، وهو مكَّة، أي: سيهزمونَ بمكَّة، وهو إخبارٌ بالغيبِ، وصحَّح الإمام فخر الدِّين كون ذلك في فتح مكَّة، قال: لأنَّ المعنى أنَّهم جندٌ سيصيرونَ مُنْهزمين في الموضعِ الَّذي ذكروا فيه هذه الكلمات. انتهى. وهذا معارضٌ بما أخرجه الطَّبريُّ من طريق سعيد، عن قتادةَ، قال: وعدهُ الله -وهو بمكَّة- أنَّه سيهزمُ جندَ المشركين، فجاء تأويلها ببدرٍ. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى بدرٍ ومصارعهم، وسقطَ من قوله: «﴿جُندٌ﴾ … » إلى آخر قوله «قُريشًا» لأبي ذرٍّ (٢).

(﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]) أي: (القُرُونُ المَاضِيَةُ) قاله مجاهدٌ أيضًا، أي: كانوا أكثر منكُم وأشدَّ قوَّةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذابِ الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ الله.

(فَوَاقٌ) بالرَّفع لأبي ذرٍّ، أي: (رُجُوعٌ) هو من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحَّته (٣)، وإفاقةُ

النَّاقةِ ساعة يرجع اللَّبنُ إلى ضَرْعِها، يريد قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذرٍّ: «﴿فَوَاقٍ﴾ رجُوعٍ» بجرِّهما، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وهما الزَّمان الَّذي بين حلبتي الحالبِ.

(﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]) أي: (عَذَابَنَا) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]) بضم السين، وهي قراءة نافعٍ والكِسائيُّ، أي: (أَحَطْنَا بِهِمْ) من الإحاطةِ، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: لعلَّه أخطأنَاهُم (١) وحذف مع ذلك القول الَّذي هذا (٢) تفسيره، وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]. انتهى. وعند ابنِ أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ: أخطأنَاهم (٣) أم هم في النَّارِ لا يعلم مكانَهم. وقال ابنُ عطيَّة: المعنى ليسوا (٤) معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميلُ عنهم. وقال ابنُ كيسانَ: أم كانوا خيرًا منَّا ونحن لا نعلمُ؟ فكأنَّ أبصارنا تزيغُ عنهم في الدُّنيا فلا نعدُّهم شيئًا.

(﴿أَتْرَابٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] أي (٥) (أَمْثَالٌ) على سنٍّ واحدٍ، قيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها: تِرْب، وقيل: متواخياتٌ لا يتباغضنَ ولا يتغايرنَ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (الأَيْدُ) بالرفع في قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هو (القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ) والعامَّة على ثبوتِ الياء في «الأيدي»، جمع: يَد، وهي إمَّا الجارحة وكنَّى بها عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثر الأعمالِ إنَّما تزاول باليدِ، أو المراد النِّعمة، وقرئ: ﴿الْأَيْدِ﴾ بغير ياء اجتزاءً عنها بالكسرةِ.

(﴿وَالْأَبْصَارِ﴾) هو (البَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ) قاله ابنُ عبَّاس أيضًا.

(﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]) أي: (مِنْ ذِكْرِ) ربِّي، فـ ﴿عَن﴾ بمعنى: من، و ﴿الْخَيْرِ﴾: المالُ الكثير، والمراد به: الخيلُ الَّتي شغلتهُ، والراء تعاقب اللَّام، ويحتملُ أنَّه سمَّاها خيرًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ مَنْ قَالَ أنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِي سُورَة النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن فليح عَن هِلَال عَن عَطاء بن يسَار إِلَى إخره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.

٨٣ - (سُورَةْ: {ص} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ص} مَكِّيَّة بِلَا خلاف نزلت بعد سُورَة الانشقاق وَقيل الْأَعْرَاف، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَسَبْعمائة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ، فَعَن ابْن عَبَّاس: بَحر بِمَكَّة كَانَ عَلَيْهِ عرش الرَّحْمَن لَا ليل وَلَا نَهَار، وَعَن سعيد بن جُبَير: بَحر يحيي الله بِهِ الْمَوْتَى بَين النفختين، وَعَن الضَّحَّاك: {ص} صدق الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد: فَاتِحَة السُّورَة، وَعَن قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن السّديّ: اسْم من أَسمَاء الله، وَعَن مُحَمَّد الْقرظِيّ: هُوَ مِفْتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى إِلَى صَمد وصانع المصنوعات وصادق الْوَعْد، وَعَن ابْن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: اسْم حَيَّة رَأسهَا تَحت الْعَرْش وذنبها تَحت الأَرْض السُّفْلى، قَالَ: وَأَظنهُ عَن عِكْرِمَة، وَقيل: هُوَ من المصاداة من قَوْلك: صَاد فلَانا وَهُوَ أَمر من ذَلِك. فَمَعْنَاه: صَاد بعملك الْقُرْآن أَي: عَارضه لتنظر أَيْن عَمَلك. فَمن أول هَكَذَا يقْرَأ: صَاد بِكَسْر الدَّال لِأَنَّهُ أَمر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن، وقرأه عَامَّة قراء الْأَمْصَار بِسُكُون الدَّال إلاّ عبد الله بن إِسْحَاق وَعِيسَى بن عمر فَإِنَّهُمَا يكسرانه.

بِسم الله الرحمان الرَّحِيم

سَقَطت الْبَسْمَلَة فَقَط للنسفي، وَاقْتصر الْبَاقُونَ على لفظ {ص} .

٦٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سألْتُ مُجاهدا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: {أُوْلَئِكَ الَّذِي هَدَي الله فَبِهُدعاهُمُ اقْتَدِهْ} (الْأَنْعَام: ٠٩) وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيها..

غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقد مر غير مرّة، والعوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الواوين حَوْشَب الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مر فِي سُورَة الْأَنْعَام وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَالك.

٧٠٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ العَوَّامِ قَالَ سَألْتُ مُجاهِدا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ سألْتُ ابنَ عَباسٍ مِنْ أيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ أوَ مَا تَقْرَأُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَها رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الكلاباذي وَابْن طَاهِر: هُوَ الذهلي نِسْبَة إِلَى جده وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير، تَقْدِيره سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا وَلم يقل: مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا بل يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، أَو ينْسبهُ إِلَى جده وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما دخل نيسابور فشغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ وَكَانَ قد سمع مِنْهُ فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ غير غَيرهمَا: يحْتَمل أَن يكون مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك المَخْزُومِي فَإِنَّهُ من هَذِه الطَّبَقَة وَالله أعلم.

قَوْله: (من أَيْن سجدت) ؟ على صِيغَة الْخطاب للحاضر، ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول للغائبة، أَي: بِأَيّ دَلِيل صَارَت سَجْدَة! قَوْله: (فسجدها دَاوُد) ، وَلم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسجد دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِيهَا وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَأْمُور بالاقتداء بِهِ وَنحن مأمورون بالاقتداء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومتابعته، وَهَذَا حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: لَيْسَ فِي {ص} سَجْدَة عَزِيمَة وَبَاقِي الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كتاب الصَّلَاة فِي أَبْوَاب سُجُود التِّلَاوَة.

عُجابٌ: عَجِيبٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَذَا الشَّيْء عُجاب} (ص: ٥) وَذكر أَن معنى: عُجاب، بِمَعْنى: (عَجِيب) وقرىء: عُجاب، بتَشْديد الْجِيم وَالْمعْنَى وَاحِد، وَقيل: هُوَ أَكثر، وَقَالَ مقَاتل هَذَا بلغَة أَزْد شنُوءَة مثل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض.

الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هاهُنا صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب} (ص: ٦١) وَقَالَ: (القط الصَّحِيفَة) مُطلقًا وَلَكِن المُرَاد هَاهُنَا صحيفَة الْحَسَنَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: صحيفَة الْحساب، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ لما نزلت فِي الحاقة: {فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ} (الحاقة: ٩١) الْآيَة. قَالُوا على وَجه الِاسْتِهْزَاء، عجل لنا قطنا، يعنون كتَابنَا عجله لنا فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْحساب، وَعَن قَتَادَة وَمُجاهد وَالسُّديّ: يعنون عقوبتنا وَمَا كتب لنا من الْعَذَاب، وَعَن عَطاء: قَالَه النَّضر بن الْحَارِث، وَعَن أبي عُبَيْدَة: القط الْكتاب وَالْجمع قطوط وقططة كقرد وقرود وقردة وَأَصله من قطّ الشَّيْء إِذا قطعه، وَيُطلق على الصَّحِيفَة لِأَنَّهَا قِطْعَة تقطع وَكَذَلِكَ الصَّك.

وَقَالَ مُجاهِدٌ فِي عِزَّةٍ مُعازِّين

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق} (ص: ٢) وَأَرَادَ أَن قَوْله: (فِي عزة) فِي مَوضِع خبر وَأَنه بِمَعْنى: (معازين) أَي: مغالبين، وَقيل: فِي حمية جَاهِلِيَّة وتكبر. قَوْله: (وشقاق) ، أَي: خلاف وفراق.

المِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةُ قُرَيْشٍ الاخْتِلاقُ الكَذِبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا سمعنَا بِهَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة إِن هَذَا إلَاّ اخْتِلَاق} (ص: ٧) وَفسّر الْملَّة الْآخِرَة بِملَّة قُرَيْش، والاختلاق بِالْكَذِبِ، وَبِه فسر مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس والقرطبي والكلبي وَمُقَاتِل: يعنون النَّصْرَانِيَّة لِأَن النَّصَارَى تجْعَل مَعَ الله إلهاا.

الأسْبابُ طُرْقُ السَّماءِ فِي أبْوابِها

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب} (ص: ١) وَفسّر الْأَسْبَاب بطرق السَّمَاء فِي أَبْوَابهَا، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَفِي التَّفْسِير: فليرتقوا أَي: فليصعدوا فِي الْجبَال إِلَى السَّمَوَات فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْي إِلَى من يختارون ويشاؤون، وَهَذَا أَمر توبيخ وتعجيز.

جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ يَعْنِي قُرَيْشا

لغير أبي ذَر قَوْله: (جندما) إِلَى آخِره. قَوْله: (يَعْنِي قُريْشًا) ، وَهَكَذَا قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: جند، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم جند، وَكلمَة مَا متزيدة أَو صفة لجند. (وهنالك) يشار بِهِ إِلَى مَكَان الْمُرَاجَعَة، ومهزوم صفة جند، أَي: سيهزمون بذلك الْمَكَان وَهُوَ من الْأَخْبَار بِالْغَيْبِ لأَنهم هزموا بعد ذَلِك بِمَكَّة. وَعَن قَتَادَة وعده الله، عز وَجل، بِمَكَّة أَنهم سيهزمون، يهزمهم الله، فجَاء تَأْوِيلهَا يَوْم بدر.

أُولَئِكَ الأحْزَابُ القُرُونُ المَاضِيَةُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَصْحَاب الأيكة أُولَئِكَ الْأَحْزَاب} (ص: ٣١) وفسرها بقوله: (الْقُرُون الْمَاضِيَة) وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَزَاد غَيره الَّذين قهروا وأهلكوا.

فَوَالِقٍ: رُجُوعٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة مَا لَهَا من فوَاق} (ص: ٥١) يَقُول: لَيْسَ لَهُم إِقَامَة وَلَا رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: من فتح الْفَاء قَالَ: مَالهَا من رَاحَة، وَمن ضمهَا جعلهَا من فوَاق النَّاقة وَهُوَ مَا بَين الحليتين، وَقَرَأَ بِضَم الْفَاء حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقيل الضيم وَالْفَتْح بِمَعْنى وَاحِد مثل قصاص الشّعْر جَاءَ فِيهِ الْفَتْح وَالضَّم.

قِطَّنا: عَذَابَنا

قيل هَذَا مُكَرر وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ فسر (قطنا) فِي الأول بالصحيفة، وَهَاهُنَا الْعَذَاب. أَي: عجل لنا عذابنا على أَنه لَا يُوجد فِي أَكثر النّسخ.

اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيا احْطْنا بِهِمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {اتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار} وَفَسرهُ بقوله: (أحطنا بهم) كَذَا فِي الْأُصُول، وبخط

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56