الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4697
الحديث رقم 4697 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الرعد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَادٍ﴾ دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَدِيدٌ﴾ قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ، يَبْغُونَهَا عِوَجًا يَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ، رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ، هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ، ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامِهِ، ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ، ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنَ الصُّرَاخِ، ﴿وَلا خِلَالَ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ، ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
الغيب عند الله لا يعلمه إلا هو، وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن مفاتح الغيب وخزائنه خمسة:
الأول: لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده.
الثاني: لا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابًا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق ويقين.
الثالث: ما يكون في الأرحام؛ من ذكر أو أنثى، أسود أو أبيض، كامل أو ناقص، شقي أو سعيد ونحوها، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يَعرف أحدٌ حقيقتها فغيرها بطريق الأولى.
الرابع: لا يعلم ما في غد إلا الله، إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ "غد" لتكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة فما بعد عنه أولى.
الخامس: لا تدري نفس بأي أرض تموت، إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوي الفاسدة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نَقَصَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أَيْ ذَهَبَ وَقَلَّ. وَهَذَا تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ، تَغِيضُ الْأَرْحَامُ، فَإِنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ مِنْ وَلَدِهَا. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْغِيضُ مَا دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالزِّيَادَةُ مَا زَادَتْ عَلَيْهَا يَعْنِي فِي الْوَضْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ غَرَبُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ مَعْنٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.
١٤ - سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ: دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ، آذَنَكُمْ. فَرَدُّوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ. ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنْ الصُّرَاخِ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ دَاعٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ ﷺ. فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَادِي اللَّهُ. وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْهَادِي الْقَائِدُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا: الْهَادِي نَبِيٌّ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ. وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: قَيْحٌ وَدَمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قَالَ: نِعَمِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قَالَ: رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ، قَالَ: وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ إِذْ زَائِدَةٌ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ. وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ: رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأولى ولدت ابنتي (١) زينب -وفَّقها الله تعالى لكلِّ خيرٍ وأحسنَ عواقبها وجعل لها الذُّرِّيَّة الصَّالحة -لتسعة أشهرٍ من ابتداء حملها، وقد نبتت ثنيَّتُها ثمَّ سقطت بعد نحو سبعة أشهرٍ، وقال مكحولٌ: الجنين في بطن أمِّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمُّ، وإنَّما يأتيه رزقه في بطن أمَّه من دم حيضها، فمِن ثمَّ لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهلَّ، واستهلاله استنكارٌ لمكانه، فإذا قُطِعَت سرَّته حوَّل الله رزقه إلى ثدي أمِّه، حتَّى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمَّ، ثمَّ يصير طفلًا يتناول الشَّيء بكفِّه فيأكله (٢)، فإذا بلغ؛ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ يقول مكحولٌ: يا (٣) ويحك (٤) غذَّاك وأنت في بطن أمِّك وأنت طفلٌ صغيرٌ، حتَّى إذا اشتددتَ وعقلت؛ قلت: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ ثمَّ قرأ مكحولٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. انتهى. والإسناد إلى الرَّحم لا يخفى أنَّه مجازيٌّ؛ إذ الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وكلُّ كائنٍ بقدرٍ معيَّنٍ عند الله تعالى، لا يجاوز ولا ينقص عنه.
٤٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى القزَّاز، بالقاف والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف زايٌ أخرى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعودٍ: تفرَّد به إبراهيم (٥) بن المنذر، وهو غريبٌ عن مالكٍ، قال في «الفتح»: قد أخرجه الدَّارقطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ، ورواه أيضًا من
طريق القعنبيِّ عن مالكٍ لكنَّه اختصره، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن (١) القاسم عن مالكٍ، قال الدَّارقطنيُّ (٢): ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فوهم فيه إسنادًا ومتنًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) بوزن: مصابيح، ولأبي ذَرٍّ: «مفاتِح» بوزن: مَسَاجِد؛ جمع مَفْتَح بفتح الميم، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ (٣) إِلَّا اللهُ) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) أي: ما تُنقِصه (٤) (إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ (٥) إِلَّا اللهُ) أي: إلَّا عند أمر الله به، فيعلم حينئذٍ كالسَّابق إذا أمر تعالى به (وَلَا تَدْرِي (٦) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: في بلدها أم في غيرها (٧)؛ كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ) أحدٌ (إِلَّا اللهُ) إلَّا من ارتضى من رسولٍ، فإنَّه يطلعه على ما يشاء من غيبه، والوليُّ التَّابع له يأخذ عنه، وقد سبق شيءٌ من فوائد هذا الحديث في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] فالتَفِتْ إليه «كالاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي الإلمام بشيءٍ منه إن شاء الله تعالى في آخر «سورة لقمان» [خ¦٤٧٧٧] وبالله المستعان.
(((١٤))) (سورة إِبْرَاهِيمَ) مكِّيَّةٌ، وهي إحدى وخمسون آيةً.
(بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) وسقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وكذا «باب».
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله (١) عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ (﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]) أي: (دَاعٍ) يدعوهم إلى الصَّواب ويهديهم إلى الحقِّ، والمراد: نبيٌّ مخصوصٌ بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالب عليهم، والظَّاهر: أنَّ وقوع ذلك هنا من ناسخٍ (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (صَدِيدٌ) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) (٣) وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي روايةٍ عنه: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدَّم، وقيل: ما يخرج من فروج الزُّناة، وهل الصَّديد نعتٌ أم لا؟ فقيل: نعتٌ لـ ﴿مَّاء﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّه على حذف أداة التَّشبيه، أي: ماءٌ مثل صديدٍ، وعلى هذا فليس الماء الَّذي يشربونه صديدًا، بل مثله في النَّتَن والغلظ والقذارة؛ كقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] والثَّاني: إنَّ الصَّديد لمَّا كان يشبه الماء؛ أُطلِق عليه ماء، وليس هو بماءٍ حقيقةً، وعلى هذا فيشربون نَفْس الصَّديد المشبَّه بالماء، وإلى كونه صفةً ذهب الحوفيُّ وغيره، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتَقٍّ إلَّا على قول (٤) من فسَّره بأنَّه صديدٌ بمعنى: مصدود، أخذه من الصَّدِّ وكأنَّه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عنه كلُّ أحدٍ (٥)، ويدلُّ عليه ﴿َتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتكلَّف جرعه، وكذا ﴿وَلَا يَكَادُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وسقط «وقال مجاهدٌ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله في «تفسيره» والطَّبريُّ (١) أيضًا: (﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]) أي: (أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) أي: بوقائعه (٢) الَّتي وقعت على الأمم الدَّارجة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم﴾ (﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]) أي: (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وفي ﴿مِّن﴾ قولان؛ قيل: زائدةٌ في المفعول الثَّاني، وهذا إنَّما يأتي على قول الأخفش، وقيل: تبعيضيَّةٌ، أي: آتاكم بعض (٤) ما سألتموه، نظرًا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوفٌ، أي: وآتاكم شيئًا من كلِّ ما سألتموه، وهو رأي سيبويه.
(﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣]) قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حميدٍ: (يَلْتَمِسُونَ) ولأبي ذَرٍّ: «تبغونها: تلتمسون (٥)» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٦) (لَهَا عِوَجًا) أي: زيغًا ونكوبًا (٧) عن الحقِّ ليقدحوا فيه، وأشار بقوله: «لها» إلى الأصل، ولكنَّه حذف الجارَّ وأوصل الفعل، والإضلال (٨) يكون بالسعي في صدِّ الغير، وبإلقاء الشَّكِّ والشُّبهات في المذهب الحقِّ، ويحاول تقبيح الحقِّ بكلِّ ما يقدر عليه، وهذا النِّهاية.
(﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) أي: (أَعْلَمَكُمْ: آذَنَكُمْ) بمدِّ الهمزة، والمعنى: آذن إيذانًا بليغًا؛ لِمَا في «تَفَعَّل» من التَّكلُّف، وفي رواية أبي ذَرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «أعلمكم ربُّكم» أي: إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال؛ لأزيدنَّكم النِّعم (٩)، وإن جحدتموها فإنَّ عذابي بسلبها في الدُّنيا والنَّار في العقبى في غاية الشِّدَّة.
(رَدُّوا) يريد قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ﴾ (﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) قال أبو عبيدة: (هَذَا مَثَلٌ) ومعناه: (كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) من الحقِّ، ولم يؤمنوا به، قال في «الفتح»: وقد تعقَّبوا كلام أبي عبيدة
بأنَّه لم يسمع من العرب: ردَّ يده في فِيْهِ؛ إذا تَرَكَ الشَّيء الَّذي كان يفعله. انتهى. وهذا الَّذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش، وأنكره القتيبيُّ، ولفظه كما في «اللُّباب»: لم يسمع أحدٌ يقول: ردَّ يده إلى فِيْه؛ إذا تَرَكَ ما أُمر به، وأُجيبَ بأنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، قال في «الدُّرِّ»: والضَّمائر الثَّلاثة يجوز أن تكون للكفَّار، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواههم من الغيظ؛ كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] فـ «في» (١) على (٢) بابها من الظَّرفيَّة، أو فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء، فـ «في» بمعنى «على» أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كفرنا، فـ «في» بمعنى «إلى» وأن يكون الأوَّلان للكفَّار والأخير للرُّسل، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواه الرُّسل، أي: أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ﴾ (﴿مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤]) قال ابن عبَّاسٍ: (حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يوم القيامة للحساب.
وقوله: (﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦]) أي: من (قُدَّامِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قدَّامَه جهنَّم» بنصب ميم قدَّامَه، وهذا قول الأكثر؛ وهو من الأضداد، وعليه قوله:
عسى الكربُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يَكُونُ وراءه فَرجٌ قَرِيبُ
أي: قدَّامه، وقول الآخر:
أليسَ وَرائِي إنْ تراختْ منيّتي … لزوم العَصا تُحْنى عليها الأَضالِعُ (١)
وقيل: بعد موته.
وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: تَابِعٌ؛ مِثْلُ: غَيَبٍ وَغَائِبٍ) وخدمٍ (٢) وخادمٍ، أي: يقول الضُّعفاء للَّذين استكبروا -أي: لرؤسائهم الَّذين استتبعوهم-: إنَّا كنَّا لكم تبعًا في التَّكذيب للرُّسل والإعراض عنهم.
وقوله تعالى: (﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]) يقال: (اسْتَصْرَخَنِي) أي: (اسْتَغَاثَنِي) فكأنَّ همزته للسَّلب، أي: أزال صراخي (يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) والمعنى: ما أنا بمغيثكم من العذاب، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ … » إلى آخره (٣).
(﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] مَصْدَرُ: خَالَلْتُهُ (٤) خِلَالًا) قال طَرَفة:
كُلُّ خليلٍ كنتَ خاللتَهُ … لا تركَ اللهُ له واضحةً
(وَيَجُوزُ (٥) أَيْضًا؛ جَمْعُ: خُلَّةٍ وَخِلَالٍ) كبُرْمَةٍ وبرامٍ، وهذا قاله الأخفش، والجمهور على الأوَّل، والمخاللة: المصاحبة.
(﴿اجْتُثَّتْ﴾) من قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: (اسْتُؤْصِلَتْ) وأُخِذَت جثَّتها بالكليَّة، قال لقيطٌ الإيادي:
هذا الخلاءُ الَّذي يجتثُّ أصلَكُمُ … فمَن رأى مثلَ ذا آتٍ ومَن سمِعَا
(١) (باب قوله) تعالى: (﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾) مثمرةٍ طيِّبةٍ الثِّمار؛ كالنَّخلة وشجرة التِّين والعنب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان: والْحَدِيث قد مر فِي قصَّة يُوسُف فِي آخر: بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (وَهُوَ يسْأَلهَا) الْوَاو وَفِيه للْحَال أَي: وَعُرْوَة يسْأَل عَائِشَة. قَوْله: (أكذبوا أَو كذبُوا) يَعْنِي: مثقلة أم مُخَفّفَة، قَوْله: (قَالَت عَائِشَة كذبُوا) يَعْنِي بالتثقيل. قَوْله: (ذَلِك) أَي الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (أَتبَاع الرُّسُل) وهم الْمُؤْمِنُونَ. فالمظنون تَكْذِيب الْمُؤمنِينَ لَهُم والمتيقن تَكْذِيب الْكفَّار. قَوْله: (معَاذ الله) تعوذت من ظن الرُّسُل أَنهم مكذبون من عِنْد الله، بل ظنهم ذَلِك من قبل المصدقين لَهُم الْمُؤمنِينَ بهم.
٤٦٩٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني عرْوَةُ فَقُلْتُ لعَلَّها كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ مَعاذَ الله
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أوردهُ مُخْتَصرا وَقد سافه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) بِتَمَامِهِ، وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَنه سُأل عَائِشَة فَذكر نَحْو حَدِيث صَالح بن كيسَان.
١٣ - (سورَةُ الرَّعْدِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الرَّعْد، قيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة وَقيل الْمَدِينَة، وَقيل: فِيهَا مكي ومدني، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسِتَّة أحرف، وَثَمَانمِائَة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ آيَة.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {كَباسِطِ كَفّيْهِ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ الله إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلَ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خيَالِهِ فِي الماءِ مِنْ بَعِيد وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَتَنَاوَلهُ ولَا يَقْدِرُ} (الرَّعْد: ١٤) .
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسد كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه} الْآيَة قَوْله: (وَالَّذين) أَي: الْمُشْركُونَ الَّذين يدعونَ الْأَصْنَام من دون الله يُرِيدُونَ مِنْهَا دفعا أَو رفعا لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء مِمَّن ذَلِك. قَوْله: (كباسط كفيه) أَي: إلَاّ كباسط كفيه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهِ مثل الْمُشرك الَّذِي عَبده مَعَ الله إِلَهًا آخر إِلَى آخِره، وَوَصله أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَلَا يقدر) بالراء فِي رِوَايَة أَلا كثرين، وَرُوِيَ: فَلَا يقدم، بِالْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه من حَيْثُ الْمَعْنى.
وَقَالَ غيْرُهُ سَخَّرَ ذَلَّلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى} (الرَّعْد: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ذلل) يَعْنِي: ذللهما لمنافع الْخلق ومصالح الْعباد كل يجْرِي أَي: كل وَاحِد إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ فنَاء الدُّنْيَا وَقيام السَّاعَة.
مُتَجاورَاتٌ مُتَدَانِياتٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الأَرْض قطع متجاورات} (الرَّعْد: ٤) وَفسّر متجاورات بقوله: متدانيات، وَقيل: متقاربات يقرب بَعْضهَا من بعض بالجوار وَيخْتَلف بالتفاضل. فَمِنْهَا عذبة وَمِنْهَا مالحة وَمِنْهَا طيبَة تنْبت مِنْهَا سبخَة لَا تنْبت.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُها عَذْبُها وخَبِيثُها السَّباخُ
رُوِيَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
المُثَلاتُ واحِدُها مَثُلَةٌ وهْيَ الأشْبَاهُ والأمْثَالُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خلت من قبلهم المثلات} (الرَّعْد: ٦) أَي: وَقد مَضَت من قبلهم من الْأُمَم الَّتِي عَصَتْ رَبهَا، وكذبت رسلها بالعقوبات، والمثلات وَاحِدهَا مثلَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الثَّاء مثل صَدَقَة وصدقات، وَفسّر المثلات بقوله: (وَهِي الْأَشْبَاه والأمثال) وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (المثلات) قَالَ: الْأَمْثَال: وَمن طَرِيق معمر عَن قَتَادَة قَالَ: المثلات الْعُقُوبَات، وَمن طَرِيق زيد بن أسلم قَالَ: المثلات مَا مثل الله بِهِ من الْأُمَم من الْعَذَاب، وَسكن يحيى بن وثاب الثَّاء فِي قِرَاءَته وَضم الْمِيم، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الثَّاء، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بفتحهما وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر ابْن عَيَّاش ضمهما، وَبِه قَرَأَ عِيسَى بن عمر.
بمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار} (الرَّعْد: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (بِقدر) والمقدار على وزن: مفعال مَعْنَاهُ: بِحَدّ لَا يُجَاوِزهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مِقْدَار كل شَيْء مِمَّا يكون قبل أَن يكون وَكلما هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
مُعَقِّباتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى ومِنْهُ قِيلَ العَقِيبُ يُقالُ عَقَّبْتُ فِي إثْرِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} (الرَّعْد: ١١) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، يُقَال: مُعَقِّبَات فَسرهَا بقوله: مَلَائِكَة حفظَة يتعاقبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، فَإِذا صعدت مَلَائِكَة النَّهَار عقبتها مَلَائِكَة اللَّيْل، والتعقيب الْعود بِعْ البدء قَوْله: (لَهُ المعقبات) أَي: لله تَعَالَى مُعَقِّبَات، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَهُ مُعَقِّبَات يَعْنِي لمُحَمد من الرَّحْمَن حرس من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ. يَعْنِي: من شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقيل الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى الْإِنْسَان، والمعقبات جمع معقبة، والمعقبة جمع معقب، فالمعقبات جمع الْجمع كَمَا قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقيل: المعقبات الخدم والحرس حول السُّلْطَان، وَقيل: مَا يتعقب من أوَامِر الله وقضاياه. قَوْله: (يَحْفَظُونَهُ) أَي: يحفظون المستخفي بِاللَّيْلِ والسارب بِالنَّهَارِ قَوْله: (من أَمر الله) أَي: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله من أَمر الله فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله مَا لم يَجِيء الْقدر قَوْله: (وَمِنْه) قيل: العقيب، أَي، وَمن أصل مُعَقِّبَات يُقَال: العقيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي عقب الشَّيْء، وَفِي بعض النّسخ، وَمِنْه الْعقب، بِلَا يَاء بِمَعْنَاهُ، وعقب الرجل نَسْله. قَوْله: (يُقَال: عقب فِي إثره) بتَشْديد الْقَاف فِي ضبط الدمياطي بِخَطِّهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وتخفيفها، قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بتشديدها، وَفِي بعض النّسخ بِكَسْرِهَا، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ أَن يكون لُغَة.
المِحالُ العُقُوبَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال} (الرَّعْد: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: الْعقُوبَة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَدِيد الْأَخْذ، وَعَن مُجَاهِد، شَدِيد الْقُوَّة، وَعَن الْحسن: شَدِيد المماحلة والمماكرة والمغالبة، وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: شَدِيد انتقام.
كبَاسطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ ليَقْبِضَ عَلَى المَاء
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ بالغه} (الرَّعْد: ١٤) قَوْله: (لَا يستجيبون) ، يَعْنِي: الَّذين يشركُونَ وَيدعونَ الْأَصْنَام من دون الله لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسط كفيه أَي: إلَاّ كَمَا ينفع باسط كفيه إِلَى المَاء من الْعَطش ليقبضه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى فَمه فَلَا يتم لَهُ ذَلِك وَلَا يجمعه، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: كَالرّجلِ العطشان الْجَالِس على شَفير المَاء ويمد يَدَيْهِ إِلَى الْبِئْر فَلَا يبلغ قعرها فَلَا يبلغ إِلَى المَاء وَالْمَاء لَا ينزو وَلَا يرْتَفع إِلَى يَده، كَذَلِك لَا يَنْفَعهُمْ مَا كَانُوا يدعونَ من دون الله عز وَجل. وَالْعرب تضرب لمن سعى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ طلب مَا لَا يجده مثلا بالقابض على المَاء، لِأَن الْقَابِض على المَاء لَا يحصل شَيْء فِي يَده.
رَابِيا مِنْ رَبا يَرْبُو
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا} (الرَّعْد: ١٧) وَأَشَارَ بقوله: (رابيا) إِلَى أَن
اشتقاق رابيا: من رَبًّا يَرْبُو من بَاب فعل يفعل أَي: انتفخ. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي التَّفْسِير: رابيا عَالِيا مرتفعا فَوق المَاء.
أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ والمَتاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله} (الرَّعْد: ١٧) وَفسّر بقوله: (وَالْمَتَاع مَا تمتعت بِهِ) قَوْله: (ابْتِغَاء حلية) أَي: لأجل ابْتِغَاء أَي طلب حلية، أَي: زِينَة أَو مَتَاع، وأردبه جَوَاهِر الأَرْض من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس والرصاص يذاب فتتخذ مِنْهُ الْأَشْيَاء مِمَّا ينْتَفع بِهِ من الْحلِيّ والأواني وَغَيرهمَا. قَوْله: (زبد مثله) أَي: لَهُ زبد إِذا أذيب مثل الْحق والزبد الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ مثل الْبَاطِل.
جُفاءً أجْفأتِ القِدْرُ إذَا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنْ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} وفشر الْجفَاء بقوله: (أجفأت الْقدر) إِلَى آخِره، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال: أجفأت الْقدر، وَذَلِكَ إِذا غلت وانصب زبدها، فَإِذا سكنت لم يبقَ مِنْهُ شيءٍ، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله: (فَيذْهب جفَاء) تنشفه الأَرْض، يُقَال: جفأ الْوَادي وأجفأ بِمَعْنى نشف قَوْله: (فَكَذَلِك يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل) فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي أثْنَاء الْآيَات الْمَذْكُورَة كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل. وأوضح ذَلِك بقوله: (فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض) وَمعنى قَول البُخَارِيّ: فَكَذَلِك، أَي: فَكَمَا ميز الله الزّبد الَّذِي يبْقى من الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ، ميز الْحق الَّذِي يبْقى وَيسْتَمر من الْبَاطِل الَّذِي لَا أصل لَهُ وَلَا يبْقى.
المِهادُ الفِرَاشُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد} (الرَّعْد: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (الْفراش) وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر.
يَدْرَؤُنَ يدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويدرؤن بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عَقبي الدَّار} (الرَّعْد: ٢٢) وَفسّر قَوْله: (يدرؤن) بقوله (يدْفَعُونَ) يُقَال: درأت فلَانا إِذا دَفعته من الدَّار موهو الدّفع.
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَليْكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار} (الرَّعْد: ٢٤) وَقد رهنا محذوفا، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَفِي التَّفْسِير: تدخل الْمَلَائِكَة على أهل الْجنَّة فيسلمون عَلَيْهِم بِمَا صَبَرُوا على الْفقر فِي الدُّنْيَا، وَقيل: على الْجِهَاد، وَقيل: على مُلَازمَة الطَّاعَة ومفارقة الْمعْصِيَة، وَقيل: على تَركهم الشَّهَوَات.
وإلَيْهِ مَتابِ تَوْبَتي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا إِلَه إلاّ هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} (الرَّعْد: ٣٠) وَفِي التَّفْسِير: وَإِلَيْهِ رجوعي، والمتاب مصدر ميمي، يُقَال: تَابَ الله تَوْبَة ومتابا، والتوبه الرُّجُوع من الذَّنب.
أفَلمْ يَيْأسْ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا إِن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا} (الرَّعْد: ٣١) وَفسّر: (أفلم ييأس) بقوله: (فَلم يتَبَيَّن) وَعَن ابْن عَبَّاس: أفلم يعلم قَالَ الْكَلْبِيّ: ييأس يعلم فِي لُغَة النخع. وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة والطبري عَن الْقَاسِم بن معن أَنه كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لُغَة هوزان، تَقول: يئست كَذَا أَي: عَلمته.
قارِعَةٌ دَاهِيةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} (الرَّعْد: ٣١) أَي: داهية مهلكة، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء} (إِبْرَاهِيم: ١٢) التبع جمع تَابع كخدم جمع خَادِم وَمثله البُخَارِيّ بقوله مثل غيب بِفتْحَتَيْنِ جمع غَائِب وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّا كُنَّا لكم ذَوي تبع.
بمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغاثَني يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) وَهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَوْله: مَا أَنا بمصرخكم. أَي: مَا أَنا بمغيثكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي لَا يُنجي بَعْضنَا بَعْضًا من عَذَاب الله وَلَا يغيثه، والإصراخ الإغاثة، وقرىء بمصرخي، بِكَسْر الْيَاء وَهِي ضَعِيفَة. قلت: الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة فتح الْيَاء وَهُوَ الأَصْل، وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الْيَاء، وَقَالَ الزّجاج: هِيَ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين ضَعِيفَة لَا وَجه لَهَا إلَاّ وَجه ضَعِيف، وَهُوَ مَا أجَازه الْفراء من الْكسر على الأَصْل لالتقاء الساكنين.
قَوْله: (استصرخني) وَقيل استصرخني فلَان، أَي: استغاثني، فأصرخته أَي أغثته. قَوْله: (يستصرخه) مَعْنَاهُ يَصِيح بِهِ، فَلِذَا قَالَ: (من الصُّرَاخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوْت.
وَلَا خِلَالَ مصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً ويَجُوزُ أيْضاً جَمْعُ خُلَّةٍ وخِلالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال} (إِبْرَاهِيم: ١٣) وَذكر فِي لفظ خلال وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه مصدر خاللته خلال، وَالْمعْنَى: وَلَا مخاللة خَلِيل. وَثَانِيهمَا: إِنَّه جمع خلة، مثل: ظلة وظلال، وَهَذَا الْوَجْه قَالَه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، وَجُمْهُور أهل اللُّغَة على الأول، والخلة، بِضَم الْخَاء: الصداقة والمحبة الَّتِي تخللت الْقلب فَصَارَت خلاله أَي: فِي بَاطِنه، وَمِنْه الْخَلِيل وَهُوَ الصّديق.
اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتئت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار} (إِبْرَاهِيم: ٦٢) وَفسّر هَذِه اللَّفْظَة بقوله: استؤصلت، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستئصال، وَهُوَ الْقلع من أَصله.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ} (إِبْرَاهِيم: ٤٢ ٥٢)
هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (ثَابت) وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى (حِين) الْكَلَام. أَولا: فِي وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، وَبَيَانه مَوْقُوف على تَفْسِير الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة. فالكلمة الطّيبَة شَهَادَة أَن لَا إل هـ إلَاّ الله، نقل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، والشجرة الطّيبَة فِيهَا أَقْوَال، فَقيل: كل شَجَرَة طيبَة مثمرة، وَقيل: النَّخْلَة، وَقيل: الْجنَّة، وَقيل: شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْمُؤمن، وَقيل: قُرَيْش، وَقيل: جوز الْهِنْد. وَأما بَيَان وَجه التَّشْبِيه على القَوْل الأول فَهُوَ من حَيْثُ الْحسن والزهارة وَالطّيب وَالْمَنَافِع الْحَاصِلَة فِي كل وَاحِدَة من كلمة الشَّهَادَة والشجرة الطّيبَة المثمرة، وَأما على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَهُوَ من حَيْثُ كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل وَحسن المنظر والشكل الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد من كلمة الشَّهَادَة والنخلة، فَإِن كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل مستمرة فِي صَاحب كلمة الشَّهَادَة، وَكَذَلِكَ حسن المنظر والشكل، وَفِي النَّخْلَة كَذَلِك فَإِنَّهَا كَثِيرَة الْخَيْر وطيبة الثَّمَرَة من حِين تطلع يُؤْكَل مِنْهَا حَتَّى تيبس، فَإِذا يَبِسَتْ يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة من خشبها وَأَغْصَانهَا وورقها ونواها، وَقيل: وَجه التَّشْبِيه أَن رَأسهَا إِذا قطع مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقيل: إِنَّهَا فضلَة طِينَة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَا رُوِيَ، وَقيل: فِي علو فروعها كارتفاع عمل الْمُؤمن، وَقيل: لِأَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَأما على القَوْل الثَّالِث: إِنَّهَا شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ من حَيْثُ الدَّوَام والثبوت على مَا لَا يخفى. وَأما على القَوْل الرَّابِع: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن الصَّالح فِي كل وَقت، وَوُجُود ثَمَرَة النَّخْلَة فِي كل حِين. وَأما على القَوْل الْخَامِس: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع الْقدر فِي كل وَاحِد من قُرَيْش، والنخلة، أما قُرَيْش فَلَا شكّ أَن قدرهم مُرْتَفع على سَائِر قبائل الْعَرَب، وَأما النَّخْلَة فَكَذَلِك على سَائِر الْأَشْجَار من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَأما على القَوْل السَّادِس: الَّذِي هُوَ جوز الْهِنْد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نَقَصَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أَيْ ذَهَبَ وَقَلَّ. وَهَذَا تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ، تَغِيضُ الْأَرْحَامُ، فَإِنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ مِنْ وَلَدِهَا. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْغِيضُ مَا دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالزِّيَادَةُ مَا زَادَتْ عَلَيْهَا يَعْنِي فِي الْوَضْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ غَرَبُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ مَعْنٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.
١٤ - سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ: دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ، آذَنَكُمْ. فَرَدُّوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ. ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنْ الصُّرَاخِ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ دَاعٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ ﷺ. فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَادِي اللَّهُ. وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْهَادِي الْقَائِدُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا: الْهَادِي نَبِيٌّ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ. وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: قَيْحٌ وَدَمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قَالَ: نِعَمِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قَالَ: رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ، قَالَ: وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ إِذْ زَائِدَةٌ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ. وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ: رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأولى ولدت ابنتي (١) زينب -وفَّقها الله تعالى لكلِّ خيرٍ وأحسنَ عواقبها وجعل لها الذُّرِّيَّة الصَّالحة -لتسعة أشهرٍ من ابتداء حملها، وقد نبتت ثنيَّتُها ثمَّ سقطت بعد نحو سبعة أشهرٍ، وقال مكحولٌ: الجنين في بطن أمِّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمُّ، وإنَّما يأتيه رزقه في بطن أمَّه من دم حيضها، فمِن ثمَّ لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهلَّ، واستهلاله استنكارٌ لمكانه، فإذا قُطِعَت سرَّته حوَّل الله رزقه إلى ثدي أمِّه، حتَّى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمَّ، ثمَّ يصير طفلًا يتناول الشَّيء بكفِّه فيأكله (٢)، فإذا بلغ؛ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ يقول مكحولٌ: يا (٣) ويحك (٤) غذَّاك وأنت في بطن أمِّك وأنت طفلٌ صغيرٌ، حتَّى إذا اشتددتَ وعقلت؛ قلت: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ ثمَّ قرأ مكحولٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. انتهى. والإسناد إلى الرَّحم لا يخفى أنَّه مجازيٌّ؛ إذ الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وكلُّ كائنٍ بقدرٍ معيَّنٍ عند الله تعالى، لا يجاوز ولا ينقص عنه.
٤٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى القزَّاز، بالقاف والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف زايٌ أخرى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعودٍ: تفرَّد به إبراهيم (٥) بن المنذر، وهو غريبٌ عن مالكٍ، قال في «الفتح»: قد أخرجه الدَّارقطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ، ورواه أيضًا من
طريق القعنبيِّ عن مالكٍ لكنَّه اختصره، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن (١) القاسم عن مالكٍ، قال الدَّارقطنيُّ (٢): ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فوهم فيه إسنادًا ومتنًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) بوزن: مصابيح، ولأبي ذَرٍّ: «مفاتِح» بوزن: مَسَاجِد؛ جمع مَفْتَح بفتح الميم، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ (٣) إِلَّا اللهُ) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) أي: ما تُنقِصه (٤) (إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ (٥) إِلَّا اللهُ) أي: إلَّا عند أمر الله به، فيعلم حينئذٍ كالسَّابق إذا أمر تعالى به (وَلَا تَدْرِي (٦) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: في بلدها أم في غيرها (٧)؛ كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ) أحدٌ (إِلَّا اللهُ) إلَّا من ارتضى من رسولٍ، فإنَّه يطلعه على ما يشاء من غيبه، والوليُّ التَّابع له يأخذ عنه، وقد سبق شيءٌ من فوائد هذا الحديث في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] فالتَفِتْ إليه «كالاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي الإلمام بشيءٍ منه إن شاء الله تعالى في آخر «سورة لقمان» [خ¦٤٧٧٧] وبالله المستعان.
(((١٤))) (سورة إِبْرَاهِيمَ) مكِّيَّةٌ، وهي إحدى وخمسون آيةً.
(بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) وسقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وكذا «باب».
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله (١) عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ (﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]) أي: (دَاعٍ) يدعوهم إلى الصَّواب ويهديهم إلى الحقِّ، والمراد: نبيٌّ مخصوصٌ بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالب عليهم، والظَّاهر: أنَّ وقوع ذلك هنا من ناسخٍ (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (صَدِيدٌ) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) (٣) وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي روايةٍ عنه: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدَّم، وقيل: ما يخرج من فروج الزُّناة، وهل الصَّديد نعتٌ أم لا؟ فقيل: نعتٌ لـ ﴿مَّاء﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّه على حذف أداة التَّشبيه، أي: ماءٌ مثل صديدٍ، وعلى هذا فليس الماء الَّذي يشربونه صديدًا، بل مثله في النَّتَن والغلظ والقذارة؛ كقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] والثَّاني: إنَّ الصَّديد لمَّا كان يشبه الماء؛ أُطلِق عليه ماء، وليس هو بماءٍ حقيقةً، وعلى هذا فيشربون نَفْس الصَّديد المشبَّه بالماء، وإلى كونه صفةً ذهب الحوفيُّ وغيره، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتَقٍّ إلَّا على قول (٤) من فسَّره بأنَّه صديدٌ بمعنى: مصدود، أخذه من الصَّدِّ وكأنَّه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عنه كلُّ أحدٍ (٥)، ويدلُّ عليه ﴿َتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتكلَّف جرعه، وكذا ﴿وَلَا يَكَادُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وسقط «وقال مجاهدٌ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله في «تفسيره» والطَّبريُّ (١) أيضًا: (﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]) أي: (أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) أي: بوقائعه (٢) الَّتي وقعت على الأمم الدَّارجة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم﴾ (﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]) أي: (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وفي ﴿مِّن﴾ قولان؛ قيل: زائدةٌ في المفعول الثَّاني، وهذا إنَّما يأتي على قول الأخفش، وقيل: تبعيضيَّةٌ، أي: آتاكم بعض (٤) ما سألتموه، نظرًا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوفٌ، أي: وآتاكم شيئًا من كلِّ ما سألتموه، وهو رأي سيبويه.
(﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣]) قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حميدٍ: (يَلْتَمِسُونَ) ولأبي ذَرٍّ: «تبغونها: تلتمسون (٥)» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٦) (لَهَا عِوَجًا) أي: زيغًا ونكوبًا (٧) عن الحقِّ ليقدحوا فيه، وأشار بقوله: «لها» إلى الأصل، ولكنَّه حذف الجارَّ وأوصل الفعل، والإضلال (٨) يكون بالسعي في صدِّ الغير، وبإلقاء الشَّكِّ والشُّبهات في المذهب الحقِّ، ويحاول تقبيح الحقِّ بكلِّ ما يقدر عليه، وهذا النِّهاية.
(﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) أي: (أَعْلَمَكُمْ: آذَنَكُمْ) بمدِّ الهمزة، والمعنى: آذن إيذانًا بليغًا؛ لِمَا في «تَفَعَّل» من التَّكلُّف، وفي رواية أبي ذَرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «أعلمكم ربُّكم» أي: إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال؛ لأزيدنَّكم النِّعم (٩)، وإن جحدتموها فإنَّ عذابي بسلبها في الدُّنيا والنَّار في العقبى في غاية الشِّدَّة.
(رَدُّوا) يريد قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ﴾ (﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) قال أبو عبيدة: (هَذَا مَثَلٌ) ومعناه: (كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) من الحقِّ، ولم يؤمنوا به، قال في «الفتح»: وقد تعقَّبوا كلام أبي عبيدة
بأنَّه لم يسمع من العرب: ردَّ يده في فِيْهِ؛ إذا تَرَكَ الشَّيء الَّذي كان يفعله. انتهى. وهذا الَّذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش، وأنكره القتيبيُّ، ولفظه كما في «اللُّباب»: لم يسمع أحدٌ يقول: ردَّ يده إلى فِيْه؛ إذا تَرَكَ ما أُمر به، وأُجيبَ بأنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، قال في «الدُّرِّ»: والضَّمائر الثَّلاثة يجوز أن تكون للكفَّار، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواههم من الغيظ؛ كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] فـ «في» (١) على (٢) بابها من الظَّرفيَّة، أو فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء، فـ «في» بمعنى «على» أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كفرنا، فـ «في» بمعنى «إلى» وأن يكون الأوَّلان للكفَّار والأخير للرُّسل، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواه الرُّسل، أي: أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ﴾ (﴿مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤]) قال ابن عبَّاسٍ: (حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يوم القيامة للحساب.
وقوله: (﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦]) أي: من (قُدَّامِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قدَّامَه جهنَّم» بنصب ميم قدَّامَه، وهذا قول الأكثر؛ وهو من الأضداد، وعليه قوله:
عسى الكربُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يَكُونُ وراءه فَرجٌ قَرِيبُ
أي: قدَّامه، وقول الآخر:
أليسَ وَرائِي إنْ تراختْ منيّتي … لزوم العَصا تُحْنى عليها الأَضالِعُ (١)
وقيل: بعد موته.
وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: تَابِعٌ؛ مِثْلُ: غَيَبٍ وَغَائِبٍ) وخدمٍ (٢) وخادمٍ، أي: يقول الضُّعفاء للَّذين استكبروا -أي: لرؤسائهم الَّذين استتبعوهم-: إنَّا كنَّا لكم تبعًا في التَّكذيب للرُّسل والإعراض عنهم.
وقوله تعالى: (﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]) يقال: (اسْتَصْرَخَنِي) أي: (اسْتَغَاثَنِي) فكأنَّ همزته للسَّلب، أي: أزال صراخي (يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) والمعنى: ما أنا بمغيثكم من العذاب، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ … » إلى آخره (٣).
(﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] مَصْدَرُ: خَالَلْتُهُ (٤) خِلَالًا) قال طَرَفة:
كُلُّ خليلٍ كنتَ خاللتَهُ … لا تركَ اللهُ له واضحةً
(وَيَجُوزُ (٥) أَيْضًا؛ جَمْعُ: خُلَّةٍ وَخِلَالٍ) كبُرْمَةٍ وبرامٍ، وهذا قاله الأخفش، والجمهور على الأوَّل، والمخاللة: المصاحبة.
(﴿اجْتُثَّتْ﴾) من قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: (اسْتُؤْصِلَتْ) وأُخِذَت جثَّتها بالكليَّة، قال لقيطٌ الإيادي:
هذا الخلاءُ الَّذي يجتثُّ أصلَكُمُ … فمَن رأى مثلَ ذا آتٍ ومَن سمِعَا
(١) (باب قوله) تعالى: (﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾) مثمرةٍ طيِّبةٍ الثِّمار؛ كالنَّخلة وشجرة التِّين والعنب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان: والْحَدِيث قد مر فِي قصَّة يُوسُف فِي آخر: بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (وَهُوَ يسْأَلهَا) الْوَاو وَفِيه للْحَال أَي: وَعُرْوَة يسْأَل عَائِشَة. قَوْله: (أكذبوا أَو كذبُوا) يَعْنِي: مثقلة أم مُخَفّفَة، قَوْله: (قَالَت عَائِشَة كذبُوا) يَعْنِي بالتثقيل. قَوْله: (ذَلِك) أَي الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (أَتبَاع الرُّسُل) وهم الْمُؤْمِنُونَ. فالمظنون تَكْذِيب الْمُؤمنِينَ لَهُم والمتيقن تَكْذِيب الْكفَّار. قَوْله: (معَاذ الله) تعوذت من ظن الرُّسُل أَنهم مكذبون من عِنْد الله، بل ظنهم ذَلِك من قبل المصدقين لَهُم الْمُؤمنِينَ بهم.
٤٦٩٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني عرْوَةُ فَقُلْتُ لعَلَّها كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ مَعاذَ الله
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أوردهُ مُخْتَصرا وَقد سافه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) بِتَمَامِهِ، وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَنه سُأل عَائِشَة فَذكر نَحْو حَدِيث صَالح بن كيسَان.
١٣ - (سورَةُ الرَّعْدِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الرَّعْد، قيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة وَقيل الْمَدِينَة، وَقيل: فِيهَا مكي ومدني، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسِتَّة أحرف، وَثَمَانمِائَة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ آيَة.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {كَباسِطِ كَفّيْهِ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ الله إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلَ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خيَالِهِ فِي الماءِ مِنْ بَعِيد وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَتَنَاوَلهُ ولَا يَقْدِرُ} (الرَّعْد: ١٤) .
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسد كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه} الْآيَة قَوْله: (وَالَّذين) أَي: الْمُشْركُونَ الَّذين يدعونَ الْأَصْنَام من دون الله يُرِيدُونَ مِنْهَا دفعا أَو رفعا لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء مِمَّن ذَلِك. قَوْله: (كباسط كفيه) أَي: إلَاّ كباسط كفيه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهِ مثل الْمُشرك الَّذِي عَبده مَعَ الله إِلَهًا آخر إِلَى آخِره، وَوَصله أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَلَا يقدر) بالراء فِي رِوَايَة أَلا كثرين، وَرُوِيَ: فَلَا يقدم، بِالْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه من حَيْثُ الْمَعْنى.
وَقَالَ غيْرُهُ سَخَّرَ ذَلَّلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى} (الرَّعْد: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ذلل) يَعْنِي: ذللهما لمنافع الْخلق ومصالح الْعباد كل يجْرِي أَي: كل وَاحِد إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ فنَاء الدُّنْيَا وَقيام السَّاعَة.
مُتَجاورَاتٌ مُتَدَانِياتٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الأَرْض قطع متجاورات} (الرَّعْد: ٤) وَفسّر متجاورات بقوله: متدانيات، وَقيل: متقاربات يقرب بَعْضهَا من بعض بالجوار وَيخْتَلف بالتفاضل. فَمِنْهَا عذبة وَمِنْهَا مالحة وَمِنْهَا طيبَة تنْبت مِنْهَا سبخَة لَا تنْبت.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُها عَذْبُها وخَبِيثُها السَّباخُ
رُوِيَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
المُثَلاتُ واحِدُها مَثُلَةٌ وهْيَ الأشْبَاهُ والأمْثَالُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خلت من قبلهم المثلات} (الرَّعْد: ٦) أَي: وَقد مَضَت من قبلهم من الْأُمَم الَّتِي عَصَتْ رَبهَا، وكذبت رسلها بالعقوبات، والمثلات وَاحِدهَا مثلَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الثَّاء مثل صَدَقَة وصدقات، وَفسّر المثلات بقوله: (وَهِي الْأَشْبَاه والأمثال) وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (المثلات) قَالَ: الْأَمْثَال: وَمن طَرِيق معمر عَن قَتَادَة قَالَ: المثلات الْعُقُوبَات، وَمن طَرِيق زيد بن أسلم قَالَ: المثلات مَا مثل الله بِهِ من الْأُمَم من الْعَذَاب، وَسكن يحيى بن وثاب الثَّاء فِي قِرَاءَته وَضم الْمِيم، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الثَّاء، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بفتحهما وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر ابْن عَيَّاش ضمهما، وَبِه قَرَأَ عِيسَى بن عمر.
بمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار} (الرَّعْد: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (بِقدر) والمقدار على وزن: مفعال مَعْنَاهُ: بِحَدّ لَا يُجَاوِزهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مِقْدَار كل شَيْء مِمَّا يكون قبل أَن يكون وَكلما هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
مُعَقِّباتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى ومِنْهُ قِيلَ العَقِيبُ يُقالُ عَقَّبْتُ فِي إثْرِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} (الرَّعْد: ١١) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، يُقَال: مُعَقِّبَات فَسرهَا بقوله: مَلَائِكَة حفظَة يتعاقبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، فَإِذا صعدت مَلَائِكَة النَّهَار عقبتها مَلَائِكَة اللَّيْل، والتعقيب الْعود بِعْ البدء قَوْله: (لَهُ المعقبات) أَي: لله تَعَالَى مُعَقِّبَات، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَهُ مُعَقِّبَات يَعْنِي لمُحَمد من الرَّحْمَن حرس من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ. يَعْنِي: من شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقيل الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى الْإِنْسَان، والمعقبات جمع معقبة، والمعقبة جمع معقب، فالمعقبات جمع الْجمع كَمَا قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقيل: المعقبات الخدم والحرس حول السُّلْطَان، وَقيل: مَا يتعقب من أوَامِر الله وقضاياه. قَوْله: (يَحْفَظُونَهُ) أَي: يحفظون المستخفي بِاللَّيْلِ والسارب بِالنَّهَارِ قَوْله: (من أَمر الله) أَي: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله من أَمر الله فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله مَا لم يَجِيء الْقدر قَوْله: (وَمِنْه) قيل: العقيب، أَي، وَمن أصل مُعَقِّبَات يُقَال: العقيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي عقب الشَّيْء، وَفِي بعض النّسخ، وَمِنْه الْعقب، بِلَا يَاء بِمَعْنَاهُ، وعقب الرجل نَسْله. قَوْله: (يُقَال: عقب فِي إثره) بتَشْديد الْقَاف فِي ضبط الدمياطي بِخَطِّهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وتخفيفها، قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بتشديدها، وَفِي بعض النّسخ بِكَسْرِهَا، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ أَن يكون لُغَة.
المِحالُ العُقُوبَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال} (الرَّعْد: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: الْعقُوبَة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَدِيد الْأَخْذ، وَعَن مُجَاهِد، شَدِيد الْقُوَّة، وَعَن الْحسن: شَدِيد المماحلة والمماكرة والمغالبة، وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: شَدِيد انتقام.
كبَاسطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ ليَقْبِضَ عَلَى المَاء
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ بالغه} (الرَّعْد: ١٤) قَوْله: (لَا يستجيبون) ، يَعْنِي: الَّذين يشركُونَ وَيدعونَ الْأَصْنَام من دون الله لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسط كفيه أَي: إلَاّ كَمَا ينفع باسط كفيه إِلَى المَاء من الْعَطش ليقبضه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى فَمه فَلَا يتم لَهُ ذَلِك وَلَا يجمعه، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: كَالرّجلِ العطشان الْجَالِس على شَفير المَاء ويمد يَدَيْهِ إِلَى الْبِئْر فَلَا يبلغ قعرها فَلَا يبلغ إِلَى المَاء وَالْمَاء لَا ينزو وَلَا يرْتَفع إِلَى يَده، كَذَلِك لَا يَنْفَعهُمْ مَا كَانُوا يدعونَ من دون الله عز وَجل. وَالْعرب تضرب لمن سعى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ طلب مَا لَا يجده مثلا بالقابض على المَاء، لِأَن الْقَابِض على المَاء لَا يحصل شَيْء فِي يَده.
رَابِيا مِنْ رَبا يَرْبُو
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا} (الرَّعْد: ١٧) وَأَشَارَ بقوله: (رابيا) إِلَى أَن
اشتقاق رابيا: من رَبًّا يَرْبُو من بَاب فعل يفعل أَي: انتفخ. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي التَّفْسِير: رابيا عَالِيا مرتفعا فَوق المَاء.
أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ والمَتاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله} (الرَّعْد: ١٧) وَفسّر بقوله: (وَالْمَتَاع مَا تمتعت بِهِ) قَوْله: (ابْتِغَاء حلية) أَي: لأجل ابْتِغَاء أَي طلب حلية، أَي: زِينَة أَو مَتَاع، وأردبه جَوَاهِر الأَرْض من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس والرصاص يذاب فتتخذ مِنْهُ الْأَشْيَاء مِمَّا ينْتَفع بِهِ من الْحلِيّ والأواني وَغَيرهمَا. قَوْله: (زبد مثله) أَي: لَهُ زبد إِذا أذيب مثل الْحق والزبد الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ مثل الْبَاطِل.
جُفاءً أجْفأتِ القِدْرُ إذَا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنْ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} وفشر الْجفَاء بقوله: (أجفأت الْقدر) إِلَى آخِره، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال: أجفأت الْقدر، وَذَلِكَ إِذا غلت وانصب زبدها، فَإِذا سكنت لم يبقَ مِنْهُ شيءٍ، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله: (فَيذْهب جفَاء) تنشفه الأَرْض، يُقَال: جفأ الْوَادي وأجفأ بِمَعْنى نشف قَوْله: (فَكَذَلِك يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل) فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي أثْنَاء الْآيَات الْمَذْكُورَة كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل. وأوضح ذَلِك بقوله: (فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض) وَمعنى قَول البُخَارِيّ: فَكَذَلِك، أَي: فَكَمَا ميز الله الزّبد الَّذِي يبْقى من الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ، ميز الْحق الَّذِي يبْقى وَيسْتَمر من الْبَاطِل الَّذِي لَا أصل لَهُ وَلَا يبْقى.
المِهادُ الفِرَاشُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد} (الرَّعْد: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (الْفراش) وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر.
يَدْرَؤُنَ يدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويدرؤن بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عَقبي الدَّار} (الرَّعْد: ٢٢) وَفسّر قَوْله: (يدرؤن) بقوله (يدْفَعُونَ) يُقَال: درأت فلَانا إِذا دَفعته من الدَّار موهو الدّفع.
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَليْكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار} (الرَّعْد: ٢٤) وَقد رهنا محذوفا، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَفِي التَّفْسِير: تدخل الْمَلَائِكَة على أهل الْجنَّة فيسلمون عَلَيْهِم بِمَا صَبَرُوا على الْفقر فِي الدُّنْيَا، وَقيل: على الْجِهَاد، وَقيل: على مُلَازمَة الطَّاعَة ومفارقة الْمعْصِيَة، وَقيل: على تَركهم الشَّهَوَات.
وإلَيْهِ مَتابِ تَوْبَتي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا إِلَه إلاّ هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} (الرَّعْد: ٣٠) وَفِي التَّفْسِير: وَإِلَيْهِ رجوعي، والمتاب مصدر ميمي، يُقَال: تَابَ الله تَوْبَة ومتابا، والتوبه الرُّجُوع من الذَّنب.
أفَلمْ يَيْأسْ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا إِن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا} (الرَّعْد: ٣١) وَفسّر: (أفلم ييأس) بقوله: (فَلم يتَبَيَّن) وَعَن ابْن عَبَّاس: أفلم يعلم قَالَ الْكَلْبِيّ: ييأس يعلم فِي لُغَة النخع. وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة والطبري عَن الْقَاسِم بن معن أَنه كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لُغَة هوزان، تَقول: يئست كَذَا أَي: عَلمته.
قارِعَةٌ دَاهِيةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} (الرَّعْد: ٣١) أَي: داهية مهلكة، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء} (إِبْرَاهِيم: ١٢) التبع جمع تَابع كخدم جمع خَادِم وَمثله البُخَارِيّ بقوله مثل غيب بِفتْحَتَيْنِ جمع غَائِب وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّا كُنَّا لكم ذَوي تبع.
بمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغاثَني يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) وَهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَوْله: مَا أَنا بمصرخكم. أَي: مَا أَنا بمغيثكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي لَا يُنجي بَعْضنَا بَعْضًا من عَذَاب الله وَلَا يغيثه، والإصراخ الإغاثة، وقرىء بمصرخي، بِكَسْر الْيَاء وَهِي ضَعِيفَة. قلت: الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة فتح الْيَاء وَهُوَ الأَصْل، وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الْيَاء، وَقَالَ الزّجاج: هِيَ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين ضَعِيفَة لَا وَجه لَهَا إلَاّ وَجه ضَعِيف، وَهُوَ مَا أجَازه الْفراء من الْكسر على الأَصْل لالتقاء الساكنين.
قَوْله: (استصرخني) وَقيل استصرخني فلَان، أَي: استغاثني، فأصرخته أَي أغثته. قَوْله: (يستصرخه) مَعْنَاهُ يَصِيح بِهِ، فَلِذَا قَالَ: (من الصُّرَاخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوْت.
وَلَا خِلَالَ مصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً ويَجُوزُ أيْضاً جَمْعُ خُلَّةٍ وخِلالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال} (إِبْرَاهِيم: ١٣) وَذكر فِي لفظ خلال وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه مصدر خاللته خلال، وَالْمعْنَى: وَلَا مخاللة خَلِيل. وَثَانِيهمَا: إِنَّه جمع خلة، مثل: ظلة وظلال، وَهَذَا الْوَجْه قَالَه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، وَجُمْهُور أهل اللُّغَة على الأول، والخلة، بِضَم الْخَاء: الصداقة والمحبة الَّتِي تخللت الْقلب فَصَارَت خلاله أَي: فِي بَاطِنه، وَمِنْه الْخَلِيل وَهُوَ الصّديق.
اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتئت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار} (إِبْرَاهِيم: ٦٢) وَفسّر هَذِه اللَّفْظَة بقوله: استؤصلت، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستئصال، وَهُوَ الْقلع من أَصله.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ} (إِبْرَاهِيم: ٤٢ ٥٢)
هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (ثَابت) وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى (حِين) الْكَلَام. أَولا: فِي وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، وَبَيَانه مَوْقُوف على تَفْسِير الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة. فالكلمة الطّيبَة شَهَادَة أَن لَا إل هـ إلَاّ الله، نقل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، والشجرة الطّيبَة فِيهَا أَقْوَال، فَقيل: كل شَجَرَة طيبَة مثمرة، وَقيل: النَّخْلَة، وَقيل: الْجنَّة، وَقيل: شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْمُؤمن، وَقيل: قُرَيْش، وَقيل: جوز الْهِنْد. وَأما بَيَان وَجه التَّشْبِيه على القَوْل الأول فَهُوَ من حَيْثُ الْحسن والزهارة وَالطّيب وَالْمَنَافِع الْحَاصِلَة فِي كل وَاحِدَة من كلمة الشَّهَادَة والشجرة الطّيبَة المثمرة، وَأما على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَهُوَ من حَيْثُ كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل وَحسن المنظر والشكل الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد من كلمة الشَّهَادَة والنخلة، فَإِن كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل مستمرة فِي صَاحب كلمة الشَّهَادَة، وَكَذَلِكَ حسن المنظر والشكل، وَفِي النَّخْلَة كَذَلِك فَإِنَّهَا كَثِيرَة الْخَيْر وطيبة الثَّمَرَة من حِين تطلع يُؤْكَل مِنْهَا حَتَّى تيبس، فَإِذا يَبِسَتْ يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة من خشبها وَأَغْصَانهَا وورقها ونواها، وَقيل: وَجه التَّشْبِيه أَن رَأسهَا إِذا قطع مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقيل: إِنَّهَا فضلَة طِينَة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَا رُوِيَ، وَقيل: فِي علو فروعها كارتفاع عمل الْمُؤمن، وَقيل: لِأَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَأما على القَوْل الثَّالِث: إِنَّهَا شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ من حَيْثُ الدَّوَام والثبوت على مَا لَا يخفى. وَأما على القَوْل الرَّابِع: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن الصَّالح فِي كل وَقت، وَوُجُود ثَمَرَة النَّخْلَة فِي كل حِين. وَأما على القَوْل الْخَامِس: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع الْقدر فِي كل وَاحِد من قُرَيْش، والنخلة، أما قُرَيْش فَلَا شكّ أَن قدرهم مُرْتَفع على سَائِر قبائل الْعَرَب، وَأما النَّخْلَة فَكَذَلِك على سَائِر الْأَشْجَار من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَأما على القَوْل السَّادِس: الَّذِي هُوَ جوز الْهِنْد
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56