«أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4941

الحديث رقم 4941 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة سبح اسم ربك الأعلى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن…

«أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا».

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٌٍ آنِيَةٌٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهَا، وَحَانَ شُرْبُهَا، ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ، ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ شَتْمًا، الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَُمٌّ، ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾ مَرْجِعَهُمْ.

﴿وَالْفَجْرِ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَِتْرُ اللهُ، ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ القَدِيمَةِ، وَالْعِمَادُ أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ، ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ، ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ وَ ﴿جَمًّا﴾ الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللهُ ﵎. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ، ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا اللهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾ نَقَبُوا، مِنْ جَِيْبَِ الْقَمِيصُ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ يَقْطَعُهَا، ﴿لَمًّا﴾ لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

﴿لا أُقْسِمُ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ، ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾، ﴿لِبَدًا﴾ كَثِيرًا، وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿مَسْغَبَةٍ﴾ مَجَاعَةٍ، ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ بِمَعَاصِيهَا ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ

سند حديث: ٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ…

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن…

أخبر البراء بن عازب رضي الله عنهما أن أول من جاء إلى المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما، وكانا يُعلمون الناس القرآن، ثم جاء بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، ثم جاء عمر بن الخطاب مع عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتتابع مجيء المهاجرين، ثم بعد ذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يفرح أهل المدينة بشيء كفرحهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، حتى الجاريات كنّ يقلن: جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال البراء: فعندما جاء عليه الصلاة والسلام قرأت سبح اسم ربك الأعلى مع سور من المفصل، مما يدل على أن سورة الأعلى نزلت بمكة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن سورة الأعلى مكية.
  • بيان أوائل من هاجر من مكة إلى المدينة من الصحابة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ أَيْ: يُعَذَّبُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾؛ الْحَبِيبُ، ﴿الْمَجِيدُ﴾ الْكَرِيمُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قَالَ: الْوَدُودُ الْحَبِيبُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ يَقُولُ: الْكَرِيمُ.

٨٦ - سُورَةُ (الطَّارِقِ)

هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ. ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ لَحَقٌّ. لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافَظٌ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطَّارِقِ: هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ؛ لِلْمُوقِدِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ إِلَخْ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الثَّاقِبُ الْمُضِيءُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الثَّاقِبُ﴾ الَّذِي يَتَوَهَّجُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُوَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾؛ الثُّرَيَّا.

قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَذَاتِ الصَّدْعِ: الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قَالَ: يَعْنِي ذَاتِ السَّحَابِ تُمْطِرُ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ذَاتِ النَّبَاتِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الْمَطَرُ بَعْدَ الْمَطَرِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾؛ لَحَقٌّ) وَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ بِزِيَادَةٍ.

قَوْلُهُ: (﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ أَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ: لَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِ لَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا شَاهِدًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقُرِئَتْ لَمَّا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ: فَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ أَنْكَرَ التَّشْدِيدَ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِي الطَّارِقِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا، وَوَصَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

٨٧ - سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، (وَهَدَى) الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ

وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ. فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْأَعْلَى. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا) ثَبَتَ أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي أَوَّلِ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا: يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَذَفَ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى مُعْظَمِ السُّورَةِ. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ ﷺ مِنْ صُلْبِ الرِّوَايَةِ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ؟ وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ دُونَهُ؟ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يُتَرَضَّى عَنِ الصَّحَابِيِّ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ.

٨٨ - سُورَةُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ؛ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ. لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً: شَتْمًا. وَيُقَالُ الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبْرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ. بِمُسيْطِرٍ: بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِّ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِيَابَهُمْ؛ مَرْجِعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَاكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْغَاشِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغَاشِيَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: الْيَهُودَ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّهْبَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾؛ شَتْمًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَا تَسْمَعُ فِيهَا بَاطِلًا وَلَا مَأْثَمًا، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ تَسْمَعُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، وَقَرَأَهَا الْجَحْدَرِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ فَضَمَّا التَّحْتَانِيَّةَ، وَضَمَّ نَافِعٌ أَيْضًا لَكِنْ بِفَوْقَانِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ، تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ الضَّرِيعُ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَالشِّبْرِقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ

بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: هُوَ نَبْتٌ أَخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الضَّرِيعُ؛ الشِّبْرِقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الضَّرِيعُ شَجَرٌ مِنْ نَارٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْحِجَارَةُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الضَّرِيعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّارِعِ وَهُوَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ السُّلَّا؛ بِضَمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَهُوَ شَوْكُ النَّخْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا إِلَّا مُبَيْطِرٍ؛ أَيْ بِالْمُوَحَّدَةِ، قَالَ: لَمْ نَجِدْ لَهُمَا ثَالِثًا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ زِيَادَاتٍ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ السَّطْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا هُوَ فِيهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ) قُلْتُ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالسِّينِ وَهِيَ قِرَاءَةُ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾؛ مَرْجِعَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلْ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

٨٩ - سُورَةُ (الْفَجْرِ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ يَعْنِي الْقَدِيمَةَ. وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ. ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ. وَجَمًّا: الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ: اللَّهُ ﵎. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ. الْمُطَمْئِنَةُ: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَه اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعُ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ: يَقْطَعُهَا. لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْفَجْرِ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يَعْنِي: الْقَدِيمَة، وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِرَمَ الْقَدِيمَةِ، وَذَاتُ الْعِمَادِ: أَهْلُ عِمَادٍ لَا يُقِيمُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: إِرَمُ؛ قَبِيلَةٌ مِنْ عَادٍ، قَالَ: وَالْعِمَادُ؛ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ، انْتَهَى. وَإِرَمُ هُوَ ابْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادُ ابْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ. وَقِيلَ: إِرَمُ اسْمُ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَادِ شِدَّةُ أَبْدَانِهِمْ وَإِفْرَاطُ طُولِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّخْرَةَ فَيَحْمِلُهَا عَلَى كَاهِلِهِ فَيُلْقِيهَا عَلَى أَيِّ حَيٍّ أَرَادَ فَيُهْلِكُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِرَمُ اسْمُ أَبِيهِمْ.

وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِرَمُ أُمُّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ إِرَمَ قَبِيلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِرَمُ هِيَ دِمَشْقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: إِرَمُ الْأَرْضُ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْأرَمُ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ؛ أَيْ: هَلَكُوا. وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ قُرِئَتْ بِعَادٍ أَرَّمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالرَّاءُ ثَقِيلَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَذَاتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ؛ أَيْ أَهْلَكَ اللَّهُ ذَاتَ الْعِمَادِ، وَهُوَ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ.

وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ أَنَّ إِرَمَ اسْمُ الْقَبِيلَةِ وَهُمْ إِرَمُ بْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادٌ هُمْ بَنُو عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ، وَمُيِّزَتْ عَادٌ بِالْإِضَافَةِ لِإِرَمَ عَنْ عَادٍ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْقَافِ أَنَّ عَادًا قَبِيلَتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهَا صِفَةُ الْقَبِيلَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ الْقُوَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابًا قَدِيمًا: أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ، أَنَا الَّذِي رَفَعْتُ ذَاتَ الْعِمَادِ، أَنَا الَّذِي شَدَدْتُ بِذِرَاعِي بَطْنَ وَادٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحَارِي عَدَنَ، وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ فَذَكَرَ عَجَائِبَ مَا رَأَى فِيهَا، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ أَحْضَرَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَأَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ بَنَاهَا وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهَا أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، وَرَاوِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ لَا يُعْرَفُ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَا عُذِّبُوا بِهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ سَوْطُ عَذَابٍ. وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكْلا لَمًّا﴾: السَّفُّ، وَجَمًّا: الْكَثِيرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: السَّفُّ لَفُّ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا قَالَ: الْكَثِيرُ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى السَّفِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: هِيَ الصَّلَاةُ؛ بَعْضُهَا شَفْعٌ، وَبَعْضُهَا وَتْرٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ الْمُبْهَمُ فَاغْتَرَّ فَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ قَالَ: الْعَشْرُ: عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَجْرُ؛ فَجْرُ النَّهَارِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ: عَشْرُ الْأَضْحَى. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّفْعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ الْوَتْرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَهَا الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: جَرَى بِهِ الْكَلَامُ. لِأَنَّ السَّوْطَ أَصْلُ مَا كَانُوا يُعَذِّبُونَ بِهِ، فَجَرَى لِكُلِ عَذَابٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْغَايَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنَ الْمَرْصَدِ وَهُوَ مَكَانُ الرَّصْدِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمِرْصَادُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيِ الرَّاصِدِ، لَكِنْ أُتِيَ فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ الْبَاءُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَإِنْ سُمِعَ ذَلِكَ نَادِرًا فِي الشِّعْرِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَاضِحٌ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّكَلُّفِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بِمِرْصَادِ؛ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾: تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ بِالْأَلِفِ وَبِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ، وَمِثْلُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لَكِنْ بِغَيْرِ

أَلِفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَحَاضُّونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَالْكُلُّ صَوَابٌ. كَانُوا يَحَاضُّونَ: يُحَافِظُونَ، وَيَحُضُّونَ: يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، انْتَهَى. وَأَصْلُ تَحَاضُّونَ تَتَحَاضُّونَ؛ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِي يُكْرِمُونَ وَيَحُضُّونَ وَمَا بَعْدَهُمَا، وَبِمِثْلِ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ قَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَخَوَانِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فِيهَا وَفِي يُكْرِمُونَ فَقَطْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ وَشَيْبَةُ، لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفِ في يَحُضُّونَ.

قَوْلُهُ: (الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بِالْإِيمَانِ، الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ وَالْبَعْثِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُؤْمِنَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْه، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِالتَّأْنِيثِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَلِلْآخَرِ وَجْهٌ وَهُوَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الشَّخْصِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ عَنْهَا، أَمَرَ بِقَبْضِهَا فَأَدْخَلَهَا الْجَنَّةَ وَجَعَلَهَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا، وَإِسْنَادُ الِاطْمِئْنَانِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ إِيصَالِ الْخَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ، وَالْمُصَدِّقَةُ بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ. يَجُوبُ الْفَلَاةَ)؛ أَيْ: (يَقْطَعُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿جَابُوا﴾ الْبِلَادَ: نَقَبُوهَا، وَيَجُوبُ الْبِلَادَ يَدْخُلُ فِيهَا وَيَقْطَعُهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ فَرَّقُوهُ فَاتَّخَذُوهُ بُيُوتًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ نَقَبُوا الصَّخْرَ.

قَوْلُهُ: (لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾؛ كَثِيرًا شَدِيدًا.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي الْفَجْرِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قَالَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

٩٠ - سُورَةُ (لَا أُقْسِمُ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ. وَوَالِدٍ: آدَمَ وَمَا وَلَدَ. لُبَدًا: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ. مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ مِنَ التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ لَا أُقْسِمُ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْبَلَدِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَقُولُ: لَا تُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَزَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ فِيهِ مَا شَاءَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ

طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَاتِلَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالصِّيغَةُ لِلْوَقْتِ الْحَاضِر وَالْمُرَادُ الْآتِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْفَتْحُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمُ وَمَا وَلَدَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَمَعِيشَةٌ فِي نَكَدٍ وَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فِي وِلَادَتِهِ وَنَبْتِ أَسْنَانِهِ وَسَرَرِهِ وَخِتَانِهِ وَمَعِيشَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِهَذَا، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدَّدَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَحْدَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ. وَالنَّجْدَيْنِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: سَبِيلُ الْخَيْرِ وَسَبِيلُ الشَّرِّ، يَقُولُ: عَرَفْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النَّجْدَيْنِ سَبِيلُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ جُوعٍ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذِي مَجَاعَةٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: الْمَطْرُوحُ فِي التُّرَابِ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَطْرُوحُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَفِي لَفْظٍ: الْمَتْرَبَةُ الَّذِي لَا يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لِلنَّارِ عَقَبَةٌ دُونَ الْجَنَّةِ، ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إِلَخْ) بِلَفْظِ الْأَصْلِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ، ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قَدْ لَزِقَ بِالتُّرَابِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ إِطْعَامُ الْمُؤْمِنِ السَّغْبَانِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ فَكَّ وَأَطْعَمَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ فَكُ بِضَمِ الْكَافِ وَالْإِضَافَةِ وَإِطْعَامٌ عَطْفًا عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ الْهَمْزَةِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ أَوْ فُكَّ الرَّقَبَةَ. قَالَ: أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

٩١ - سُورَةُ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحَاهَا؛ ضَوْءُهَا. إِذَا تَلَاهَا: تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا. فَأَلْهَمَهَا: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَغْوَاهَا؛ بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(((٨٧))) (سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) ثبت (١): «سورة الأعلى» لأبي ذرٍّ وهي (٢) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.

ومعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزِّه ربَّك ﴿الْأَعْلَى﴾ عمَّا يصفُه الملحدون، فالاسمُ صلة، وبهِ يحتجُّ من جعلَ (٣) الاسمَ والمسمَّى (٤) واحدًا؛ لأنَّ أحدًا لا يقولُ: سبحان اسم اللهِ بل سبحانَ الله، وقال قومٌ: أي: نزِّه تسميةَ ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرِه محتَرِمٌ، فجعلوا الاسم بمعنى التَّسمية، فكما أنَّه يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن سوءِ الأدبِ، وقد سبقَ في أوَّل هذا المجموعِ مزيدٌ لذلك [خ¦٢ - ١]، والله الموفِّق. (٥) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ والسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لمَرَاتِعِهَا) وصلهُ الطَّبريُّ (٦)، وثبت للنَّسفيِّ وحدَه.

٤٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بنِ عثمَان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمانُ بنُ جَبَلة (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ

البَرَاءِ) بنِ عازبٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (١) ﷺ) المدينةَ من المهاجرينِ (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا، وضمُّ ميم «مُصعب» (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عَمرو بنُ قيسٍ العامريُّ (فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ) أي: ما نزلَ منه (ثُمَّ جَاءَ) المدينةَ أيضًا (عَمَّارٌ) يعني: ابنَ ياسرٍ (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَسَعْدٌ) يعني: ابن أبي وقَّاص (ثُمَّ جَاءَ) أيضًا (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (فِي) جملةِ (عِشْرِينَ) من الصَّحابة، ذكر منهم ابنُ إسحاق: زيدَ بنَ الخطَّاب، وسعيدَ بنَ زيد بنِ عَمرو، وعمرًا وعبدَ الله ابنَي سُرَاقة، وخُنيسَ بنَ حذافةَ، وواقدَ بنَ عبد الله، وخَوْليَّ بنَ أبي خَوْليٍّ وأخاه هِلالًا، وعيَّاشَ بنَ أبي ربيعة، وخالدًا وإياسًا وعامرًا بني البُكَير، وهم الثَّلاثة عشر، فلعلَّ الباقي كانُوا أتباعًا لهُم (ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ) أي: كفرحِهم بهِ، فهو نصب بنزع الخافضِ (حَتَّى رَأَيْتُ الوَلَائِدَ) جمع: وليدَةٍ، الصَّبيَّة والأمَة (وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ جَاءَ) حذفت التَّصلية لأبي ذرٍّ. قال: لأنَّ الصَّلاة عليه إنَّما كانَ ابتداءُ مشروعيَّتها في السَّنة الخامسة من الهِجرة. والظَّاهر إلى أنَّه يشيرُ إلى آيةِ الأمرِ بها، وهذا غيرُ متَّجه؛ لأنَّه قد وردَ في حديثِ الإسراءِ ذكر الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، والإسراءُ كان بمكَّة، فلا وجهَ للإنكارِ. قال البَراء: (فَمَا جَاءَ) ﵊ المدينَة (حَتَّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ (٢) مِثْلِهَا) وزادَ (٣) في «الهجرة»: من المفصَّل [خ¦٣٩٢٥]. وثبتَ لفظُ: «مثلِهَا» لأبي ذرٍّ (٤).

(((٨٨))) (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ (١) وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقط له «﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» ولغيره البسملة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] النَّصَارَى) وزاد ابنُ أبي حاتمٍ: واليهود. والثَّعلبي: والرُّهبان. يعني: أنَّهم عمِلوا ونصبوا في الدِّين على غيرِ دينِ الإسلامِ فلا يقبلُ منهم، وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ في النَّار، كجرِّ السَّلاسل وخوضِها في النَّار خوضَ الإبلِ في الوحلِ، والصُّعود والهُبوط في تلالِها ووهادِهَا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بَلَغَ إِنَاهَا) بكسر الهمزة وبعد النون ألف غير مهموز، وقتها في الحرِّ، فلو وقعَتْ منها قطرةٌ على جبالِ الدُّنيا لذابَتْ، وقال أبو ذرٍّ: «إناهَا حينها». (وَحَانَ شُرْبُهَا ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] بَلَغَ إِنَاهُ) أي: حانَ (﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا﴾) أي: الجنَّة (٢) (﴿لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]) أي: (شَتْمًا) ولا غيره من الباطلِ.

(الضَّرِيعُ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال: الضَّريع» (نَبْتٌ) له شوكٌ (يُقَالَ لَهُ: الشِّبْرِقُ) بكسر المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة (تُسَمِّيهِ أَهْلُ الحِجَازِ: الضَّرِيعَ؛ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَمٌّ) لا تقربه دابَّةٌ لخبثِه.

(﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]) أي: (بِمُسَلَّطٍ) فتقتلهم وتكرههم على الإيمانِ، وهذا منسوخٌ بآيةِ القتالِ. (وَيُقْرَأُ) ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (بِالصَّادِ وَالسِّينِ) وهذه قراءةُ هشامٍ، وهي على الأصلِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ المنذِر في قولهِ: (﴿إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] مَرْجِعَهُمْ) بعدَ الموتِ.

(((٨٩))) (سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسعٌ وعشرون، وثبت: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الوَتْرُ: اللهُ) لانفرادهِ بالألوهيَّة، وحذف ما بعد «مجاهد» لأبي ذرٍّ.

(﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]) أي: (القَدِيمَةِ) يعني: عادًا الأولى، ولأبي ذرٍّ: «يعني: القديمَة» وفي «اليونينية»: «(إِرْمَ ذَاتِ)» بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورُويَتْ عن الضَّحَّاك، لكن بفتح الهمزة، وأصله: أرِم، على وزن فعِل كفَخِذ، فخُفِّف (١) (وَالعِمَادُ) رَفْعٌ مبتدأ خبره: (أَهْلُ عَمُودٍ) أي: خيامٍ (لَا يُقِيمُونَ) في بلدٍ، وكانوا سيَّارة ينتجعون الغيثَ، وينتقلُون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابنِ عبَّاس: إنَّما قيل لهم: ذات العمادِ لطولِهم، واختارَ الأوَّل ابن جريرٍ، وردَّ الثَّاني. قال ابنُ كثيرٍ: فأصابَ، وحينئذٍ فالضَّمير يعودُ على القبيلةِ. قال: وأمَّا ما ذكرهُ جماعةٌ من المفسِّرين عندَ هذهِ الآية من ذكر مدينةٍ يقالُ لها: إرمَ ذاتِ العِماد، مبنيَّة بلبن الذَّهب والفضَّة، وأنَّ حصباءَهَا (٢) لآلئُ وجواهِر، وترابها بنادقُ المِسك … إلى غير ذلك من الأوصافِ، وأنَّها تنتقلُ فتارةً تكون بالشَّام وتارةً باليمنِ، وأخرى بغيرهما من الأرضِ؛ فمن خرافاتِ الإسرائيليين،

وليس لذلك حقيقة، وأمَّا ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ وهب بنِ منبِّه عن عبدِ الله بنِ (١) قِلابَة في (٢) هذه القصَّة أيضًا وذكر عجائبهَا؛ فقال في «الفتح»: فيها ألفاظٌ منكرةٌ، وراويها عبدُ الله بنُ (٣) قلابَة لا يُعرف، وفي إسنادهِ ابنُ لهيعة، ومثله ما يخبرُ به كثيرٌ من الكَذَبة المتحيِّلين من وجودِ مطالب تحت الأرضِ بها قناطيرُ الذَّهب والفضَّة والجواهرُ واليواقيتُ واللآلئُ والإكسِيرُ، لكن عليها موانعُ تمنعُ من الوصولِ إليها، فيحتالونَ على أموالِ ضعفةِ العقولِ والسُّفهاء فيأكلونَها بحجَّةِ صرفِها في بخوراتٍ ونحوها من الهذياناتِ (٤)، وتراهُم ينفقُون على حفرهَا (٥) الأموالَ الجَزْيلة، ويبلغونَ في العمقِ غايةً، ولا (٦) يظهرُ لهم إلَّا التُّراب والحَجر الكدَّان، فيفتقرُ الرَّجل منهم، وهو مع ذلك لا يزدادُ إلَّا طلبًا حتَّى يموتَ.

(﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «الَّذين» (عُذِّبُوا بِهِ) وعن قتادَة -ممَّا (٧) رواه ابنُ أبي حاتمٍ-: كلُّ شيءٍ عذِّب بهِ فهو سوط عذابٍ.

(﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] السَّفُّ) من سففتُ الأكلَ أسفُّه سفًّا.

(وَ ﴿جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] الكَثِيرُ) أي: يحبُّون جمعَ المالِ، وسقط «واو» و ﴿جَمًّا﴾ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] (كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) تعالى (فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ) أي: للأرضِ، كالذَّكر والأنثَى (الوَتْرُ) بفتح الواو وتكسر: هو (اللهُ ﵎ وسبق [خ¦٦٠/ ١ م-٥١٢٠].

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ

فِيهِ السَّوْطُ) قاله الفرَّاء.

(﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إِلَيْهِ المَصِيرُ) وقال ابنُ عبَّاس: بحيثُ يسمعُ ويرى، وقيل: يرصدُ أعمالَ بني آدمَ لا يفوتهُ (١) شيءٌ منها.

(﴿تَحَاضُّونَ﴾ [الفجر: ١٨]) بفتح التاء والحاء فألف، وبها قرأ الكوفيُّون، أي: (تُحَافِظُونَ، وَ ﴿تَحَاضُّونَ﴾) بغير ألفٍ (تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) المساكين.

(﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) هي (المُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) وهي الثَّابتة على الإيمان (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] (٢) إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ (٣) قَبْضَهَا؛ اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا) إسنادُ الاطمئنانِ إلى الله مجازٌ يرادُ بهِ لازمه وغايتهُ، من نحو إيصالِ الخيرِ، وفيه المشاكَلة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «واطمأنَّ إليه» بتذكيرِ الضَّمير، أي: إلى الشَّخص (وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِي اللهُ عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عنه» (فَأَمَرَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأمر» (بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي أيضًا: «وأدخلَه» (اللهُ الجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وقال ابنُ (٤) عطاء: النَّفس المطمئنَّة هي العارفةُ بالله، الَّتي لا تصبرُ عن الله طرفةَ عينٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ الحسنِ: (﴿جَابُوا﴾ [الفجر: ٩]) أي: (نَقَبُوا) بالتَّخفيف، أي: نقبوا الصَّخر (٥) وأصلُ الجيبِ القَطع، مأخوذٌ (مِنْ جِيْبَ القَمِيصُ) إذا (٦) (قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ) وكذلك قولهم: فلانٌ (يَجُوبُ الفَلَاةَ) أي: (يَقْطَعُهَا) وجَيْبِ: بفتح الجيم وجر الموحدة بمن، والقَميصِ: خفض، وبكسر الجيم ونصب الموحدة، والقميصُ: رفع، وسقط لفظ «من» لأبي ذرٍّ (٧).

(﴿لَّمًّا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] (لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ: أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) قالَه أبو عُبيدة، وسبق معناهُ، وسقَطَ لأبي ذرٍّ.

(((٩٠))) (﴿لَا أُقْسِمُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها عشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مكَّة» (لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ) أي: أنتَ على الخصوصِ تستحلُّه دون غيركَ لجلالةِ شأنك، كما جاء [خ¦٤٣١٣] «لم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولَا تحلُّ لأحدٍ بعدِي» وأنت على هذا من بابِ التَّقديم للاختصاصِ؛ نحو: أنا عرفتُ. قال الواحديُّ: إنَّ الله تعالى لمَّا ذكرَ القَسم بمكَّة دلَّ ذلك على عظمِ قدرهَا مع كونها حرامًا، فوعدَ نبيَّه ﷺ أن يحلَّها له يقاتلُ فيها، وأن (١) يفتحَها على يدهِ ويكون فيها حلًّا، والجملةُ اعتراضٌ بين المقسم بهِ وما عطف عليه.

(﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]) أي: من الأنبياءِ والصَّالحين من ذرِّيَّتهِ؛ لأنَّ الكافر وإن كان من ذرِّيَّته لكن لا حرمةَ لهُ (٢) حتَّى يقسمَ بهِ، أو المرادُ بـ ﴿وَوَالِدٍ﴾ إبراهيمُ، وبـ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ محمَّد ﷺ، و ﴿مَا﴾ بمعنى مَن. قال (٣) في «الأنوار»: وإيثارُ ﴿مَا﴾ على «مَن» لمعنى التَّعجب؛ كما في قولهِ تعالى: ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].

(﴿لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦]) بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذرٍّ، جمع: لُبْدَة، كغُرْفَة وغُرَف، وهي قراءة العامَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿لُّبَدًا﴾» بكسر اللام، أي: (كَثِيرًا) من تلبَّد الشَّيء؛ إذا اجتمعَ.

(وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾) هُما (الخَيْرُ وَالشَّرُّ) قال الزَّجاجُ: النَّجدان الطَّريقان الواضحان، والنَّجد المرتفعُ من

الأرضِ، والمعنى: ألم نبيِّن لهُ طريقَي الخيرِ والشَّرِّ؟ وقال ابنُ عبَّاس: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ (١) الثَّديين، وهما ممَّا تقسِم بهِ العرب، تقول: أمَا ونجديهَا ما فعلتُ، تريد: ثديي المرأة؛ لأنَّهما كالنَّجدينِ للبطنِ.

(﴿مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) أي: (مَجَاعَةٍ) والسَّغَب: الجُوع.

(﴿مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]) ولأبي ذرٍّ برفع الثَّلاثة، أي: (السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) ليس له بيتٌ لفقرِه.

(يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ) فلَم يجاوزهَا (فِي الدُّنْيَا) ليأمن (ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾) أي: أعلمكَ (﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]) الَّتي يقتحمهَا، وبيَّن سببَ جوازها بقوله: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]) برفع الكاف على إضمارِ مبتدأ، أي: هو فكُّ، وخفض ﴿رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، من الرِّق بإعتاقها (﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم ﴿إِطْعَامٌ﴾ منوَّنًا، وقراءةُ ابن كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ: ﴿فَكُّ﴾ بفتح الكاف فعلًا ماضيًا، ﴿رَقَبَةٍ﴾ نصب، ﴿إِطْعَامٌ﴾ فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) مجاعةٍ، وهذا تنبيهٌ على أنَّ النَّفس لا توافقُ صاحبهَا في الإنفاقِ لوجهِ الله تعالى ألبتَّة، فلا بدَّ من التَّكلُّف وحمل المشقَّة على النَّفس، والَّذي يوافقُ النَّفس هو الافتخارُ والمراءاة، فكأنَّه تعالى ذكر هذا المثل بإزاءِ ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦] والمرادُ بيان الإنفاقِ المفيد، وأن ذلك الإنفاق مضرٌّ. قاله صاحبُ «الفرائد» فيما حكاهُ في «فتوح الغيب».

(﴿فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) أي: (شِدَّةٍ) أي: شدَّة (٢) خلق، وقال ابنُ عبَّاس: في نَصَبٍ، وقيل: شدَّة مكايد مصائبِ الدُّنيا وشدائد الآخرة، وهذا ثابتٌ للنَّسفي وحدَه (٣).

(((٩١))) (سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس عشرة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٤٩٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ أوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أصْحَابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلالٌ وَسَعْدٌ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ ثُمَّ جَاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا رأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الوَلائِدَ وَالصُّبْيَانَ يَقُولُونَ هَذَا رَسُولُ الله قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: {سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأعْلَى} (الْأَعْلَى: ١) فِي سُوَرٍ مِثْلِها.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَاب مقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) هُوَ عَمْرو بن قيس الْقرشِي العامري، وَاسم أم مَكْتُوم عَاتِكَة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَوْله: (فِي عشْرين) ، أَي: فِي جملَة عشْرين صحابيا. قَوْله: (الولائد) ، جمع وليدة وَهِي الصبية وَالْأمة. قَوْله: (يَقُولُونَ، هَذَا رَسُول الله) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ إِنَّمَا شرعت فِي السّنة الْخَامِسَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا} (الْأَحْزَاب: ٦٥) وَهَذِه الْآيَة فِي الْأَحْزَاب ونزولها فِي السّنة الْخَامِسَة على الصَّحِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا مَانع أَن تتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة. قلت: الْمَانِع مَوْجُود لعدم الْعلم بتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة، وَأَيْضًا من أَيْن علمُوا أَن الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا بُد مِنْهَا على أَي وَجه كَانَت وقتئذ، وَأَيْضًا من قَالَ إِن لفظ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلب الرِّوَايَة من لفظ الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون صدر ذَلِك مِمَّن دونه، وَقَالَ بَعضهم: وَقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُ ينْدب أَن يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: مَذْهَب الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَنه تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ كلما ذكر اسْمه. قَوْله: (فِي سُورَة مثلهَا) ، أَي: قَرَأت {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} مَعَ سور أُخْرَى مثلهَا، وَقد مر فِي رِوَايَة الْهِجْرَة فِي سور من الْمفصل.

٨٨ - (سُورَةُ: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {هَل أَتَاك} (الغاشية: ١) وَفِي بعض النّسخ: {هَل أَتَاك} فَقَط. وَفِي بَعْضهَا: سُورَة {هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية} وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الغاشية، وَهِي مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَاحِد وَثَلَاثُونَ حرفا. وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ كلمة. وست وَعِشْرُونَ آيَة. والغاشية اسْم من أَسمَاء يَوْم الْقِيَامَة. يَعْنِي: تغشي كل شَيْء بالأهوال قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الغاشية النَّار، دَلِيله قَوْله تَعَالَى: {وتغشى وُجُوههم النَّار} (إِبْرَاهِيم: ٥) .

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} (الغاشية: ٢، ٣) النَّصَارَى

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة ناصبة} وَفسّر عاملة وناصبة بالنصارى، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) لم أر من ذكره عَن ابْن عَبَّاس. قلت: عدم رُؤْيَته إِيَّاه لَا يسْتَلْزم عدمهَا مُطلقًا وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق شبيب ابْن بشر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد الْيَهُود. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة خاشعة: ذليلة، وَقيل: خاشعة فِي النَّار. قَوْله: (عاملة) ، يَعْنِي: فِي النَّار. و (ناصبة) فِيهَا وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير لم تعْمل لله فِي الدُّنْيَا فاعملها وانصبها فِي النَّار بمعالجة السلَاسِل والأغلال، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: تكبرت فِي الدُّنْيَا عَن طَاعَة الله تَعَالَى فاعملها وانصبها فِي النَّار، وَعَن الضَّحَّاك يكلفون ارتقاء جبل من حَدِيد فِي النَّار، وَالنّصب الدأب فِي الْعَمَل، وَعَن عِكْرِمَة: عاملة فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ناصبة فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَزيد بن أسلم: هم الرهبان وَأَصْحَاب الصوامع، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُجَاهِد: عين آنِية بلغ إتاها وحان شربهَا. حميم آنٍ بلغ إناه أَي وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {تسقى من عين آنِية) بقوله بلغ إناها بِكَسْر الْهمزَة، أَي وَقتهَا. يُقَال أَنى بِأَنِّي أنيا،

أَي: حَان. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنِّي الْحَمِيم أَي: انْتهى حره، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {حميم آن} (الرَّحْمَن: ٤٤) قَوْله: وحان أدْرك شربهَا، وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا ظَنك بِقوم قَامُوا لله عز وَجل على أَقْدَامهم مِقْدَار خمسين ألف سنة لم يَأْكُلُوا فِيهَا أَكلَة وَلم يشْربُوا فِيهَا شربة، حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا فاحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد أَتَى حرهَا وَاشْتَدَّ نضجها، وَعَن قَتَادَة أَي: طبخها مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَقَالَ مقَاتل: عين آنِية تخرج من أصل جبل طولهَا مسيرَة سبعين عَاما أسود كدردي الزَّيْت كدر غليظ كثير الدعاميص يسْقِيه إِيَّاه الْملك فِي إِنَاء من حَدِيد من نَار إِذا جعله على فِيهِ أحرق شدقيه وتناثرت أنيابه وأضراسه، فَإِذا بلغ صَدره نضج قلبه، فَإِذا بلغ بَطْنه ذاب كَمَا يذوب الرصاص. قلت: الدعاميص جمع دعموص، وَهِي دويبة تكون فِي مستنقع المَاء، وَهُوَ بِالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ.

{لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً} (الغاشية: ١١) شَتْما

أَي: لَا تسمعه فِي الْجنَّة لاغية، وَفَسرهُ بقوله: (شتما) وَقيل: كلمة لَغْو، واللاغية مصدر كالعافية، وَالْمعْنَى: لَا تسمع فِيهَا كذبا وبهتانا وَكفرا. وَقيل: بَاطِلا. وَقيل: مَعْصِيّة. وَقيل: حَالفا بِيَمِين برة وَلَا فاجرة، وَقيل: لَا تسمع فِي كَلَامهم كلمة تلغى لِأَن أهل الْجنَّة لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بالحكمة، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: تسمع، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، ولاغية بِالرَّفْع، وَنَافِع كَذَلِك إلَاّ أَنه قَرَأَ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالْبَاقُونَ بِفَتْح التَّاء ولاغية بِالنّصب.

وَيُقالُ: الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أهْلُ الحجازِ الضَّرِيعُ إذَا يَبِسَ وَهُوَ سَمٌّ.

الْقَائِل هُوَ الْفراء. قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع} (الغاشية: ٦، ٧) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ الْمُشْركُونَ: إِن إبلنا لتسمن على الضريع فَأنْزل الله تَعَالَى: {لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع} (الغاشية: ٧) وكذبوا فَإِن الْإِبِل إِنَّمَا ترعاه إِذا كَانَ رطبا. فَإِذا يبس فَلَا تَأْكُله، ورطبه يُسمى شبرقا بِالْكَسْرِ لَا ضريعا فَإِن قلت: كَيفَ قيل: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} (الغاشية: ٦) وَفِي الحاقة: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) قلت: الْعَذَاب ألوان والمعذبون طَبَقَات فَمنهمْ: أَكلَة الزقوم، وَمِنْهُم أَكلَة الغسلين، وَمِنْهُم: أَكلَة الضريع. وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الضريع شجر من نَار، وَقَالَ الْخَلِيل هُوَ نبت أَخْضَر منتن الرّيح يرْمى بِهِ فِي الْبَحْر.

بِمُسَيْطِرٍ: بِمُسَلِطٍ وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لست عَلَيْهِم بمسيطر} (الغاشية: ٢٢) وَفسّر: المسيطر بالمسلط. قَوْله: (وَيقْرَأ بالصَّاد وَالسِّين) ، قَرَأَ عَاصِم: بمسيطر بِالسِّين، وَحَمْزَة بِخِلَاف عَن خَلاد بَين الصَّاد وَالزَّاي، وَالْبَاقُونَ بالصَّاد الْخَالِصَة بمصيطر.

إيَابَهُمْ مَرْجِعَهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن إِلَيْنَا إيابهم} (الغاشية: ٥٢) أَي: مرجعهم، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.

٩٨ - (سُورَةُ: {وَالفَجْرِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْفجْر وَهِي مَكِّيَّة. وَقيل: مَدَنِيَّة حَكَاهُ ابْن النَّقِيب عَن ابْن أبي طَلْحَة، وَهِي خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَمِائَة وتسع وَثَلَاثُونَ كلمة وَثَلَاثُونَ آيَة. الْفجْر قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي النَّهَار كُله، وَعنهُ: صَلَاة الْفجْر، وَعنهُ فجر الْمحرم، وَعَن قَتَادَة: أول يَوْم من الْمحرم وَفِيه تنفجر السّنة، وَعَن الضَّحَّاك فجر ذِي الْحجَّة، وَعَن مقَاتل: غَدَاة جمع كل سنة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: انفجار الصُّبْح من كل يَوْم إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْفجْر الصخور والعيون تنفجر بالمياه، وَالله أعلم.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: الوِتْرُ الله

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشفع وَالْوتر} (الْفجْر: ٣) الْوتر: هُوَ الله عز وَجل، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: الشفع الزَّوْج، وَالْوتر هُوَ الله عز وَجل، وَعند عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: الشفع يَوْم النَّحْر وَالْوتر يَوْم عَرَفَة، وَعَن قَتَادَة: من الصَّلَاة شفع وَمِنْهَا وتر، وَقَالَ الْحسن: من الْعدَد شفع وَمِنْه وتر، ويروى: الشفع آدم وحواء

عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَالْوتر هُوَ الله تَعَالَى، وَقِرَاءَة الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْبَصْرَة وَبَعض الْكُوفِيّين بِفَتْح الْوَاو هِيَ لُغَة أهل الْحجاز، وَعَامة قراء الْكُوفَة بِكَسْرِهَا.

{إرَمَ ذَاتِ العِمادِ} (الْفجْر: ٧) القَدِيمَةِ وَالعِمَادُ أهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم ذَات الْعِمَاد} (الْفجْر: ٦، ٧) قَوْله: (إرم) ، عطف بَيَان لعاد، وَكَانَت عَاد قبيلتين عَاد الأولى وَعَاد الْأَخِيرَة، وأشير إِلَى عَاد الأولى بقوله الْقَدِيمَة، وَقيل: لعقب عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عا، كَمَا يُقَال لبني هَاشم، وارم تَسْمِيَة لَهُم باسم جدهم وهم عَاد الأولى، وَقيل: لمن بعدهمْ، عَاد الْأَخِيرَة، وإرم غير منصرف، قَبيلَة كَانَت أَو أَرضًا للتعريف والتأنيث، وَاخْتلف فِي إرم ذَات الْعِمَاد فَقيل: دمشق. قَالَه سعيد بن الْمسيب، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: هِيَ الاسكندرية، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ أمة وَمَعْنَاهَا الْقَدِيمَة، وَعَن قَتَادَة: هِيَ قَبيلَة من عَاد، وَعَن ابْن إِسْحَاق: هِيَ جد عَاد، وَالصَّوَاب أَنَّهَا اسْم قَبيلَة أَو بَلْدَة. قَوْله: (ذَات الْعِمَاد) ، ذَات الطول والشدة وَالْقُوَّة، وَعَن الْمِقْدَام عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر إرم ذَات الْعِمَاد فَقَالَ: كَانَ الرجل مِنْهُم يَأْتِي الصَّخْرَة فيحملها على الْحَيّ فيهلكهم، وَعَن الْكَلْبِيّ: كَانَ طول الرجل مِنْهُم أَرْبَعمِائَة ذِرَاع. وَعَن مقَاتل: طول أحدهم إثنا عشر ذِرَاعا فِي السَّمَاء مثل أعظم أسطوانة، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) طول أحدهم مائَة ذِرَاعا وأقصرهم اثْنَا عشر ذِرَاعا. قَوْله: (والعماد) ، مُبْتَدأ أَو و (أهل عَمُود) خَبره. أَي: أهل خيام لَا يُقِيمُونَ فِي بَلْدَة وَحَاصِل الْمَعْنى أَنه قيل لَهُم ذَات الْعِمَاد لأَنهم كَانُوا أهل عَمُود لَا يُقِيمُونَ. وَكَانُوا سيارة ينتجعون الْغَيْث وينتقلون إِلَى الكلاء حَيْثُ كَانَ ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع، وَكَانُوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كَانَت بوادي الْقرى، وَقيل: سموا ذَات الْعِمَاد لبِنَاء بناه شَدَّاد بن عَاد وحكايته مَشْهُورَة فِي التفاسير.

سَوْطَ عَذَابٍ: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب} (الْفجْر: ٣١) وَفسّر: (سَوط عَذَاب) بقوله: (الَّذِي عذبُوا بِهِ) فَقيل: هُوَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب لكل نوع من الْعَذَاب يدْخل فِيهِ السَّوْط، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة: كل شَيْء عذب بِهِ سَوط عَذَاب.

أكْلاً لَمَّا: السَّفُّ. وَجَمّا: الكَثِيرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وتأكلوا التراث أكلا لمّا وتحبون المَال حبا جما} (الْفجْر: ٩١، ٠٢) قَوْله: (التراث) ، أَي: تراث الْيَتَامَى أَي: ميراثهم. قَوْله: (لمّا) ، فسره بقوله: (السف) من سففت الْأكل أسفه سفّا. وَيُقَال أَيْضا سففت الدَّوَاء أسفة، وأسففت غَيْرِي وَهُوَ السفوف بِالْفَتْح. وسففت المَاء إِذا أكثرت من شربه من غير أَن تروى. وَقَالَ الْحسن: يَأْكُل نصِيبه وَنصِيب غَيره، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أكلا لمّا: ذَا لم وَهُوَ الْجمع بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَعَن بكر بن عبد الله اللم الاعتداء فِي الْمِيرَاث يَأْكُل كل شَيْء يجده وَلَا يسْأَل عَنهُ أحلال أم حرَام، وَيَأْكُل الَّذِي لَهُ وَلغيره، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان، وَقيل: يَأْكُلُون مَا جمعه الْمَيِّت من الْمظْلمَة وَهُوَ عَالم بذلك فيلم فِي الْأكل من حَلَاله وَحَرَامه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: لممت مَا على الخوان إِذا أتيت مَا عَلَيْهِ وأكلته كُله أجمع. قَوْله: (وجما الْكثير) ، أَي: معنى قَوْله: (حبا جما) ، أَي: كثيرا شَدِيدا مَعَ الْحِرْص، والشره عَلَيْهِ وَمنع الْحُقُوق يُقَال: جم المَاء فِي الْحَوْض إِذا كثر وَاجْتمعَ.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ السماءُ شَفْعٌ وَالوِتْرُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّفْع وَالْوتر} (الْفجْر: ٣) وَالْبَاقِي ظَاهر فَإِن قلت السَّمَاء وتر لِأَنَّهُ سبع قلت مَعْنَاهُ السَّمَاء شفع الأَرْض كالحار والبارد وَالذكر وَالْأُنْثَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ.

أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب} وَقد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن، وَلَو ذكر هَذَا عِنْد قَوْله: {سَوط عَذَاب} الَّذِي عذبُوا بِهِ لَكَانَ أولى وأرتب.

لَبِالْمِرْصَادِ إلَيْهِ المَصِيرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن رَبك لبالمرصاد} (الْفجْر: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: إِلَيْهِ الْمصير، وَكَذَا فسره الْفراء، والمرصاد على وزن مفعال،

وَقَالَ بَعضهم: مفعال من مرصد وَهُوَ مَكَان الرصد. قلت: هَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ يَد فِي علم التصريف، بل المرصاد هُوَ المرصد وَلَكِن فِيهِ من الْمُبَالغَة مَا لَيْسَ فِي المرصد، وَهُوَ مفعال من رضده كميقات من وقته، وَهَذَا مثل لإرصاده العصاة بِالْعَذَابِ وَأَنَّهُمْ لَا يفوتونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِحَيْثُ يرى وَيسمع، وَعَن مقَاتل: يرصد النَّاس على الصِّرَاط فَيجْعَل: رصدا من الْمَلَائِكَة مَعَهم الكلاليب والمحاجن والحسك.

تحاضُّونَ: تُحافِظُونَ. وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإطْعَامِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يحضون على طَعَام الْمِسْكِين} (الْفجْر: ٨١) وَهنا قراءتان إِحْدَاهمَا: تحاضون بِالْألف وَهِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة. وَالْأُخْرَى: تحضون، بِلَا ألف وَهِي قِرَاءَة البَاقِينَ، وَعَن الْكسَائي تحاضون بِالضَّمِّ، وَفسّر الَّذِي بِلَا ألف بقوله: تأمرون بإطعامه أَي: إطْعَام مِسْكين.

المُطْمَئِنَةُ المُصَدِّقَةُ بِالثَّوابِ، وَقَالَ الحَسَنُ: يَا أيَّتُها النَّفْسُ إذَا أرَادَ الله عَزَّ وَجَلَّ قَبْضَها اطمآنتْ إلَى الله وَاطمَآنَّ الله إلَيْها وَرَضِيَتْ عَنِ الله وَرَضِيَ الله عَنْها فَأمرَ بِقَبْضِ رُوحها وأدْخَلَها الله الجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك} (الْفجْر: ٧٢) بقوله: (المصدقة بالثواب) وَقيل: المطمئنة إِلَى مَا وعد الله المصدقة بِمَا قَالَ، وَعَن ابْن كيسَان: المطمئنة المخلصة، وَعَن ابْن عَطاء: العارفة بِاللَّه تَعَالَى الَّتِي لَا تصبر عَنهُ طرفَة عين، وَقيل: المطمئنة بِذكر الله دَلِيله قَوْله تَعَالَى: {وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله} (الرَّعْد: ٨٢) وَقيل: المتوكلة على الله. قَوْله: (وَقَالَ الْحسن) أَي: الْبَصْرِيّ فِي قَوْله عز وَجل: (يَا أيتها النَّفس) إِلَى آخِره وتأنيث الضمائر فِيهِ فِي الْمَوَاضِع السَّبْعَة ظَاهر لِأَنَّهَا ترجع إِلَى النَّفس. وَفِي قَوْله: (وَجعله بالتذكير) بِاعْتِبَار الشَّخْص، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بالتأنيث فِي ثَلَاث مَوَاضِع فَقَط، وَهِي قَوْله: وَاطْمَأَنَّ الله إِلَيْهَا، وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأدخلها الله الْجنَّة. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حَفْص عَنهُ، وَإِسْنَاده الاطمئنان إِلَى الله تَعَالَى مجَاز يُرِيد بِهِ لَازمه وغايته من نَحْو إِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ وَفِيه المشاكلة، والرضى هُوَ ترك الِاعْتِرَاض.

وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا نَقَبُوا مِنْ جَيْبِ القَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ يَجُوبُ الفلاة يَقْطَعُها

أَي: قَالَ غير الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: {وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد} (الْفجْر: ٩) وَفسّر: (جابوا) بقوله: (نقبوا) . قَوْله: (من جيب الْقَمِيص) أَشَارَ إِلَى أَن أصل الجيب الْقطع، وَمِنْه يُقَال: جبت الْقَمِيص إِذا قطعت لَهُ جيبا وَكَذَلِكَ يجوب الفلاة أَي: يقطعهَا. وَقَالَ الْفراء جابوا الصخر: خرقوه فاتخذوه بُيُوتًا.

لَمَّا: لَمْمتُهُ أجْمَعَ أتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ

لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وسقوطه أولى لِأَنَّهُ مُكَرر ذكر مرّة عَن قريب، وَمَعَ هَذَا لَو ذكر هُنَاكَ لَكَانَ أولى.

٠٩ - (سُورةُ: {لَا أُقْسِمُ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد} (الْبَلَد: ١) وَيُقَال لَهَا أَيْضا: سُورَة الْبَلَد، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَلَاثمِائَة وعشرو حرفا، وَاثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ كلمة وَعِشْرُونَ آيَة.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهاذا البَلَدِ} (الْبَلَد: ٢) مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ

مِنَ الإثْمِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد} (الْبَلَد: ١، ٢) هِيَ: مَكَّة، ويروى: بِمَكَّة، وَمعنى: حل أَنْت يَا مُحَمَّد حَلَال بِهَذَا الْبَلَد فِي الْمُسْتَقْبل تصنع فِيهِ مَا تُرِيدُ من الْقَتْل والأسر وَذَلِكَ أَن الله عز وَجل أحل لنَبيه يَوْم الْفَتْح حَتَّى قتل من قتل وَأخذ مَا شَاءَ وَحرم مَا شَاءَ، فَقتل ابْن خطل وَأَصْحَابه وَحرم دَار أبي سُفْيَان. وَقَالَ الوَاسِطِيّ: المُرَاد الْمَدِينَة حَكَاهُ فِي (الشِّفَاء) وَالْأول أصح لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وروى قَول مُجَاهِد: (وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد) مَكَّة الْحَنْظَلِي عَن أَحْمد بن سِنَان الوَاسِطِيّ حَدثنَا ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد، وَقَالَهُ أَيْضا عَطاء وَقَتَادَة وَابْن زيد، وروى قَوْله: (لَيْسَ على النَّاس من الْإِثْم) الطَّبَرِيّ عَن ابْن حميد: حَدثنَا مهْرَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَنهُ، وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو عَاصِم حَدثنَا عِيسَى عَن وَرْقَاء عَن ابْن ابْن نجيح عَنهُ

وَوَالِد: آدَمَ وَمَا وَلَدَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ووالد وَمَا ولد} (الْبَلَد: ٣) وَفسّر ذَلِك بقوله آدم وَمَا ولد أَي: آدم وَأَوْلَاده، وَقيل: إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ من نَسْله، وَعَن عِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير الْوَالِد الَّذِي يُولد لَهُ وَمَا ولد العاقر الَّذِي لَا يُولد لَهُ. وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وعَلى هَذَا يكون: مَا، نفيا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَهُوَ بعيد وَلَا يَصح إلَاّ بإضمار، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس، ووالد وَولده.

لِبَدا: كَثِيرا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى يَقُول: {أهلكت مَالا لبدا} (الْبَلَد: ٦) وَفسّر: (لبدا) بقوله: (كثيرا) . قَوْله: (يَقُول) ، أَي: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أهلكت أنفقت مَالا لبدا أَي مَالا كثيرا بعضه على بعض فِي عَدَاوَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واللبد من التلبيد وَهُوَ كَون الشَّيْء بعضه على بعض، وَمِنْه اللبد، وقرىء بتَشْديد الْبَاء وتخفيفها.

وَالنَّجْدَيْنِ: الخَيْرُ وَالشّرُّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهديناه النجدين} (الْبَلَد: ٠١) يَعْنِي: سَبِيل الْخَيْر وسبيل الشَّرّ، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَأكْثر الْمُفَسّرين على هَذَا، وَعَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: النجدين الثديين وَإِلَيْهِ ذهب سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك، والنجد فِي الأَصْل الطَّرِيق فِي ارْتِفَاع.

مَسْغَبَة: مَجَاعَةٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة} (الْبَلَد: ٤١) أَي: مجاعَة.

مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة} (الْبَلَد: ٦١) وَفَسرهُ بقوله: (السَّاقِط فِي التُّرَاب) وروى ابْن عُيَيْنَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَينه وَبَين الأَرْض شَيْء، وروى الْحَاكِم من طَرِيق حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْمَطْرُوح الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيت.

يُقَالُ {فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةِ

فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: {وَمَا أدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} جملَة مُعْتَرضَة، وَمعنى فك رَقَبَة: أعتق رَقَبَة كَانَت فداءه من النَّار. وَعَن عِكْرِمَة فك رَقَبَة من الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: (أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة) (الْبَلَد: ٢١، ٤١) .

لما ذكر المسغبة والمتربة شرع فِي بَيَان مَا يفعل بِذِي مسبغة وبذي مَتْرَبَة، فَقَالَ فَلَا اقتحم الْعقبَة فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: فَلم يُجَاوز هَذَا الْإِنْسَان الْعقبَة فِي الدُّنْيَا فَيَأْمَن، والاقتحام الدُّخُول والمجاوزة بِشدَّة ومشقة، ثمَّ عظم أَمر الْعقبَة فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَمَا أَرَاك مَا الْعقبَة) وكل شَيْء قَالَ: وَمَا أَدْرَاك، فَإِنَّهُ أخبرهُ بِهِ وَمَا قَالَ: وَمَا يدْريك فَإِنَّهُ لم يُخبرهُ بِهِ ثمَّ فسر الْعقبَة بقوله: (فك رَقَبَة) إِلَى قَوْله: (مَتْرَبَة) وَشبه عظم الذُّنُوب وثقلها على مرتكبها بعقبة فَإِذا أعتق رَقَبَة وَعمل عملا صَالحا كَانَ مثله مثل من اقتحم الْعقبَة الَّتِي هِيَ الذُّنُوب حَتَّى تذْهب وتذوب كمن يقتحم عقبَة فيستوي عَلَيْهَا ويجوزها، وَذكر عَن ابْن عمر: أَن هَذِه الْعقبَة جبل فِي جَهَنَّم، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة، هِيَ عقبَة فِي النَّار دون الجسر فاقتحموها بِطَاعَة الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك والكلبي، هِيَ الصِّرَاط يضْرب على جَهَنَّم كَحَد السَّيْف مسيرَة ثَلَاثَة آلَاف سنة سهلاً وصعودا وهبوطا وَأَن بجنبيه كلاليب وَخطأ طيف كشوك السعدان، وَعَن كَعْب: هِيَ سَبْعُونَ دركة فِي جَهَنَّم. قَوْله: (فك رَقَبَة) بَدَلا من اقتحم الْعقبَة أَو إطْعَام عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة) ، (الْبَلَد: ٢١) مجاعَة يَتِيما ذَا مقربة أَي: ذَا قرَابَة {ومسكينا ذَا مَتْرَبَة} قد لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر فَلَيْسَ لَهُ مأوى إِلَّا التُّرَاب، والمسبغة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إِذا جَاع، وَقرب فِي النّسَب، وترب إِذا افْتقر، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: فك، بِفَتْح الْكَاف وَأطْعم بِفَتْح الْمِيم على الْفِعْل كَقَوْلِه: ثمَّ كَانَ وَالْبَاقُونَ بِالْإِضَافَة على الِاسْم.

١٩ - (سُورَةُ: {وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا} (الشَّمْس: ١)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة وَخمْس عشرَة آيَة.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحاها ضَوْءَها إذَا تَلاهَا تَبِعَها. وَطحاها دَحَاها دَسَّاهَا أغْوَاهَا.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} أَي: (ضوءها) يَعْنِي: إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار وَالضُّحَى فَوق ذَلِك، وَعَن قَتَادَة: هُوَ النَّهَار كُله، وَقَالَ مقَاتل: حرهَا. قَوْله: (إِذا تَلَاهَا) تبعها، يَعْنِي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا} (الشَّمْس: ٢) أَي: تبعها فَأخذ من ضوئها وَذَلِكَ فِي النّصْف الأول من الشَّهْر إِذا غربت الشَّمْس تَلَاهَا الْقَمَر طالعا. قَوْله: (وطحاها دحاها) أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها} (الشَّمْس: ٦) أَي: وَالَّذِي طحاها أَي: دحاها أَي: بسطها. يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته، ذكره الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} (النازعات: ٠٣) وَقَالَ فِي بَاب الطَّاء: طحوته مثل دحوته أَي: بسطته. قَوْله: (دساها أغواها) ، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) أَي: أغواها. أَي: خسرت نفس دساها الله فأخملها وخذلها، وَوضع مِنْهَا وأخفى محلهَا حَتَّى عملت بِالْفُجُورِ وَركبت الْمعاصِي، وَهَذَا كُله ثَبت للنسفي وَحده.

فَألْهَمَها: عَرَّقَها الشقَّاءَ وَالسَّعادَةَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فألهمها فجورها وتقواها} (الشَّمْس: ٨) أَي: فألهم النَّفس فجورها أَي شقاوتها وتقواها أَي: سعادتها. وَعَن ابْن عَبَّاس: بَين لَهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَعنهُ أَيْضا وَعلمهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي.

{وَلا يَخافُ عُقْباها} (الشَّمْس: ٥١) عُقْبَى أحَدٍ

قبلهَا قَوْله تَعَالَى: {فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عقباها} (الشَّمْس: ٤١، ٥١) قَالَ: فدمدم عَلَيْهِم، أَي: أهلكهم رَبهم بتكذيبهم رَسُوله وعقرهم نَاقَته. قَوْله: (فسواها) أَي: فسوى الدمدمة عَلَيْهِم جَمِيعًا وعمهم بهَا فَلم يُفلت مِنْهُم أحدا وَقَالَ المؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال. قَوْله: (وَلَا يخَاف عقباها) ، قَالَ: عُقبى أحد إِنَّمَا قَالَ عُقبى أحد مَعَ أَن الضَّمِير فِي عقباها مؤنث بِاعْتِبَار النَّفس وَهُوَ مؤنث، وَعبر عَن النَّفس بالأحد. وَفِي بعض النّسخ أَخذنَا بِالْخَاءِ والذال المعجمتين وَهُوَ معنى الدمدمة. أَي: الْهَلَاك الْعَام، وَقَالَ النَّسَفِيّ: عقباها عَاقبَتهَا، وَعَن الْحسن: لَا يخَاف الله من أحد تبعه فِي إهلاكهم، وَقيل: الضَّمِير يرجع إِلَى ثَمُود، وَعَن الضَّحَّاك وَالسُّديّ والكلبي: الضَّمِير فِي لَا يخَاف، يرجع إِلَى العاقر، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا انْبَعَثَ أشقاها وَلَا يخَاف عقابها، وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فَلَا يخَاف بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مصاحفهم وَالْبَاقُونَ بِالْوَاو، وَهَكَذَا فِي مصاحفهم.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: بِطَغْواها بِمعاصيها

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) وَقَالَ: (بمعاصيها) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد: بمعصيتها، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لم يبين مَا الْوَجْه بل الْوَجْه بِلَفْظ الْجمع وَلَا يخفى ذَلِك والطغوى والطغيان وَاحِد كِلَاهُمَا مصدران من طَغى.

٢٤٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثَنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَبْدُ الله ابنُ زَمْعَةَ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذَا انُبَعَثَ أشْقَاهَا) (الشَّمْس: ٢١) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءِ فَقَالَ يَعْمِدُ أحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُها مِن آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ

فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ.

مطابقته للسورة الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة. ووهيب: مصغر وهب ابْن خَالِد، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وبسكونها وبالعين الْمُهْملَة ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي صَحَابِيّ. مَشْهُور، وَأمه قريبَة أُخْت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَنهُ عُرْوَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِي مَجْمُوعَة فِي حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٣٧) عَن الْحميدِي بالقصة الأولى، وَذكر فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله بالقصة الثَّانِيَة، وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بالقصة الثَّالِثَة.

وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بالقصة الأولى وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهَذِهِ الْقِصَّة.

قَوْله: (وَذكر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فَخَطب وَذكر كَذَا وَكَذَا وَذكر النَّاقة، هَذَا هُوَ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَالَّذِي عقر) ، ذكره بِحَذْف مَفْعُوله وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف. قَوْله: (إِذا انْبَعَثَ أشقاها) (الشَّمْس: ٢١) يَعْنِي: قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ انْبَعَثَ لَهَا رجل أَي: قَامَ لَهَا أَي: للناقة (رجل عَزِيز) أَي: قَلِيل الْمثل. قَوْله: (عَارِم) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: جَبَّار صَعب شَدِيد مُفسد خَبِيث، وَقيل: جَاهِل شرس. قَوْله: (منيع) ، أَي: قوي ذُو مَنْعَة فِي رهطه أَي: فِي قومه. قَوْله: (مثل أبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود الْمَذْكُور جد عبد الله بن زَمعَة، وَكَانَ الْأسود أحد الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَمَات على كفره بِمَكَّة وَقتل ابْنه زَمعَة يَوْم بدر كَافِرًا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَبُو زَمعَة هَذَا يحْتَمل أَن يكون البلوي المبايع تَحت الشَّجَرَة، وَتُوفِّي بإفريقية فِي غَزْوَة ابْن خديج وَدفن بالبلوية بالقيروان. قَالَ: فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شبهه بعاقر النَّاقة فِي أَنه عَزِيز فِي قومه ومنيع على من يُريدهُ من الْكفَّار. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد غَيره مِمَّن يُسمى بِأبي زَمعَة من الْكفَّار. قَوْله: (وَذكر النِّسَاء) ، هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّانِي أَي: وَذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور النِّسَاء. قَوْله: (يعمد أحدكُم) ، بِكَسْر الْمِيم. أَي: يقْصد. قَوْله: (يجلد) ، ويروى: فيجلد أَي: فَيضْرب، يُقَال: جلدته بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط وَنَحْوهمَا إِذا ضَربته. قَوْله: (جلد العَبْد) أَي: كَجلْد العَبْد، وَفِيه الْوَصِيَّة بِالنسَاء والإحجام عَن ضربهن. قَوْله: (فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ الَّذِي يجلدها فِي أول الْيَوْم (يضاجعها) أَي: يَطَؤُهَا من آخر يَوْمه، وَكلمَة من هُنَا بِمَعْنى: فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (ثمَّ وعظهم) إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث أَي: ثمَّ وعظ الرِّجَال فِي ضحكهم من الضرطة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي ضحك بِالتَّنْوِينِ دون الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِيه الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون.

وَقَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ.

أَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة إِلَى آخر ذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (مثل أبي زَمعَة عَم الزبير بن الْعَوام) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة لَكِن لم يقل فِي آخِره عَم الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (عَم الزبير) بطرِيق تَنْزِيل ابْن الْعم منزلَة الْعم لِأَن الْأسود هُوَ ابْن الْمطلب بن أَسد وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، وَقَالَ الْكرْمَانِي أعلم أَن بَعضهم استدركوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: أَبُو زَمعَة لَيْسَ عَم الزبير

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ أَيْ: يُعَذَّبُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾؛ الْحَبِيبُ، ﴿الْمَجِيدُ﴾ الْكَرِيمُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قَالَ: الْوَدُودُ الْحَبِيبُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ يَقُولُ: الْكَرِيمُ.

٨٦ - سُورَةُ (الطَّارِقِ)

هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ. ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ لَحَقٌّ. لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافَظٌ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطَّارِقِ: هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ؛ لِلْمُوقِدِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ إِلَخْ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الثَّاقِبُ الْمُضِيءُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الثَّاقِبُ﴾ الَّذِي يَتَوَهَّجُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُوَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾؛ الثُّرَيَّا.

قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَذَاتِ الصَّدْعِ: الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قَالَ: يَعْنِي ذَاتِ السَّحَابِ تُمْطِرُ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ذَاتِ النَّبَاتِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الْمَطَرُ بَعْدَ الْمَطَرِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾؛ لَحَقٌّ) وَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ بِزِيَادَةٍ.

قَوْلُهُ: (﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ أَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ: لَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِ لَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا شَاهِدًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقُرِئَتْ لَمَّا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ: فَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ أَنْكَرَ التَّشْدِيدَ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِي الطَّارِقِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا، وَوَصَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

٨٧ - سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، (وَهَدَى) الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ

وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ. فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْأَعْلَى. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا) ثَبَتَ أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي أَوَّلِ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا: يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَذَفَ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى مُعْظَمِ السُّورَةِ. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ ﷺ مِنْ صُلْبِ الرِّوَايَةِ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ؟ وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ دُونَهُ؟ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يُتَرَضَّى عَنِ الصَّحَابِيِّ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ.

٨٨ - سُورَةُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ؛ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ. لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً: شَتْمًا. وَيُقَالُ الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبْرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ. بِمُسيْطِرٍ: بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِّ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِيَابَهُمْ؛ مَرْجِعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَاكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْغَاشِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغَاشِيَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: الْيَهُودَ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّهْبَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾؛ شَتْمًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَا تَسْمَعُ فِيهَا بَاطِلًا وَلَا مَأْثَمًا، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ تَسْمَعُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، وَقَرَأَهَا الْجَحْدَرِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ فَضَمَّا التَّحْتَانِيَّةَ، وَضَمَّ نَافِعٌ أَيْضًا لَكِنْ بِفَوْقَانِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ، تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ الضَّرِيعُ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَالشِّبْرِقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ

بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: هُوَ نَبْتٌ أَخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الضَّرِيعُ؛ الشِّبْرِقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الضَّرِيعُ شَجَرٌ مِنْ نَارٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْحِجَارَةُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الضَّرِيعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّارِعِ وَهُوَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ السُّلَّا؛ بِضَمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَهُوَ شَوْكُ النَّخْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا إِلَّا مُبَيْطِرٍ؛ أَيْ بِالْمُوَحَّدَةِ، قَالَ: لَمْ نَجِدْ لَهُمَا ثَالِثًا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ زِيَادَاتٍ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ السَّطْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا هُوَ فِيهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ) قُلْتُ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالسِّينِ وَهِيَ قِرَاءَةُ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾؛ مَرْجِعَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلْ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

٨٩ - سُورَةُ (الْفَجْرِ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ يَعْنِي الْقَدِيمَةَ. وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ. ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ. وَجَمًّا: الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ: اللَّهُ ﵎. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ. الْمُطَمْئِنَةُ: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَه اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعُ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ: يَقْطَعُهَا. لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْفَجْرِ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يَعْنِي: الْقَدِيمَة، وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِرَمَ الْقَدِيمَةِ، وَذَاتُ الْعِمَادِ: أَهْلُ عِمَادٍ لَا يُقِيمُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: إِرَمُ؛ قَبِيلَةٌ مِنْ عَادٍ، قَالَ: وَالْعِمَادُ؛ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ، انْتَهَى. وَإِرَمُ هُوَ ابْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادُ ابْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ. وَقِيلَ: إِرَمُ اسْمُ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَادِ شِدَّةُ أَبْدَانِهِمْ وَإِفْرَاطُ طُولِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّخْرَةَ فَيَحْمِلُهَا عَلَى كَاهِلِهِ فَيُلْقِيهَا عَلَى أَيِّ حَيٍّ أَرَادَ فَيُهْلِكُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِرَمُ اسْمُ أَبِيهِمْ.

وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِرَمُ أُمُّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ إِرَمَ قَبِيلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِرَمُ هِيَ دِمَشْقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: إِرَمُ الْأَرْضُ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْأرَمُ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ؛ أَيْ: هَلَكُوا. وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ قُرِئَتْ بِعَادٍ أَرَّمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالرَّاءُ ثَقِيلَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَذَاتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ؛ أَيْ أَهْلَكَ اللَّهُ ذَاتَ الْعِمَادِ، وَهُوَ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ.

وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ أَنَّ إِرَمَ اسْمُ الْقَبِيلَةِ وَهُمْ إِرَمُ بْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادٌ هُمْ بَنُو عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ، وَمُيِّزَتْ عَادٌ بِالْإِضَافَةِ لِإِرَمَ عَنْ عَادٍ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْقَافِ أَنَّ عَادًا قَبِيلَتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهَا صِفَةُ الْقَبِيلَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ الْقُوَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابًا قَدِيمًا: أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ، أَنَا الَّذِي رَفَعْتُ ذَاتَ الْعِمَادِ، أَنَا الَّذِي شَدَدْتُ بِذِرَاعِي بَطْنَ وَادٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحَارِي عَدَنَ، وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ فَذَكَرَ عَجَائِبَ مَا رَأَى فِيهَا، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ أَحْضَرَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَأَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ بَنَاهَا وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهَا أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، وَرَاوِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ لَا يُعْرَفُ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَا عُذِّبُوا بِهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ سَوْطُ عَذَابٍ. وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكْلا لَمًّا﴾: السَّفُّ، وَجَمًّا: الْكَثِيرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: السَّفُّ لَفُّ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا قَالَ: الْكَثِيرُ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى السَّفِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: هِيَ الصَّلَاةُ؛ بَعْضُهَا شَفْعٌ، وَبَعْضُهَا وَتْرٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ الْمُبْهَمُ فَاغْتَرَّ فَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ قَالَ: الْعَشْرُ: عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَجْرُ؛ فَجْرُ النَّهَارِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ: عَشْرُ الْأَضْحَى. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّفْعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ الْوَتْرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَهَا الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: جَرَى بِهِ الْكَلَامُ. لِأَنَّ السَّوْطَ أَصْلُ مَا كَانُوا يُعَذِّبُونَ بِهِ، فَجَرَى لِكُلِ عَذَابٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْغَايَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنَ الْمَرْصَدِ وَهُوَ مَكَانُ الرَّصْدِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمِرْصَادُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيِ الرَّاصِدِ، لَكِنْ أُتِيَ فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ الْبَاءُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَإِنْ سُمِعَ ذَلِكَ نَادِرًا فِي الشِّعْرِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَاضِحٌ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّكَلُّفِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بِمِرْصَادِ؛ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾: تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ بِالْأَلِفِ وَبِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ، وَمِثْلُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لَكِنْ بِغَيْرِ

أَلِفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَحَاضُّونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَالْكُلُّ صَوَابٌ. كَانُوا يَحَاضُّونَ: يُحَافِظُونَ، وَيَحُضُّونَ: يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، انْتَهَى. وَأَصْلُ تَحَاضُّونَ تَتَحَاضُّونَ؛ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِي يُكْرِمُونَ وَيَحُضُّونَ وَمَا بَعْدَهُمَا، وَبِمِثْلِ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ قَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَخَوَانِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فِيهَا وَفِي يُكْرِمُونَ فَقَطْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ وَشَيْبَةُ، لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفِ في يَحُضُّونَ.

قَوْلُهُ: (الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بِالْإِيمَانِ، الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ وَالْبَعْثِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُؤْمِنَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْه، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِالتَّأْنِيثِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَلِلْآخَرِ وَجْهٌ وَهُوَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الشَّخْصِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ عَنْهَا، أَمَرَ بِقَبْضِهَا فَأَدْخَلَهَا الْجَنَّةَ وَجَعَلَهَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا، وَإِسْنَادُ الِاطْمِئْنَانِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ إِيصَالِ الْخَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ، وَالْمُصَدِّقَةُ بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ. يَجُوبُ الْفَلَاةَ)؛ أَيْ: (يَقْطَعُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿جَابُوا﴾ الْبِلَادَ: نَقَبُوهَا، وَيَجُوبُ الْبِلَادَ يَدْخُلُ فِيهَا وَيَقْطَعُهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ فَرَّقُوهُ فَاتَّخَذُوهُ بُيُوتًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ نَقَبُوا الصَّخْرَ.

قَوْلُهُ: (لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾؛ كَثِيرًا شَدِيدًا.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي الْفَجْرِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قَالَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

٩٠ - سُورَةُ (لَا أُقْسِمُ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ. وَوَالِدٍ: آدَمَ وَمَا وَلَدَ. لُبَدًا: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ. مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ مِنَ التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ لَا أُقْسِمُ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْبَلَدِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَقُولُ: لَا تُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَزَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ فِيهِ مَا شَاءَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ

طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَاتِلَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالصِّيغَةُ لِلْوَقْتِ الْحَاضِر وَالْمُرَادُ الْآتِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْفَتْحُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمُ وَمَا وَلَدَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَمَعِيشَةٌ فِي نَكَدٍ وَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فِي وِلَادَتِهِ وَنَبْتِ أَسْنَانِهِ وَسَرَرِهِ وَخِتَانِهِ وَمَعِيشَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِهَذَا، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدَّدَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَحْدَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ. وَالنَّجْدَيْنِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: سَبِيلُ الْخَيْرِ وَسَبِيلُ الشَّرِّ، يَقُولُ: عَرَفْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النَّجْدَيْنِ سَبِيلُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ جُوعٍ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذِي مَجَاعَةٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: الْمَطْرُوحُ فِي التُّرَابِ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَطْرُوحُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَفِي لَفْظٍ: الْمَتْرَبَةُ الَّذِي لَا يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لِلنَّارِ عَقَبَةٌ دُونَ الْجَنَّةِ، ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إِلَخْ) بِلَفْظِ الْأَصْلِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ، ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قَدْ لَزِقَ بِالتُّرَابِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ إِطْعَامُ الْمُؤْمِنِ السَّغْبَانِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ فَكَّ وَأَطْعَمَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ فَكُ بِضَمِ الْكَافِ وَالْإِضَافَةِ وَإِطْعَامٌ عَطْفًا عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ الْهَمْزَةِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ أَوْ فُكَّ الرَّقَبَةَ. قَالَ: أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

٩١ - سُورَةُ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحَاهَا؛ ضَوْءُهَا. إِذَا تَلَاهَا: تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا. فَأَلْهَمَهَا: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَغْوَاهَا؛ بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(((٨٧))) (سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) ثبت (١): «سورة الأعلى» لأبي ذرٍّ وهي (٢) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.

ومعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزِّه ربَّك ﴿الْأَعْلَى﴾ عمَّا يصفُه الملحدون، فالاسمُ صلة، وبهِ يحتجُّ من جعلَ (٣) الاسمَ والمسمَّى (٤) واحدًا؛ لأنَّ أحدًا لا يقولُ: سبحان اسم اللهِ بل سبحانَ الله، وقال قومٌ: أي: نزِّه تسميةَ ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرِه محتَرِمٌ، فجعلوا الاسم بمعنى التَّسمية، فكما أنَّه يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن سوءِ الأدبِ، وقد سبقَ في أوَّل هذا المجموعِ مزيدٌ لذلك [خ¦٢ - ١]، والله الموفِّق. (٥) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ والسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لمَرَاتِعِهَا) وصلهُ الطَّبريُّ (٦)، وثبت للنَّسفيِّ وحدَه.

٤٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بنِ عثمَان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمانُ بنُ جَبَلة (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ

البَرَاءِ) بنِ عازبٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (١) ﷺ) المدينةَ من المهاجرينِ (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا، وضمُّ ميم «مُصعب» (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عَمرو بنُ قيسٍ العامريُّ (فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ) أي: ما نزلَ منه (ثُمَّ جَاءَ) المدينةَ أيضًا (عَمَّارٌ) يعني: ابنَ ياسرٍ (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَسَعْدٌ) يعني: ابن أبي وقَّاص (ثُمَّ جَاءَ) أيضًا (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (فِي) جملةِ (عِشْرِينَ) من الصَّحابة، ذكر منهم ابنُ إسحاق: زيدَ بنَ الخطَّاب، وسعيدَ بنَ زيد بنِ عَمرو، وعمرًا وعبدَ الله ابنَي سُرَاقة، وخُنيسَ بنَ حذافةَ، وواقدَ بنَ عبد الله، وخَوْليَّ بنَ أبي خَوْليٍّ وأخاه هِلالًا، وعيَّاشَ بنَ أبي ربيعة، وخالدًا وإياسًا وعامرًا بني البُكَير، وهم الثَّلاثة عشر، فلعلَّ الباقي كانُوا أتباعًا لهُم (ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ) أي: كفرحِهم بهِ، فهو نصب بنزع الخافضِ (حَتَّى رَأَيْتُ الوَلَائِدَ) جمع: وليدَةٍ، الصَّبيَّة والأمَة (وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ جَاءَ) حذفت التَّصلية لأبي ذرٍّ. قال: لأنَّ الصَّلاة عليه إنَّما كانَ ابتداءُ مشروعيَّتها في السَّنة الخامسة من الهِجرة. والظَّاهر إلى أنَّه يشيرُ إلى آيةِ الأمرِ بها، وهذا غيرُ متَّجه؛ لأنَّه قد وردَ في حديثِ الإسراءِ ذكر الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، والإسراءُ كان بمكَّة، فلا وجهَ للإنكارِ. قال البَراء: (فَمَا جَاءَ) ﵊ المدينَة (حَتَّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ (٢) مِثْلِهَا) وزادَ (٣) في «الهجرة»: من المفصَّل [خ¦٣٩٢٥]. وثبتَ لفظُ: «مثلِهَا» لأبي ذرٍّ (٤).

(((٨٨))) (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ (١) وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقط له «﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» ولغيره البسملة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] النَّصَارَى) وزاد ابنُ أبي حاتمٍ: واليهود. والثَّعلبي: والرُّهبان. يعني: أنَّهم عمِلوا ونصبوا في الدِّين على غيرِ دينِ الإسلامِ فلا يقبلُ منهم، وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ في النَّار، كجرِّ السَّلاسل وخوضِها في النَّار خوضَ الإبلِ في الوحلِ، والصُّعود والهُبوط في تلالِها ووهادِهَا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بَلَغَ إِنَاهَا) بكسر الهمزة وبعد النون ألف غير مهموز، وقتها في الحرِّ، فلو وقعَتْ منها قطرةٌ على جبالِ الدُّنيا لذابَتْ، وقال أبو ذرٍّ: «إناهَا حينها». (وَحَانَ شُرْبُهَا ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] بَلَغَ إِنَاهُ) أي: حانَ (﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا﴾) أي: الجنَّة (٢) (﴿لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]) أي: (شَتْمًا) ولا غيره من الباطلِ.

(الضَّرِيعُ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال: الضَّريع» (نَبْتٌ) له شوكٌ (يُقَالَ لَهُ: الشِّبْرِقُ) بكسر المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة (تُسَمِّيهِ أَهْلُ الحِجَازِ: الضَّرِيعَ؛ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَمٌّ) لا تقربه دابَّةٌ لخبثِه.

(﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]) أي: (بِمُسَلَّطٍ) فتقتلهم وتكرههم على الإيمانِ، وهذا منسوخٌ بآيةِ القتالِ. (وَيُقْرَأُ) ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (بِالصَّادِ وَالسِّينِ) وهذه قراءةُ هشامٍ، وهي على الأصلِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ المنذِر في قولهِ: (﴿إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] مَرْجِعَهُمْ) بعدَ الموتِ.

(((٨٩))) (سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسعٌ وعشرون، وثبت: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الوَتْرُ: اللهُ) لانفرادهِ بالألوهيَّة، وحذف ما بعد «مجاهد» لأبي ذرٍّ.

(﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]) أي: (القَدِيمَةِ) يعني: عادًا الأولى، ولأبي ذرٍّ: «يعني: القديمَة» وفي «اليونينية»: «(إِرْمَ ذَاتِ)» بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورُويَتْ عن الضَّحَّاك، لكن بفتح الهمزة، وأصله: أرِم، على وزن فعِل كفَخِذ، فخُفِّف (١) (وَالعِمَادُ) رَفْعٌ مبتدأ خبره: (أَهْلُ عَمُودٍ) أي: خيامٍ (لَا يُقِيمُونَ) في بلدٍ، وكانوا سيَّارة ينتجعون الغيثَ، وينتقلُون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابنِ عبَّاس: إنَّما قيل لهم: ذات العمادِ لطولِهم، واختارَ الأوَّل ابن جريرٍ، وردَّ الثَّاني. قال ابنُ كثيرٍ: فأصابَ، وحينئذٍ فالضَّمير يعودُ على القبيلةِ. قال: وأمَّا ما ذكرهُ جماعةٌ من المفسِّرين عندَ هذهِ الآية من ذكر مدينةٍ يقالُ لها: إرمَ ذاتِ العِماد، مبنيَّة بلبن الذَّهب والفضَّة، وأنَّ حصباءَهَا (٢) لآلئُ وجواهِر، وترابها بنادقُ المِسك … إلى غير ذلك من الأوصافِ، وأنَّها تنتقلُ فتارةً تكون بالشَّام وتارةً باليمنِ، وأخرى بغيرهما من الأرضِ؛ فمن خرافاتِ الإسرائيليين،

وليس لذلك حقيقة، وأمَّا ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ وهب بنِ منبِّه عن عبدِ الله بنِ (١) قِلابَة في (٢) هذه القصَّة أيضًا وذكر عجائبهَا؛ فقال في «الفتح»: فيها ألفاظٌ منكرةٌ، وراويها عبدُ الله بنُ (٣) قلابَة لا يُعرف، وفي إسنادهِ ابنُ لهيعة، ومثله ما يخبرُ به كثيرٌ من الكَذَبة المتحيِّلين من وجودِ مطالب تحت الأرضِ بها قناطيرُ الذَّهب والفضَّة والجواهرُ واليواقيتُ واللآلئُ والإكسِيرُ، لكن عليها موانعُ تمنعُ من الوصولِ إليها، فيحتالونَ على أموالِ ضعفةِ العقولِ والسُّفهاء فيأكلونَها بحجَّةِ صرفِها في بخوراتٍ ونحوها من الهذياناتِ (٤)، وتراهُم ينفقُون على حفرهَا (٥) الأموالَ الجَزْيلة، ويبلغونَ في العمقِ غايةً، ولا (٦) يظهرُ لهم إلَّا التُّراب والحَجر الكدَّان، فيفتقرُ الرَّجل منهم، وهو مع ذلك لا يزدادُ إلَّا طلبًا حتَّى يموتَ.

(﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «الَّذين» (عُذِّبُوا بِهِ) وعن قتادَة -ممَّا (٧) رواه ابنُ أبي حاتمٍ-: كلُّ شيءٍ عذِّب بهِ فهو سوط عذابٍ.

(﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] السَّفُّ) من سففتُ الأكلَ أسفُّه سفًّا.

(وَ ﴿جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] الكَثِيرُ) أي: يحبُّون جمعَ المالِ، وسقط «واو» و ﴿جَمًّا﴾ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] (كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) تعالى (فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ) أي: للأرضِ، كالذَّكر والأنثَى (الوَتْرُ) بفتح الواو وتكسر: هو (اللهُ ﵎ وسبق [خ¦٦٠/ ١ م-٥١٢٠].

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ

فِيهِ السَّوْطُ) قاله الفرَّاء.

(﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إِلَيْهِ المَصِيرُ) وقال ابنُ عبَّاس: بحيثُ يسمعُ ويرى، وقيل: يرصدُ أعمالَ بني آدمَ لا يفوتهُ (١) شيءٌ منها.

(﴿تَحَاضُّونَ﴾ [الفجر: ١٨]) بفتح التاء والحاء فألف، وبها قرأ الكوفيُّون، أي: (تُحَافِظُونَ، وَ ﴿تَحَاضُّونَ﴾) بغير ألفٍ (تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) المساكين.

(﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) هي (المُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) وهي الثَّابتة على الإيمان (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] (٢) إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ (٣) قَبْضَهَا؛ اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا) إسنادُ الاطمئنانِ إلى الله مجازٌ يرادُ بهِ لازمه وغايتهُ، من نحو إيصالِ الخيرِ، وفيه المشاكَلة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «واطمأنَّ إليه» بتذكيرِ الضَّمير، أي: إلى الشَّخص (وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِي اللهُ عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عنه» (فَأَمَرَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأمر» (بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي أيضًا: «وأدخلَه» (اللهُ الجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وقال ابنُ (٤) عطاء: النَّفس المطمئنَّة هي العارفةُ بالله، الَّتي لا تصبرُ عن الله طرفةَ عينٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ الحسنِ: (﴿جَابُوا﴾ [الفجر: ٩]) أي: (نَقَبُوا) بالتَّخفيف، أي: نقبوا الصَّخر (٥) وأصلُ الجيبِ القَطع، مأخوذٌ (مِنْ جِيْبَ القَمِيصُ) إذا (٦) (قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ) وكذلك قولهم: فلانٌ (يَجُوبُ الفَلَاةَ) أي: (يَقْطَعُهَا) وجَيْبِ: بفتح الجيم وجر الموحدة بمن، والقَميصِ: خفض، وبكسر الجيم ونصب الموحدة، والقميصُ: رفع، وسقط لفظ «من» لأبي ذرٍّ (٧).

(﴿لَّمًّا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] (لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ: أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) قالَه أبو عُبيدة، وسبق معناهُ، وسقَطَ لأبي ذرٍّ.

(((٩٠))) (﴿لَا أُقْسِمُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها عشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مكَّة» (لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ) أي: أنتَ على الخصوصِ تستحلُّه دون غيركَ لجلالةِ شأنك، كما جاء [خ¦٤٣١٣] «لم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولَا تحلُّ لأحدٍ بعدِي» وأنت على هذا من بابِ التَّقديم للاختصاصِ؛ نحو: أنا عرفتُ. قال الواحديُّ: إنَّ الله تعالى لمَّا ذكرَ القَسم بمكَّة دلَّ ذلك على عظمِ قدرهَا مع كونها حرامًا، فوعدَ نبيَّه ﷺ أن يحلَّها له يقاتلُ فيها، وأن (١) يفتحَها على يدهِ ويكون فيها حلًّا، والجملةُ اعتراضٌ بين المقسم بهِ وما عطف عليه.

(﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]) أي: من الأنبياءِ والصَّالحين من ذرِّيَّتهِ؛ لأنَّ الكافر وإن كان من ذرِّيَّته لكن لا حرمةَ لهُ (٢) حتَّى يقسمَ بهِ، أو المرادُ بـ ﴿وَوَالِدٍ﴾ إبراهيمُ، وبـ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ محمَّد ﷺ، و ﴿مَا﴾ بمعنى مَن. قال (٣) في «الأنوار»: وإيثارُ ﴿مَا﴾ على «مَن» لمعنى التَّعجب؛ كما في قولهِ تعالى: ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].

(﴿لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦]) بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذرٍّ، جمع: لُبْدَة، كغُرْفَة وغُرَف، وهي قراءة العامَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿لُّبَدًا﴾» بكسر اللام، أي: (كَثِيرًا) من تلبَّد الشَّيء؛ إذا اجتمعَ.

(وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾) هُما (الخَيْرُ وَالشَّرُّ) قال الزَّجاجُ: النَّجدان الطَّريقان الواضحان، والنَّجد المرتفعُ من

الأرضِ، والمعنى: ألم نبيِّن لهُ طريقَي الخيرِ والشَّرِّ؟ وقال ابنُ عبَّاس: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ (١) الثَّديين، وهما ممَّا تقسِم بهِ العرب، تقول: أمَا ونجديهَا ما فعلتُ، تريد: ثديي المرأة؛ لأنَّهما كالنَّجدينِ للبطنِ.

(﴿مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) أي: (مَجَاعَةٍ) والسَّغَب: الجُوع.

(﴿مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]) ولأبي ذرٍّ برفع الثَّلاثة، أي: (السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) ليس له بيتٌ لفقرِه.

(يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ) فلَم يجاوزهَا (فِي الدُّنْيَا) ليأمن (ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾) أي: أعلمكَ (﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]) الَّتي يقتحمهَا، وبيَّن سببَ جوازها بقوله: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]) برفع الكاف على إضمارِ مبتدأ، أي: هو فكُّ، وخفض ﴿رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، من الرِّق بإعتاقها (﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم ﴿إِطْعَامٌ﴾ منوَّنًا، وقراءةُ ابن كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ: ﴿فَكُّ﴾ بفتح الكاف فعلًا ماضيًا، ﴿رَقَبَةٍ﴾ نصب، ﴿إِطْعَامٌ﴾ فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) مجاعةٍ، وهذا تنبيهٌ على أنَّ النَّفس لا توافقُ صاحبهَا في الإنفاقِ لوجهِ الله تعالى ألبتَّة، فلا بدَّ من التَّكلُّف وحمل المشقَّة على النَّفس، والَّذي يوافقُ النَّفس هو الافتخارُ والمراءاة، فكأنَّه تعالى ذكر هذا المثل بإزاءِ ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦] والمرادُ بيان الإنفاقِ المفيد، وأن ذلك الإنفاق مضرٌّ. قاله صاحبُ «الفرائد» فيما حكاهُ في «فتوح الغيب».

(﴿فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) أي: (شِدَّةٍ) أي: شدَّة (٢) خلق، وقال ابنُ عبَّاس: في نَصَبٍ، وقيل: شدَّة مكايد مصائبِ الدُّنيا وشدائد الآخرة، وهذا ثابتٌ للنَّسفي وحدَه (٣).

(((٩١))) (سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس عشرة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٤٩٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ أوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أصْحَابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلالٌ وَسَعْدٌ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ ثُمَّ جَاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا رأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الوَلائِدَ وَالصُّبْيَانَ يَقُولُونَ هَذَا رَسُولُ الله قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: {سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأعْلَى} (الْأَعْلَى: ١) فِي سُوَرٍ مِثْلِها.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَاب مقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) هُوَ عَمْرو بن قيس الْقرشِي العامري، وَاسم أم مَكْتُوم عَاتِكَة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَوْله: (فِي عشْرين) ، أَي: فِي جملَة عشْرين صحابيا. قَوْله: (الولائد) ، جمع وليدة وَهِي الصبية وَالْأمة. قَوْله: (يَقُولُونَ، هَذَا رَسُول الله) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ إِنَّمَا شرعت فِي السّنة الْخَامِسَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا} (الْأَحْزَاب: ٦٥) وَهَذِه الْآيَة فِي الْأَحْزَاب ونزولها فِي السّنة الْخَامِسَة على الصَّحِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا مَانع أَن تتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة. قلت: الْمَانِع مَوْجُود لعدم الْعلم بتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة، وَأَيْضًا من أَيْن علمُوا أَن الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا بُد مِنْهَا على أَي وَجه كَانَت وقتئذ، وَأَيْضًا من قَالَ إِن لفظ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلب الرِّوَايَة من لفظ الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون صدر ذَلِك مِمَّن دونه، وَقَالَ بَعضهم: وَقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُ ينْدب أَن يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: مَذْهَب الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَنه تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ كلما ذكر اسْمه. قَوْله: (فِي سُورَة مثلهَا) ، أَي: قَرَأت {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} مَعَ سور أُخْرَى مثلهَا، وَقد مر فِي رِوَايَة الْهِجْرَة فِي سور من الْمفصل.

٨٨ - (سُورَةُ: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {هَل أَتَاك} (الغاشية: ١) وَفِي بعض النّسخ: {هَل أَتَاك} فَقَط. وَفِي بَعْضهَا: سُورَة {هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية} وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الغاشية، وَهِي مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَاحِد وَثَلَاثُونَ حرفا. وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ كلمة. وست وَعِشْرُونَ آيَة. والغاشية اسْم من أَسمَاء يَوْم الْقِيَامَة. يَعْنِي: تغشي كل شَيْء بالأهوال قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الغاشية النَّار، دَلِيله قَوْله تَعَالَى: {وتغشى وُجُوههم النَّار} (إِبْرَاهِيم: ٥) .

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} (الغاشية: ٢، ٣) النَّصَارَى

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة ناصبة} وَفسّر عاملة وناصبة بالنصارى، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) لم أر من ذكره عَن ابْن عَبَّاس. قلت: عدم رُؤْيَته إِيَّاه لَا يسْتَلْزم عدمهَا مُطلقًا وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق شبيب ابْن بشر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد الْيَهُود. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة خاشعة: ذليلة، وَقيل: خاشعة فِي النَّار. قَوْله: (عاملة) ، يَعْنِي: فِي النَّار. و (ناصبة) فِيهَا وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير لم تعْمل لله فِي الدُّنْيَا فاعملها وانصبها فِي النَّار بمعالجة السلَاسِل والأغلال، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: تكبرت فِي الدُّنْيَا عَن طَاعَة الله تَعَالَى فاعملها وانصبها فِي النَّار، وَعَن الضَّحَّاك يكلفون ارتقاء جبل من حَدِيد فِي النَّار، وَالنّصب الدأب فِي الْعَمَل، وَعَن عِكْرِمَة: عاملة فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ناصبة فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَزيد بن أسلم: هم الرهبان وَأَصْحَاب الصوامع، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُجَاهِد: عين آنِية بلغ إتاها وحان شربهَا. حميم آنٍ بلغ إناه أَي وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {تسقى من عين آنِية) بقوله بلغ إناها بِكَسْر الْهمزَة، أَي وَقتهَا. يُقَال أَنى بِأَنِّي أنيا،

أَي: حَان. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنِّي الْحَمِيم أَي: انْتهى حره، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {حميم آن} (الرَّحْمَن: ٤٤) قَوْله: وحان أدْرك شربهَا، وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا ظَنك بِقوم قَامُوا لله عز وَجل على أَقْدَامهم مِقْدَار خمسين ألف سنة لم يَأْكُلُوا فِيهَا أَكلَة وَلم يشْربُوا فِيهَا شربة، حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا فاحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد أَتَى حرهَا وَاشْتَدَّ نضجها، وَعَن قَتَادَة أَي: طبخها مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَقَالَ مقَاتل: عين آنِية تخرج من أصل جبل طولهَا مسيرَة سبعين عَاما أسود كدردي الزَّيْت كدر غليظ كثير الدعاميص يسْقِيه إِيَّاه الْملك فِي إِنَاء من حَدِيد من نَار إِذا جعله على فِيهِ أحرق شدقيه وتناثرت أنيابه وأضراسه، فَإِذا بلغ صَدره نضج قلبه، فَإِذا بلغ بَطْنه ذاب كَمَا يذوب الرصاص. قلت: الدعاميص جمع دعموص، وَهِي دويبة تكون فِي مستنقع المَاء، وَهُوَ بِالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ.

{لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً} (الغاشية: ١١) شَتْما

أَي: لَا تسمعه فِي الْجنَّة لاغية، وَفَسرهُ بقوله: (شتما) وَقيل: كلمة لَغْو، واللاغية مصدر كالعافية، وَالْمعْنَى: لَا تسمع فِيهَا كذبا وبهتانا وَكفرا. وَقيل: بَاطِلا. وَقيل: مَعْصِيّة. وَقيل: حَالفا بِيَمِين برة وَلَا فاجرة، وَقيل: لَا تسمع فِي كَلَامهم كلمة تلغى لِأَن أهل الْجنَّة لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بالحكمة، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: تسمع، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، ولاغية بِالرَّفْع، وَنَافِع كَذَلِك إلَاّ أَنه قَرَأَ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالْبَاقُونَ بِفَتْح التَّاء ولاغية بِالنّصب.

وَيُقالُ: الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أهْلُ الحجازِ الضَّرِيعُ إذَا يَبِسَ وَهُوَ سَمٌّ.

الْقَائِل هُوَ الْفراء. قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع} (الغاشية: ٦، ٧) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ الْمُشْركُونَ: إِن إبلنا لتسمن على الضريع فَأنْزل الله تَعَالَى: {لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع} (الغاشية: ٧) وكذبوا فَإِن الْإِبِل إِنَّمَا ترعاه إِذا كَانَ رطبا. فَإِذا يبس فَلَا تَأْكُله، ورطبه يُسمى شبرقا بِالْكَسْرِ لَا ضريعا فَإِن قلت: كَيفَ قيل: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} (الغاشية: ٦) وَفِي الحاقة: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) قلت: الْعَذَاب ألوان والمعذبون طَبَقَات فَمنهمْ: أَكلَة الزقوم، وَمِنْهُم أَكلَة الغسلين، وَمِنْهُم: أَكلَة الضريع. وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الضريع شجر من نَار، وَقَالَ الْخَلِيل هُوَ نبت أَخْضَر منتن الرّيح يرْمى بِهِ فِي الْبَحْر.

بِمُسَيْطِرٍ: بِمُسَلِطٍ وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لست عَلَيْهِم بمسيطر} (الغاشية: ٢٢) وَفسّر: المسيطر بالمسلط. قَوْله: (وَيقْرَأ بالصَّاد وَالسِّين) ، قَرَأَ عَاصِم: بمسيطر بِالسِّين، وَحَمْزَة بِخِلَاف عَن خَلاد بَين الصَّاد وَالزَّاي، وَالْبَاقُونَ بالصَّاد الْخَالِصَة بمصيطر.

إيَابَهُمْ مَرْجِعَهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن إِلَيْنَا إيابهم} (الغاشية: ٥٢) أَي: مرجعهم، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.

٩٨ - (سُورَةُ: {وَالفَجْرِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْفجْر وَهِي مَكِّيَّة. وَقيل: مَدَنِيَّة حَكَاهُ ابْن النَّقِيب عَن ابْن أبي طَلْحَة، وَهِي خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَمِائَة وتسع وَثَلَاثُونَ كلمة وَثَلَاثُونَ آيَة. الْفجْر قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي النَّهَار كُله، وَعنهُ: صَلَاة الْفجْر، وَعنهُ فجر الْمحرم، وَعَن قَتَادَة: أول يَوْم من الْمحرم وَفِيه تنفجر السّنة، وَعَن الضَّحَّاك فجر ذِي الْحجَّة، وَعَن مقَاتل: غَدَاة جمع كل سنة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: انفجار الصُّبْح من كل يَوْم إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْفجْر الصخور والعيون تنفجر بالمياه، وَالله أعلم.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: الوِتْرُ الله

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشفع وَالْوتر} (الْفجْر: ٣) الْوتر: هُوَ الله عز وَجل، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: الشفع الزَّوْج، وَالْوتر هُوَ الله عز وَجل، وَعند عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: الشفع يَوْم النَّحْر وَالْوتر يَوْم عَرَفَة، وَعَن قَتَادَة: من الصَّلَاة شفع وَمِنْهَا وتر، وَقَالَ الْحسن: من الْعدَد شفع وَمِنْه وتر، ويروى: الشفع آدم وحواء

عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَالْوتر هُوَ الله تَعَالَى، وَقِرَاءَة الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْبَصْرَة وَبَعض الْكُوفِيّين بِفَتْح الْوَاو هِيَ لُغَة أهل الْحجاز، وَعَامة قراء الْكُوفَة بِكَسْرِهَا.

{إرَمَ ذَاتِ العِمادِ} (الْفجْر: ٧) القَدِيمَةِ وَالعِمَادُ أهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم ذَات الْعِمَاد} (الْفجْر: ٦، ٧) قَوْله: (إرم) ، عطف بَيَان لعاد، وَكَانَت عَاد قبيلتين عَاد الأولى وَعَاد الْأَخِيرَة، وأشير إِلَى عَاد الأولى بقوله الْقَدِيمَة، وَقيل: لعقب عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عا، كَمَا يُقَال لبني هَاشم، وارم تَسْمِيَة لَهُم باسم جدهم وهم عَاد الأولى، وَقيل: لمن بعدهمْ، عَاد الْأَخِيرَة، وإرم غير منصرف، قَبيلَة كَانَت أَو أَرضًا للتعريف والتأنيث، وَاخْتلف فِي إرم ذَات الْعِمَاد فَقيل: دمشق. قَالَه سعيد بن الْمسيب، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: هِيَ الاسكندرية، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ أمة وَمَعْنَاهَا الْقَدِيمَة، وَعَن قَتَادَة: هِيَ قَبيلَة من عَاد، وَعَن ابْن إِسْحَاق: هِيَ جد عَاد، وَالصَّوَاب أَنَّهَا اسْم قَبيلَة أَو بَلْدَة. قَوْله: (ذَات الْعِمَاد) ، ذَات الطول والشدة وَالْقُوَّة، وَعَن الْمِقْدَام عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر إرم ذَات الْعِمَاد فَقَالَ: كَانَ الرجل مِنْهُم يَأْتِي الصَّخْرَة فيحملها على الْحَيّ فيهلكهم، وَعَن الْكَلْبِيّ: كَانَ طول الرجل مِنْهُم أَرْبَعمِائَة ذِرَاع. وَعَن مقَاتل: طول أحدهم إثنا عشر ذِرَاعا فِي السَّمَاء مثل أعظم أسطوانة، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) طول أحدهم مائَة ذِرَاعا وأقصرهم اثْنَا عشر ذِرَاعا. قَوْله: (والعماد) ، مُبْتَدأ أَو و (أهل عَمُود) خَبره. أَي: أهل خيام لَا يُقِيمُونَ فِي بَلْدَة وَحَاصِل الْمَعْنى أَنه قيل لَهُم ذَات الْعِمَاد لأَنهم كَانُوا أهل عَمُود لَا يُقِيمُونَ. وَكَانُوا سيارة ينتجعون الْغَيْث وينتقلون إِلَى الكلاء حَيْثُ كَانَ ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع، وَكَانُوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كَانَت بوادي الْقرى، وَقيل: سموا ذَات الْعِمَاد لبِنَاء بناه شَدَّاد بن عَاد وحكايته مَشْهُورَة فِي التفاسير.

سَوْطَ عَذَابٍ: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب} (الْفجْر: ٣١) وَفسّر: (سَوط عَذَاب) بقوله: (الَّذِي عذبُوا بِهِ) فَقيل: هُوَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب لكل نوع من الْعَذَاب يدْخل فِيهِ السَّوْط، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة: كل شَيْء عذب بِهِ سَوط عَذَاب.

أكْلاً لَمَّا: السَّفُّ. وَجَمّا: الكَثِيرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وتأكلوا التراث أكلا لمّا وتحبون المَال حبا جما} (الْفجْر: ٩١، ٠٢) قَوْله: (التراث) ، أَي: تراث الْيَتَامَى أَي: ميراثهم. قَوْله: (لمّا) ، فسره بقوله: (السف) من سففت الْأكل أسفه سفّا. وَيُقَال أَيْضا سففت الدَّوَاء أسفة، وأسففت غَيْرِي وَهُوَ السفوف بِالْفَتْح. وسففت المَاء إِذا أكثرت من شربه من غير أَن تروى. وَقَالَ الْحسن: يَأْكُل نصِيبه وَنصِيب غَيره، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أكلا لمّا: ذَا لم وَهُوَ الْجمع بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَعَن بكر بن عبد الله اللم الاعتداء فِي الْمِيرَاث يَأْكُل كل شَيْء يجده وَلَا يسْأَل عَنهُ أحلال أم حرَام، وَيَأْكُل الَّذِي لَهُ وَلغيره، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان، وَقيل: يَأْكُلُون مَا جمعه الْمَيِّت من الْمظْلمَة وَهُوَ عَالم بذلك فيلم فِي الْأكل من حَلَاله وَحَرَامه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: لممت مَا على الخوان إِذا أتيت مَا عَلَيْهِ وأكلته كُله أجمع. قَوْله: (وجما الْكثير) ، أَي: معنى قَوْله: (حبا جما) ، أَي: كثيرا شَدِيدا مَعَ الْحِرْص، والشره عَلَيْهِ وَمنع الْحُقُوق يُقَال: جم المَاء فِي الْحَوْض إِذا كثر وَاجْتمعَ.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ السماءُ شَفْعٌ وَالوِتْرُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّفْع وَالْوتر} (الْفجْر: ٣) وَالْبَاقِي ظَاهر فَإِن قلت السَّمَاء وتر لِأَنَّهُ سبع قلت مَعْنَاهُ السَّمَاء شفع الأَرْض كالحار والبارد وَالذكر وَالْأُنْثَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ.

أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب} وَقد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن، وَلَو ذكر هَذَا عِنْد قَوْله: {سَوط عَذَاب} الَّذِي عذبُوا بِهِ لَكَانَ أولى وأرتب.

لَبِالْمِرْصَادِ إلَيْهِ المَصِيرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن رَبك لبالمرصاد} (الْفجْر: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: إِلَيْهِ الْمصير، وَكَذَا فسره الْفراء، والمرصاد على وزن مفعال،

وَقَالَ بَعضهم: مفعال من مرصد وَهُوَ مَكَان الرصد. قلت: هَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ يَد فِي علم التصريف، بل المرصاد هُوَ المرصد وَلَكِن فِيهِ من الْمُبَالغَة مَا لَيْسَ فِي المرصد، وَهُوَ مفعال من رضده كميقات من وقته، وَهَذَا مثل لإرصاده العصاة بِالْعَذَابِ وَأَنَّهُمْ لَا يفوتونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِحَيْثُ يرى وَيسمع، وَعَن مقَاتل: يرصد النَّاس على الصِّرَاط فَيجْعَل: رصدا من الْمَلَائِكَة مَعَهم الكلاليب والمحاجن والحسك.

تحاضُّونَ: تُحافِظُونَ. وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإطْعَامِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يحضون على طَعَام الْمِسْكِين} (الْفجْر: ٨١) وَهنا قراءتان إِحْدَاهمَا: تحاضون بِالْألف وَهِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة. وَالْأُخْرَى: تحضون، بِلَا ألف وَهِي قِرَاءَة البَاقِينَ، وَعَن الْكسَائي تحاضون بِالضَّمِّ، وَفسّر الَّذِي بِلَا ألف بقوله: تأمرون بإطعامه أَي: إطْعَام مِسْكين.

المُطْمَئِنَةُ المُصَدِّقَةُ بِالثَّوابِ، وَقَالَ الحَسَنُ: يَا أيَّتُها النَّفْسُ إذَا أرَادَ الله عَزَّ وَجَلَّ قَبْضَها اطمآنتْ إلَى الله وَاطمَآنَّ الله إلَيْها وَرَضِيَتْ عَنِ الله وَرَضِيَ الله عَنْها فَأمرَ بِقَبْضِ رُوحها وأدْخَلَها الله الجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك} (الْفجْر: ٧٢) بقوله: (المصدقة بالثواب) وَقيل: المطمئنة إِلَى مَا وعد الله المصدقة بِمَا قَالَ، وَعَن ابْن كيسَان: المطمئنة المخلصة، وَعَن ابْن عَطاء: العارفة بِاللَّه تَعَالَى الَّتِي لَا تصبر عَنهُ طرفَة عين، وَقيل: المطمئنة بِذكر الله دَلِيله قَوْله تَعَالَى: {وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله} (الرَّعْد: ٨٢) وَقيل: المتوكلة على الله. قَوْله: (وَقَالَ الْحسن) أَي: الْبَصْرِيّ فِي قَوْله عز وَجل: (يَا أيتها النَّفس) إِلَى آخِره وتأنيث الضمائر فِيهِ فِي الْمَوَاضِع السَّبْعَة ظَاهر لِأَنَّهَا ترجع إِلَى النَّفس. وَفِي قَوْله: (وَجعله بالتذكير) بِاعْتِبَار الشَّخْص، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بالتأنيث فِي ثَلَاث مَوَاضِع فَقَط، وَهِي قَوْله: وَاطْمَأَنَّ الله إِلَيْهَا، وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأدخلها الله الْجنَّة. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حَفْص عَنهُ، وَإِسْنَاده الاطمئنان إِلَى الله تَعَالَى مجَاز يُرِيد بِهِ لَازمه وغايته من نَحْو إِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ وَفِيه المشاكلة، والرضى هُوَ ترك الِاعْتِرَاض.

وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا نَقَبُوا مِنْ جَيْبِ القَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ يَجُوبُ الفلاة يَقْطَعُها

أَي: قَالَ غير الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: {وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد} (الْفجْر: ٩) وَفسّر: (جابوا) بقوله: (نقبوا) . قَوْله: (من جيب الْقَمِيص) أَشَارَ إِلَى أَن أصل الجيب الْقطع، وَمِنْه يُقَال: جبت الْقَمِيص إِذا قطعت لَهُ جيبا وَكَذَلِكَ يجوب الفلاة أَي: يقطعهَا. وَقَالَ الْفراء جابوا الصخر: خرقوه فاتخذوه بُيُوتًا.

لَمَّا: لَمْمتُهُ أجْمَعَ أتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ

لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وسقوطه أولى لِأَنَّهُ مُكَرر ذكر مرّة عَن قريب، وَمَعَ هَذَا لَو ذكر هُنَاكَ لَكَانَ أولى.

٠٩ - (سُورةُ: {لَا أُقْسِمُ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد} (الْبَلَد: ١) وَيُقَال لَهَا أَيْضا: سُورَة الْبَلَد، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَلَاثمِائَة وعشرو حرفا، وَاثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ كلمة وَعِشْرُونَ آيَة.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهاذا البَلَدِ} (الْبَلَد: ٢) مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ

مِنَ الإثْمِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد} (الْبَلَد: ١، ٢) هِيَ: مَكَّة، ويروى: بِمَكَّة، وَمعنى: حل أَنْت يَا مُحَمَّد حَلَال بِهَذَا الْبَلَد فِي الْمُسْتَقْبل تصنع فِيهِ مَا تُرِيدُ من الْقَتْل والأسر وَذَلِكَ أَن الله عز وَجل أحل لنَبيه يَوْم الْفَتْح حَتَّى قتل من قتل وَأخذ مَا شَاءَ وَحرم مَا شَاءَ، فَقتل ابْن خطل وَأَصْحَابه وَحرم دَار أبي سُفْيَان. وَقَالَ الوَاسِطِيّ: المُرَاد الْمَدِينَة حَكَاهُ فِي (الشِّفَاء) وَالْأول أصح لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وروى قَول مُجَاهِد: (وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد) مَكَّة الْحَنْظَلِي عَن أَحْمد بن سِنَان الوَاسِطِيّ حَدثنَا ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد، وَقَالَهُ أَيْضا عَطاء وَقَتَادَة وَابْن زيد، وروى قَوْله: (لَيْسَ على النَّاس من الْإِثْم) الطَّبَرِيّ عَن ابْن حميد: حَدثنَا مهْرَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَنهُ، وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو عَاصِم حَدثنَا عِيسَى عَن وَرْقَاء عَن ابْن ابْن نجيح عَنهُ

وَوَالِد: آدَمَ وَمَا وَلَدَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ووالد وَمَا ولد} (الْبَلَد: ٣) وَفسّر ذَلِك بقوله آدم وَمَا ولد أَي: آدم وَأَوْلَاده، وَقيل: إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ من نَسْله، وَعَن عِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير الْوَالِد الَّذِي يُولد لَهُ وَمَا ولد العاقر الَّذِي لَا يُولد لَهُ. وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وعَلى هَذَا يكون: مَا، نفيا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَهُوَ بعيد وَلَا يَصح إلَاّ بإضمار، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس، ووالد وَولده.

لِبَدا: كَثِيرا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى يَقُول: {أهلكت مَالا لبدا} (الْبَلَد: ٦) وَفسّر: (لبدا) بقوله: (كثيرا) . قَوْله: (يَقُول) ، أَي: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أهلكت أنفقت مَالا لبدا أَي مَالا كثيرا بعضه على بعض فِي عَدَاوَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واللبد من التلبيد وَهُوَ كَون الشَّيْء بعضه على بعض، وَمِنْه اللبد، وقرىء بتَشْديد الْبَاء وتخفيفها.

وَالنَّجْدَيْنِ: الخَيْرُ وَالشّرُّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهديناه النجدين} (الْبَلَد: ٠١) يَعْنِي: سَبِيل الْخَيْر وسبيل الشَّرّ، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَأكْثر الْمُفَسّرين على هَذَا، وَعَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: النجدين الثديين وَإِلَيْهِ ذهب سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك، والنجد فِي الأَصْل الطَّرِيق فِي ارْتِفَاع.

مَسْغَبَة: مَجَاعَةٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة} (الْبَلَد: ٤١) أَي: مجاعَة.

مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة} (الْبَلَد: ٦١) وَفَسرهُ بقوله: (السَّاقِط فِي التُّرَاب) وروى ابْن عُيَيْنَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَينه وَبَين الأَرْض شَيْء، وروى الْحَاكِم من طَرِيق حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْمَطْرُوح الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيت.

يُقَالُ {فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةِ

فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: {وَمَا أدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} جملَة مُعْتَرضَة، وَمعنى فك رَقَبَة: أعتق رَقَبَة كَانَت فداءه من النَّار. وَعَن عِكْرِمَة فك رَقَبَة من الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: (أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة) (الْبَلَد: ٢١، ٤١) .

لما ذكر المسغبة والمتربة شرع فِي بَيَان مَا يفعل بِذِي مسبغة وبذي مَتْرَبَة، فَقَالَ فَلَا اقتحم الْعقبَة فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: فَلم يُجَاوز هَذَا الْإِنْسَان الْعقبَة فِي الدُّنْيَا فَيَأْمَن، والاقتحام الدُّخُول والمجاوزة بِشدَّة ومشقة، ثمَّ عظم أَمر الْعقبَة فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَمَا أَرَاك مَا الْعقبَة) وكل شَيْء قَالَ: وَمَا أَدْرَاك، فَإِنَّهُ أخبرهُ بِهِ وَمَا قَالَ: وَمَا يدْريك فَإِنَّهُ لم يُخبرهُ بِهِ ثمَّ فسر الْعقبَة بقوله: (فك رَقَبَة) إِلَى قَوْله: (مَتْرَبَة) وَشبه عظم الذُّنُوب وثقلها على مرتكبها بعقبة فَإِذا أعتق رَقَبَة وَعمل عملا صَالحا كَانَ مثله مثل من اقتحم الْعقبَة الَّتِي هِيَ الذُّنُوب حَتَّى تذْهب وتذوب كمن يقتحم عقبَة فيستوي عَلَيْهَا ويجوزها، وَذكر عَن ابْن عمر: أَن هَذِه الْعقبَة جبل فِي جَهَنَّم، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة، هِيَ عقبَة فِي النَّار دون الجسر فاقتحموها بِطَاعَة الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك والكلبي، هِيَ الصِّرَاط يضْرب على جَهَنَّم كَحَد السَّيْف مسيرَة ثَلَاثَة آلَاف سنة سهلاً وصعودا وهبوطا وَأَن بجنبيه كلاليب وَخطأ طيف كشوك السعدان، وَعَن كَعْب: هِيَ سَبْعُونَ دركة فِي جَهَنَّم. قَوْله: (فك رَقَبَة) بَدَلا من اقتحم الْعقبَة أَو إطْعَام عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة) ، (الْبَلَد: ٢١) مجاعَة يَتِيما ذَا مقربة أَي: ذَا قرَابَة {ومسكينا ذَا مَتْرَبَة} قد لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر فَلَيْسَ لَهُ مأوى إِلَّا التُّرَاب، والمسبغة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إِذا جَاع، وَقرب فِي النّسَب، وترب إِذا افْتقر، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: فك، بِفَتْح الْكَاف وَأطْعم بِفَتْح الْمِيم على الْفِعْل كَقَوْلِه: ثمَّ كَانَ وَالْبَاقُونَ بِالْإِضَافَة على الِاسْم.

١٩ - (سُورَةُ: {وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا} (الشَّمْس: ١)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة وَخمْس عشرَة آيَة.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحاها ضَوْءَها إذَا تَلاهَا تَبِعَها. وَطحاها دَحَاها دَسَّاهَا أغْوَاهَا.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} أَي: (ضوءها) يَعْنِي: إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار وَالضُّحَى فَوق ذَلِك، وَعَن قَتَادَة: هُوَ النَّهَار كُله، وَقَالَ مقَاتل: حرهَا. قَوْله: (إِذا تَلَاهَا) تبعها، يَعْنِي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا} (الشَّمْس: ٢) أَي: تبعها فَأخذ من ضوئها وَذَلِكَ فِي النّصْف الأول من الشَّهْر إِذا غربت الشَّمْس تَلَاهَا الْقَمَر طالعا. قَوْله: (وطحاها دحاها) أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها} (الشَّمْس: ٦) أَي: وَالَّذِي طحاها أَي: دحاها أَي: بسطها. يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته، ذكره الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} (النازعات: ٠٣) وَقَالَ فِي بَاب الطَّاء: طحوته مثل دحوته أَي: بسطته. قَوْله: (دساها أغواها) ، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) أَي: أغواها. أَي: خسرت نفس دساها الله فأخملها وخذلها، وَوضع مِنْهَا وأخفى محلهَا حَتَّى عملت بِالْفُجُورِ وَركبت الْمعاصِي، وَهَذَا كُله ثَبت للنسفي وَحده.

فَألْهَمَها: عَرَّقَها الشقَّاءَ وَالسَّعادَةَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فألهمها فجورها وتقواها} (الشَّمْس: ٨) أَي: فألهم النَّفس فجورها أَي شقاوتها وتقواها أَي: سعادتها. وَعَن ابْن عَبَّاس: بَين لَهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَعنهُ أَيْضا وَعلمهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي.

{وَلا يَخافُ عُقْباها} (الشَّمْس: ٥١) عُقْبَى أحَدٍ

قبلهَا قَوْله تَعَالَى: {فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عقباها} (الشَّمْس: ٤١، ٥١) قَالَ: فدمدم عَلَيْهِم، أَي: أهلكهم رَبهم بتكذيبهم رَسُوله وعقرهم نَاقَته. قَوْله: (فسواها) أَي: فسوى الدمدمة عَلَيْهِم جَمِيعًا وعمهم بهَا فَلم يُفلت مِنْهُم أحدا وَقَالَ المؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال. قَوْله: (وَلَا يخَاف عقباها) ، قَالَ: عُقبى أحد إِنَّمَا قَالَ عُقبى أحد مَعَ أَن الضَّمِير فِي عقباها مؤنث بِاعْتِبَار النَّفس وَهُوَ مؤنث، وَعبر عَن النَّفس بالأحد. وَفِي بعض النّسخ أَخذنَا بِالْخَاءِ والذال المعجمتين وَهُوَ معنى الدمدمة. أَي: الْهَلَاك الْعَام، وَقَالَ النَّسَفِيّ: عقباها عَاقبَتهَا، وَعَن الْحسن: لَا يخَاف الله من أحد تبعه فِي إهلاكهم، وَقيل: الضَّمِير يرجع إِلَى ثَمُود، وَعَن الضَّحَّاك وَالسُّديّ والكلبي: الضَّمِير فِي لَا يخَاف، يرجع إِلَى العاقر، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا انْبَعَثَ أشقاها وَلَا يخَاف عقابها، وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فَلَا يخَاف بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مصاحفهم وَالْبَاقُونَ بِالْوَاو، وَهَكَذَا فِي مصاحفهم.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: بِطَغْواها بِمعاصيها

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) وَقَالَ: (بمعاصيها) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد: بمعصيتها، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لم يبين مَا الْوَجْه بل الْوَجْه بِلَفْظ الْجمع وَلَا يخفى ذَلِك والطغوى والطغيان وَاحِد كِلَاهُمَا مصدران من طَغى.

٢٤٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثَنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَبْدُ الله ابنُ زَمْعَةَ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذَا انُبَعَثَ أشْقَاهَا) (الشَّمْس: ٢١) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءِ فَقَالَ يَعْمِدُ أحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُها مِن آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ

فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ.

مطابقته للسورة الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة. ووهيب: مصغر وهب ابْن خَالِد، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وبسكونها وبالعين الْمُهْملَة ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي صَحَابِيّ. مَشْهُور، وَأمه قريبَة أُخْت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَنهُ عُرْوَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِي مَجْمُوعَة فِي حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٣٧) عَن الْحميدِي بالقصة الأولى، وَذكر فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله بالقصة الثَّانِيَة، وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بالقصة الثَّالِثَة.

وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بالقصة الأولى وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهَذِهِ الْقِصَّة.

قَوْله: (وَذكر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فَخَطب وَذكر كَذَا وَكَذَا وَذكر النَّاقة، هَذَا هُوَ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَالَّذِي عقر) ، ذكره بِحَذْف مَفْعُوله وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف. قَوْله: (إِذا انْبَعَثَ أشقاها) (الشَّمْس: ٢١) يَعْنِي: قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ انْبَعَثَ لَهَا رجل أَي: قَامَ لَهَا أَي: للناقة (رجل عَزِيز) أَي: قَلِيل الْمثل. قَوْله: (عَارِم) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: جَبَّار صَعب شَدِيد مُفسد خَبِيث، وَقيل: جَاهِل شرس. قَوْله: (منيع) ، أَي: قوي ذُو مَنْعَة فِي رهطه أَي: فِي قومه. قَوْله: (مثل أبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود الْمَذْكُور جد عبد الله بن زَمعَة، وَكَانَ الْأسود أحد الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَمَات على كفره بِمَكَّة وَقتل ابْنه زَمعَة يَوْم بدر كَافِرًا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَبُو زَمعَة هَذَا يحْتَمل أَن يكون البلوي المبايع تَحت الشَّجَرَة، وَتُوفِّي بإفريقية فِي غَزْوَة ابْن خديج وَدفن بالبلوية بالقيروان. قَالَ: فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شبهه بعاقر النَّاقة فِي أَنه عَزِيز فِي قومه ومنيع على من يُريدهُ من الْكفَّار. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد غَيره مِمَّن يُسمى بِأبي زَمعَة من الْكفَّار. قَوْله: (وَذكر النِّسَاء) ، هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّانِي أَي: وَذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور النِّسَاء. قَوْله: (يعمد أحدكُم) ، بِكَسْر الْمِيم. أَي: يقْصد. قَوْله: (يجلد) ، ويروى: فيجلد أَي: فَيضْرب، يُقَال: جلدته بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط وَنَحْوهمَا إِذا ضَربته. قَوْله: (جلد العَبْد) أَي: كَجلْد العَبْد، وَفِيه الْوَصِيَّة بِالنسَاء والإحجام عَن ضربهن. قَوْله: (فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ الَّذِي يجلدها فِي أول الْيَوْم (يضاجعها) أَي: يَطَؤُهَا من آخر يَوْمه، وَكلمَة من هُنَا بِمَعْنى: فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (ثمَّ وعظهم) إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث أَي: ثمَّ وعظ الرِّجَال فِي ضحكهم من الضرطة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي ضحك بِالتَّنْوِينِ دون الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِيه الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون.

وَقَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ.

أَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة إِلَى آخر ذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (مثل أبي زَمعَة عَم الزبير بن الْعَوام) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة لَكِن لم يقل فِي آخِره عَم الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (عَم الزبير) بطرِيق تَنْزِيل ابْن الْعم منزلَة الْعم لِأَن الْأسود هُوَ ابْن الْمطلب بن أَسد وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، وَقَالَ الْكرْمَانِي أعلم أَن بَعضهم استدركوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: أَبُو زَمعَة لَيْسَ عَم الزبير

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.4 / 29.5
الإضاءة 48%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56