«لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4772

الحديث رقم 4772 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة القصص.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ…

«لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ،

⦗١١٣⦘

وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾».

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ، ﴿فَارِغًا﴾ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ: أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ، وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا، ﴿يَبْطِشُ﴾: وَيَبْطُشُ، ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشَاوَرُونَ، الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ، ﴿آنَسَ﴾ أَبْصَرَ، الْجِذْوَةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ، وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ، وَالْحَيَّاتُ: أَجْنَاسٌ: الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ، ﴿رِدْءًا﴾ مُعِينًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَنَشُدُّ﴾ سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا، مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ، ﴿وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ، ﴿يُجْبَى﴾ يُجْلَبُ، ﴿بَطِرَتْ﴾ أَشِرَتْ، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، ﴿تُكِنُّ﴾ تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾ مِثْلُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ.

سند حديث: ٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ…

طَلَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن عمِّه أبي طالب وهو في سكرات الموت أن ينطق بلا إله إلا الله ليشْفَع له بها يوم القيامة، ويشهد له بالإسلام،
فأبى أن ينطق بالشَّهادة خوفًا مِن أن تَسُبَّه قريش وتقول عنه: إنَّه أسلَم بسبب الخوف مِن الموت والضَّعْف!
فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لولا ذلك لَأدخلت السّرور على قلبك بقول الشَّهادة، وأبلغتك أُمنيتك حتى ترضى!
فأنزل الله تعالى الآية التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية التوفيق للإسلام، بل الله عز وجل وحده يُوفِّق من يشاء.
وأن النبي عليه الصلاة والسلام يهدي الخلق بالدلالة والبيان والإرشاد والدعوة إلى الصراط المستقيم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحق لا يُترك خوفًا من كلام الناس.
  • النبي صلى الله عليه وسلم إنما يملك هداية الدلالة والإرشاد لا هداية التوفيق.
  • مشروعية زيارة الكافر المريض لدعوته إلى الإسلام.
  • حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الله تعالى في كل الأحوال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.

١ - بَاب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ، ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ، ﴿فَارِغًا﴾ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ، وَعَنْ اجْتِنَابٍ أَيْضًا، وَيَبْطِشُ وَيَبْطُشُ،

﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشَاوَرُونَ، الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ، ﴿آنَسَ﴾ أَبْصَرَ، الْجِذْوَةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ، وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ، وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ، ﴿رِدْءًا﴾ مُعِينًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَنَشُدُّ﴾ سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُضا، مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ، ﴿وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ، ﴿يُجْبَى﴾ يُجْلَبُ، ﴿بَطِرَتْ﴾ أَشِرَتْ، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، ﴿تَكُنْ﴾ تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمُتَعَلِّقِ: أَحْبَبْتَ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ، وَقِيلَ: أَحْبَبْتَهُ هُوَ لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ: حَضَرَتْ عَلَامَاتُ الْوَفَاةِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ انْتَهَى إِلَى الْمُعَايَنَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ لَوْ آمَنَ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتَهَى إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَكِنْ رَجَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَلَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِخُصُوصِهِ وَتَسُوغُ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِمَكَانِهِ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ: أُجَادِلُ لَكَ بِهَا وَأَشْفَعُ لَكَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَيُؤَيِّدُ الْخُصُوصِيَّةَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ مِنَ

الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَقَالَ هُوَ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ الشَّفَاعَةَ لَهُ، بَلْ شَفَعَ لَهُ حَتَّى خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَيَّبُ حَضَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَيْضًا، وَكَانَ الثَّلَاثَةُ يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا، فَمَاتَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى كُفْرِهِ وَأَسْلَمَ الْآخَرَانِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ فَمَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُسَيَّبَ عَلَى قَوْلِ مُصْعَبٍ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَعَلَى قَوْلِ الْعَسْكَرِيِّ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَأَيًّا مَا كَانَ فَلَمْ يَشْهَدْ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ هُوَ وَخَدِيجَةُ فِي أَيَّامٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ نَحْوَ الْخَمْسِينَ انْتَهَى. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُسَيَّبِ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَمَا شَهِدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَجَبٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلُ كَيْفَ يَعْزُو كَوْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ وَيَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي هَذَا الصَّحِيحِ الَّذِي شَرَحَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا.

قَوْلُهُ: (أَيْ عَمِّ) أَمَّا أَيْ فَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ نِدَاءٍ، وَأَمَّا عَمِّ فَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا.

قَوْلُهُ: (كَلِمَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ الِاخْتِصَاصِ. وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قَوْلُهُ: (أُحَاجَّ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الْمُحَاجَّةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحُجَّةِ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَقُلْ أُحَاجَّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْجَنَائِزِ: أَشْهَدُ بَدَلَ: أُحَاجَّ، وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: أُجَادِلُ عَنْكَ بِهَا، زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَيْ عَمِّ، إِنَّكَ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ حَقًّا، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، فَقُلْ كَلِمَةً تَجِبُ لِي بِهَا الشَّفَاعَةُ فِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ يَعْرِضُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: فَقَالَ: لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا.

قَوْلُهُ: (وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ) أَيْ وَيُعِيدَانِهِ إِلَى الْكُفْرِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَانَ قَارَبَ أَنْ يَقُولَهَا فَيَرُدَّانِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ: الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: كَذَا فِي الْأُصُولِ وَعِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَكَرَّرَهَا عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَيُعِيدَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَالْمُرَادُ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ وَرَفِيقُهُ لَهُ: تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَنَا فَغَيَّرَهَا الرَّاوِي أَنَفَةً أَنْ يَحْكِيَ كَلَامَ أَبِي طَالِبٍ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفْظِ الْمَذْكُورِ؛ وَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْحَسَنَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مِلَّةُ الْأَشْيَاخِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ عَارٌ لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَلَ، وَضَبْطُ جَزَعُ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هُوَ تَأْكِيدٌ مِنَ الرَّاوِي فِي نَفْيِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ سَمَاعِهِ ذَلِكَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ إطْلَاعُهُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ وَالْمُسَامَحَةُ بِذَنْبِ الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا

الْمُرَادُ تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَنْهُ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

قُلْتُ: وَهِيَ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لِأَبِي طَالِبٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ لَمْ تَرِدْ، وَطَلَبُهَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اقْتِدَاءً بِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَ نَسْخُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَاضِحًا.

قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لِأَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ نَبِيُّنَا لِعَمِّهِ، فَنَزَلَتْ: وَهَذَا فِيهِ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى قَبْرَ أُمِّهِ لَمَّا اعْتَمَرَ فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَكَرُّرِ النُّزُولِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْنَاهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكَى، فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ أُمِّي، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَأَنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَفِيهِ: نَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى رَسْمَ قَبْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ وَقَفَ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ حَتَّى سَخِنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ: لَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ عُسْفَانَ، وَفِيهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَأْخِيرِ نُزُولِ الْآيَةِ عَنْ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ شُجَّ وَجْهُهُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ خَاصًّا بِالْأَحْيَاءِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ تَأَخَّرَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا تَقَدَّمَ، وَيَكُونُ لِنُزُولِهَا سَبَبَانِ: مُتَقَدِّمٌ وَهُوَ أَمْرُ أَبِي طَالِبٍ، وَمُتَأَخِّرٌ وَهُوَ أَمْرُ آمِنَةَ.

وَيُؤَيِّدُ تَأْخِيرَ النُّزُولِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ مِنَ اسْتِغْفَارِهِ ﷺ لِلْمُنَافِقِينَ حَتَّى نَزَلَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ النُّزُولِ وَإِنْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ وَفِي غَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ وَحْدَهُ، وَيُؤَيِّدُ تَعَدُّدَ السَّبَبِ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ. . . الْآيَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ أَلَا نَسْتَغْفِرُ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَنَزَلَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرْنَا لَهُ أَنَّ رِجَالًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِذَا خُتِمَ عُمْرُهُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَارَنَ نُطْقُ لِسَانِهِ عَقْدَ قَلْبِهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهَ تَعَالَى، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَصَلَ إِلَى حَدِّ انْقِطَاعِ الْأَمَلِ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَجَزَ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ وَرَدِّ الْجَوَابِ وَهُوَ وَقْتُ الْمُعَايَنَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ: ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ وَالْعَدَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَمْدُودٌ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ وَهُوَ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَالْعَدْوُ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَالْعَدْوُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزَة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ) المسيَِّب بنِ حَزْن، له ولأبيه صحبةٌ، عاش إلى خلافة عثمانَ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علامتُها بعد المعاينة (١) وعدم الانتفاع بالإيمان لو آمن (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهِ أَبَا جَهْلٍ) هو ابنُ هشام (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي (٢) أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ) أخا أمِّ سلمةَ، أسلمَ عامَ الفتحِ كالمسيِّب، فلم يشهدْ وفاةَ أبي طالب، فالحديثُ مرسلُ صحابيٍّ، كذا (٣) قرَّرَه الكِرمانيُّ (٤)، وردَّه الحافظ ابن حجر: بأنَّه لا يلزمُ مِن تأخُّر إسلامه عدمُ حضورِه وفاةَ أبي طالبٍ، كما شهدها عبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّة وهو كافر ثمَّ أسلم، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ حضورَ عبدِ الله ابنِ أبي أُميَّة ثبتَ في الصحيحِ، ولم يثبُت حضورُ المسيَّب لا في الصحيح ولا في غيرِه، وبالاحتمالِ لا يُرَدُّ على كلامٍ بغيرِ احتمال، وأجاب في «انتقاض الاعتراض» فقال: هذا كلامٌ عجيبٌ، إنَّما يتوجَّه الرَّدُّ على مَن قال جازمًا: إنَّ المسيَّب لم يحضرْها، ولم يَذْكُر مستندًا إلَّا أنَّه كان كافرًا، والكافر (٥)

لا يمتنعُ أن يشهدَ وفاة كافرٍ، فتوجَّه الرَّدُّ على الجزمِ، ويؤيِّدُه: أنَّ عنعنةَ الصَّحابيِّ محمولةٌ على السماع، إلَّا إذا ذَكَرَ (١) قصَّة ما أدركها؛ كحديث عائشةَ عن قِصَّة المبعث النبويِّ؛ فتلك الروايةُ تُسَمَّى مرسلَ صحابيٍّ، وأمَّا لو أخبر عن قِصَّةٍ أدركَها ولم يصرِّح فيها بالسماع ولا المشاهدة؛ فإنَّها محمولةٌ على السماع، وهذا شأنُ حديثِ المسيَّب، فهذا الذي يمشي على الاصطلاح الحديثيِّ، وأمَّا الدفع بالصدر فلا يعجز عنه أحدٌ (٢) لكنَّه لا يُجدي شيئًا. انتهى. (فَقَالَ) ﷺ لأبي طالب: (أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل، ويجوزُ الرفعُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشدَّدة مضمومة في الفرع، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وفي بعض النسخ: فتح الجيم، على الجزمِ جوابُ الأمرِ (٣)، والتَّقديرُ: إن تقلْ؛ أُحاجَّ، وهو مِنَ المحاججة (٤) مفاعلة من الحُجَّة، وعند الطبريِّ من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهريِّ قال: «أي عم؛ إنَّك أعظمُ الناس عليَّ حقًّا وأحسنُهم عندي يدًا، فقُل كلمةً تجب لي بها الشفاعةُ فيك يومَ القيامة» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) لأبي طالبٍ: (أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟) يقال: رَغِبَ عنِ الشيء؛ إذا لم يُرِدْهُ، ورَغِب فيه؛ إذا أراده (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا) أي: كلمةَ الإخلاص (٥) (عَلَيْهِ) على عمِّه أبي طالب (وَيُعِيدَانِهِ) بضمِّ أوَّله، والضميرُ المنصوب لأبي طالبٍ (بِتِلْكَ المَقَالَةِ) وهو قولهما: «أترغب» … وكأنَّه كان قد قارب أن يقولَها فيرُدَّانه، وقال البِرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: صوابه: ويعيدان له تلك المقالة، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضاق عطنه -يعني: الزَّركشيِّ- عن توجيه اللفظ على الصِّحَّة فجزم بخطئه، ويمكن أن يكون ضمير النصب مِن قوله: «ويعيدانه» ليس عائدًا على أبي طالب، وإنَّما هو عائدٌ على الكلام بتلك المقالة، ويكون «بتلك المقالة» ظرفًا مستقرًّا منصوبَ المحلِّ على الحال مِن ضمير النصب العائدِ على الكلام، والباءُ للمصاحبة، أي: يعيدان الكلامَ في حالة كونِهِ متلبِّسًا بتلك المقالة، وإن بنينا على جواز إعمال ضمير المصدر، كما ذهب إليه بعضهم في مثل: «مروري بزيدٍ حسنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ»؛ فالأمرُ

واضحٌ؛ وذلك بأن يُجعلَ ضميرُ الغَيبة عائدًا على التكلُّمِ (١) المفهومِ مِن السياق، والباء متعلِّقةٌ بنفس الضمير العائدِ عليه، أي: ويعيدان التكلُّمَ بتلك المقالة.

(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ) نُصِبَ على الظرفيَّة (مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٠] هو على مِلَّة عبد المطلب، وأراد نفسه، أو قال: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فغيَّرها الراوي أنفةً أن يحكي كلامه؛ استقباحًا للتلفُّظ به (وَأَبَى) امتنع (أَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال في «الفتح»: هو تأكيدٌ مِنَ الراوي في نفيِ وقوعِ ذلك من أبي طالب.

(قَالَ) المسيَّب: (فقَالَ (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر الخليلُ لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (٣)) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: ما ينبغي لهم (﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾) زاد في نسخة (٤): «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾» [التوبة: ١١٣] الآيةَ (٥)، خبرٌ بمعنى النهي.

واستُشكل هذا بأنَّ وفاة أبي طالب وقعت قبل الهجرة بمكَّة بغير خلاف، وقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ أتى قبر أُمِّه لمَّا اعتمر فاستأذن ربَّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعودٍ، والطبرانيُّ عن ابن عبَّاس، وفي ذلك دلالة على تأخُّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصلُ عدمُ تكرار النزول، وأُجيب باحتمال تأخُّر نزول الآية وإن كان سببها تقدَّم، أو يكون لنزولها سببان؛ متقدِّمٌ وهو أمرُ أبي طالبٍ، ومتأخِّرٌ وهو أمر آمنةَ، ويؤيِّدُ تأخُّرَ النزول ما في سورة براءة مِنِ استغفاره ﵊ للمنافقين حتى نزل النهي عنه، قاله في «الفتح» قال: ويُرشِدُ إلى ذلك قولُه: (وَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ففيه إشعارٌ بأنَّ الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيرِه، والثانية نزلت فيه وحدَه.

وقد مرَّ الحديث في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٦٠].

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في (﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾) من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] (لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وروي عنه: أنَّه كان يحملُ مفاتح (١) قارون أربعون رجلًا أقوى ما يكون من الرجال، وروي عن ابن عبَّاس أيضًا حمل المفاتح على (٢) نفس المال، فقال: كانت خزائنُه يحملُها أربعونَ رجلًا (٣) أقوياء.

(﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦]) أي: (لَتُثْقِلُ) يُقال: ناء به الحملُ حتى (٤) أثقلَه وأمالَه، أي: لَتُثقِلُ المفاتحُ العصبةَ، والباء في ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعديةِ كالهمزة.

(﴿فَارِغًا﴾) في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: خاليًا من كلِّ شيءٍ (إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى) وقال البيضاويُّ -كالزمخشريِّ-: صِفْرًا مِنَ العقل؛ لِمَا دهمها مِنَ الخوف والحيرة حين سمعتْ بوقوعه في يد فرعون.

(﴿الْفَرِحِينَ﴾) في قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه أي: (المَرِحِينَ) وقال مجاهد: يعني: الأَشِرِينَ البَطِرِينَ، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، فالفرح بالدنيا مذمومٌ مطلقًا؛ لأنَّه نتيجة حُبِّها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإنَّ العِلْمَ بأنَّ ما فيها مِنَ اللَّذَّة مفارِقٌ (٥) لا محالةَ يُوجِبُ الترح، وما أحسن قول المتنبي:

أشدُّ الغَمِّ عندي في سرورٍ … تيقَّنَ عنهُ صاحبُه انتقالا

(﴿قُصِّيهِ﴾) في قوله حكايةً عن أم موسى: ﴿وَقَالَتْ (٦) لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: (اتَّبِعِي أَثَرَهُ) حتى تعلَمِي خبرَه، وكانت أختُه لأبيه وأَمِّه، واسمُها مريم (وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الكَلَامَ) كما في قوله تعالى: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: ١٣]) وقَصَّ الرؤيا؛ إذا أَخبَرَ بها.

(﴿عَن جُنُبٍ﴾) في قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي: أبصرت (١) أخت موسى موسى (٢) مستخفيةً كائنةً (عَنْ بُعْدٍ) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: عن مكانٍ بعيدٍ، وقال أبو عمرو بن العلاء أي: عن شوقٍ، وهي لغةُ جُذام، يقولون: جنبت إليك، أي: اشتقت، وقوله: (عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ) أي: في معنى البُعد (وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا) وقُرئ قولُه: ﴿عَن جُنُبٍ﴾ بفتح الجيم وسكون النون، وبفتحهما، وبضمِّ الجيم وسكون النون، وعن جانب، وكلُّها شاذَّةٌ، والمعنى واحدٌ.

(نَبْطِشُ) بالنون وكسر الطاء (وَنَبْطُشُ) بضمِّ الطاء لغتان، ومرادُه الإشارةُ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ﴾ [القصص: ١٩] لكن الآية بالياء، وكذا وقع في بعض نسخ «البخاري»، بل هو الذي في «اليونينيَّة»، وبالنون فيهما في فرعها (٣)، والضَّمُّ قراءةُ أبي جعفرٍ، والكسر قراءة الباقين.

(﴿يَأْتَمِرُونَ﴾) في قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: (يَتَشَاوَرُونَ) بسببك، قال في «الأنوار»: وإنَّما سُمِّيَ التشاورُ ائتمارًا؛ لأنَّ كُلًّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «قال ابن عبَّاس: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ … » إلى هنا.

(العُدْوَانُ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] معناه (وَالعَدَاءُ) بالفتح والتخفيف، وفي «الناصريَّة»: بضمِّ العين وكسرها، ولم يضبطها في الفرع كأصله و «آل ملك» (٤) (وَالتَّعَدِّي) بالتشديد (وَاحِدٌ) في معنى التجاوز عن الحق (٥).

(﴿آنَسَ﴾) بالمدِّ في قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: (أَبْصَرَ) من الجهة التي تلي الطور نارًا، وكان في البريَّة في ليلة مظلمةٍ.

(الجَُِذْوَةُ) في قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] هي (قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ) أي: في رأسها نارٌ (لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ) قال ابن مُقبِل:

باتتْ حواطبُ ليلى يَلْتمِسْنَ لها … جَزْلَ الجِذا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ الخوَّار: الذي يتقصَّف، والدَّعِرُ: الذي فيه لهب، وقد ورد ما يقتضي وجودَ اللهَب فيه، قال الشاعر:

وألقى على قبسٍ من النارِ جَِذوةً … شديدًا عليها حِميُها والتهابُها

وقيل: الجَِذوة: العودُ الغليظ، سواء كان في رأسه نارٌ أو لم يكن، وليس المرادُ هنا إلَّا ما في رأسه نارٌ، كما في الآية: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] (وَالشِّهَابُ) المذكور في النمل في قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] هو ما (فِيهِ لَهَبٌ) وذُكِر (١) تتميمًا للفائدة.

(وَالحَيَّاتُ) جمع: حيَّةٍ، يُشير إلى قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ يعني: فألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢)﴾ [طه: ٢٠] وأنها (أَجْنَاسٌ: الجَانُّ) كما في قوله هنا: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١] (وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ) وكذا الثُّعبانُ في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ولم يذكره المؤلِّف، وقد قيل: إنَّ موسى ﵇ لمَّا ألقى العصا؛ انقلبتْ حيَّةً صفراءَ بِغِلَظِ العَصا، ثمَّ تورَّمتْ وعظُمَتْ؛ فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا إلى المبدأ (٣)، وثعبانًا مرَّة (٤) باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الشامل للحالين، وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجانِّ؛ ولذلك قال: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١].

(﴿رِدْءًا﴾) في قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي: (مُعِينًا) وهو في الأصل اسمُ ما يُعان به؛ كالدفء بمعنى المدفوء به، فهو «فِعْل» بمعنى «مفعول»، ونصبُه على الحال.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]) بالرفعِ، وبه قرأ حمزةُ وعاصمٌ، على الاستئناف أو الصفة لـ ﴿رِدْءًا﴾ أو الحال مِن هاءِ ﴿أَرْسِلْهُ﴾ أو مِنَ الضمير في ﴿رِدْءًا﴾ أي: مُصدِّقًا، وبالجزم، وبه قرأَ الباقون جوابًا للأمرِ؛ يعني: إن أرسلتَه صدَّقَنِي (٥)، وقيل: ﴿رِدْءًا﴾ كيما يصدقني أو (٦)

لكي يصدقني فرعونُ، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقتَ، أو يقول للنَّاس (١): صدقَ موسى، بل إنَّه يلخِّصُ بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيبُ عن الشُّبُهات.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿سَنَشُدُّ﴾) ﴿عَضُدَكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي: (سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين (فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا) يقوِّيه (٢)، وهو مِن باب الاستعارة، شبَّه حالةَ موسى بالتقوِّي بأخيه بحالةِ اليد المتقوِّية بالعضد، فجُعِلَ كأنَّه يدٌ مستندةٌ بعضُدٍ شديدةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ من (٣) قوله: «﴿آنَسَ﴾ … » إلى هنا.

(مَقْبُوحِينَ) أي: (مُهْلَكِينَ) ومرادُه قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] وهذا تفسيرُ أبي عُبيدة، وقال غيرُه: مِنَ المطرودين، ويُسَمَّى (٤) ضدُّ الحُسْنِ قَبيحًا؛ لأنَّ العينَ تنبو عنه، فكأنَّها تطرده.

(﴿وَصَّلْنَا﴾) ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] أي: (بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) قاله ابنُ عبَّاسٍ، وقيل: أتبعنا بعضَه بعضًا فاتَّصلَ، وقال ابنُ زيدٍ: وصَّلنا لهم خبرَ الدنيا بخبرِ (٥) الآخرةِ، حتَّى كأنَّهم عاينوا الآخرةَ في الدنيا، وقال الزَّجَّاج أي: فصَّلناه بأنْ وصَّلنا ذِكْرَ الأنبياءِ وأقاصيصَ مَن مضى بعضَها ببعض.

(﴿يُجْبَى﴾) في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى﴾ أي: (يُجْلَبُ) ﴿إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].

(﴿بَطِرَتْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨] (أَشِرَتْ) وزنًا ومعنًى، أي: وكم مِن أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أَشِرُوا؛ فدمَّر اللهُ عليهم وخرَّب دِيارَهُم، قاله في «الأنوار».

(﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]

(أُمُّ القُرَى مَكَّةُ) لأنَّ الأرض دُحِيَتْ مِن تحتِها (وَمَا حَوْلَهَا) ومرادُه: أنَّ الضمير في ﴿أُمِّهَا﴾ للقرى، ومكَّةُ وما حولها تفسيرٌ للأمِّ، لكن في إدخال «مَا حَوْلَهَا» في ذلك نظرٌ على ما لا يخفى.

(﴿تُكِنُّ﴾) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ (١) صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩] أي: ما (٢) (تُخْفِي) صدورُهم، يُقال: (أَكْنَنْتَُ الشَّيْءَ) بالهمزة وضمِّ التاء، وفي بعضِها بفتحها، أي: (أَخْفَيْتَُهُ، وَكَنَنْتَُهُ) (٣) بتركها مِنَ الثلاثي وضمِّ التاء وفتحِها، أي: (أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) بالهمز فيهما، وفي نسخة معتمدة: «خفيته» بدون همز (٤) «أظهرته» بدون واو، قال ابنُ فارسٍ: أخفيتُه: سترتُه، وخفيتُه: أظهرتُه، وقال أبو عُبيدةَ: أكننتُه؛ إذا أخفيتُه وأظهرتُه، وهو مِنَ الأضداد.

(﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾) هي (مِثْلُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وحينئذٍ تكون ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلُّها كلمةً مستقلَّةً بسيطةً، وعند (٥) الفرَّاء: أنَّها بمعنى: أَمَا تَرَى إلى صُنِع الله؟ وقيل غير ذلك (﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]) أي: (يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ) أي (٦): بمقتضى مشيئتِه، لا لكرامةٍ تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يُوجِبُ النقص، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «﴿وَيْكَأَنَّ (٧) اللهَ﴾ … » إلى آخره.

(٢) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]) أحكامَه وفرائضَه، أو تلاوتَه وتبليغَه، وزاد الأصيليُّ: «الآيةَ»، وزاد (٨) في نسخة: «﴿لَرَادُّكَ﴾» أي (٩): بعدَ الموت «﴿إِلَى مَعَادٍ﴾»، وتنكيرُه للتعظيم، كأنَّه قال: معادٍ وأيِّ معادٍ، أي: ليس لغيرك مِنَ البشر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَليّ وعَلى وَالِدي، وآلفه وارتبطه لَا يَنْقَلِب عني حَتَّى لَا أَزَال شاكراً لَك.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: نَكِّرُوا غَيِّرُوا

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي معنى قَوْله تَعَالَى: (نكروا لَهَا عرشها: غيروا، أسْندهُ أَبُو مُحَمَّد من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: غيروه. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه أخر صَحِيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: أَمر بالعرش فَغير مَا كَانَ أَحْمَر جعل أَخْضَر، وَمَا كَانَ أَخْضَر جعل أصفر غير كل شَيْء عَن حَاله.

وأوتِينا العِلْمَ يَقُولُهُ سُلَيْمانُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين} (النَّمْل: ٢٤) وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن قَوْله: (وأويتينا الْعلم) من قَول سُلَيْمَان، وَقَالَ الواحدي: إِنَّه من قَول بلقيس، قَالَ بَعضهم، وَالْأول الْمُعْتَمد. قلت: السِّيَاق والسباق يدلان على أَنه من قَول بلقيس أَنه من قَول قالته مقرة بِصِحَّة نبوة سُلَيْمَان.

الصَّرْحُ بِرْكَةُ ماءٍ ضَرَبَ سُلَيْمانُ قَوَارِيرَ ألْبَسَها إيَّاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قيل لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا قَالَ أَنه صرح ممرد من قَوَارِير} (النَّمْل: ٤٤)

الْآيَة، وَفسّر (الصرح) الْمَذْكُور بقوله: (بركَة مَاء)

إِلَى آخِره، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد مثله، ثمَّ قَالَ: وَكَانَت هلباء شعراء، وَمن وَجه آخر عَن مُجَاهِد: كشفت بلقيس عَن سَاقيهَا فَإِذا هما شعراوان، فَأمر سُلَيْمَان بالنورة فصنعت. قَوْله: (قَوَارِير) ، جمع قَارُورَة وَهِي الزّجاج، وَكَانَ سُلَيْمَان أَمر ببنائه وأجرى تَحْتَهُ المَاء وَألقى فِيهِ كل شَيْء من دَوَاب الْبَحْر: السّمك وَغَيره، ثمَّ وضع لَهُ سَرِير فِي صدرها فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَت بلقيس قيل لَهَا: أدخلي الصرح، فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وَهُوَ مُعظم المَاء، وَعَن ابْن جريج: حسبته بحراً وكشفت عَن سَاقيهَا لتخوض إِلَى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام، وَبَاقِي الْقِصَّة مَشْهُور. قَوْله: (إِيَّاه) فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: إِيَّاهَا.

٨٢ - (سورَةُ القَصَصِ)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْقَصَص، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا آيَة نزلت بِالْجُحْفَةِ وَهِي قَوْله: {إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد} (الْقَصَص: ٥٨) أَي: إِلَى مَكَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِلَى الْمَوْت. وَعنهُ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَعنهُ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ: إِلَى الْجنَّة، وَهِي ثَمَان وَثَمَانُونَ آيَة، وَألف وَأَرْبَعمِائَة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف.

لم يثبت لفظ سُورَة والبسملة إِلَّا لأبي ذَر والنسفي.

يُقالُ: كلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه، إلَاّ مُلْكَهُ، ويُقالُ: إلاّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ الله

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي آخر سُورَة الْقَصَص: {وَلَا تدعُ مَعَ الله إل هَا آخر لَا إل هـ إلَاّ هُوَ كل شَيْء هَالك إلَاّ وَجهه لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون} (الْقَصَص: ٨٨) وَفسّر الْوَجْه بِالْملكِ، وَكَذَا نقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل الْعَرَبيَّة، وَكَذَا ذكره الْفراء، وَعَن أبي عبيد إلَاّ وَجهه: إلَاّ جلالة. قَوْله: (وَيُقَال)

إِلَى آخِره، قَالَ سُفْيَان: مَعْنَاهُ إلَاّ مَا أُرِيد بِهِ رِضَاء الله والتقرب لَا الرِّيَاء وَوجه النَّاس.

وَقَالَ مُجاهِدٌ الأنْباءُ الحجَجُ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فعميت عَلَيْهِم الأنباء} (الْقَصَص: ٦٦) أَن الأنباء هِيَ الْحجَج، وَكَذَا ذكره الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {إنَّكَ لَا تَهْدِي منْ أحْبَبْتَ ولاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} (الْقَصَص: ٦٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لَا تهدى} ... الْآيَة. قَوْله: (لَا تهدي) ، خطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (من أَحْبَبْت) ، هدايته، وَقيل: لِقَرَابَتِهِ.

٢٧٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قَالَ لمّا حَضَرَتْ أَبَا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بنَ أبي أميَّةَ بنِ المُغِيَرةِ فَقَالَ أيْ عَمِّ قُلْ لَا إل هَ إلاّ الله كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ الله فَقَالَ

أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْرِضُها عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ حَتَّى قَالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأبي أَن يَقُولَ لَا إل هَ إلَاّ الله قَالَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أنْهَ عَنْكَ فأنْزَلَ الله: {مَا كانَ لِلنبيِّ والذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمشْرِكِين} (التَّوْبَة: ٣١١) وأنْزَلَ الله فِي أبي طَالب فَقَالَ لِرَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} (الْقَصَص: ٦٥) ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت: لَا إل هـ إلَاّ الله. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ إِذْ لم يرو عَن الْمسيب إلَاّ ابْنه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن الْمسيب من مسلمة الْفَتْح على قَول مُصعب، وعَلى قَول العسكري مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، فأياماً كَانَ فَلم يشْهد وَفَاة أبي طَالب لِأَنَّهُ توفّي هُوَ وَخَدِيجَة، رَضِي الله عَنْهَا. فِي أَيَّام مُتَقَارِبَة فِي عَام وَاحِد للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَحْو الْخمسين، ورد عَلَيْهِمَا بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْمسيب مُتَأَخِّرًا إِسْلَامه أَن لَا يشْهد وَفَاة أبي طَالب كَمَا شَهِدَهَا عبد الله بن أبي أُميَّة وَهُوَ يومئذٍ كَافِر ثمَّ أسلم بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: حُضُور عبد الله بن أبي أُميَّة وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر ثَبت فِي: (الصَّحِيح) وَلم يثبت حُضُور الْمسيب وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر لَا فِي: (الصَّحِيح) وَلَا فِي غَيره، وبالاحتمال لَا يرد على كَلَام بِغَيْر احْتِمَال، فَافْهَم.

قَالَ ابنُ عَبَّاس أُولي القُوَّةِ لَا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ. لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا أَن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة} (الْقَصَص: ٦٧)

الْآيَة. وَفسّر قَوْله: {أولي الْقُوَّة} بقوله: (لَا يرفعها الْعصبَة من الرِّجَال) والعصبة مَا بَين الْعشْرَة إِلَى خَمْسَة عشرَة قَالَه مُجَاهِد، وَعَن قَتَادَة: مَا بَين الْعشْرَة إِلَى أَرْبَعِينَ، وَعَن أبي صَالح: أَرْبَعُونَ رجلا وع ابْن عَبَّاس مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: سِتُّونَ، وَفسّر قَوْله: (لتنوء) ، بقوله: (لتثقل) ، وَقيل: لتميل، وَهَذَا إِلَى قَوْله: يتشاورون، لم يثبت لأبي ذَر والأصيلي، وَثَبت لغَيْرِهِمَا إِلَى قَوْله: ذكر مُوسَى.

فارِغاً إلاّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا} (الْقَصَص: ٠١) وَفسّر فَارغًا بقوله: (إلَاّ من ذكر مُوسَى) وَفِي التَّفْسِير: أَي سَاهِيا لاهياً من كل شَيْء إلَاّ من ذكر مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وهمه، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن الْكسَائي: فَارغًا أَي نَاسِيا، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: فَارغًا من الْحزن لعلمها بِأَنَّهُ لم يغرق.

الفَرِحِينَ المَرِحِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين} (الْقَصَص: ٦٧) وَفَسرهُ بقوله: (المرحين) وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

قُصِّيهِ اتبِعِي أثَرَهُ وَقَدْ يَكُونُ أنْ يَقُصَّ الكَلَامَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَت لأخته قصيه فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ} (الْقَصَص: ١١) أَي: قَالَت أم مُوسَى لأخت مُوسَى: قصيه، أَي: اتبعي أَثَره، من قَوْلهم: قصصت آثَار الْقَوْم أَي: تبعتها. قَوْله: (وَقد يكون)

إِلَى آخِره. أَرَادَ بِهِ أَن قصّ يكون أَيْضا من قصّ الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نَحن نقص عَلَيْك} (الْقَصَص: ١١) وَمِنْه: قصّ الرُّؤْيَا إِذا أخبر بهَا.

عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنابَةٍ واحِدٌ وَعَنِ اجْتِنابٍ أيْضاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ} وَفسّر: (عَن جنب) بقوله: (عَن بعد) أَي: بصرت أُخْت مُوسَى بمُوسَى أَي: أبصرته عَن بعد وَالْحَال أَنهم لَا يَشْعُرُونَ لَا يعلمُونَ أَنَّهَا أُخْت مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْجنب

أَن يسمو بصر الْإِنْسَان إِلَى الشَّيْء الْبعيد وَهُوَ إِلَى جنبه لَا يشْعر بِهِ، وَعَن قَتَادَة: جعلت أُخْت مُوسَى تنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهَا لَا تريده. قَوْله: عَن جَنَابَة أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَن معنى عَن جَنَابَة: عَن بعد. قَوْله: (وَاحِد) أَي: معنى عَن جَنَابَة: وَاحِد، وَكَذَلِكَ معنى: وَعَن اجْتِنَاب، وَالْحَاصِل أَن كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: الْبعد، وَمِنْه: الْجنب. سمي بِهِ لِأَنَّهُ بعيد عَن تِلَاوَة الْقُرْآن.

يَبْطِشُ: ويَبْطُشُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما} (الْقَصَص: ٩١) وَبَين أَن فِيهِ لغتين إِحْدَاهمَا: يبطش، بِضَم الطَّاء، والآخرى: يبطش، بِالْكَسْرِ.

يأْتَمِرُونَ: يَتَشَاوَرُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك} (الْقَصَص: ٠٢) وَفسّر: (يأتمرون) بقوله: (يتشاورون) وَقيل: مَعْنَاهُ يَأْمر بَعضهم بَعْضًا، وَالْقَائِل لمُوسَى بذلك هوحزقيل مُؤمن آل فِرْعَوْن وَكَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَالْمَلَأ: الْجَمَاعَة.

العُدْوَانُ والعَدَاءُ والتَّعَدِّي وَاحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل} (الْقَصَص: ٨٢) وبيّنَ أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة وَاحِد، وَهُوَ التَّعَدِّي والتجاوز عَن الْحق، وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام، وقصته مَشْهُورَة.

آنَسَ: أبْصَرَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله آنس من جَانب الطّور نَارا} (الْقَصَص: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: (أبْصر) .

الجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ: والشِّهابُ فِيهِ لَهَبٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون} (الْقَصَص: ٩٢) وَفسّر الجذوة بقوله: (قِطْعَة) إِلَى آخِره، وَقَالَ مقَاتل وَقَتَادَة: الجذوة الْعود الَّذِي احْتَرَقَ بعضه، وَجَمعهَا جذى، وَالْجِيم فِي جذوة مُثَلّثَة وَهِي لُغَات وقرءات وَمعنى: يصطلون تستدفئون. قَوْله: (والشهاب فِيهِ لَهب) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل: {إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو آتيكم بشهاب قبس لَعَلَّكُمْ تصطلون} (النَّمْل: ٧) وَفسّر الشهَاب بِأَن فِيهِ لهباً، قَالَ الْجَوْهَرِي: الشهَاب شعلة نَار ساطعة، وَقَالَ: اللهب لَهب النَّار وَهُوَ لسانها، وكنى أَبُو لَهب لجماله.

كأنَّها جانٌّ وهْيَ فِي آيَةٍ أُخْرَى كأنَّها حَيَّةٌ حَيَّةٌ تَسْعَى والحَيَّاتُ أجْناسٌ الجانُّ والأفاعِي والأساوِدُ

هَذَا ثَبت للنسفي، وَأَشَارَ بقوله: (كَأَنَّهَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة: {وَأَن ألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان ولى مُدبرا} (الْقَصَص: ١٣) قَوْله: (وَهِي فِي آيَة أُخْرَى) {كَأَنَّهَا حَيَّة تسْعَى} (طه: ٠٢) وَهُوَ فِي سُورَة طه، وَهِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ: القها يَا مُوسَى فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى} وَفِي الشُّعَرَاء: {فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١ وَالشعرَاء: ٢٣) وَلم يذكر البُخَارِيّ هَذَا مَعَ أَنه دَاخل فِي قَوْله: (والحيات أَجنَاس) وَهِي جمع حَيَّة وَهِي إسم جنس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْحَيَّة والجان والثعبان، فالحية تَشْمَل الجان والثعبان، وَكَانَت حَيَّة لَيْلَة المخاطبة لِئَلَّا يخَاف مُوسَى علهي الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا إِذا أَلْقَاهَا بَين يَدي فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس: صَارَت حَيَّة صفراء لَهَا عرف كعرف الْفرس، وَجعلت تتورم حَتَّى صَارَت ثعباناً وَهِي أكبر مَا يكون من الْحَيَّات فَلذَلِك قَالَ فِي مَوضِع آخر: {كَأَنَّهَا جَان} وَهِي أَصْغَر الْحَيَّات وَفِي مَوضِع آخر: ثعبان، وَهُوَ أعظمها، فالجان ابْتِدَاء حَالهَا والثعبان. انْتِهَاء حَالهَا، وَكَانَ الجان فِي سرعَة فَلذَلِك قَالَ: {فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان} وَيُقَال: كَانَ مَا بَين لحيي الْحَيَّة أَرْبَعُونَ ذِرَاعا، وَعَن ابْن عَبَّاس: لما انقلبت الْحَيَّة ثعباناً ذكرا صَار يبتلع الصخر وَالْحجر. قَوْله: (والأفاعي) جمع أَفْعَى على وزن أفعل، يُقَال: هَذِه أَفْعَى بِالتَّنْوِينِ، والأفعوان ذكر الأفاعي. قَوْله: (والأساود) ، جمع أسود وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجمع الأساود لِأَنَّهُ إسم، وَلَو كَانَ صفة لجمع على فعل يَعْنِي لقَالَ: سود، يُقَال: أسود سالخ غير مُضَاف لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام وَالْأُنْثَى: أَسْوِدَة، وَلَا تُوصَف بسالخة.

رِدْءاً مُعِيناً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني} (الْقَصَص: ٤٣) وَفَسرهُ بقوله: (معينا) يُقَال: فلَان رده فلَان إِذا كَانَ ينصره ويشد ظَهره، وَيُقَال: أردأت الرجل أعنته.

عبيد الله ال ابنُ عَبَّاسٍ لِكَي يُصَدِّقُنِي. وَقَالَ غيْرُهُ سَنَشُدُّ كُلَّما عَزَّزْتَ شَيْئاً فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُداً

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ردأ يصدقني} (الْقَصَص: ٤٣) لكَي يصدقني، وَفِي التَّفْسِير: يصدقني أَي: مُصدقا وَلَيْسَ الْغَرَض بتصديقه أَن يَقُول لَهُ: صدقت، أَو يَقُول للنَّاس: صدق مُوسَى، وَإِنَّمَا هُوَ أَن يلخس بِلِسَانِهِ الْحق أَو يبسط القَوْل فِيهِ، ويجادل بِهِ الْكفَّار كَمَا يفعل الرجل المنطيق ذُو الْمُعَارضَة. قَوْله: (قَالَ غَيره) ، أَي: غير ابْن عَبَّاس فِي معنى قَول الله تَعَالَى: {سنشد عضدك بأخيك} (الْقَصَص: ٥٣) سنعينك. وَقيل: سنقويك بِهِ، وَشد العضدد كِنَايَة عَن التقوية. قَوْله: (كلما عززت) ، من: عز فلَان أَخَاهُ إِذا قوَّاه، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فعززنا بثالث} (يس: ٢٤١) يُخَفف ويشدد أَي: قوينا وشددنا.

مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين} (الْقَصَص: ٢٤) وَفَسرهُ بقوله: (مهلكين) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: أَي من المتعدين الملعونين من الْقبْح وَهُوَ الإبعاد. وَقَالَ ابْن زيد: يُقَال: قبح الله فلَانا قبحاً وقبوحاً، أَي: أبعده من كل خير، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي سَواد الْوَجْه وزرقة الْعين، وعَلى هَذَا يكون بِمَعْنى المقبحين.

وصَّلْنا: بَيَّنَّاه وأتْمَمْناهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل لَعَلَّهُم يتذكرون} (الْقَصَص: ١٥) وَفسّر: وصلناه بقوله: (بَيناهُ) وَعَن السّديّ كَذَلِك، وَعَن الْفراء: أتبعنا بعضه بَعْضًا فاتصل. قَوْله: (وأتممناه) ، الضَّمِير الْمَنْسُوب فِيهِ فِي بَيناهُ يرجع إِلَى القَوْل، الْمَعْنى: بَينا لكفار مَكَّة فِي الْقُرْآن من خبر الْأُمَم الْمَاضِيَة كَيفَ عذبُوا بتكذيبهم.

يُحْياى: يُجْلَبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء} (الْقَصَص: ٧٥) وَفسّر: يجبى بقوله: (يجلب) وَقَرَأَ نَافِع: تجبى، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الْحرم، وَالْمعْنَى: يجلب وَيحمل من النواحي ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا أَي: من عندنَا.

بَطِرَتْ: أشِرَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكم أهلكنا من قَرْيَة بطرت معيشتها} (الْقَصَص: ٨٥) وَفسّر قَوْله: (بطرت) ، بقوله: (أَشرت) ، أَي: طغت وبغت، وَقَالَ ابْن فَارس: البطر تجَاوز الْحَد فِي المرح، وَقيل: هُوَ الطغيان بِالنعْمَةِ.

فِي أُمِّها رَسُولا أُمُّ القُرَى مَكّةُ وَمَا حَوْلَها

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا} (الْقَصَص: ٩٥) ، الْآيَة. وَذكر أَن المُرَاد بِأم الْقرى مَكَّة وَمَا حولهَا، سميت بذلك لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا.

{تُكِنُّ تُخْفِي أكْنَنْتُ الشَّيْءَ أخْفَيْتُهُ وكَنَنْتُهُ أخفَيْتُهُ وأظْهَرْتُهُ}

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ مَا يعلنون} (الْقَصَص: ٩٦) وَفسّر: (تكن) ، بقوله: (تخفي) وتكن، بِضَم التَّاء من أكننت الشَّيْء إِذا أخفيته. قَوْله: (وكننته) من الثلاثي وَمَعْنَاهُ: خفيته بِدُونِ الْهمزَة فِي أَوله أَي: أظهرته، وَهُوَ من الأضداد، وَوَقع فِي الْأُصُول: أخفيته فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله وَلأبي ذَر بِحَذْف الْألف فِي الثَّانِي وَكَذَا قَالَ ابْن فَارس أخفيته سترته وخفيته أظهرته.

{وَيْكَأنَّ الله} مِثْلُ: {ألم تَرَ أَن الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ} (الْقَصَص: ٢٨) يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس يَقُولُونَ وي كَأَن الله يبسط الرزق لمن يشار من عباده وَيقدر} وَهَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفسّر قَوْله: (وي كَأَن الله) بقوله: مثل: (ألم تَرَ) إِلَى آخِره، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وي، مفصولة عَن: كَأَن، وَهِي كلمة تَنْبِيه على الْخَطَأ وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه، وَعند الْكُوفِيّين إِن: وَبِك بِمَعْنى: وَيلك، وَأَن الْمَعْنى: ألم تعلم أَنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ، وَيجوز أَن يكون الْكَاف كَاف الْخطاب مَضْمُومَة إِلَى وي، وَأَنه بِمَعْنى: لِأَنَّهُ، وَالْكَلَام لبَيَان الْمَقُول لأَجله هَذَا القَوْل أَو لِأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ. قَوْله: (وَيقدر) ، أَي: ويقتر. قَوْله: (يُوسع عَلَيْهِ) ، يرجع إِلَى قَوْله: {يبسط الرزق} وَقَوله: (يضيق عَلَيْهِ) يرجع إِلَى قَوْله: (وَيقدر) .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.

١ - بَاب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ، ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ، ﴿فَارِغًا﴾ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ، وَعَنْ اجْتِنَابٍ أَيْضًا، وَيَبْطِشُ وَيَبْطُشُ،

﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشَاوَرُونَ، الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ، ﴿آنَسَ﴾ أَبْصَرَ، الْجِذْوَةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ، وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ، وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ، ﴿رِدْءًا﴾ مُعِينًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَنَشُدُّ﴾ سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُضا، مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ، ﴿وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ، ﴿يُجْبَى﴾ يُجْلَبُ، ﴿بَطِرَتْ﴾ أَشِرَتْ، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، ﴿تَكُنْ﴾ تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لَمْ تَخْتَلِفِ النَّقَلَةُ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمُتَعَلِّقِ: أَحْبَبْتَ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ، وَقِيلَ: أَحْبَبْتَهُ هُوَ لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ: حَضَرَتْ عَلَامَاتُ الْوَفَاةِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ انْتَهَى إِلَى الْمُعَايَنَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ لَوْ آمَنَ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتَهَى إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَكِنْ رَجَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَلَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِخُصُوصِهِ وَتَسُوغُ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِمَكَانِهِ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ: أُجَادِلُ لَكَ بِهَا وَأَشْفَعُ لَكَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَيُؤَيِّدُ الْخُصُوصِيَّةَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ مِنَ

الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَقَالَ هُوَ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ الشَّفَاعَةَ لَهُ، بَلْ شَفَعَ لَهُ حَتَّى خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَيَّبُ حَضَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَيْضًا، وَكَانَ الثَّلَاثَةُ يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا، فَمَاتَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى كُفْرِهِ وَأَسْلَمَ الْآخَرَانِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ فَمَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُسَيَّبَ عَلَى قَوْلِ مُصْعَبٍ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَعَلَى قَوْلِ الْعَسْكَرِيِّ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَأَيًّا مَا كَانَ فَلَمْ يَشْهَدْ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ هُوَ وَخَدِيجَةُ فِي أَيَّامٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ نَحْوَ الْخَمْسِينَ انْتَهَى. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُسَيَّبِ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَمَا شَهِدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَجَبٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلُ كَيْفَ يَعْزُو كَوْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَى الْعَسْكَرِيِّ وَيَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي هَذَا الصَّحِيحِ الَّذِي شَرَحَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَغَازِي وَاضِحًا.

قَوْلُهُ: (أَيْ عَمِّ) أَمَّا أَيْ فَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ نِدَاءٍ، وَأَمَّا عَمِّ فَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا.

قَوْلُهُ: (كَلِمَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ الِاخْتِصَاصِ. وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قَوْلُهُ: (أُحَاجَّ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الْمُحَاجَّةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحُجَّةِ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَقُلْ أُحَاجَّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْجَنَائِزِ: أَشْهَدُ بَدَلَ: أُحَاجَّ، وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: أُجَادِلُ عَنْكَ بِهَا، زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَيْ عَمِّ، إِنَّكَ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ حَقًّا، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، فَقُلْ كَلِمَةً تَجِبُ لِي بِهَا الشَّفَاعَةُ فِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ يَعْرِضُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: فَقَالَ: لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا.

قَوْلُهُ: (وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ) أَيْ وَيُعِيدَانِهِ إِلَى الْكُفْرِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَانَ قَارَبَ أَنْ يَقُولَهَا فَيَرُدَّانِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ: الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: كَذَا فِي الْأُصُولِ وَعِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَكَرَّرَهَا عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَيُعِيدَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَالْمُرَادُ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ وَرَفِيقُهُ لَهُ: تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَنَا فَغَيَّرَهَا الرَّاوِي أَنَفَةً أَنْ يَحْكِيَ كَلَامَ أَبِي طَالِبٍ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفْظِ الْمَذْكُورِ؛ وَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْحَسَنَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مِلَّةُ الْأَشْيَاخِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ عَارٌ لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَلَ، وَضَبْطُ جَزَعُ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هُوَ تَأْكِيدٌ مِنَ الرَّاوِي فِي نَفْيِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ سَمَاعِهِ ذَلِكَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ إطْلَاعُهُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ وَالْمُسَامَحَةُ بِذَنْبِ الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا

الْمُرَادُ تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَنْهُ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

قُلْتُ: وَهِيَ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لِأَبِي طَالِبٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ لَمْ تَرِدْ، وَطَلَبُهَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اقْتِدَاءً بِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَ نَسْخُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَاضِحًا.

قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لِأَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ نَبِيُّنَا لِعَمِّهِ، فَنَزَلَتْ: وَهَذَا فِيهِ إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى قَبْرَ أُمِّهِ لَمَّا اعْتَمَرَ فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَكَرُّرِ النُّزُولِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْنَاهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكَى، فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ أُمِّي، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَأَنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَفِيهِ: نَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى رَسْمَ قَبْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ وَقَفَ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ حَتَّى سَخِنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ: لَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ عُسْفَانَ، وَفِيهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَأْخِيرِ نُزُولِ الْآيَةِ عَنْ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ شُجَّ وَجْهُهُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ خَاصًّا بِالْأَحْيَاءِ وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ تَأَخَّرَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا تَقَدَّمَ، وَيَكُونُ لِنُزُولِهَا سَبَبَانِ: مُتَقَدِّمٌ وَهُوَ أَمْرُ أَبِي طَالِبٍ، وَمُتَأَخِّرٌ وَهُوَ أَمْرُ آمِنَةَ.

وَيُؤَيِّدُ تَأْخِيرَ النُّزُولِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ مِنَ اسْتِغْفَارِهِ ﷺ لِلْمُنَافِقِينَ حَتَّى نَزَلَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ النُّزُولِ وَإِنْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ وَفِي غَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ وَحْدَهُ، وَيُؤَيِّدُ تَعَدُّدَ السَّبَبِ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ. . . الْآيَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ أَلَا نَسْتَغْفِرُ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَنَزَلَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرْنَا لَهُ أَنَّ رِجَالًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِذَا خُتِمَ عُمْرُهُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَارَنَ نُطْقُ لِسَانِهِ عَقْدَ قَلْبِهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهَ تَعَالَى، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَصَلَ إِلَى حَدِّ انْقِطَاعِ الْأَمَلِ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَجَزَ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ وَرَدِّ الْجَوَابِ وَهُوَ وَقْتُ الْمُعَايَنَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ: ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ وَالْعَدَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَمْدُودٌ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ وَهُوَ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَالْعَدْوُ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَالْعَدْوُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزَة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ) المسيَِّب بنِ حَزْن، له ولأبيه صحبةٌ، عاش إلى خلافة عثمانَ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علامتُها بعد المعاينة (١) وعدم الانتفاع بالإيمان لو آمن (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهِ أَبَا جَهْلٍ) هو ابنُ هشام (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي (٢) أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ) أخا أمِّ سلمةَ، أسلمَ عامَ الفتحِ كالمسيِّب، فلم يشهدْ وفاةَ أبي طالب، فالحديثُ مرسلُ صحابيٍّ، كذا (٣) قرَّرَه الكِرمانيُّ (٤)، وردَّه الحافظ ابن حجر: بأنَّه لا يلزمُ مِن تأخُّر إسلامه عدمُ حضورِه وفاةَ أبي طالبٍ، كما شهدها عبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّة وهو كافر ثمَّ أسلم، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ حضورَ عبدِ الله ابنِ أبي أُميَّة ثبتَ في الصحيحِ، ولم يثبُت حضورُ المسيَّب لا في الصحيح ولا في غيرِه، وبالاحتمالِ لا يُرَدُّ على كلامٍ بغيرِ احتمال، وأجاب في «انتقاض الاعتراض» فقال: هذا كلامٌ عجيبٌ، إنَّما يتوجَّه الرَّدُّ على مَن قال جازمًا: إنَّ المسيَّب لم يحضرْها، ولم يَذْكُر مستندًا إلَّا أنَّه كان كافرًا، والكافر (٥)

لا يمتنعُ أن يشهدَ وفاة كافرٍ، فتوجَّه الرَّدُّ على الجزمِ، ويؤيِّدُه: أنَّ عنعنةَ الصَّحابيِّ محمولةٌ على السماع، إلَّا إذا ذَكَرَ (١) قصَّة ما أدركها؛ كحديث عائشةَ عن قِصَّة المبعث النبويِّ؛ فتلك الروايةُ تُسَمَّى مرسلَ صحابيٍّ، وأمَّا لو أخبر عن قِصَّةٍ أدركَها ولم يصرِّح فيها بالسماع ولا المشاهدة؛ فإنَّها محمولةٌ على السماع، وهذا شأنُ حديثِ المسيَّب، فهذا الذي يمشي على الاصطلاح الحديثيِّ، وأمَّا الدفع بالصدر فلا يعجز عنه أحدٌ (٢) لكنَّه لا يُجدي شيئًا. انتهى. (فَقَالَ) ﷺ لأبي طالب: (أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل، ويجوزُ الرفعُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشدَّدة مضمومة في الفرع، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وفي بعض النسخ: فتح الجيم، على الجزمِ جوابُ الأمرِ (٣)، والتَّقديرُ: إن تقلْ؛ أُحاجَّ، وهو مِنَ المحاججة (٤) مفاعلة من الحُجَّة، وعند الطبريِّ من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهريِّ قال: «أي عم؛ إنَّك أعظمُ الناس عليَّ حقًّا وأحسنُهم عندي يدًا، فقُل كلمةً تجب لي بها الشفاعةُ فيك يومَ القيامة» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) لأبي طالبٍ: (أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟) يقال: رَغِبَ عنِ الشيء؛ إذا لم يُرِدْهُ، ورَغِب فيه؛ إذا أراده (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا) أي: كلمةَ الإخلاص (٥) (عَلَيْهِ) على عمِّه أبي طالب (وَيُعِيدَانِهِ) بضمِّ أوَّله، والضميرُ المنصوب لأبي طالبٍ (بِتِلْكَ المَقَالَةِ) وهو قولهما: «أترغب» … وكأنَّه كان قد قارب أن يقولَها فيرُدَّانه، وقال البِرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: صوابه: ويعيدان له تلك المقالة، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضاق عطنه -يعني: الزَّركشيِّ- عن توجيه اللفظ على الصِّحَّة فجزم بخطئه، ويمكن أن يكون ضمير النصب مِن قوله: «ويعيدانه» ليس عائدًا على أبي طالب، وإنَّما هو عائدٌ على الكلام بتلك المقالة، ويكون «بتلك المقالة» ظرفًا مستقرًّا منصوبَ المحلِّ على الحال مِن ضمير النصب العائدِ على الكلام، والباءُ للمصاحبة، أي: يعيدان الكلامَ في حالة كونِهِ متلبِّسًا بتلك المقالة، وإن بنينا على جواز إعمال ضمير المصدر، كما ذهب إليه بعضهم في مثل: «مروري بزيدٍ حسنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ»؛ فالأمرُ

واضحٌ؛ وذلك بأن يُجعلَ ضميرُ الغَيبة عائدًا على التكلُّمِ (١) المفهومِ مِن السياق، والباء متعلِّقةٌ بنفس الضمير العائدِ عليه، أي: ويعيدان التكلُّمَ بتلك المقالة.

(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ) نُصِبَ على الظرفيَّة (مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٠] هو على مِلَّة عبد المطلب، وأراد نفسه، أو قال: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فغيَّرها الراوي أنفةً أن يحكي كلامه؛ استقباحًا للتلفُّظ به (وَأَبَى) امتنع (أَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال في «الفتح»: هو تأكيدٌ مِنَ الراوي في نفيِ وقوعِ ذلك من أبي طالب.

(قَالَ) المسيَّب: (فقَالَ (٢) رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر الخليلُ لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (٣)) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾) أي: ما ينبغي لهم (﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾) زاد في نسخة (٤): «﴿وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾» [التوبة: ١١٣] الآيةَ (٥)، خبرٌ بمعنى النهي.

واستُشكل هذا بأنَّ وفاة أبي طالب وقعت قبل الهجرة بمكَّة بغير خلاف، وقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ أتى قبر أُمِّه لمَّا اعتمر فاستأذن ربَّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعودٍ، والطبرانيُّ عن ابن عبَّاس، وفي ذلك دلالة على تأخُّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصلُ عدمُ تكرار النزول، وأُجيب باحتمال تأخُّر نزول الآية وإن كان سببها تقدَّم، أو يكون لنزولها سببان؛ متقدِّمٌ وهو أمرُ أبي طالبٍ، ومتأخِّرٌ وهو أمر آمنةَ، ويؤيِّدُ تأخُّرَ النزول ما في سورة براءة مِنِ استغفاره ﵊ للمنافقين حتى نزل النهي عنه، قاله في «الفتح» قال: ويُرشِدُ إلى ذلك قولُه: (وَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ففيه إشعارٌ بأنَّ الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيرِه، والثانية نزلت فيه وحدَه.

وقد مرَّ الحديث في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٦٠].

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في (﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾) من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] (لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وروي عنه: أنَّه كان يحملُ مفاتح (١) قارون أربعون رجلًا أقوى ما يكون من الرجال، وروي عن ابن عبَّاس أيضًا حمل المفاتح على (٢) نفس المال، فقال: كانت خزائنُه يحملُها أربعونَ رجلًا (٣) أقوياء.

(﴿لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦]) أي: (لَتُثْقِلُ) يُقال: ناء به الحملُ حتى (٤) أثقلَه وأمالَه، أي: لَتُثقِلُ المفاتحُ العصبةَ، والباء في ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعديةِ كالهمزة.

(﴿فَارِغًا﴾) في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: خاليًا من كلِّ شيءٍ (إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى) وقال البيضاويُّ -كالزمخشريِّ-: صِفْرًا مِنَ العقل؛ لِمَا دهمها مِنَ الخوف والحيرة حين سمعتْ بوقوعه في يد فرعون.

(﴿الْفَرِحِينَ﴾) في قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه أي: (المَرِحِينَ) وقال مجاهد: يعني: الأَشِرِينَ البَطِرِينَ، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، فالفرح بالدنيا مذمومٌ مطلقًا؛ لأنَّه نتيجة حُبِّها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإنَّ العِلْمَ بأنَّ ما فيها مِنَ اللَّذَّة مفارِقٌ (٥) لا محالةَ يُوجِبُ الترح، وما أحسن قول المتنبي:

أشدُّ الغَمِّ عندي في سرورٍ … تيقَّنَ عنهُ صاحبُه انتقالا

(﴿قُصِّيهِ﴾) في قوله حكايةً عن أم موسى: ﴿وَقَالَتْ (٦) لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: (اتَّبِعِي أَثَرَهُ) حتى تعلَمِي خبرَه، وكانت أختُه لأبيه وأَمِّه، واسمُها مريم (وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الكَلَامَ) كما في قوله تعالى: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: ١٣]) وقَصَّ الرؤيا؛ إذا أَخبَرَ بها.

(﴿عَن جُنُبٍ﴾) في قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي: أبصرت (١) أخت موسى موسى (٢) مستخفيةً كائنةً (عَنْ بُعْدٍ) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: عن مكانٍ بعيدٍ، وقال أبو عمرو بن العلاء أي: عن شوقٍ، وهي لغةُ جُذام، يقولون: جنبت إليك، أي: اشتقت، وقوله: (عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ) أي: في معنى البُعد (وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا) وقُرئ قولُه: ﴿عَن جُنُبٍ﴾ بفتح الجيم وسكون النون، وبفتحهما، وبضمِّ الجيم وسكون النون، وعن جانب، وكلُّها شاذَّةٌ، والمعنى واحدٌ.

(نَبْطِشُ) بالنون وكسر الطاء (وَنَبْطُشُ) بضمِّ الطاء لغتان، ومرادُه الإشارةُ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ﴾ [القصص: ١٩] لكن الآية بالياء، وكذا وقع في بعض نسخ «البخاري»، بل هو الذي في «اليونينيَّة»، وبالنون فيهما في فرعها (٣)، والضَّمُّ قراءةُ أبي جعفرٍ، والكسر قراءة الباقين.

(﴿يَأْتَمِرُونَ﴾) في قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: (يَتَشَاوَرُونَ) بسببك، قال في «الأنوار»: وإنَّما سُمِّيَ التشاورُ ائتمارًا؛ لأنَّ كُلًّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «قال ابن عبَّاس: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ … » إلى هنا.

(العُدْوَانُ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] معناه (وَالعَدَاءُ) بالفتح والتخفيف، وفي «الناصريَّة»: بضمِّ العين وكسرها، ولم يضبطها في الفرع كأصله و «آل ملك» (٤) (وَالتَّعَدِّي) بالتشديد (وَاحِدٌ) في معنى التجاوز عن الحق (٥).

(﴿آنَسَ﴾) بالمدِّ في قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: (أَبْصَرَ) من الجهة التي تلي الطور نارًا، وكان في البريَّة في ليلة مظلمةٍ.

(الجَُِذْوَةُ) في قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] هي (قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ) أي: في رأسها نارٌ (لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ) قال ابن مُقبِل:

باتتْ حواطبُ ليلى يَلْتمِسْنَ لها … جَزْلَ الجِذا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ الخوَّار: الذي يتقصَّف، والدَّعِرُ: الذي فيه لهب، وقد ورد ما يقتضي وجودَ اللهَب فيه، قال الشاعر:

وألقى على قبسٍ من النارِ جَِذوةً … شديدًا عليها حِميُها والتهابُها

وقيل: الجَِذوة: العودُ الغليظ، سواء كان في رأسه نارٌ أو لم يكن، وليس المرادُ هنا إلَّا ما في رأسه نارٌ، كما في الآية: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩] (وَالشِّهَابُ) المذكور في النمل في قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] هو ما (فِيهِ لَهَبٌ) وذُكِر (١) تتميمًا للفائدة.

(وَالحَيَّاتُ) جمع: حيَّةٍ، يُشير إلى قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ يعني: فألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢)﴾ [طه: ٢٠] وأنها (أَجْنَاسٌ: الجَانُّ) كما في قوله هنا: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١] (وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ) وكذا الثُّعبانُ في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ولم يذكره المؤلِّف، وقد قيل: إنَّ موسى ﵇ لمَّا ألقى العصا؛ انقلبتْ حيَّةً صفراءَ بِغِلَظِ العَصا، ثمَّ تورَّمتْ وعظُمَتْ؛ فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا إلى المبدأ (٣)، وثعبانًا مرَّة (٤) باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الشامل للحالين، وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجانِّ؛ ولذلك قال: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص: ٣١].

(﴿رِدْءًا﴾) في قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي: (مُعِينًا) وهو في الأصل اسمُ ما يُعان به؛ كالدفء بمعنى المدفوء به، فهو «فِعْل» بمعنى «مفعول»، ونصبُه على الحال.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]) بالرفعِ، وبه قرأ حمزةُ وعاصمٌ، على الاستئناف أو الصفة لـ ﴿رِدْءًا﴾ أو الحال مِن هاءِ ﴿أَرْسِلْهُ﴾ أو مِنَ الضمير في ﴿رِدْءًا﴾ أي: مُصدِّقًا، وبالجزم، وبه قرأَ الباقون جوابًا للأمرِ؛ يعني: إن أرسلتَه صدَّقَنِي (٥)، وقيل: ﴿رِدْءًا﴾ كيما يصدقني أو (٦)

لكي يصدقني فرعونُ، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقتَ، أو يقول للنَّاس (١): صدقَ موسى، بل إنَّه يلخِّصُ بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيبُ عن الشُّبُهات.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿سَنَشُدُّ﴾) ﴿عَضُدَكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي: (سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين (فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا) يقوِّيه (٢)، وهو مِن باب الاستعارة، شبَّه حالةَ موسى بالتقوِّي بأخيه بحالةِ اليد المتقوِّية بالعضد، فجُعِلَ كأنَّه يدٌ مستندةٌ بعضُدٍ شديدةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ من (٣) قوله: «﴿آنَسَ﴾ … » إلى هنا.

(مَقْبُوحِينَ) أي: (مُهْلَكِينَ) ومرادُه قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] وهذا تفسيرُ أبي عُبيدة، وقال غيرُه: مِنَ المطرودين، ويُسَمَّى (٤) ضدُّ الحُسْنِ قَبيحًا؛ لأنَّ العينَ تنبو عنه، فكأنَّها تطرده.

(﴿وَصَّلْنَا﴾) ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] أي: (بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) قاله ابنُ عبَّاسٍ، وقيل: أتبعنا بعضَه بعضًا فاتَّصلَ، وقال ابنُ زيدٍ: وصَّلنا لهم خبرَ الدنيا بخبرِ (٥) الآخرةِ، حتَّى كأنَّهم عاينوا الآخرةَ في الدنيا، وقال الزَّجَّاج أي: فصَّلناه بأنْ وصَّلنا ذِكْرَ الأنبياءِ وأقاصيصَ مَن مضى بعضَها ببعض.

(﴿يُجْبَى﴾) في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى﴾ أي: (يُجْلَبُ) ﴿إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].

(﴿بَطِرَتْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨] (أَشِرَتْ) وزنًا ومعنًى، أي: وكم مِن أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أَشِرُوا؛ فدمَّر اللهُ عليهم وخرَّب دِيارَهُم، قاله في «الأنوار».

(﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]

(أُمُّ القُرَى مَكَّةُ) لأنَّ الأرض دُحِيَتْ مِن تحتِها (وَمَا حَوْلَهَا) ومرادُه: أنَّ الضمير في ﴿أُمِّهَا﴾ للقرى، ومكَّةُ وما حولها تفسيرٌ للأمِّ، لكن في إدخال «مَا حَوْلَهَا» في ذلك نظرٌ على ما لا يخفى.

(﴿تُكِنُّ﴾) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ (١) صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩] أي: ما (٢) (تُخْفِي) صدورُهم، يُقال: (أَكْنَنْتَُ الشَّيْءَ) بالهمزة وضمِّ التاء، وفي بعضِها بفتحها، أي: (أَخْفَيْتَُهُ، وَكَنَنْتَُهُ) (٣) بتركها مِنَ الثلاثي وضمِّ التاء وفتحِها، أي: (أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) بالهمز فيهما، وفي نسخة معتمدة: «خفيته» بدون همز (٤) «أظهرته» بدون واو، قال ابنُ فارسٍ: أخفيتُه: سترتُه، وخفيتُه: أظهرتُه، وقال أبو عُبيدةَ: أكننتُه؛ إذا أخفيتُه وأظهرتُه، وهو مِنَ الأضداد.

(﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾) هي (مِثْلُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وحينئذٍ تكون ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلُّها كلمةً مستقلَّةً بسيطةً، وعند (٥) الفرَّاء: أنَّها بمعنى: أَمَا تَرَى إلى صُنِع الله؟ وقيل غير ذلك (﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]) أي: (يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ) أي (٦): بمقتضى مشيئتِه، لا لكرامةٍ تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يُوجِبُ النقص، وسقط لأبي ذرٍّ والأصيليِّ «﴿وَيْكَأَنَّ (٧) اللهَ﴾ … » إلى آخره.

(٢) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]) أحكامَه وفرائضَه، أو تلاوتَه وتبليغَه، وزاد الأصيليُّ: «الآيةَ»، وزاد (٨) في نسخة: «﴿لَرَادُّكَ﴾» أي (٩): بعدَ الموت «﴿إِلَى مَعَادٍ﴾»، وتنكيرُه للتعظيم، كأنَّه قال: معادٍ وأيِّ معادٍ، أي: ليس لغيرك مِنَ البشر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَليّ وعَلى وَالِدي، وآلفه وارتبطه لَا يَنْقَلِب عني حَتَّى لَا أَزَال شاكراً لَك.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: نَكِّرُوا غَيِّرُوا

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي معنى قَوْله تَعَالَى: (نكروا لَهَا عرشها: غيروا، أسْندهُ أَبُو مُحَمَّد من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: غيروه. وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه أخر صَحِيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: أَمر بالعرش فَغير مَا كَانَ أَحْمَر جعل أَخْضَر، وَمَا كَانَ أَخْضَر جعل أصفر غير كل شَيْء عَن حَاله.

وأوتِينا العِلْمَ يَقُولُهُ سُلَيْمانُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين} (النَّمْل: ٢٤) وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن قَوْله: (وأويتينا الْعلم) من قَول سُلَيْمَان، وَقَالَ الواحدي: إِنَّه من قَول بلقيس، قَالَ بَعضهم، وَالْأول الْمُعْتَمد. قلت: السِّيَاق والسباق يدلان على أَنه من قَول بلقيس أَنه من قَول قالته مقرة بِصِحَّة نبوة سُلَيْمَان.

الصَّرْحُ بِرْكَةُ ماءٍ ضَرَبَ سُلَيْمانُ قَوَارِيرَ ألْبَسَها إيَّاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قيل لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا قَالَ أَنه صرح ممرد من قَوَارِير} (النَّمْل: ٤٤)

الْآيَة، وَفسّر (الصرح) الْمَذْكُور بقوله: (بركَة مَاء)

إِلَى آخِره، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد مثله، ثمَّ قَالَ: وَكَانَت هلباء شعراء، وَمن وَجه آخر عَن مُجَاهِد: كشفت بلقيس عَن سَاقيهَا فَإِذا هما شعراوان، فَأمر سُلَيْمَان بالنورة فصنعت. قَوْله: (قَوَارِير) ، جمع قَارُورَة وَهِي الزّجاج، وَكَانَ سُلَيْمَان أَمر ببنائه وأجرى تَحْتَهُ المَاء وَألقى فِيهِ كل شَيْء من دَوَاب الْبَحْر: السّمك وَغَيره، ثمَّ وضع لَهُ سَرِير فِي صدرها فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَت بلقيس قيل لَهَا: أدخلي الصرح، فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وَهُوَ مُعظم المَاء، وَعَن ابْن جريج: حسبته بحراً وكشفت عَن سَاقيهَا لتخوض إِلَى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام، وَبَاقِي الْقِصَّة مَشْهُور. قَوْله: (إِيَّاه) فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: إِيَّاهَا.

٨٢ - (سورَةُ القَصَصِ)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْقَصَص، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا آيَة نزلت بِالْجُحْفَةِ وَهِي قَوْله: {إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد} (الْقَصَص: ٥٨) أَي: إِلَى مَكَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِلَى الْمَوْت. وَعنهُ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَعنهُ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ: إِلَى الْجنَّة، وَهِي ثَمَان وَثَمَانُونَ آيَة، وَألف وَأَرْبَعمِائَة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف.

لم يثبت لفظ سُورَة والبسملة إِلَّا لأبي ذَر والنسفي.

يُقالُ: كلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه، إلَاّ مُلْكَهُ، ويُقالُ: إلاّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ الله

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي آخر سُورَة الْقَصَص: {وَلَا تدعُ مَعَ الله إل هَا آخر لَا إل هـ إلَاّ هُوَ كل شَيْء هَالك إلَاّ وَجهه لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون} (الْقَصَص: ٨٨) وَفسّر الْوَجْه بِالْملكِ، وَكَذَا نقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل الْعَرَبيَّة، وَكَذَا ذكره الْفراء، وَعَن أبي عبيد إلَاّ وَجهه: إلَاّ جلالة. قَوْله: (وَيُقَال)

إِلَى آخِره، قَالَ سُفْيَان: مَعْنَاهُ إلَاّ مَا أُرِيد بِهِ رِضَاء الله والتقرب لَا الرِّيَاء وَوجه النَّاس.

وَقَالَ مُجاهِدٌ الأنْباءُ الحجَجُ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فعميت عَلَيْهِم الأنباء} (الْقَصَص: ٦٦) أَن الأنباء هِيَ الْحجَج، وَكَذَا ذكره الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {إنَّكَ لَا تَهْدِي منْ أحْبَبْتَ ولاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} (الْقَصَص: ٦٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك لَا تهدى} ... الْآيَة. قَوْله: (لَا تهدي) ، خطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (من أَحْبَبْت) ، هدايته، وَقيل: لِقَرَابَتِهِ.

٢٧٧٤ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قَالَ لمّا حَضَرَتْ أَبَا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بنَ أبي أميَّةَ بنِ المُغِيَرةِ فَقَالَ أيْ عَمِّ قُلْ لَا إل هَ إلاّ الله كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ الله فَقَالَ

أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْرِضُها عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ حَتَّى قَالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأبي أَن يَقُولَ لَا إل هَ إلَاّ الله قَالَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أنْهَ عَنْكَ فأنْزَلَ الله: {مَا كانَ لِلنبيِّ والذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمشْرِكِين} (التَّوْبَة: ٣١١) وأنْزَلَ الله فِي أبي طَالب فَقَالَ لِرَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلاكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} (الْقَصَص: ٦٥) ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت: لَا إل هـ إلَاّ الله. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ إِذْ لم يرو عَن الْمسيب إلَاّ ابْنه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن الْمسيب من مسلمة الْفَتْح على قَول مُصعب، وعَلى قَول العسكري مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، فأياماً كَانَ فَلم يشْهد وَفَاة أبي طَالب لِأَنَّهُ توفّي هُوَ وَخَدِيجَة، رَضِي الله عَنْهَا. فِي أَيَّام مُتَقَارِبَة فِي عَام وَاحِد للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَحْو الْخمسين، ورد عَلَيْهِمَا بَعضهم بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْمسيب مُتَأَخِّرًا إِسْلَامه أَن لَا يشْهد وَفَاة أبي طَالب كَمَا شَهِدَهَا عبد الله بن أبي أُميَّة وَهُوَ يومئذٍ كَافِر ثمَّ أسلم بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: حُضُور عبد الله بن أبي أُميَّة وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر ثَبت فِي: (الصَّحِيح) وَلم يثبت حُضُور الْمسيب وَفَاة أبي طَالب وَهُوَ كَافِر لَا فِي: (الصَّحِيح) وَلَا فِي غَيره، وبالاحتمال لَا يرد على كَلَام بِغَيْر احْتِمَال، فَافْهَم.

قَالَ ابنُ عَبَّاس أُولي القُوَّةِ لَا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ. لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا أَن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة} (الْقَصَص: ٦٧)

الْآيَة. وَفسّر قَوْله: {أولي الْقُوَّة} بقوله: (لَا يرفعها الْعصبَة من الرِّجَال) والعصبة مَا بَين الْعشْرَة إِلَى خَمْسَة عشرَة قَالَه مُجَاهِد، وَعَن قَتَادَة: مَا بَين الْعشْرَة إِلَى أَرْبَعِينَ، وَعَن أبي صَالح: أَرْبَعُونَ رجلا وع ابْن عَبَّاس مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: سِتُّونَ، وَفسّر قَوْله: (لتنوء) ، بقوله: (لتثقل) ، وَقيل: لتميل، وَهَذَا إِلَى قَوْله: يتشاورون، لم يثبت لأبي ذَر والأصيلي، وَثَبت لغَيْرِهِمَا إِلَى قَوْله: ذكر مُوسَى.

فارِغاً إلاّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا} (الْقَصَص: ٠١) وَفسّر فَارغًا بقوله: (إلَاّ من ذكر مُوسَى) وَفِي التَّفْسِير: أَي سَاهِيا لاهياً من كل شَيْء إلَاّ من ذكر مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وهمه، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن الْكسَائي: فَارغًا أَي نَاسِيا، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: فَارغًا من الْحزن لعلمها بِأَنَّهُ لم يغرق.

الفَرِحِينَ المَرِحِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين} (الْقَصَص: ٦٧) وَفَسرهُ بقوله: (المرحين) وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

قُصِّيهِ اتبِعِي أثَرَهُ وَقَدْ يَكُونُ أنْ يَقُصَّ الكَلَامَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَت لأخته قصيه فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ} (الْقَصَص: ١١) أَي: قَالَت أم مُوسَى لأخت مُوسَى: قصيه، أَي: اتبعي أَثَره، من قَوْلهم: قصصت آثَار الْقَوْم أَي: تبعتها. قَوْله: (وَقد يكون)

إِلَى آخِره. أَرَادَ بِهِ أَن قصّ يكون أَيْضا من قصّ الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نَحن نقص عَلَيْك} (الْقَصَص: ١١) وَمِنْه: قصّ الرُّؤْيَا إِذا أخبر بهَا.

عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنابَةٍ واحِدٌ وَعَنِ اجْتِنابٍ أيْضاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ} وَفسّر: (عَن جنب) بقوله: (عَن بعد) أَي: بصرت أُخْت مُوسَى بمُوسَى أَي: أبصرته عَن بعد وَالْحَال أَنهم لَا يَشْعُرُونَ لَا يعلمُونَ أَنَّهَا أُخْت مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْجنب

أَن يسمو بصر الْإِنْسَان إِلَى الشَّيْء الْبعيد وَهُوَ إِلَى جنبه لَا يشْعر بِهِ، وَعَن قَتَادَة: جعلت أُخْت مُوسَى تنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهَا لَا تريده. قَوْله: عَن جَنَابَة أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَن معنى عَن جَنَابَة: عَن بعد. قَوْله: (وَاحِد) أَي: معنى عَن جَنَابَة: وَاحِد، وَكَذَلِكَ معنى: وَعَن اجْتِنَاب، وَالْحَاصِل أَن كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: الْبعد، وَمِنْه: الْجنب. سمي بِهِ لِأَنَّهُ بعيد عَن تِلَاوَة الْقُرْآن.

يَبْطِشُ: ويَبْطُشُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما} (الْقَصَص: ٩١) وَبَين أَن فِيهِ لغتين إِحْدَاهمَا: يبطش، بِضَم الطَّاء، والآخرى: يبطش، بِالْكَسْرِ.

يأْتَمِرُونَ: يَتَشَاوَرُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك} (الْقَصَص: ٠٢) وَفسّر: (يأتمرون) بقوله: (يتشاورون) وَقيل: مَعْنَاهُ يَأْمر بَعضهم بَعْضًا، وَالْقَائِل لمُوسَى بذلك هوحزقيل مُؤمن آل فِرْعَوْن وَكَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَالْمَلَأ: الْجَمَاعَة.

العُدْوَانُ والعَدَاءُ والتَّعَدِّي وَاحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل} (الْقَصَص: ٨٢) وبيّنَ أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة وَاحِد، وَهُوَ التَّعَدِّي والتجاوز عَن الْحق، وَالْقَائِل بِهَذَا هُوَ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام، وقصته مَشْهُورَة.

آنَسَ: أبْصَرَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله آنس من جَانب الطّور نَارا} (الْقَصَص: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: (أبْصر) .

الجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ: والشِّهابُ فِيهِ لَهَبٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون} (الْقَصَص: ٩٢) وَفسّر الجذوة بقوله: (قِطْعَة) إِلَى آخِره، وَقَالَ مقَاتل وَقَتَادَة: الجذوة الْعود الَّذِي احْتَرَقَ بعضه، وَجَمعهَا جذى، وَالْجِيم فِي جذوة مُثَلّثَة وَهِي لُغَات وقرءات وَمعنى: يصطلون تستدفئون. قَوْله: (والشهاب فِيهِ لَهب) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل: {إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو آتيكم بشهاب قبس لَعَلَّكُمْ تصطلون} (النَّمْل: ٧) وَفسّر الشهَاب بِأَن فِيهِ لهباً، قَالَ الْجَوْهَرِي: الشهَاب شعلة نَار ساطعة، وَقَالَ: اللهب لَهب النَّار وَهُوَ لسانها، وكنى أَبُو لَهب لجماله.

كأنَّها جانٌّ وهْيَ فِي آيَةٍ أُخْرَى كأنَّها حَيَّةٌ حَيَّةٌ تَسْعَى والحَيَّاتُ أجْناسٌ الجانُّ والأفاعِي والأساوِدُ

هَذَا ثَبت للنسفي، وَأَشَارَ بقوله: (كَأَنَّهَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة: {وَأَن ألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان ولى مُدبرا} (الْقَصَص: ١٣) قَوْله: (وَهِي فِي آيَة أُخْرَى) {كَأَنَّهَا حَيَّة تسْعَى} (طه: ٠٢) وَهُوَ فِي سُورَة طه، وَهِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ: القها يَا مُوسَى فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى} وَفِي الشُّعَرَاء: {فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١ وَالشعرَاء: ٢٣) وَلم يذكر البُخَارِيّ هَذَا مَعَ أَنه دَاخل فِي قَوْله: (والحيات أَجنَاس) وَهِي جمع حَيَّة وَهِي إسم جنس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْحَيَّة والجان والثعبان، فالحية تَشْمَل الجان والثعبان، وَكَانَت حَيَّة لَيْلَة المخاطبة لِئَلَّا يخَاف مُوسَى علهي الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا إِذا أَلْقَاهَا بَين يَدي فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس: صَارَت حَيَّة صفراء لَهَا عرف كعرف الْفرس، وَجعلت تتورم حَتَّى صَارَت ثعباناً وَهِي أكبر مَا يكون من الْحَيَّات فَلذَلِك قَالَ فِي مَوضِع آخر: {كَأَنَّهَا جَان} وَهِي أَصْغَر الْحَيَّات وَفِي مَوضِع آخر: ثعبان، وَهُوَ أعظمها، فالجان ابْتِدَاء حَالهَا والثعبان. انْتِهَاء حَالهَا، وَكَانَ الجان فِي سرعَة فَلذَلِك قَالَ: {فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان} وَيُقَال: كَانَ مَا بَين لحيي الْحَيَّة أَرْبَعُونَ ذِرَاعا، وَعَن ابْن عَبَّاس: لما انقلبت الْحَيَّة ثعباناً ذكرا صَار يبتلع الصخر وَالْحجر. قَوْله: (والأفاعي) جمع أَفْعَى على وزن أفعل، يُقَال: هَذِه أَفْعَى بِالتَّنْوِينِ، والأفعوان ذكر الأفاعي. قَوْله: (والأساود) ، جمع أسود وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجمع الأساود لِأَنَّهُ إسم، وَلَو كَانَ صفة لجمع على فعل يَعْنِي لقَالَ: سود، يُقَال: أسود سالخ غير مُضَاف لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام وَالْأُنْثَى: أَسْوِدَة، وَلَا تُوصَف بسالخة.

رِدْءاً مُعِيناً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني} (الْقَصَص: ٤٣) وَفَسرهُ بقوله: (معينا) يُقَال: فلَان رده فلَان إِذا كَانَ ينصره ويشد ظَهره، وَيُقَال: أردأت الرجل أعنته.

عبيد الله ال ابنُ عَبَّاسٍ لِكَي يُصَدِّقُنِي. وَقَالَ غيْرُهُ سَنَشُدُّ كُلَّما عَزَّزْتَ شَيْئاً فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُداً

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ردأ يصدقني} (الْقَصَص: ٤٣) لكَي يصدقني، وَفِي التَّفْسِير: يصدقني أَي: مُصدقا وَلَيْسَ الْغَرَض بتصديقه أَن يَقُول لَهُ: صدقت، أَو يَقُول للنَّاس: صدق مُوسَى، وَإِنَّمَا هُوَ أَن يلخس بِلِسَانِهِ الْحق أَو يبسط القَوْل فِيهِ، ويجادل بِهِ الْكفَّار كَمَا يفعل الرجل المنطيق ذُو الْمُعَارضَة. قَوْله: (قَالَ غَيره) ، أَي: غير ابْن عَبَّاس فِي معنى قَول الله تَعَالَى: {سنشد عضدك بأخيك} (الْقَصَص: ٥٣) سنعينك. وَقيل: سنقويك بِهِ، وَشد العضدد كِنَايَة عَن التقوية. قَوْله: (كلما عززت) ، من: عز فلَان أَخَاهُ إِذا قوَّاه، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فعززنا بثالث} (يس: ٢٤١) يُخَفف ويشدد أَي: قوينا وشددنا.

مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين} (الْقَصَص: ٢٤) وَفَسرهُ بقوله: (مهلكين) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: أَي من المتعدين الملعونين من الْقبْح وَهُوَ الإبعاد. وَقَالَ ابْن زيد: يُقَال: قبح الله فلَانا قبحاً وقبوحاً، أَي: أبعده من كل خير، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي سَواد الْوَجْه وزرقة الْعين، وعَلى هَذَا يكون بِمَعْنى المقبحين.

وصَّلْنا: بَيَّنَّاه وأتْمَمْناهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل لَعَلَّهُم يتذكرون} (الْقَصَص: ١٥) وَفسّر: وصلناه بقوله: (بَيناهُ) وَعَن السّديّ كَذَلِك، وَعَن الْفراء: أتبعنا بعضه بَعْضًا فاتصل. قَوْله: (وأتممناه) ، الضَّمِير الْمَنْسُوب فِيهِ فِي بَيناهُ يرجع إِلَى القَوْل، الْمَعْنى: بَينا لكفار مَكَّة فِي الْقُرْآن من خبر الْأُمَم الْمَاضِيَة كَيفَ عذبُوا بتكذيبهم.

يُحْياى: يُجْلَبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء} (الْقَصَص: ٧٥) وَفسّر: يجبى بقوله: (يجلب) وَقَرَأَ نَافِع: تجبى، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الْحرم، وَالْمعْنَى: يجلب وَيحمل من النواحي ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا أَي: من عندنَا.

بَطِرَتْ: أشِرَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكم أهلكنا من قَرْيَة بطرت معيشتها} (الْقَصَص: ٨٥) وَفسّر قَوْله: (بطرت) ، بقوله: (أَشرت) ، أَي: طغت وبغت، وَقَالَ ابْن فَارس: البطر تجَاوز الْحَد فِي المرح، وَقيل: هُوَ الطغيان بِالنعْمَةِ.

فِي أُمِّها رَسُولا أُمُّ القُرَى مَكّةُ وَمَا حَوْلَها

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا} (الْقَصَص: ٩٥) ، الْآيَة. وَذكر أَن المُرَاد بِأم الْقرى مَكَّة وَمَا حولهَا، سميت بذلك لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا.

{تُكِنُّ تُخْفِي أكْنَنْتُ الشَّيْءَ أخْفَيْتُهُ وكَنَنْتُهُ أخفَيْتُهُ وأظْهَرْتُهُ}

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ مَا يعلنون} (الْقَصَص: ٩٦) وَفسّر: (تكن) ، بقوله: (تخفي) وتكن، بِضَم التَّاء من أكننت الشَّيْء إِذا أخفيته. قَوْله: (وكننته) من الثلاثي وَمَعْنَاهُ: خفيته بِدُونِ الْهمزَة فِي أَوله أَي: أظهرته، وَهُوَ من الأضداد، وَوَقع فِي الْأُصُول: أخفيته فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله وَلأبي ذَر بِحَذْف الْألف فِي الثَّانِي وَكَذَا قَالَ ابْن فَارس أخفيته سترته وخفيته أظهرته.

{وَيْكَأنَّ الله} مِثْلُ: {ألم تَرَ أَن الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ} (الْقَصَص: ٢٨) يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس يَقُولُونَ وي كَأَن الله يبسط الرزق لمن يشار من عباده وَيقدر} وَهَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفسّر قَوْله: (وي كَأَن الله) بقوله: مثل: (ألم تَرَ) إِلَى آخِره، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وي، مفصولة عَن: كَأَن، وَهِي كلمة تَنْبِيه على الْخَطَأ وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه، وَعند الْكُوفِيّين إِن: وَبِك بِمَعْنى: وَيلك، وَأَن الْمَعْنى: ألم تعلم أَنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ، وَيجوز أَن يكون الْكَاف كَاف الْخطاب مَضْمُومَة إِلَى وي، وَأَنه بِمَعْنى: لِأَنَّهُ، وَالْكَلَام لبَيَان الْمَقُول لأَجله هَذَا القَوْل أَو لِأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ. قَوْله: (وَيقدر) ، أَي: ويقتر. قَوْله: (يُوسع عَلَيْهِ) ، يرجع إِلَى قَوْله: {يبسط الرزق} وَقَوله: (يضيق عَلَيْهِ) يرجع إِلَى قَوْله: (وَيقدر) .

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.8 / 29.5
الإضاءة 33%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله وبحمده

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56