«سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4608

الحديث رقم 4608 من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون…

«سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ، وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.»

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ * ﴾

سند حديث: ٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ…

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون…

قالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش موضعان بين المدينة ومكة، انقطع عقد لي أي قلادة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه أي: لأجل طلب ذلك العقد الضائع، وأقام الصحابة الذين غزوا تلك الغزوة معه عليه الصلاة والسلام يطلبونه ويبحثون عنه، وليسوا على ماء أي ليسوا نازلين على محل يوجد فيه ماء للوضوء أو لغيره كالشرب، فجاء الناس إلى أبي بكر الصديق للشكوى مما فعلت بنته، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر رضي الله عنه لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه حتى يستيقظ بنفسه، فقالوا: ألا ترى ماذا فعلت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناسِ وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، أي وليسوا أيضا حاملين معهم ماء من محل آخر.
فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر أي لامني على الحبس المذكور، ولم تقل: أبي؛ لأن الأبوة تناسب الحنو، وما وقع من العتاب بالقول، والتأديب بالفعل غير مناسب له، وقال ما شاء الله أن يقول من اللوم والعتاب، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي أي وسطي، فلم يمنعني من التحرك مع شدة ألم الطعن إلا كون رسول الله صلى الله عليه وسلم نائمًا على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، وهي آية المائدة، فتيمم الناس بعد نزول الآية، فقال أُسيد بن الحُضير: ما هذه البركة الحاصلة للمسلمين بسبب فقد العقد، من الرخصة المشروعة بالتيمم، بأول بركتكم يا آل أبي بكر، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، قالت: فبعثنا البعير، أي: أثرنا البعير الذي كنت راكبةً عليه في السفر فوجدنا العقد تحته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان بدء التيمم، وأنه شرع بسبب قصة عائشة رضي الله عنها.
  • جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهن، فإذا كان لواحد نساء، فله أن يسافر مع أيتهن شاء.
  • اتخاذ النساء الحلي؛ تجملا لأزواجهن.
  • جواز السفر بالعاريّة، وهو محمول على رضا صاحبها.
  • جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وكذا سلوك الطريق التي لا ماء فيها.
  • فيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين.
  • فيه شكوى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر رضي الله عنه؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه حتى يستيقظ بنفسه.
  • فيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه؛ لقولهم: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • جواز دخول الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم يكن حالة مباشرة.
  • فيه تأديب الرجل ابنته، ولو كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته.
  • استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة، أو يحصل به تشويش لنائم، وكذا لمصل أو قارئ أو مشتغل بعلم أو ذكر.
  • استدل به على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت.
  • أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية التيمم، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
  • استدل بالآية على وجوب النية في التيمم؛ لأن معنى: {فتيمموا} اقصدوا.
  • فضل عائشة وأبيها رضي الله عنهما وتكرر البركة بسببهما.
  • أن التيمم يستوي فيه الصحيح والمريض والمحدث والجنب.
  • جواز التيمم في السفر.
  • جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته، ونومه عليها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ - وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ - فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ، وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أَيْ: فَتَعَمَّدُوا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ: وَلَا عَامِدِينَ، وَيُقَالُ: أَمَّمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَيَمَّمْتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ … يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: مُحِلِّي الصَّيْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ وَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ) أَمَّا قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنِ اللَّهَ يَعْفُو وَيَكُنِّي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَيْ: تَنْكِحُوهُنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قَالَ: الدُّخُولُ النِّكَاحُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْجِمَاعُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ وَالْغَشَيَانُ وَالْجِمَاعُ كُلُّهُ النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. لَكِنْ قَالَ: التَّغَشِّي بَدَلَ الْغَشَيَانِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَرَادَ بِالتَّغَشِّي، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي النِّكَاحِ.

وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «التَّيمم» [خ¦٣٣٤].

٤٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (١): (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها قالت: (سَقَطَتْ قِلَادَةٌ) بكسر القاف (لِي بِالبَيْدَاءِ) ليس في هذه الرِّواية: «أو (٢) بذات الجيش» (وَنَحْنُ دَاخِلُونَ المَدِينَةَ) الواو للحال (فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ) راحلته (وَنَزَلَ) عنها (فَثَنَى رَأْسَهُ) أي: وضعها (فِي حَجْرِي) حال كونه ﵊ (رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً) بالزَّاي، أي: دفعني في صدري بيده دفعةً (شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ! فَبِي المَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ) أي: صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ المَاءُ) بالرَّفع مفعولًا ناب (٣) عن الفاعل، أي: التمس النَّاس الماء (فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الاية [المائدة: ٦] فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ (٤) فِيكُمْ) أي: بسببكم (يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ).

(٤) (باب قوله) ﷿، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي (﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾) رفعٌ عطفًا على الفاعل المستتر في «اذهب»، وجاز ذلك للتَّأكيد بالضَّمير، ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذَّهاب على الله؛ لأنَّ مذهب اليهود التَّجسيم، ويؤيِّده مقابلة الذَّهاب بالقعود في قولهم: (﴿فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]) وظاهر الكلام أنَّهم قالوا ذلك استهانةً بالله ورسوله، وعدم مبالاةٍ بهما، وأصل هذا: «أنَّ موسى ﵇ أُمِر أن يدخلوا مدينة الجبَّارين؛ وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلِّ سبطٍ منهم عينٌ؛ ليأتوه

بخبر القوم، فلمَّا دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثِّمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتتبَّعهم، فكلَّما أصاب واحدًا منهم؛ أخذه (١) فجعله في كمِّه مع الفاكهة، حتَّى التقطهم كلَّهم (٢) فجعلهم في كمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكهم فنثرهم بين يديه، فقال المَلِك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم» رواه ابن جريرٍ عن عبد الكريم بن الهيثم (٣)، حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ. قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الإسناد نظرٌ، وقد ذكر كثير من المفسِّرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبَّارين، وأنَّه كان فيهم عَوْجُ بن عُنُقٍ بنت (٤) آدم ﵊، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثين ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب، وهذا شيء يُسْتَحيا منه، ثمَّ هو مخالفٌ لِمَا في «الصَّحيح»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» [خ¦٣٣٢٦] ثمَّ ذكروا أنَّ عوجًا كان كافرًا، وأنَّه امتنع من ركوب السَّفينة، وأنَّ الطُّوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذبٌ وافتراء، فإنَّ الله تعالى ذكر أنَّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوحٍ غرق؛ فكيف يبقى عَوْجُ بن عُنُقٍ وهو كافرٌ؟! هذا لا يسوغ في عقلٍ ولا في شرعٍ، ثمَّ في وجود رجلٍ يقال له: عَوْج بن عُنُقٍ نظرٌ، والله أعلم. انتهى.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لم يذكر لفظ بَاب إِلَّا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِه أكبر نعم الله عز وَجل على هَذِه الْأمة حَيْثُ أكمل لَهُم دينهم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دين غَيره وَلَا إِلَى نَبِي غير نَبِيّهم، وَلِهَذَا جعله الله خَاتم الْأَنْبِيَاء وَبَعثه إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ، فَلَا حَلَال إلَاّ مَا أحله الله، وَلَا حرَام إلَاّ مَا حرمه الله، وَلَا دين إلَاّ مَا شَرعه وكل شَيْء أخبر بِهِ فَهُوَ حق وَصدق لَا كذب فِيهِ وَلَا خلف. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة. عَن ابْن عَبَّاس {كملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) وَهُوَ الْإِسْلَام، وَالْمرَاد بِالْيَوْمِ: يَوْم عَرَفَة. قَالَ أَسْبَاط عَن السّديّ: نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم عَرَفَة فَلم ينزل بعْدهَا حَلَال وَلَا حرَام، وَرجع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَات. وَقَالَ ابْن جريج وَغير وَاحِد: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد يَوْم عَرَفَة بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَخْمَصَةٌ مَجَاعَةٌ

هَذَا لم يثبت إِلَّا لغير أبي ذَر، وَقد ذكرنَا عِنْد قَوْله: (وَقَالَ غَيره) الإغراء التسليط، أَن الْمُنَاسبَة كَانَت تَقْتَضِي أَن يذكر هَذِه اللَّفْظَة قبل قَوْله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ يظْهر لَك مَا فِيهِ الْكِفَايَة. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم} وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

٤٦٠٦ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بنِ شِهابٍ قَالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ إنكُمْ تَقْرؤُونَ آيَةً لَوْ نَزِلَتْ فِينا لاتَخَذْناها عِيدا فَقَال عُمَرُ إنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وأيْنَ أُنْزِلَتْ وَأيْنَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإنَّا وَالله بِعَرَفَةَ. قَالَ سُفْيَانُ وأشُكُّ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أمْ لَا {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقيس هُوَ ابْن مُسلم، وطارق هُوَ ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ.

والْحَدِيث مر فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق آخر عَن الْحسن بن الصَّباح عَن حَفْص بن عون عَن أبي العميس عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق إِلَى آخِره.

قَوْله: (قَالَت الْيَهُود) ، وَفِي كتاب الْإِيمَان أَن رجلا من الْيَهُود، وَإِنَّمَا جمع هُنَا بِاعْتِبَار السَّائِل وَمن كَانَ مَعَه، وَكَانَ هَذَا الرجل كَعْب الْأَحْبَار، وَكَانَ سُؤَاله قبل إِسْلَامه، وَأَنه أسلم فِي خلَافَة عمر، على الْمَشْهُور، أَو أطلق عَلَيْهِ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا مضى. قَوْله: (حَيْثُ أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) أعلم أَن حَيْثُ للمكان اتِّفَاقًا وَقَالَ الْأَخْفَش، وَقد ترد للزمان، وَهنا للمكان خَاصَّة، وَأَيْنَ، للزمان فَلَا تكْرَار وَحِينَئِذٍ، وَالْغَالِب كَون، حَيْثُ فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة، أَو خفض: بِمن، ويلزمها الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إسمية كَانَت أَو فعلية، وَإِلَى الفعلية أَكثر، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: (حَيْثُ أنزلت، وَأي يَوْم أنزلت) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (حِين أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) قلت: فَحِينَئِذٍ يلْزم التّكْرَار. قَوْله: (وَأَيْنَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أنزلت) . كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَيْثُ أنزلت) . قَوْله: (يَوْم عَرَفَة) بِالرَّفْع أَي: يَوْم النُّزُول يَوْم عَرَفَة ويروى بِالنّصب أَي أنزلت فِي يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (وَأَنا وَالله بِعَرَفَة) إِشَارَة إِلَى الْمَكَان إِذْ عَرَفَة تطلق على عَرَفَات، وَكَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْجَمِيع، وَعند أَحْمد: (وَرَسُول الله وَاقِف بِعَرَفَة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: وَأَنا أَشك) وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان عَن قيس بن مُسلم الْجَزْم بِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْجُمُعَة، وَسَيَجِيءُ الْجَزْم أَيْضا فِي كتاب الِاعْتِصَام من رِوَايَة مسعر عَن قيس.

٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طَيِّبا} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (الْمَائِدَة: ٦) قيل: وَقع هُنَا. فَإِن لم تَجدوا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فالقرآن {فَلم تَجدوا} وَفِي الْأُصُول كَذَلِك.

تَيَمَّمُوا تَعَمَّدُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا} تعمدوا الْآن معنى التَّيَمُّم فِي اللُّغَة الْقَصْد، والعمد هُوَ الْقَصْد، وَكَذَا رُوِيَ عَن سُفْيَان رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن خَلِيل حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ.

آمِّينَ قَاصِدينَ أمَّمْتُ وَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام} (الْمَائِدَة: ٢) وَفسّر آمين بقوله: قَاصِدين، لِأَنَّهُ من الأمّ وَهُوَ الْقَصْد، أَي: وَلَا تستحلوا قتال آمين الْبَيْت أَي: القاصدين إِلَى بَيت الله الْحَرَام الَّذِي من دخله كَانَ آمنا. قَوْله: (أممت ويممت وَاحِد) ، أَي: فِي الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر:

وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا

وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وَلَا آمي الْبَيْت، بِإِسْقَاط النُّون للإضافة.

وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ لَمَسْتُمْ وَتَمَسُّوهُنَّ وَاللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ والإفْضاءُ النِّكاحُ

أَشَارَ بقول ابْن عَبَّاس هَذَا إِلَى أَن معنى أَرْبَعَة أَلْفَاظ فِي الْقُرْآن بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: النِّكَاح أَي: الْوَطْء. وَقَوله: لمستم، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير قَوْله: لمستم، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: النِّكَاح، على أَنه خَبره، وَقد ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بطرِيق التَّعْلِيق. أما اللَّفْظ الأول: فقد وَصله إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لمستم النِّسَاء} قَالَ هُوَ الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا سعيد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن اللَّمْس والمس والمباشرة الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) . وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب وَأبي بن كَعْب وَمُجاهد وَالْحسن وَطَاوُس وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِك، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب (لمستم) وَقَرَأَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأهل الْحجاز (لامستم) بِالْألف (وَأما اللَّفْظ الثَّانِي) : فوصله ابْن الْمُنْذر وَقد مر الْآن (وَأما اللَّفْظ الثَّالِث) : فَرَوَاهُ عَليّ بن أبي حَاتِم من طَرِيق وَابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن} (النِّسَاء: ٢٣) قَالَ الدُّخُول النِّكَاح (وَأما اللَّفْظ الرَّابِع) : فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض} (النِّسَاء: ٢١) قَالَ: الْإِفْضَاء الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا حجاج حَدثنَا حَمَّاد أخبرنَا عَاصِم الْأَحول عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْمُلَامسَة والمباشرة والإفضاء والرفث وَالْجِمَاع نِكَاح وَلَكِن الله يكني.

٤٦٠٧ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى التِماسِهِ وأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذَي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مَكَانُ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأنْزَلَ الله آيَةَ التَيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ مَا هِيِ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ - وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ - فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ، وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أَيْ: فَتَعَمَّدُوا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ: وَلَا عَامِدِينَ، وَيُقَالُ: أَمَّمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَيَمَّمْتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ … يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: مُحِلِّي الصَّيْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ وَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ) أَمَّا قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنِ اللَّهَ يَعْفُو وَيَكُنِّي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَيْ: تَنْكِحُوهُنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قَالَ: الدُّخُولُ النِّكَاحُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْجِمَاعُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ وَالْغَشَيَانُ وَالْجِمَاعُ كُلُّهُ النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. لَكِنْ قَالَ: التَّغَشِّي بَدَلَ الْغَشَيَانِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَرَادَ بِالتَّغَشِّي، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي النِّكَاحِ.

وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «التَّيمم» [خ¦٣٣٤].

٤٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (١): (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها قالت: (سَقَطَتْ قِلَادَةٌ) بكسر القاف (لِي بِالبَيْدَاءِ) ليس في هذه الرِّواية: «أو (٢) بذات الجيش» (وَنَحْنُ دَاخِلُونَ المَدِينَةَ) الواو للحال (فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ) راحلته (وَنَزَلَ) عنها (فَثَنَى رَأْسَهُ) أي: وضعها (فِي حَجْرِي) حال كونه ﵊ (رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً) بالزَّاي، أي: دفعني في صدري بيده دفعةً (شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ! فَبِي المَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ) أي: صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ المَاءُ) بالرَّفع مفعولًا ناب (٣) عن الفاعل، أي: التمس النَّاس الماء (فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الاية [المائدة: ٦] فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ (٤) فِيكُمْ) أي: بسببكم (يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ).

(٤) (باب قوله) ﷿، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي (﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾) رفعٌ عطفًا على الفاعل المستتر في «اذهب»، وجاز ذلك للتَّأكيد بالضَّمير، ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذَّهاب على الله؛ لأنَّ مذهب اليهود التَّجسيم، ويؤيِّده مقابلة الذَّهاب بالقعود في قولهم: (﴿فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]) وظاهر الكلام أنَّهم قالوا ذلك استهانةً بالله ورسوله، وعدم مبالاةٍ بهما، وأصل هذا: «أنَّ موسى ﵇ أُمِر أن يدخلوا مدينة الجبَّارين؛ وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلِّ سبطٍ منهم عينٌ؛ ليأتوه

بخبر القوم، فلمَّا دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثِّمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتتبَّعهم، فكلَّما أصاب واحدًا منهم؛ أخذه (١) فجعله في كمِّه مع الفاكهة، حتَّى التقطهم كلَّهم (٢) فجعلهم في كمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكهم فنثرهم بين يديه، فقال المَلِك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم» رواه ابن جريرٍ عن عبد الكريم بن الهيثم (٣)، حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ. قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الإسناد نظرٌ، وقد ذكر كثير من المفسِّرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبَّارين، وأنَّه كان فيهم عَوْجُ بن عُنُقٍ بنت (٤) آدم ﵊، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثين ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب، وهذا شيء يُسْتَحيا منه، ثمَّ هو مخالفٌ لِمَا في «الصَّحيح»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» [خ¦٣٣٢٦] ثمَّ ذكروا أنَّ عوجًا كان كافرًا، وأنَّه امتنع من ركوب السَّفينة، وأنَّ الطُّوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذبٌ وافتراء، فإنَّ الله تعالى ذكر أنَّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوحٍ غرق؛ فكيف يبقى عَوْجُ بن عُنُقٍ وهو كافرٌ؟! هذا لا يسوغ في عقلٍ ولا في شرعٍ، ثمَّ في وجود رجلٍ يقال له: عَوْج بن عُنُقٍ نظرٌ، والله أعلم. انتهى.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لم يذكر لفظ بَاب إِلَّا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِه أكبر نعم الله عز وَجل على هَذِه الْأمة حَيْثُ أكمل لَهُم دينهم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دين غَيره وَلَا إِلَى نَبِي غير نَبِيّهم، وَلِهَذَا جعله الله خَاتم الْأَنْبِيَاء وَبَعثه إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ، فَلَا حَلَال إلَاّ مَا أحله الله، وَلَا حرَام إلَاّ مَا حرمه الله، وَلَا دين إلَاّ مَا شَرعه وكل شَيْء أخبر بِهِ فَهُوَ حق وَصدق لَا كذب فِيهِ وَلَا خلف. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة. عَن ابْن عَبَّاس {كملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) وَهُوَ الْإِسْلَام، وَالْمرَاد بِالْيَوْمِ: يَوْم عَرَفَة. قَالَ أَسْبَاط عَن السّديّ: نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم عَرَفَة فَلم ينزل بعْدهَا حَلَال وَلَا حرَام، وَرجع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَات. وَقَالَ ابْن جريج وَغير وَاحِد: مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد يَوْم عَرَفَة بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَخْمَصَةٌ مَجَاعَةٌ

هَذَا لم يثبت إِلَّا لغير أبي ذَر، وَقد ذكرنَا عِنْد قَوْله: (وَقَالَ غَيره) الإغراء التسليط، أَن الْمُنَاسبَة كَانَت تَقْتَضِي أَن يذكر هَذِه اللَّفْظَة قبل قَوْله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ يظْهر لَك مَا فِيهِ الْكِفَايَة. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم} وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

٤٦٠٦ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بنِ شِهابٍ قَالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ إنكُمْ تَقْرؤُونَ آيَةً لَوْ نَزِلَتْ فِينا لاتَخَذْناها عِيدا فَقَال عُمَرُ إنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وأيْنَ أُنْزِلَتْ وَأيْنَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإنَّا وَالله بِعَرَفَةَ. قَالَ سُفْيَانُ وأشُكُّ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أمْ لَا {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقيس هُوَ ابْن مُسلم، وطارق هُوَ ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ.

والْحَدِيث مر فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق آخر عَن الْحسن بن الصَّباح عَن حَفْص بن عون عَن أبي العميس عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق إِلَى آخِره.

قَوْله: (قَالَت الْيَهُود) ، وَفِي كتاب الْإِيمَان أَن رجلا من الْيَهُود، وَإِنَّمَا جمع هُنَا بِاعْتِبَار السَّائِل وَمن كَانَ مَعَه، وَكَانَ هَذَا الرجل كَعْب الْأَحْبَار، وَكَانَ سُؤَاله قبل إِسْلَامه، وَأَنه أسلم فِي خلَافَة عمر، على الْمَشْهُور، أَو أطلق عَلَيْهِ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا مضى. قَوْله: (حَيْثُ أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) أعلم أَن حَيْثُ للمكان اتِّفَاقًا وَقَالَ الْأَخْفَش، وَقد ترد للزمان، وَهنا للمكان خَاصَّة، وَأَيْنَ، للزمان فَلَا تكْرَار وَحِينَئِذٍ، وَالْغَالِب كَون، حَيْثُ فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة، أَو خفض: بِمن، ويلزمها الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إسمية كَانَت أَو فعلية، وَإِلَى الفعلية أَكثر، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: (حَيْثُ أنزلت، وَأي يَوْم أنزلت) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (حِين أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) قلت: فَحِينَئِذٍ يلْزم التّكْرَار. قَوْله: (وَأَيْنَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أنزلت) . كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَيْثُ أنزلت) . قَوْله: (يَوْم عَرَفَة) بِالرَّفْع أَي: يَوْم النُّزُول يَوْم عَرَفَة ويروى بِالنّصب أَي أنزلت فِي يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (وَأَنا وَالله بِعَرَفَة) إِشَارَة إِلَى الْمَكَان إِذْ عَرَفَة تطلق على عَرَفَات، وَكَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْجَمِيع، وَعند أَحْمد: (وَرَسُول الله وَاقِف بِعَرَفَة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: وَأَنا أَشك) وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان عَن قيس بن مُسلم الْجَزْم بِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْجُمُعَة، وَسَيَجِيءُ الْجَزْم أَيْضا فِي كتاب الِاعْتِصَام من رِوَايَة مسعر عَن قيس.

٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طَيِّبا} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (الْمَائِدَة: ٦) قيل: وَقع هُنَا. فَإِن لم تَجدوا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فالقرآن {فَلم تَجدوا} وَفِي الْأُصُول كَذَلِك.

تَيَمَّمُوا تَعَمَّدُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا} تعمدوا الْآن معنى التَّيَمُّم فِي اللُّغَة الْقَصْد، والعمد هُوَ الْقَصْد، وَكَذَا رُوِيَ عَن سُفْيَان رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن خَلِيل حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ.

آمِّينَ قَاصِدينَ أمَّمْتُ وَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام} (الْمَائِدَة: ٢) وَفسّر آمين بقوله: قَاصِدين، لِأَنَّهُ من الأمّ وَهُوَ الْقَصْد، أَي: وَلَا تستحلوا قتال آمين الْبَيْت أَي: القاصدين إِلَى بَيت الله الْحَرَام الَّذِي من دخله كَانَ آمنا. قَوْله: (أممت ويممت وَاحِد) ، أَي: فِي الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر:

وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا

وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وَلَا آمي الْبَيْت، بِإِسْقَاط النُّون للإضافة.

وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ لَمَسْتُمْ وَتَمَسُّوهُنَّ وَاللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ والإفْضاءُ النِّكاحُ

أَشَارَ بقول ابْن عَبَّاس هَذَا إِلَى أَن معنى أَرْبَعَة أَلْفَاظ فِي الْقُرْآن بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: النِّكَاح أَي: الْوَطْء. وَقَوله: لمستم، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير قَوْله: لمستم، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: النِّكَاح، على أَنه خَبره، وَقد ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بطرِيق التَّعْلِيق. أما اللَّفْظ الأول: فقد وَصله إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لمستم النِّسَاء} قَالَ هُوَ الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا سعيد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن اللَّمْس والمس والمباشرة الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) . وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب وَأبي بن كَعْب وَمُجاهد وَالْحسن وَطَاوُس وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِك، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب (لمستم) وَقَرَأَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأهل الْحجاز (لامستم) بِالْألف (وَأما اللَّفْظ الثَّانِي) : فوصله ابْن الْمُنْذر وَقد مر الْآن (وَأما اللَّفْظ الثَّالِث) : فَرَوَاهُ عَليّ بن أبي حَاتِم من طَرِيق وَابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن} (النِّسَاء: ٢٣) قَالَ الدُّخُول النِّكَاح (وَأما اللَّفْظ الرَّابِع) : فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض} (النِّسَاء: ٢١) قَالَ: الْإِفْضَاء الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا حجاج حَدثنَا حَمَّاد أخبرنَا عَاصِم الْأَحول عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْمُلَامسَة والمباشرة والإفضاء والرفث وَالْجِمَاع نِكَاح وَلَكِن الله يكني.

٤٦٠٧ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى التِماسِهِ وأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذَي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مَكَانُ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأنْزَلَ الله آيَةَ التَيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ مَا هِيِ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 24 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 25.2 / 29.5
الإضاءة 20%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56