الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4937
الحديث رقم 4937 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة عبس.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
﴿انْكَدَرَتْ﴾ انْتَثَرَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾ ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسْجُورُ الْمَمْلُوءُ. وَقَالَ
⦗١٦٧⦘
غَيْرُهُ: سُجِرَتْ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا، وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا، تَرْجِعُ وَتَكْنِسُ تَسْتَتِرُ كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ. ﴿تَنَفَّسَ﴾ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ يَضَنُّ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: ﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ﴿عَسْعَسَ﴾ أَدْبَرَ.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ﴿فُجِّرَتْ﴾ فَاضَتْ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ شَاءَ إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَانَ﴾ ثَبْتُ الْخَطَايَا، ﴿ثُوِّبَ﴾ جُوزِيَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ
٤٩٣٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عنه. انتهى. لأنَّه لم يتغافَلْ عن المشرِك (١) إنَّما تغافلَ عمَّن جاءَه يسعَى.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصله الفِريابيُّ: (﴿لَمَّا يَقْضِ﴾ [عبس: ٢٣]) أي: (لَا يَقْضِي أَحَدٌ) من لدنِ آدمَ إلى هذهِ الغَاية (مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزةِ مبنيًّا للمفعول، إذ لم يخلُ أحدٌ من تقصيرٍ ما.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٢) وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿تَرْهَقُهَا﴾) أي: (تَغْشَاهَا) قَتَرة، أي: (شِدَّةٌ) وقيل: سوادٌ وظُلمةٌ.
(﴿مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]) أي: (مُشْرِقَةٌ) مضيئةٌ (﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) وفي نسخةٍ بإسقاط الواو، وهو الأوجَه في معنَى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ (كَتَبَةٍ) أي: من الملائكةِ ينسخونَ من اللَّوح المحفوظِ أو (٣) الوَحي (﴿أَسْفَارًا﴾) أي: (كُتُبًا) ذكَره استطرَادًا (٤).
(﴿تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠]) أي: (تَشَاغَلَ (٥)، يُقَالُ: وَاحِدُ الأَسْفَارِ سِفْرٌ) وهي الكُتُب العِظام، وسقطَ «يقال» لأبي ذرٍّ.
٤٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابنُ دعامةَ (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) بفتح الفاء والهمزة (يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) الأنصَاريِّ ((٦) عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) بفتح الميم والمثلثة، صفته (وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ) لا يتوقَّف فيه، ولا يشقُّ عليهِ لجودةِ حفظهِ وإتقانه كونه (مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ (٧))
جمع: سافِر، ككاتبٍ وكَتَبة، وهم (١) الرُّسل؛ لأنَّهم يسفرونَ إلى النَّاس برسالاتِ الله، ولأبي ذرٍّ زيادة: «البَرَرة» أي: المطيعين، أو المرادُ أن يكون رفيقًا للملائكةِ السَّفرة؛ لاتِّصاف بعضهم بحملِ كتابِ الله، أو المرادُ أنَّه عاملٌ بعملهِم وسالكٌ مسالكَهم من كون أنَّهم يحفظونَه ويؤدُّونه إلى المؤمنين، ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم (وَمَثَلُ الَّذِي) أي: وصفة الَّذي (يَقْرَأُ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ) لضعفِ حفظهِ، مثل من يحاولُ عبادةً شاقَّة يقومُ بأعبائِها مع شدَّتها وصعوبتِها عليه (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرُ القراءةِ وأجرُ التَّعب، وليس المراد أنَّ أجرَه أكثرُ من أجرِ الماهرِ (٢) بل الأوَّل أكثر؛ ولذا كان مع السَّفرة، ولمن رجَّح ذلك أن يقول: الأجرُ على قدر المشقَّة، لكن لا نسلِّم أنَّ الحافظ الماهر خالٍ عن مشقَّة؛ لأنَّه لا يصيرُ كذلك إلَّا بعد عناءٍ كثيرٍ ومشقَّة شديدةٍ غالبًا، والواو في قوله: «وهو حافظٌ»، و «هو يتعاهدُه»، ولاحقه؛ الثَّلاثة للحالِ، وجوابُ المبتدأ الَّذي هو «مثلُ» محذوف تقديره: كونه في الأوَّل، ومثل من يحاول في الثَّاني، كما مرَّ.
(((٨١))) (سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] انْتَثَرَتْ) من السَّماء وسقطتْ على الأرض.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البَصريُّ -فيما وصلَه الطَّبريُّ- (﴿سُجِّرَتْ﴾ (١)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: (ذَهَبَ) ولأبي ذرٍّ: «يذهبُ» (مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى) فيها (قَطْرَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فلا تبقَى» بالفوقيَّة (٢)، وقال ابنُ عبَّاس: أوقِدت فصارَت نارًا تضطَرم (٣).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الطَّبريُّ: (﴿الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] المَمْلُوءُ) وسبقَ «بسورةِ الطُّور» [خ¦٦٥ - ٧١٢٨] (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (سُجِرَتْ: أَفْضَى) ولأبي ذرٍّ: «أُفضِي» بضم الهمزة وكسر الضاد (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا) وهو معنى قولِ السُّدِّي فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
(وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ) بفتح التاء وكسر النون (فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ) وراءَها، بينا تَرى النَّجم في آخرِ البُرج إذا كرَّ راجعًا إلى أوَّله (وَتَكْنِسُ) بكسر النون (تَسْتَتِرُ) تخفى تحتَ ضوءِ الشَّمس (كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «كمَا يكنسُ الظَّبيُّ» أي: يستترُ في كناسهِ؛ وهو بيته المتَّخذ من أغصانِ الشَّجر، والمرادُ النُّجوم الخمسة: زُحَل والمشتَري والمرِّيخ وزُهرة وعُطَارد.
(﴿تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]) أي: (ارْتَفَعَ النَّهَارُ) وقال ابنُ الخازنِ (٤): في تنفُّسه قولان: أحدهما: أنَّ في إقبالهِ روحًا ونسيمًا، فجعل ذلك نفسًا على المجاز. الثَّاني: أنَّه شبَّه اللَّيل بالمكروبِ المحزونِ، فإذا حصل لهُ التَّنفُّس وجد راحةً، فكأنَّه تخلَّص من الحزنِ فعبَّر عنه بالتَّنفُّس، وهو استعارةٌ لطيفةٌ.
(وَالظَّنِينُ) بالظاء في قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ (المُتَّهَمُ) من الظِّنَّة، وهي التُّهمة (وَالضَّنِينُ) بالضاد (يَضَنُّ بِهِ) أي: لا يبخلُ بالتَّبليغ والتَّعليم.
(وَقَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب -فيما وصلَه عبدُ بن حُميد-: (﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] يُزَوَّجُ) بفتح الواو مشددة، الرَّجل (نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ) عُمر ﵁: (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]) وأخرجَ الفرَّاء من طريقِ عكرمةَ قال: يُقرنُ الرَّجل في الجنَّة بقرينهِ الصَّالح في الدُّنيا، ويُقرنُ الرَّجل الَّذي كان يعملُ السُّوء في الدُّنيا بقرينهِ الَّذي كان يعينهُ في النَّار، وقيل: يزوَّج المؤمنونَ بالحورِ العينِ، ويزوَّج الكافرون بالشَّياطينِ. حكاه القُرطبيُّ في «تذكرته».
(﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]) أي: (أَدْبَرَ) وقال الحسنُ: أقبلَ بظلامهِ، وهو من الأضدَاد، ويدلُّ على أنَّ المراد هنا أدبرَ قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أي: امتدَّ ضوءه حتَّى يصيرَ نهارًا.
(((٨٢))) (سورة ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة فيما رواه عبدُ بنُ حُميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]) أي: (فَاضَتْ) قال الزَّركشيُّ: ينبغِي قراءتَه بالتَّخفيف، فإنَّها القراءة المنسوبَة للرَّبيعِ صاحب هذا التَّفسير.
(وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ) وكذا قرأ حمزة والكسائيُّ: (﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقرأ» (أَهْلُ الحِجَازِ) وأبو عَمرو البصريُّ وابن عامرٍ الشَّاميُّ (بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) أي: جعلَه متناسبَ الأطرافِ، فلم يجعَل إحدى يديهِ أطوَل، ولا إحدى عينيهِ أوسَع (وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي: فِي أَيِّ صُورَةٍ (١) شَاءَ، إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أو طويلٌ أو قصيرٌ» قاله الفرَّاء.
(((٨٣))) (سورة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ستٌّ وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤]) وسقطَ «﴿بَلْ﴾» لغيرِ أبي ذرٍّ (١) أي: (ثَبْتُ الخَطَايَا) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، بعدها مثناة فوقية، حتَّى غمرتهَا، والرَّان: الغِشاوة على القلبِ، كالصَّدأ (٢) على الشَّيء الصَّقيل من سيفٍ ونحوه، قال:
وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فَاجِرٍ … فَتَابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَانَ فَانْجَلَى (٣)
وأصلُ الرَّين الغَلبة، ومنه: رانَت الخمرُ على عقلِ (٤) شاربها، ومعنى الآية: أنَّ الذُّنوب غلبتْ على قلوبِهم وأحاطَت بها (٥). وفي التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَ في قلبهِ نكتَة، فإن هو نزعَ واستغفرَ؛ صُقِلَت، فإن عادَ؛ زيدَ فيها حتَّى تعلُو قلبه، فهو الرَّان الَّذي ذكر اللهُ في كتابهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: ١٤]».
(﴿ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦]) أي: (جُوزِيَ)، قالَه مجاهدٌ فيما وصلَه الفِريابيُّ.
(الرَّحِيقُ) أي: (الخَمْرُ) الخالصُ من الدَّنس.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ السُّورَة من حَيْثُ إِنَّه من جملَة مَا فِيهَا، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد ابْن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (قَالَ بإصبعيه) أَي: ضم بَين إصبعيه وَالْقَوْل يسْتَعْمل فِي غير مَعْنَاهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة من روى، وَضم بَين السبابَة وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَة: قرن بَينهمَا. قَوْله: (بعثت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أرْسلت، ويروى: (بعثت أَنا) قَوْله: (والساعة) ، قَالَ الْكرْمَانِي بِالنّصب وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويته بِفَتْح السَّاعَة وَضمّهَا فالضم على الْعَطف وَالْفَتْح على الْمَفْعُول مَعَه وَالْعَامِل: بعثت وكهاتين، حَال أَي: مقترنين، فعلى النصب يَقع التَّشْبِيه بِالضَّمِّ وعَلى الرّفْع يحْتَمل هَذَا وَيحْتَمل أَن يَقع بالتفاوت الَّتِي بَين السبابَة وَالْوُسْطَى فِي الطول، وَيدل عَلَيْهِ قَول قَتَادَة فِي رِوَايَته كفضل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، وَحَاصِل هَذَا التَّعْرِيف بِسُرْعَة مَجِيء الْقِيَامَة. قَالَ عز وَجل: فقد جَاءَ أشراطها.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أغْطَشَ أظْلَمَ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وأغطش لَيْلهَا} (النازعات: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: وَقد أظلم، وَقد مر فِي بَدْء الْخلق، وَهَذَا ثَبت هُنَا للنسفي وَحده.
الطَّامَةُ: تَطُمُّ كلَّ شَيْءٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى} (النازعات: ٤٣) وفسرها بقوله: (نظلم كل شَيْء) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الطامة عِنْد الْعَرَب الداهية الَّتِي لَا تستطاع وَإِنَّمَا أَخذ من قَوْلهم: طم الْفرس طميما إِذا استفرغ جهده فِي الجري، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده.
٠٨ - (سُورَةُ {عَبَسَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {عبس} ، وَتسَمى: سُورَة السفرة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ آيَة وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت قبل سُورَة الْقدر وَبعد سُورَة النَّجْم، وَذكر الْحَاكِم مصححا عَن عَائِشَة أَنَّهَا نزلت فِي ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعل يَقُول: يَا رَسُول الله أَرْشدنِي وَعند رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجال من عُظَمَاء الْمُشْركين، فَجعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرض عَنهُ وَيقبل على الآخرين. الحَدِيث.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
عَبَسَ: كَلَحَ وَأعْرَضَ
نفسير عبس بقوله: كلح هُوَ لأبي عُبَيْدَة وَتَفْسِيره بأعرض لغيره، وَلم يخْتَلف السّلف فِي أَن فَاعل عبس هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الدَّاودِيّ، فَقَالَ: هُوَ الْكَافِر الَّذِي كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتهى. قيل: كَانَ هَذَا أبي بن خلف، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَقيل: أُميَّة بن خلف، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَائِشَة أَنه كَانَ يُخَاطب عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَائِشَة أَنه كَانَ فِي مجْلِس فِيهِ نَاس من وُجُوه الْمُشْركين فيهم أَبُو جهل وَعتبَة، فَهَذَا يجمع الْأَقْوَال.
مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّها إلَاّ المُطَهَّرُونَ وَهُمْ المَلائِكَةُ وَهاذا مِثْلُ قَوْلِهِ: {فَالْمُدَبِّراتِ أمْرا} (النازعات: ٥) جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لأنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ فَجَعَلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أيْضا.
أَشَارَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: {فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٣١، ٦١) وَفسّر المطهرة بقوله: (لَا يَمَسهَا إلَاّ الْمُطهرُونَ وهم الْمَلَائِكَة) يَعْنِي: لما كَانَت الصُّحُف تتصف بالتطهير، وصف أَيْضا حاملها أَي: الْمَلَائِكَة. فَقيل: لايمسها إلَاّ الْمُطهرُونَ وَهَذَا كَمَا فِي المدبرات أمرا فَإِن التَّعْبِير لمحمول خُيُول الْغُزَاة فوصف الْحَامِل يَعْنِي الْخُيُول بِهِ. فَقيل: (فالمدبرات أمرا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ لَا يَقع بِزِيَادَة، لَا فِي تَوْجِيهه تكلّف. قلت: وَجهه أَن الصُّحُف لَا يُطلق عَلَيْهَا التَّطْهِير الَّذِي هُوَ خلاف التَّنْجِيس حَقِيقَة وَإِنَّمَا المُرَاد أَنَّهَا مطهرة عَن أَن ينالها أَيدي الْكفَّار. وَقيل: مطهرة عَمَّا لَيْسَ بِكَلَام الله فَهُوَ الْوَحْي الْخَالِص وَالْحق الْمَحْض، وَقَوله: (مطهرة) فِي رِوَايَة غير أبي ذَر والنسفي، وَقَالَ غَيره: مطهرة، وَهَذَا يَقْتَضِي
تقدم أحد قبله حَتَّى يَصح، وَقَالَ غَيره: وَالظَّاهِر أَن فِي أول تَفْسِير عبس، وَقَالَ مُجَاهِد: عبس كلح، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيره أَي: غير مُجَاهِد.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ وَالأبُّ مَا يَأْكُلُ الأنْعَامُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَخْلًا وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وَأَبا} (عبس: ٩٢، ١٣) وَقَالَ الغلب الملتفة من الالتفاف، وَالْأَب بِالتَّشْدِيدِ مَا يَأْكُل الْأَنْعَام وَهُوَ الْكلأ والمرعى، وَعَن الْحسن: هُوَ الْحَشِيش وَمَا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغلب غِلَاظ الْأَشْجَار واحده أغلب، وَمِنْه قيل للتغليظ الرَّقَبَة الْأَغْلَب وَعَن قَتَادَة: الغلب النّخل الْكِرَام، وَعَن ابْن زيد: عِظَام الْجُذُوع، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي.
سفَرَةٌ: المَلائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ سَفَرْتُ أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذَا نَزَلَتْ بِوَحْي الله وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْن القَوْمِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة} ، أَي: بأيدي الْمَلَائِكَة. قَوْله: (واحدهم) ، أَي: وَاحِد السفرة سَافر، وَعَن قَتَادَة واحدهم سفير، وَإِنَّمَا ذكره بواو الْجَمَاعَة بِاعْتِبَار الْمَلَائِكَة. قَوْله: (سفرت) ، إِشَارَة إِلَى أَن معنى: سَافر من سفرت بِمَعْنى أصلحت بَينهم، وَمِنْه السفير وَهُوَ الرَّسُول، وسفير الْقَوْم هُوَ الَّذِي يسْعَى بَينهم بِالصُّلْحِ، وسفرت بَين الْقَوْم إِذا أصلحت بَينهم، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: سفرة، كتبة وهم الْمَلَائِكَة الْكِرَام الكاتبون، وَمِنْه قيل للْكتاب: سفر، وَجمعه أسفار، وَيُقَال للوراق سفر بلغَة العبرانية. قَوْله: (وتأديته) ، من الْأَدَاء أَي: وتبليغه ويروى: وتأديبه من الْأَدَب لَا من الْأَدَاء. قَالَه الْكرْمَانِي: وَفِيه مَا فِيهِ.
تَصَدَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت لَهُ تصدى} ، وَفَسرهُ بقوله: (تغافل) وَأَصله: تتغافل وَكَذَلِكَ أصل: تصدى تتصدى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي تتعرض لَهُ بالإقبال عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب الْمَشْهُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فِي أَكثر النّسخ تصدى تغافل عَنهُ، وَالَّذِي فِي غَيرهَا تصدى أقبل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ الصَّوَاب وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ غَيره: تصدى تغافل، وَهَذَا يَقْتَضِي تقدم ذكر أحد قبله حَتَّى يَسْتَقِيم أَن يُقَال: وَقَالَ غَيره.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لمَا يَقْضِ لَا يَقْضِي أحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لما يقْض مَا أمره} وَتَفْسِيره ظَاهر، (وَأمر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَلَفظه: لَا يقْض أحد مَا افْترض عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تَرْهَقُها: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {ترهقها فَتْرَة} تغشاها شدَّة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ، وَقيل: يُصِيبهَا ظلمَة وذلة وكآبة وكسوف وَسَوَاد، وَعَن ابْن زيد: الْفرق بَين الغبرة والفترة أَن الغبرة مَا ارْتَفع من الْغُبَار فلحق بالسماء، والقترة مَا كَانَ أَسْفَل فِي الأَرْض.
مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةُ
كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
{بأيْدِي سَفَرَةٍ} وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ أسْفَارا كَتُبا
قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَهُوَ من وَجه مُكَرر.
تَلَهَّى: تَشَاغَلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت عَنهُ تلهى} (عبس: ١) أَصله: تتلهى. أَي: تتشاغل حذفت التَّاء مِنْهُمَا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تعرض وتتغافل عَنهُ وتتشاغل بِغَيْرِهِ.
يُقَالُ: وَاحِدُ الأسْفَارِ، سِفْرٌ
سقط هَذَا لأبي ذَر، والأسفار جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: {كَمثل الْحمار يحمل أسفارا} (الْجُمُعَة: ٥) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ جمع سفر بِكَسْر السِّين وَهُوَ الْكتاب، وَقد مر عَن قريب.
فَأقْبَرَهُ يُقالُ: أقْبَرتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرا قَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَمَاتَهُ فاقبره} (عبس: ١٢) قَوْله: (يُقَال) ، إِلَى آخِره، ظَاهر، وَقَالَ الْفراء: أَي جعلته مقبورا وَلم يقل: قَبره، لِأَن القابر هُوَ الدافن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فأقبره أَي: جعل لَهُ قبرا وَالَّذِي يدْفن بِيَدِهِ هُوَ القابر.
٧٣٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بنَ أوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ بنِ هِشامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفْرَةِ الكِرَامِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤهُ وَهُوَ يَتَعَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أجْرَانِ.
مطابقته لقَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٥١، ٦١) وَسَعِيد بن هِشَام بن عَامر الْأنْصَارِيّ. ولأبيه صُحْبَة وَلَيْسَ لَهُ فِي يالبخاري إلَاّ هَذَا الْموضع وَآخر مُعَلّق فِي المناقب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبيد وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْأَشْعَث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب الْقُرْآن عَن هِشَام بن عمار.
قَوْله: (مثل الَّذِي) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: صفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون} (الرَّعْد: ٥٣) قَوْله: (وَهُوَ حَافظ لَهُ) ، أَي: الْقُرْآن وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مَعَ السفرة) ، ويروى مثل السفرة، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ مَعَ السفرة فِيمَا يسْتَحقّهُ من الثَّوَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ مثل زَائِد وَإِلَّا فَلَا رابطة بَينه وَبَين السفرة لِأَنَّهُمَا مُبْتَدأ وَخبر فَيكون التَّقْدِير الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام، أَي: كَائِن مَعَهم وَيجوز أَن يكون لفظ مثل بِمَعْنى: مثيل، بِمَعْنى: شَبيه، فيكو التَّقْدِير: شَبيه الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام. قَوْله: (وَهُوَ يتعاهده) ، أَي: يضبطه ويتفقده. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد) ، أَي: وَالْحَال أَن التعاهد عَلَيْهِ شَدِيد. قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، من حَيْثُ التِّلَاوَة وَمن حَيْثُ الْمَشَقَّة قَالَه الْقُرْطُبِيّ. فَإِن قلت: مَا معنى كَون الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ حَافظ لَهُ مَعَ السفرة. قلت: لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا: أَن يكون لَهُ منَازِل فَيكون فِيهَا رَفِيقًا للْمَلَائكَة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تَعَالَى، وَالْآخر: أَن يكون المُرَاد أَنه عَامل بِعَمَل السفرة وسالك مسلكهم.
١٨ - (سُورَةُ: {إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير: ١) وَيُقَال: سُورَة كورت بِدُونِ لفظ إِذا الشَّمْس، وَسورَة التكوير، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَأَرْبع كَلِمَات، وتسع وَعِشْرُونَ آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثب ت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر
انْكَدَرَتْ انْتَثَرَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا النُّجُوم انكدرت} (التكوير: ٢) وَفَسرهُ بقوله: انتثرت. أَي: تناثرت وتساقطت من السَّمَاء على الأَرْض. يُقَال: انكدر الطَّائِر أَي سقط عَن عشه، وَعَن ابْن عَبَّاس تَغَيَّرت.
وَقَالَ الحَسَنُ: سُجِّرَتْ ذَهَبَ مَاؤُها فَلا تَبْقَى فَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: المَسْجُور المَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ سُجِرَتْ أفْضَى بَعْضُها إلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرا وَاحِدا.
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله عز وَجل: {وَإِذا الْبحار سجرت} (التكوير: ٦ وَتَفْسِيره ظَاهر، وَكَذَا قَالَه السّديّ، وَقَالَ ابْن زيد وَابْن عَطِيَّة وسُفْيَان ووهب: أوقدت فَصَارَت نَارا. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَحْر الْمَسْجُور المملوء) ، وَهُوَ فِي سُورَة الطّور ذكره اسْتِطْرَادًا. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير مُجَاهِد، والأصوب أَن يُقَال: غير الْحسن على مَا لَا يخفى معنى سجرت أفْضى إِلَى آخِره وَهُوَ قَول مقَاتل وَالضَّحَّاك.
وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ كَمَا تَكْنِسُ الظِّباءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس} (التكوير: ٥١، ٦١) قَالَ الْفراء: الخنس النُّجُوم الْخَمْسَة، تخنس فِي مجْراهَا إِلَى آخِره، والخمسة هِيَ: بهْرَام وزحل وَعُطَارِد والزهرة وَالْمُشْتَرِي، ويروى أَن رجلا من مُرَاد قَالَ لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: {الخنس الْجوَار الكنس} قَالَ: هِيَ الْكَوَاكِب تخنس بِالنَّهَارِ فَلَا ترى وتكنس بِاللَّيْلِ فتأوى إِلَى مجاريهن، وأصل الخنس الرُّجُوع إِلَى وَرَاء الكنوس. أَي: تأوي إِلَى مكانسها وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي تأوي إِلَيْهَا الْوَحْش، وَقيل: الخنس بقر الْوَحْش إِذا رَأَتْ الْإِنْس تخنس وَتدْخل كناسها، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عمر بن ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل. قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا الخنس؟ قَالَ قلت: أَظُنهُ بقر الْوَحْش. قَالَ: وَأَنا أَظن ذَلِك، والخنس جمع خانس والكنس جمع كانس كالركع جمع رَاكِع.
تَنَفَّسَ: ارْتَفَعَ النَّهَارُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالصُّبْح إِذا تنفس} (التكوير: ٨١) وَفَسرهُ بقوله: (ارْتَفع النَّهَار) .
وَالظَّنِينُ: المُتَّهَمُ. وَالضَّنِينُ يَضَنُّ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {وَمَا هُوَ على الْغَيْب بظنين} (التكوير: ٤٢) وَفسّر الظنين الَّذِي بالظاء الْمُعْجَمَة بالمتهم، وَفسّر الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة بقوله: (يضن بِهِ) أَي: يبخل بِهِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَا هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْغَيْب أَي: الْوَحْي وَخبر السَّمَاء وَمَا اطلع عَلَيْهِ من علم الْغَيْب بضنين أَي ببخيل، فَلَا يبخل بِهِ عَلَيْكُم، بل يعلمكم وَيُخْبِركُمْ بِهِ. قلت: هَذَا الَّذِي فسره هُوَ الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة. تَقول: ضننت بالشَّيْء فَأَنا ضنين أَي يخيل. ثمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء بالظاء وَمَعْنَاهُ وَمَا هُوَ بمتهم فِيمَا يخبر بِهِ، وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَأهل الْمَدِينَة وَالشَّام بالضاد وَالْبَاقُونَ بالظاء من الظنة وَهِي التُّهْمَة. وَقَالَ النَّسَفِيّ (فِي تَفْسِيره) واتقان الْفَصْل بَين الضَّاد والظاء وَاجِب وَمَعْرِفَة مخرجهما لَا بُد مِنْهُ للقارىء فَإِن أَكثر الْعَجم لَا يفرقون بَين الحرفين وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل الضَّاد: ضننت بالشَّيْء أضن بِهِ ضنا وضنانة إِذا بخلت بِهِ، وَهُوَ ضنين بِهِ. قَالَ الْفراء: وضننت بِالْفَتْح لُغَة، وَقَالَ فِي فصل الظَّاء والظنين الْمُتَّهم والظنة التُّهْمَة.
وَقَالَ عُمَرُ {وَإذَا النفُوسُ زُوِّجَتْ} (التكوير: ٧) يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ رَضِيَ الله عَنْهُ {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ} (الصافات: ٢٢) .
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا النُّفُوس زوجت} يُزَوّج الرجل نَظِيره من أهل الْجنَّة ويزوج الرجل نَظِيره من أهل النَّهَار، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي نعيم، حَدثنَا سُفْيَان عَن سماك عَن النُّعْمَان ابْن بشير عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي لفظ: الْفَاجِر مَعَ الْفَاجِرَة والصالح مَعَ الصَّالِحَة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: زوج الْمُؤمن الْحور الْعين وَالْكَافِر الشَّيْطَان، وَقَالَ الرّبيع بن خثيم: يَجِيء الْمَرْء مَعَ صَاحب عمله يُزَوّج الرجل بظيره من أهل الْجنَّة وبنظيره من أهل النَّار، وَقَالَ الْحسن: ألحق كل امرء بشيعته، وَقَالَ عِكْرِمَة: يحْشر الزَّانِي مَعَ الزَّانِيَة والمسيء مَعَ المسيئة والمحسن مَعَ المحسنة. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) ، أَي: ثمَّ قَرَأَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مستدلاً على مَا قَالَه بقوله تَعَالَى: {احشروا الَّذين ظلمُوا أَزوَاجهم} .
عَسْعَسَ أدْبَرَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْل إِذا عسعس} (التكوير: ٧١) وَفَسرهُ بقوله: (أدبر) رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الزّجاج: عسعس اللَّيْل إِذا أقبل، وعسعس إِذا أدبر فعلى هَذَا هُوَ مُشْتَرك بَين الضدين.
٢٨ - (سُورَةُ {إذَا السمَّاءُ انْفَطَرَتْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {إِذا السَّمَاء انفطرت} وَيُقَال لَهَا أَيْضا سُورَة الانفطار وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَثَمَانُونَ كلمة وتسع عشرَة آيَة.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.
الْبَسْمَلَة مَوْجُودَة هُنَا عِنْد الْكل.
انْفِطَارُها: انْشِقَاقُها
ثَبت هَذَا للنسفي وَحده، والانفطار من الْفطر بِالْفَتْح وَهُوَ الشق.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ بِعثرَتْ يَخْرُجُ مَنْ فِيهَا مِنَ الأَمْوَاتِ
أَي: يذكر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَبِه قَالَ الْفراء أَيْضا. وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ: بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {بعثرت} أَن مَعْنَاهُ: أثيرت وبحثت فاستخرج مَا فِي الأَرْض من الْكُنُوز وَمن فِيهَا من الْمَوْتَى، وَهَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تخرج الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا من ذهبها وفضتها وموتاها. قَوْله: (بعثرت حَوْضِي) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه يُقَال: بعثرت حَوْضِي وبحثرته إِذا هدمته فَجعلت أَسْفَله أَعْلَاهُ، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَقد مر فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ: فُجِّرَتْ فَاضَتْ
أَي: قَالَ الرّبيع بن خثيم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْبحار فجرت} (الانفطار: ٣) أَي: فاضت، وَالربيع، بِفَتْح الرَّاء ابْن خثيم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: التَّابِعِيّ الثَّوْريّ الْكُوفِي. قَوْله: (فاضت) ، من الْفَيْض مَعْنَاهُ: فتح بَعْضهَا إِلَى بعض عذبها إِلَى ملحها وملحها إِلَى عذبها فَصَارَت بحرا وَاحِدًا. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد قَالَ: حَدثنَا مُؤَمل وَأَبُو نعيم قَالَا: أخبرنَا سُفْيَان وَهُوَ ابْن سعيد الثَّوْريّ عَن أَبِيه عَن أبي يعلى، هُوَ مُنْذر الثَّوْريّ عَن الرّبيع بن خثيم بِهِ.
وَقَرَأَ الأعْمَشُ وَعَاصِمٌ: فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَهُ أهْلُ الحجازِ بِالتَّشْدِيدِ، وأرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أيِّ صُورَةٍ شَاءَ إمَّا حَسَنٌ وَإمّا قَبِيحٌ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
أَي: قَرَأَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَعَاصِم بن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم الْأَسدي أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة. قَوْله تَعَالَى: {فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك} (الانفطار: ٨) بِالتَّخْفِيفِ أَي: بتَخْفِيف الدَّال وَبِه قَرَأَ أَيْضا الْحسن وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو رَجَاء وَعِيسَى بن عمر وَعمر بن عبيد والكوفيون، وَقَرَأَ أهل الْحجاز بتَشْديد الدَّال. قَوْله: (وَمن خفف) ، يحْتَمل أَن يكون عطفا على فَاعل أَرَادَ، أَي: وَمن خفف أَرَادَ أَيْضا معتدل الْخلق، وَلَفظ فِي أَي صُورَة لَا يكون مُتَعَلقا بِهِ بل هُوَ كَلَام مُسْتَأْنف لقَوْله تَعَالَى: {أَفِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك} وَالْبَاقِي ظَاهر.
٣٨ - (سُورَةُ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِفِينَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ} (المطففين: ١) وَفِي بعض النّسخ: سُورَة المطففين، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَكَذَا قَالَ سُفْيَان، وَقَالَ السّديّ: إِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَعَن الْكَلْبِيّ نزلت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَرِيقه من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة غير آيَة نزلت بِمَكَّة قَالَ: {أساطير الْأَوَّلين} (المطففين: ٣١) وَعند ابْن النَّقِيب عَنهُ هِيَ أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت بعد سُورَة العنكبوت، وَفِي (سنَن النَّسَائِيّ) وَابْن مَاجَه، بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة كَانُوا من أَخبث النَّاس كَيْلا فَأنْزل الله عز وَجل: {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ} فَأحْسنُوا الْكَيْل بعد ذَلِك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَدَنِيَّة وَهِي سَبْعمِائة وَثَمَانُونَ حرفا وَمِائَة وتسع وَسِتُّونَ كلمة، وست وَثَلَاثُونَ آيَة.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَوْله: (ويل) ، قَالَ مقَاتل: ويل وادٍ فِي جَهَنَّم قَعْره سَبْعُونَ سنة فِيهِ سَبْعُونَ ألف شعب فِي كل شعب سَبْعُونَ ألف شقّ فِي كل شقّ سَبْعُونَ ألف مغار فِي كل مغار سَبْعُونَ ألف قصر كالتوابيت من حَدِيد فِي كل تَابُوت سَبْعُونَ ألف شَجَرَة. فِي كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف غُصْن من نَار فِي كل غُصْن سَبْعُونَ ألف ثَمَرَة طولهَا سَبْعُونَ ألف ذِرَاع تَحت كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف ثعبان وَسَبْعُونَ ألف عقرب طول كل ثعبان مسيرَة شهر وغلظه كالجبل لَهُ أَنْيَاب كالنخل لَهُ ثَلَاثمِائَة وَسَبْعُونَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عنه. انتهى. لأنَّه لم يتغافَلْ عن المشرِك (١) إنَّما تغافلَ عمَّن جاءَه يسعَى.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصله الفِريابيُّ: (﴿لَمَّا يَقْضِ﴾ [عبس: ٢٣]) أي: (لَا يَقْضِي أَحَدٌ) من لدنِ آدمَ إلى هذهِ الغَاية (مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزةِ مبنيًّا للمفعول، إذ لم يخلُ أحدٌ من تقصيرٍ ما.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٢) وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿تَرْهَقُهَا﴾) أي: (تَغْشَاهَا) قَتَرة، أي: (شِدَّةٌ) وقيل: سوادٌ وظُلمةٌ.
(﴿مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]) أي: (مُشْرِقَةٌ) مضيئةٌ (﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) وفي نسخةٍ بإسقاط الواو، وهو الأوجَه في معنَى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ (كَتَبَةٍ) أي: من الملائكةِ ينسخونَ من اللَّوح المحفوظِ أو (٣) الوَحي (﴿أَسْفَارًا﴾) أي: (كُتُبًا) ذكَره استطرَادًا (٤).
(﴿تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠]) أي: (تَشَاغَلَ (٥)، يُقَالُ: وَاحِدُ الأَسْفَارِ سِفْرٌ) وهي الكُتُب العِظام، وسقطَ «يقال» لأبي ذرٍّ.
٤٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابنُ دعامةَ (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) بفتح الفاء والهمزة (يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) الأنصَاريِّ ((٦) عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ) بفتح الميم والمثلثة، صفته (وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ) لا يتوقَّف فيه، ولا يشقُّ عليهِ لجودةِ حفظهِ وإتقانه كونه (مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ (٧))
جمع: سافِر، ككاتبٍ وكَتَبة، وهم (١) الرُّسل؛ لأنَّهم يسفرونَ إلى النَّاس برسالاتِ الله، ولأبي ذرٍّ زيادة: «البَرَرة» أي: المطيعين، أو المرادُ أن يكون رفيقًا للملائكةِ السَّفرة؛ لاتِّصاف بعضهم بحملِ كتابِ الله، أو المرادُ أنَّه عاملٌ بعملهِم وسالكٌ مسالكَهم من كون أنَّهم يحفظونَه ويؤدُّونه إلى المؤمنين، ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم (وَمَثَلُ الَّذِي) أي: وصفة الَّذي (يَقْرَأُ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ) لضعفِ حفظهِ، مثل من يحاولُ عبادةً شاقَّة يقومُ بأعبائِها مع شدَّتها وصعوبتِها عليه (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجرُ القراءةِ وأجرُ التَّعب، وليس المراد أنَّ أجرَه أكثرُ من أجرِ الماهرِ (٢) بل الأوَّل أكثر؛ ولذا كان مع السَّفرة، ولمن رجَّح ذلك أن يقول: الأجرُ على قدر المشقَّة، لكن لا نسلِّم أنَّ الحافظ الماهر خالٍ عن مشقَّة؛ لأنَّه لا يصيرُ كذلك إلَّا بعد عناءٍ كثيرٍ ومشقَّة شديدةٍ غالبًا، والواو في قوله: «وهو حافظٌ»، و «هو يتعاهدُه»، ولاحقه؛ الثَّلاثة للحالِ، وجوابُ المبتدأ الَّذي هو «مثلُ» محذوف تقديره: كونه في الأوَّل، ومثل من يحاول في الثَّاني، كما مرَّ.
(((٨١))) (سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] انْتَثَرَتْ) من السَّماء وسقطتْ على الأرض.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البَصريُّ -فيما وصلَه الطَّبريُّ- (﴿سُجِّرَتْ﴾ (١)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: (ذَهَبَ) ولأبي ذرٍّ: «يذهبُ» (مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى) فيها (قَطْرَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فلا تبقَى» بالفوقيَّة (٢)، وقال ابنُ عبَّاس: أوقِدت فصارَت نارًا تضطَرم (٣).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الطَّبريُّ: (﴿الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] المَمْلُوءُ) وسبقَ «بسورةِ الطُّور» [خ¦٦٥ - ٧١٢٨] (وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (سُجِرَتْ: أَفْضَى) ولأبي ذرٍّ: «أُفضِي» بضم الهمزة وكسر الضاد (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا) وهو معنى قولِ السُّدِّي فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
(وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ) بفتح التاء وكسر النون (فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ) وراءَها، بينا تَرى النَّجم في آخرِ البُرج إذا كرَّ راجعًا إلى أوَّله (وَتَكْنِسُ) بكسر النون (تَسْتَتِرُ) تخفى تحتَ ضوءِ الشَّمس (كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «كمَا يكنسُ الظَّبيُّ» أي: يستترُ في كناسهِ؛ وهو بيته المتَّخذ من أغصانِ الشَّجر، والمرادُ النُّجوم الخمسة: زُحَل والمشتَري والمرِّيخ وزُهرة وعُطَارد.
(﴿تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]) أي: (ارْتَفَعَ النَّهَارُ) وقال ابنُ الخازنِ (٤): في تنفُّسه قولان: أحدهما: أنَّ في إقبالهِ روحًا ونسيمًا، فجعل ذلك نفسًا على المجاز. الثَّاني: أنَّه شبَّه اللَّيل بالمكروبِ المحزونِ، فإذا حصل لهُ التَّنفُّس وجد راحةً، فكأنَّه تخلَّص من الحزنِ فعبَّر عنه بالتَّنفُّس، وهو استعارةٌ لطيفةٌ.
(وَالظَّنِينُ) بالظاء في قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ (المُتَّهَمُ) من الظِّنَّة، وهي التُّهمة (وَالضَّنِينُ) بالضاد (يَضَنُّ بِهِ) أي: لا يبخلُ بالتَّبليغ والتَّعليم.
(وَقَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب -فيما وصلَه عبدُ بن حُميد-: (﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] يُزَوَّجُ) بفتح الواو مشددة، الرَّجل (نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ) عُمر ﵁: (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]) وأخرجَ الفرَّاء من طريقِ عكرمةَ قال: يُقرنُ الرَّجل في الجنَّة بقرينهِ الصَّالح في الدُّنيا، ويُقرنُ الرَّجل الَّذي كان يعملُ السُّوء في الدُّنيا بقرينهِ الَّذي كان يعينهُ في النَّار، وقيل: يزوَّج المؤمنونَ بالحورِ العينِ، ويزوَّج الكافرون بالشَّياطينِ. حكاه القُرطبيُّ في «تذكرته».
(﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]) أي: (أَدْبَرَ) وقال الحسنُ: أقبلَ بظلامهِ، وهو من الأضدَاد، ويدلُّ على أنَّ المراد هنا أدبرَ قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أي: امتدَّ ضوءه حتَّى يصيرَ نهارًا.
(((٨٢))) (سورة ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة فيما رواه عبدُ بنُ حُميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]) أي: (فَاضَتْ) قال الزَّركشيُّ: ينبغِي قراءتَه بالتَّخفيف، فإنَّها القراءة المنسوبَة للرَّبيعِ صاحب هذا التَّفسير.
(وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ) وكذا قرأ حمزة والكسائيُّ: (﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقرأ» (أَهْلُ الحِجَازِ) وأبو عَمرو البصريُّ وابن عامرٍ الشَّاميُّ (بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) أي: جعلَه متناسبَ الأطرافِ، فلم يجعَل إحدى يديهِ أطوَل، ولا إحدى عينيهِ أوسَع (وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي: فِي أَيِّ صُورَةٍ (١) شَاءَ، إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أو طويلٌ أو قصيرٌ» قاله الفرَّاء.
(((٨٣))) (سورة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ستٌّ وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤]) وسقطَ «﴿بَلْ﴾» لغيرِ أبي ذرٍّ (١) أي: (ثَبْتُ الخَطَايَا) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، بعدها مثناة فوقية، حتَّى غمرتهَا، والرَّان: الغِشاوة على القلبِ، كالصَّدأ (٢) على الشَّيء الصَّقيل من سيفٍ ونحوه، قال:
وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فَاجِرٍ … فَتَابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَانَ فَانْجَلَى (٣)
وأصلُ الرَّين الغَلبة، ومنه: رانَت الخمرُ على عقلِ (٤) شاربها، ومعنى الآية: أنَّ الذُّنوب غلبتْ على قلوبِهم وأحاطَت بها (٥). وفي التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَ في قلبهِ نكتَة، فإن هو نزعَ واستغفرَ؛ صُقِلَت، فإن عادَ؛ زيدَ فيها حتَّى تعلُو قلبه، فهو الرَّان الَّذي ذكر اللهُ في كتابهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: ١٤]».
(﴿ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦]) أي: (جُوزِيَ)، قالَه مجاهدٌ فيما وصلَه الفِريابيُّ.
(الرَّحِيقُ) أي: (الخَمْرُ) الخالصُ من الدَّنس.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ السُّورَة من حَيْثُ إِنَّه من جملَة مَا فِيهَا، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد ابْن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (قَالَ بإصبعيه) أَي: ضم بَين إصبعيه وَالْقَوْل يسْتَعْمل فِي غير مَعْنَاهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة من روى، وَضم بَين السبابَة وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَة: قرن بَينهمَا. قَوْله: (بعثت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أرْسلت، ويروى: (بعثت أَنا) قَوْله: (والساعة) ، قَالَ الْكرْمَانِي بِالنّصب وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويته بِفَتْح السَّاعَة وَضمّهَا فالضم على الْعَطف وَالْفَتْح على الْمَفْعُول مَعَه وَالْعَامِل: بعثت وكهاتين، حَال أَي: مقترنين، فعلى النصب يَقع التَّشْبِيه بِالضَّمِّ وعَلى الرّفْع يحْتَمل هَذَا وَيحْتَمل أَن يَقع بالتفاوت الَّتِي بَين السبابَة وَالْوُسْطَى فِي الطول، وَيدل عَلَيْهِ قَول قَتَادَة فِي رِوَايَته كفضل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، وَحَاصِل هَذَا التَّعْرِيف بِسُرْعَة مَجِيء الْقِيَامَة. قَالَ عز وَجل: فقد جَاءَ أشراطها.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أغْطَشَ أظْلَمَ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وأغطش لَيْلهَا} (النازعات: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: وَقد أظلم، وَقد مر فِي بَدْء الْخلق، وَهَذَا ثَبت هُنَا للنسفي وَحده.
الطَّامَةُ: تَطُمُّ كلَّ شَيْءٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى} (النازعات: ٤٣) وفسرها بقوله: (نظلم كل شَيْء) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الطامة عِنْد الْعَرَب الداهية الَّتِي لَا تستطاع وَإِنَّمَا أَخذ من قَوْلهم: طم الْفرس طميما إِذا استفرغ جهده فِي الجري، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده.
٠٨ - (سُورَةُ {عَبَسَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {عبس} ، وَتسَمى: سُورَة السفرة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ آيَة وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت قبل سُورَة الْقدر وَبعد سُورَة النَّجْم، وَذكر الْحَاكِم مصححا عَن عَائِشَة أَنَّهَا نزلت فِي ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعل يَقُول: يَا رَسُول الله أَرْشدنِي وَعند رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجال من عُظَمَاء الْمُشْركين، فَجعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرض عَنهُ وَيقبل على الآخرين. الحَدِيث.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
عَبَسَ: كَلَحَ وَأعْرَضَ
نفسير عبس بقوله: كلح هُوَ لأبي عُبَيْدَة وَتَفْسِيره بأعرض لغيره، وَلم يخْتَلف السّلف فِي أَن فَاعل عبس هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الدَّاودِيّ، فَقَالَ: هُوَ الْكَافِر الَّذِي كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتهى. قيل: كَانَ هَذَا أبي بن خلف، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَقيل: أُميَّة بن خلف، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَائِشَة أَنه كَانَ يُخَاطب عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَائِشَة أَنه كَانَ فِي مجْلِس فِيهِ نَاس من وُجُوه الْمُشْركين فيهم أَبُو جهل وَعتبَة، فَهَذَا يجمع الْأَقْوَال.
مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّها إلَاّ المُطَهَّرُونَ وَهُمْ المَلائِكَةُ وَهاذا مِثْلُ قَوْلِهِ: {فَالْمُدَبِّراتِ أمْرا} (النازعات: ٥) جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لأنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ فَجَعَلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أيْضا.
أَشَارَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: {فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٣١، ٦١) وَفسّر المطهرة بقوله: (لَا يَمَسهَا إلَاّ الْمُطهرُونَ وهم الْمَلَائِكَة) يَعْنِي: لما كَانَت الصُّحُف تتصف بالتطهير، وصف أَيْضا حاملها أَي: الْمَلَائِكَة. فَقيل: لايمسها إلَاّ الْمُطهرُونَ وَهَذَا كَمَا فِي المدبرات أمرا فَإِن التَّعْبِير لمحمول خُيُول الْغُزَاة فوصف الْحَامِل يَعْنِي الْخُيُول بِهِ. فَقيل: (فالمدبرات أمرا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ لَا يَقع بِزِيَادَة، لَا فِي تَوْجِيهه تكلّف. قلت: وَجهه أَن الصُّحُف لَا يُطلق عَلَيْهَا التَّطْهِير الَّذِي هُوَ خلاف التَّنْجِيس حَقِيقَة وَإِنَّمَا المُرَاد أَنَّهَا مطهرة عَن أَن ينالها أَيدي الْكفَّار. وَقيل: مطهرة عَمَّا لَيْسَ بِكَلَام الله فَهُوَ الْوَحْي الْخَالِص وَالْحق الْمَحْض، وَقَوله: (مطهرة) فِي رِوَايَة غير أبي ذَر والنسفي، وَقَالَ غَيره: مطهرة، وَهَذَا يَقْتَضِي
تقدم أحد قبله حَتَّى يَصح، وَقَالَ غَيره: وَالظَّاهِر أَن فِي أول تَفْسِير عبس، وَقَالَ مُجَاهِد: عبس كلح، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيره أَي: غير مُجَاهِد.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ وَالأبُّ مَا يَأْكُلُ الأنْعَامُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَخْلًا وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وَأَبا} (عبس: ٩٢، ١٣) وَقَالَ الغلب الملتفة من الالتفاف، وَالْأَب بِالتَّشْدِيدِ مَا يَأْكُل الْأَنْعَام وَهُوَ الْكلأ والمرعى، وَعَن الْحسن: هُوَ الْحَشِيش وَمَا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغلب غِلَاظ الْأَشْجَار واحده أغلب، وَمِنْه قيل للتغليظ الرَّقَبَة الْأَغْلَب وَعَن قَتَادَة: الغلب النّخل الْكِرَام، وَعَن ابْن زيد: عِظَام الْجُذُوع، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي.
سفَرَةٌ: المَلائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ سَفَرْتُ أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذَا نَزَلَتْ بِوَحْي الله وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْن القَوْمِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة} ، أَي: بأيدي الْمَلَائِكَة. قَوْله: (واحدهم) ، أَي: وَاحِد السفرة سَافر، وَعَن قَتَادَة واحدهم سفير، وَإِنَّمَا ذكره بواو الْجَمَاعَة بِاعْتِبَار الْمَلَائِكَة. قَوْله: (سفرت) ، إِشَارَة إِلَى أَن معنى: سَافر من سفرت بِمَعْنى أصلحت بَينهم، وَمِنْه السفير وَهُوَ الرَّسُول، وسفير الْقَوْم هُوَ الَّذِي يسْعَى بَينهم بِالصُّلْحِ، وسفرت بَين الْقَوْم إِذا أصلحت بَينهم، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: سفرة، كتبة وهم الْمَلَائِكَة الْكِرَام الكاتبون، وَمِنْه قيل للْكتاب: سفر، وَجمعه أسفار، وَيُقَال للوراق سفر بلغَة العبرانية. قَوْله: (وتأديته) ، من الْأَدَاء أَي: وتبليغه ويروى: وتأديبه من الْأَدَب لَا من الْأَدَاء. قَالَه الْكرْمَانِي: وَفِيه مَا فِيهِ.
تَصَدَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت لَهُ تصدى} ، وَفَسرهُ بقوله: (تغافل) وَأَصله: تتغافل وَكَذَلِكَ أصل: تصدى تتصدى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي تتعرض لَهُ بالإقبال عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب الْمَشْهُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فِي أَكثر النّسخ تصدى تغافل عَنهُ، وَالَّذِي فِي غَيرهَا تصدى أقبل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ الصَّوَاب وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ غَيره: تصدى تغافل، وَهَذَا يَقْتَضِي تقدم ذكر أحد قبله حَتَّى يَسْتَقِيم أَن يُقَال: وَقَالَ غَيره.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لمَا يَقْضِ لَا يَقْضِي أحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لما يقْض مَا أمره} وَتَفْسِيره ظَاهر، (وَأمر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَلَفظه: لَا يقْض أحد مَا افْترض عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تَرْهَقُها: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {ترهقها فَتْرَة} تغشاها شدَّة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ، وَقيل: يُصِيبهَا ظلمَة وذلة وكآبة وكسوف وَسَوَاد، وَعَن ابْن زيد: الْفرق بَين الغبرة والفترة أَن الغبرة مَا ارْتَفع من الْغُبَار فلحق بالسماء، والقترة مَا كَانَ أَسْفَل فِي الأَرْض.
مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةُ
كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
{بأيْدِي سَفَرَةٍ} وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ أسْفَارا كَتُبا
قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَهُوَ من وَجه مُكَرر.
تَلَهَّى: تَشَاغَلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت عَنهُ تلهى} (عبس: ١) أَصله: تتلهى. أَي: تتشاغل حذفت التَّاء مِنْهُمَا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تعرض وتتغافل عَنهُ وتتشاغل بِغَيْرِهِ.
يُقَالُ: وَاحِدُ الأسْفَارِ، سِفْرٌ
سقط هَذَا لأبي ذَر، والأسفار جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: {كَمثل الْحمار يحمل أسفارا} (الْجُمُعَة: ٥) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ جمع سفر بِكَسْر السِّين وَهُوَ الْكتاب، وَقد مر عَن قريب.
فَأقْبَرَهُ يُقالُ: أقْبَرتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرا قَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَمَاتَهُ فاقبره} (عبس: ١٢) قَوْله: (يُقَال) ، إِلَى آخِره، ظَاهر، وَقَالَ الْفراء: أَي جعلته مقبورا وَلم يقل: قَبره، لِأَن القابر هُوَ الدافن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فأقبره أَي: جعل لَهُ قبرا وَالَّذِي يدْفن بِيَدِهِ هُوَ القابر.
٧٣٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بنَ أوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ بنِ هِشامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفْرَةِ الكِرَامِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤهُ وَهُوَ يَتَعَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أجْرَانِ.
مطابقته لقَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٥١، ٦١) وَسَعِيد بن هِشَام بن عَامر الْأنْصَارِيّ. ولأبيه صُحْبَة وَلَيْسَ لَهُ فِي يالبخاري إلَاّ هَذَا الْموضع وَآخر مُعَلّق فِي المناقب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبيد وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْأَشْعَث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب الْقُرْآن عَن هِشَام بن عمار.
قَوْله: (مثل الَّذِي) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: صفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون} (الرَّعْد: ٥٣) قَوْله: (وَهُوَ حَافظ لَهُ) ، أَي: الْقُرْآن وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مَعَ السفرة) ، ويروى مثل السفرة، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ مَعَ السفرة فِيمَا يسْتَحقّهُ من الثَّوَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ مثل زَائِد وَإِلَّا فَلَا رابطة بَينه وَبَين السفرة لِأَنَّهُمَا مُبْتَدأ وَخبر فَيكون التَّقْدِير الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام، أَي: كَائِن مَعَهم وَيجوز أَن يكون لفظ مثل بِمَعْنى: مثيل، بِمَعْنى: شَبيه، فيكو التَّقْدِير: شَبيه الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام. قَوْله: (وَهُوَ يتعاهده) ، أَي: يضبطه ويتفقده. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد) ، أَي: وَالْحَال أَن التعاهد عَلَيْهِ شَدِيد. قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، من حَيْثُ التِّلَاوَة وَمن حَيْثُ الْمَشَقَّة قَالَه الْقُرْطُبِيّ. فَإِن قلت: مَا معنى كَون الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ حَافظ لَهُ مَعَ السفرة. قلت: لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا: أَن يكون لَهُ منَازِل فَيكون فِيهَا رَفِيقًا للْمَلَائكَة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تَعَالَى، وَالْآخر: أَن يكون المُرَاد أَنه عَامل بِعَمَل السفرة وسالك مسلكهم.
١٨ - (سُورَةُ: {إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {إِذا الشَّمْس كورت} (التكوير: ١) وَيُقَال: سُورَة كورت بِدُونِ لفظ إِذا الشَّمْس، وَسورَة التكوير، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَأَرْبع كَلِمَات، وتسع وَعِشْرُونَ آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثب ت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر
انْكَدَرَتْ انْتَثَرَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا النُّجُوم انكدرت} (التكوير: ٢) وَفَسرهُ بقوله: انتثرت. أَي: تناثرت وتساقطت من السَّمَاء على الأَرْض. يُقَال: انكدر الطَّائِر أَي سقط عَن عشه، وَعَن ابْن عَبَّاس تَغَيَّرت.
وَقَالَ الحَسَنُ: سُجِّرَتْ ذَهَبَ مَاؤُها فَلا تَبْقَى فَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: المَسْجُور المَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ سُجِرَتْ أفْضَى بَعْضُها إلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرا وَاحِدا.
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله عز وَجل: {وَإِذا الْبحار سجرت} (التكوير: ٦ وَتَفْسِيره ظَاهر، وَكَذَا قَالَه السّديّ، وَقَالَ ابْن زيد وَابْن عَطِيَّة وسُفْيَان ووهب: أوقدت فَصَارَت نَارا. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَحْر الْمَسْجُور المملوء) ، وَهُوَ فِي سُورَة الطّور ذكره اسْتِطْرَادًا. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير مُجَاهِد، والأصوب أَن يُقَال: غير الْحسن على مَا لَا يخفى معنى سجرت أفْضى إِلَى آخِره وَهُوَ قَول مقَاتل وَالضَّحَّاك.
وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ كَمَا تَكْنِسُ الظِّباءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس} (التكوير: ٥١، ٦١) قَالَ الْفراء: الخنس النُّجُوم الْخَمْسَة، تخنس فِي مجْراهَا إِلَى آخِره، والخمسة هِيَ: بهْرَام وزحل وَعُطَارِد والزهرة وَالْمُشْتَرِي، ويروى أَن رجلا من مُرَاد قَالَ لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: {الخنس الْجوَار الكنس} قَالَ: هِيَ الْكَوَاكِب تخنس بِالنَّهَارِ فَلَا ترى وتكنس بِاللَّيْلِ فتأوى إِلَى مجاريهن، وأصل الخنس الرُّجُوع إِلَى وَرَاء الكنوس. أَي: تأوي إِلَى مكانسها وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي تأوي إِلَيْهَا الْوَحْش، وَقيل: الخنس بقر الْوَحْش إِذا رَأَتْ الْإِنْس تخنس وَتدْخل كناسها، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عمر بن ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل. قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا الخنس؟ قَالَ قلت: أَظُنهُ بقر الْوَحْش. قَالَ: وَأَنا أَظن ذَلِك، والخنس جمع خانس والكنس جمع كانس كالركع جمع رَاكِع.
تَنَفَّسَ: ارْتَفَعَ النَّهَارُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالصُّبْح إِذا تنفس} (التكوير: ٨١) وَفَسرهُ بقوله: (ارْتَفع النَّهَار) .
وَالظَّنِينُ: المُتَّهَمُ. وَالضَّنِينُ يَضَنُّ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {وَمَا هُوَ على الْغَيْب بظنين} (التكوير: ٤٢) وَفسّر الظنين الَّذِي بالظاء الْمُعْجَمَة بالمتهم، وَفسّر الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة بقوله: (يضن بِهِ) أَي: يبخل بِهِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَا هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْغَيْب أَي: الْوَحْي وَخبر السَّمَاء وَمَا اطلع عَلَيْهِ من علم الْغَيْب بضنين أَي ببخيل، فَلَا يبخل بِهِ عَلَيْكُم، بل يعلمكم وَيُخْبِركُمْ بِهِ. قلت: هَذَا الَّذِي فسره هُوَ الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة. تَقول: ضننت بالشَّيْء فَأَنا ضنين أَي يخيل. ثمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء بالظاء وَمَعْنَاهُ وَمَا هُوَ بمتهم فِيمَا يخبر بِهِ، وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَأهل الْمَدِينَة وَالشَّام بالضاد وَالْبَاقُونَ بالظاء من الظنة وَهِي التُّهْمَة. وَقَالَ النَّسَفِيّ (فِي تَفْسِيره) واتقان الْفَصْل بَين الضَّاد والظاء وَاجِب وَمَعْرِفَة مخرجهما لَا بُد مِنْهُ للقارىء فَإِن أَكثر الْعَجم لَا يفرقون بَين الحرفين وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل الضَّاد: ضننت بالشَّيْء أضن بِهِ ضنا وضنانة إِذا بخلت بِهِ، وَهُوَ ضنين بِهِ. قَالَ الْفراء: وضننت بِالْفَتْح لُغَة، وَقَالَ فِي فصل الظَّاء والظنين الْمُتَّهم والظنة التُّهْمَة.
وَقَالَ عُمَرُ {وَإذَا النفُوسُ زُوِّجَتْ} (التكوير: ٧) يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ رَضِيَ الله عَنْهُ {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ} (الصافات: ٢٢) .
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا النُّفُوس زوجت} يُزَوّج الرجل نَظِيره من أهل الْجنَّة ويزوج الرجل نَظِيره من أهل النَّهَار، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي نعيم، حَدثنَا سُفْيَان عَن سماك عَن النُّعْمَان ابْن بشير عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي لفظ: الْفَاجِر مَعَ الْفَاجِرَة والصالح مَعَ الصَّالِحَة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: زوج الْمُؤمن الْحور الْعين وَالْكَافِر الشَّيْطَان، وَقَالَ الرّبيع بن خثيم: يَجِيء الْمَرْء مَعَ صَاحب عمله يُزَوّج الرجل بظيره من أهل الْجنَّة وبنظيره من أهل النَّار، وَقَالَ الْحسن: ألحق كل امرء بشيعته، وَقَالَ عِكْرِمَة: يحْشر الزَّانِي مَعَ الزَّانِيَة والمسيء مَعَ المسيئة والمحسن مَعَ المحسنة. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) ، أَي: ثمَّ قَرَأَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مستدلاً على مَا قَالَه بقوله تَعَالَى: {احشروا الَّذين ظلمُوا أَزوَاجهم} .
عَسْعَسَ أدْبَرَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْل إِذا عسعس} (التكوير: ٧١) وَفَسرهُ بقوله: (أدبر) رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الزّجاج: عسعس اللَّيْل إِذا أقبل، وعسعس إِذا أدبر فعلى هَذَا هُوَ مُشْتَرك بَين الضدين.
٢٨ - (سُورَةُ {إذَا السمَّاءُ انْفَطَرَتْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {إِذا السَّمَاء انفطرت} وَيُقَال لَهَا أَيْضا سُورَة الانفطار وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَثَمَانُونَ كلمة وتسع عشرَة آيَة.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.
الْبَسْمَلَة مَوْجُودَة هُنَا عِنْد الْكل.
انْفِطَارُها: انْشِقَاقُها
ثَبت هَذَا للنسفي وَحده، والانفطار من الْفطر بِالْفَتْح وَهُوَ الشق.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ بِعثرَتْ يَخْرُجُ مَنْ فِيهَا مِنَ الأَمْوَاتِ
أَي: يذكر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَبِه قَالَ الْفراء أَيْضا. وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ: بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {بعثرت} أَن مَعْنَاهُ: أثيرت وبحثت فاستخرج مَا فِي الأَرْض من الْكُنُوز وَمن فِيهَا من الْمَوْتَى، وَهَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تخرج الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا من ذهبها وفضتها وموتاها. قَوْله: (بعثرت حَوْضِي) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه يُقَال: بعثرت حَوْضِي وبحثرته إِذا هدمته فَجعلت أَسْفَله أَعْلَاهُ، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَقد مر فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ: فُجِّرَتْ فَاضَتْ
أَي: قَالَ الرّبيع بن خثيم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْبحار فجرت} (الانفطار: ٣) أَي: فاضت، وَالربيع، بِفَتْح الرَّاء ابْن خثيم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: التَّابِعِيّ الثَّوْريّ الْكُوفِي. قَوْله: (فاضت) ، من الْفَيْض مَعْنَاهُ: فتح بَعْضهَا إِلَى بعض عذبها إِلَى ملحها وملحها إِلَى عذبها فَصَارَت بحرا وَاحِدًا. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد قَالَ: حَدثنَا مُؤَمل وَأَبُو نعيم قَالَا: أخبرنَا سُفْيَان وَهُوَ ابْن سعيد الثَّوْريّ عَن أَبِيه عَن أبي يعلى، هُوَ مُنْذر الثَّوْريّ عَن الرّبيع بن خثيم بِهِ.
وَقَرَأَ الأعْمَشُ وَعَاصِمٌ: فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَهُ أهْلُ الحجازِ بِالتَّشْدِيدِ، وأرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أيِّ صُورَةٍ شَاءَ إمَّا حَسَنٌ وَإمّا قَبِيحٌ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
أَي: قَرَأَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَعَاصِم بن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم الْأَسدي أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة. قَوْله تَعَالَى: {فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك} (الانفطار: ٨) بِالتَّخْفِيفِ أَي: بتَخْفِيف الدَّال وَبِه قَرَأَ أَيْضا الْحسن وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو رَجَاء وَعِيسَى بن عمر وَعمر بن عبيد والكوفيون، وَقَرَأَ أهل الْحجاز بتَشْديد الدَّال. قَوْله: (وَمن خفف) ، يحْتَمل أَن يكون عطفا على فَاعل أَرَادَ، أَي: وَمن خفف أَرَادَ أَيْضا معتدل الْخلق، وَلَفظ فِي أَي صُورَة لَا يكون مُتَعَلقا بِهِ بل هُوَ كَلَام مُسْتَأْنف لقَوْله تَعَالَى: {أَفِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك} وَالْبَاقِي ظَاهر.
٣٨ - (سُورَةُ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِفِينَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ} (المطففين: ١) وَفِي بعض النّسخ: سُورَة المطففين، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَكَذَا قَالَ سُفْيَان، وَقَالَ السّديّ: إِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَعَن الْكَلْبِيّ نزلت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَرِيقه من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة غير آيَة نزلت بِمَكَّة قَالَ: {أساطير الْأَوَّلين} (المطففين: ٣١) وَعند ابْن النَّقِيب عَنهُ هِيَ أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت بعد سُورَة العنكبوت، وَفِي (سنَن النَّسَائِيّ) وَابْن مَاجَه، بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة كَانُوا من أَخبث النَّاس كَيْلا فَأنْزل الله عز وَجل: {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ} فَأحْسنُوا الْكَيْل بعد ذَلِك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَدَنِيَّة وَهِي سَبْعمِائة وَثَمَانُونَ حرفا وَمِائَة وتسع وَسِتُّونَ كلمة، وست وَثَلَاثُونَ آيَة.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَوْله: (ويل) ، قَالَ مقَاتل: ويل وادٍ فِي جَهَنَّم قَعْره سَبْعُونَ سنة فِيهِ سَبْعُونَ ألف شعب فِي كل شعب سَبْعُونَ ألف شقّ فِي كل شقّ سَبْعُونَ ألف مغار فِي كل مغار سَبْعُونَ ألف قصر كالتوابيت من حَدِيد فِي كل تَابُوت سَبْعُونَ ألف شَجَرَة. فِي كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف غُصْن من نَار فِي كل غُصْن سَبْعُونَ ألف ثَمَرَة طولهَا سَبْعُونَ ألف ذِرَاع تَحت كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف ثعبان وَسَبْعُونَ ألف عقرب طول كل ثعبان مسيرَة شهر وغلظه كالجبل لَهُ أَنْيَاب كالنخل لَهُ ثَلَاثمِائَة وَسَبْعُونَ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56