«قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4609

الحديث رقم 4609 من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا…

«قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾، وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.» وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾؛ الْمُحَارَبَةُ لِلهِ: الْكُفْرُ بِهِ.

سند حديث: ٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا…

٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ.

(ح) وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْبَابِ قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ؛ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَالْأَعْمَشِ، وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَخَالَفَهُمْ عَاصِمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ فَوَافَقَ أَهْلَ الْحِجَازِ فَقَرَءُوا: (أَوْ لَامَسْتُمْ) بِالْأَلِفِ وَوَافَقَهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ.

ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ صَلَّى أَوَّلَ مَا نَزَلَ ثُمَّ نَامَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ هَجَعَ فَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَنَامُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ نَامَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤ - بَاب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾

٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ ح.

وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ فَاذْهَبْ إِلَخْ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أَخُوهُ هَارُونُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَحَمْدَانُ لَقَبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ إِلَخْ) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، بِخِلَافِ سِيَاقِ الْأَشْجَعِيِّ، لَكِنِ اسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ لِرِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ الْمَوْصُولَةِ بِرِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلُ. وَطَرِيقُ وَكِيعٍ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ إِلَخْ مُقَدَّمًا فِي الْبَابِ عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، مُؤَخَّرًا عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.

٥ - بَاب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية، الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ

٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا، فَقَالُوا، وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ؟ - أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ - قُلْتُ: مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس السَّبيعيُّ (عَنْ مُخَارِقٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قافٌ، ابن عبد الله الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ البجليِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁) يقول (١): (قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ) هو ابن الأسود، وكان قد تبنَّاه فنُسِب إليه، واسم أبيه: عمرٌو.

(ح): لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق (٢): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْدَانُ) هو أحمد (بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (٣)، البغداديُّ -ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الموضع- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم التَّميميُّ الخراسانيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ (٤)) بالشِّين المعجمة والجيم والعين المهملة، عبيد الله بن عبيد (٥) الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) (٦) الثَّوريِّ (عَنْ مُخَارِقٍ) هو ابن عبد الله (عَنْ طَارِقٍ) هو ابن شهابٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ أنَّه (٧) (قَالَ: قَالَ المِقْدَادُ) هو المعروف بابن الأسود (يَوْمَ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يومئذٍ»: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ) سقط

لفظ «لك» لأبي ذرٍّ (كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ) وعند أحمد: «ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون» (فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: أُزِيل عنه المكروهات كلُّها.

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرؤاسيُّ، فيما وصله أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ (عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ المِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ) القول وهو: «يارسول الله إنَّا لا نقول لك … » إلى آخره، (لِلنَّبِيِّ ﷺ) ومراد البخاريِّ: أنَّ صورة سياق هذا أنَّه مرسلٌ، بخلاف سياق الأشجعيِّ، واستظهر لرواية الأشجعيِّ الموصولة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله: «ورواه وكيعٌ … » إلى آخره مقدَّمًا على قوله: «حدَّثنا أبو نُعيم» عند أبي ذرٍّ، مؤخَّرًا عند غيره، قال في «الفتح»: وهو أشبه بالصَّواب، وعند ابن جريرٍ عن قتادة قال: «ذُكِر لنا أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: إنِّي ذاهبٌ بالهدي فناحره عند البيت، فقال المقداد: إنَّا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل؛ إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون، فلمَّا سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا (١) على ذلك» قال الحافظ ابن كثيرٍ: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيُحتَمل أنَّه كرَّر هذه المقالة يومئذٍ، كما قالها يوم بدرٍ، وسقط قوله: «ذلك» لأبي ذرٍّ.

(٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾) مفعولٌ من أجله، أي: يحاربون لأجل الفساد، أو حال، أي: مفسدين (﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾) خبر المبتدأ، وهو ﴿جَزَاء الَّذِينَ﴾ (﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣]) أي: من أرض الجناية إلى غيرها، وقال أبو حنيفة: بالحبس؛ لأنَّ المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه،

ولا ينتفع بلذَّات الدُّنيا، و ﴿أَوْ﴾: قيل: للتَّخيير، أي: للإمام أن يفعل بهم أيَّ خصلةٍ شاء، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ من طريق عليِّ (١) بن أبي طلحة، فيما رواه ابن جريرٍ، قال شارح «البزدويِّ» -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: نَظَر هذا القائل أنَّ كلمة ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير حقيقةً، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأنَّ قطع الطَّريق في ذاته جنايةٌ واحدةٌ، وهذه الأجزية ذُكِرَت بمقابلتها، فيصلح كلُّ واحدٍ جزاءً له، فيثبت التَّخيير كما في كفَّارة اليمين. انتهى. والجمهور: أنَّها للتَّنويع، قال إمامنا الشَّافعيُّ: أخبرنا إبراهيم -هو ابن أبي يحيى- عن صالحٍ مولى التَّوءمة عن ابن عبَّاسٍ في قطَّاع الطريق إذا قَتَلوا وأَخَذوا المال: «قُتِلوا وصُلِّبوا، وإذا قَتَلوا ولم يَأخُذوا المال، قُتِلوا ولم يُصَلَّبوا، وإذا أَخَذوا المال ولم يُقْتُلوا؛ قُطِّعت أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا؛ نُفُوا من الأرض» ورواه ابن أبي شيبة عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ بنحوه، وأجاب في «فتوح الغيب» عمَّا سبق من (٢) القول بالتَّخيير: بأنَّه غير ممكنٍ؛ لأنَّ الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فيبعد أن يُقَال: عند غلظ الجناية يعاقب بأخفِّ الأنواع، وعند خفَّتها بأغلظها، وذلك أنَّ المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية؛ من تخويفٍ، أو أخذ مالٍ، أو قتلِ نفسٍ أو جمعٍ بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزيةٌ متفاوتةٌ في معنى التَّشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدَّمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًّا، وهذا التَّقسيم يرجع إلى أصلٍ لهم؛ وهو أنَّ الجملة إذا قُوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض. انتهى. واختُلِف في كيفية الصَّلب؛ فقيل: يُصلَب حيًّا، ثمَّ يُطعَن في بطنه برُمْحٍ حتَّى يموت، وعن (٣) الشَّافعيِّ: يُقتَل أوَّلًا، ثمَّ يصلَّى عليه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه.

٥ - (بابٌ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا} إلَى قَوْلِهِ: {أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (الْمَائِدَة: ٣٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله} إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة.

المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ

رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: عز وَجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله} ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام.

٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وسلمان، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام. أَبُو رَجَاء مولى أبي قلَابَة الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، سُلَيْمَان، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة، فقطعة من ذَلِك مَضَت فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَاب الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيث العرنيين عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَقطعَة مُشْتَمِلَة على مَا فِي حَدِيث الْبَاب أخرجهَا فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قصَّة عكل وعرينة أخرجهَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن حَفْص بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَالْحجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة الحَدِيث.

قَوْله: (خلف عمر بن عبد الْعَزِيز) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي، قَالَ: يَعْنِي أَبُو رَجَاء وَأَبُو قلَابَة خلف سَرِيره. قَوْله: (فَذكرُوا ذكرُوا) أَي: الْقسَامَة، وَقد بَين البُخَارِيّ هَذَا فِي مَكَان آخر أَعنِي فِي كتاب الدِّيات، وَهُوَ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس ثمَّ أذن لَهُم فَدَخَلُوا. فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول فِي الْقسَامَة الْقود بهَا حق وَقد أقادت بهَا الْخُلَفَاء، فَقَالَ لي: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة ونصبني للنَّاس؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عنْدك رُؤُوس الأجناد وأشراف الْعَرَب، أَرَأَيْت لَو أَن خمسين رجلا مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قَدرنَا وَلم يروه أَكنت تَرْجَمَة؟ قَالَ: لَا. قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه وَلم يروه؟ قَالَ: لَا. قلت: فوَاللَّه مَا قتل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ إلَاّ فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال: رجل قتل بحديدة نفسا فَقتل، وَرجل زنى بعد إِحْصَان، وَرجل حَارب الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام. فَقَالَ الْقَوْم: أَو لَيْسَ قد حدث أنس بن مَالك أَن نَفرا من عكل؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا وَقَالُوا) ، مقول القَوْل الأول مَحْذُوف، وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي مَكَان آخر، ومقول القَوْل الثَّانِي هُوَ قَوْله: قد أقادت بهَا الْخُلَفَاء. يُقَال: أقاد الْقَاتِل بالقتيل إِذا قَتله بِهِ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز اسْتَشَارَ النَّاس يَوْمًا فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذِه الْقسَامَة؟ فَقَالُوا: حق قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقضت بهَا الْخُلَفَاء قبلك. قَوْله: (فالتف) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي قلَابَة، وَالْحَال أَنه خلف ظهر. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (يَا عبد الله بن زيد) ، هُوَ المكنى بِأبي قلَابَة. قَوْله: (أَو مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة) ؟ شكّ من الرَّاوِي هَل سَمَّاهُ باسمه أَو خاطبه بكنيته. قَوْله: قلت: الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: (فَقَالَ عَنْبَسَة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبُو خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَخُو يحيى وَعَمْرو الْأَشْدَق، سمع أَبَا هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر عَن البُخَارِيّ، وَسمع أنسا فِي الْحُدُود، روى عَنهُ أَبُو قلَابَة حَدِيث العرنيين عِنْد مُسلم. قَوْله: (حَدثنَا أنس بِكَذَا وَكَذَا) أَي: قَالَ عَنْبَسَة: حَدثنَا أنس بن مَالك بِقصَّة الْقسَامَة، وَحَدِيث العرنيين. قَوْله: (قلت) : الْقَائِل أَبُو قلَابَة ويروى: (فَقلت) ، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات، (فَقلت: أَنا أحدثكُم بِحَدِيث أنس، حَدثنِي أنس أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام فاستوخموا الأَرْض) الحَدِيث. قَوْله: (قدم قوم) هم نفر من عكل (فكلموه) أَي: فَكَلَّمُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد بِهِ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قد استوخمنا) من استوخمت الْبَلَد إِذا لم يُوَافق بدنك، وَأَصله من الوخم وَهُوَ ثقالة الطَّعَام فِي الْمعدة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم، قَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث العرنيين: واستوخموا الْمَدِينَة أَي: استثقلوها وَلم يُوَافق هواؤها أبدانهم. قَوْله: (هَذِه نعم لنا) المُرَاد بِالنعَم الْإِبِل، فَإِن قلت: قد قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أخرجُوا إِلَى إبل الصَّدَقَة. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَنه كَانَ حَاكما عَلَيْهَا أَو كَانَت لَهُ نعم ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. قَوْله: (تخرج) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (واستصحوا) أَي: حصلت لَهُم الصِّحَّة، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (واطَّردوا النعم) ، أَي: ساقوها سوقا شَدِيدا. وَأَصله من طرد فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ: اتطرد، ثمَّ قلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فَمَا يستبطأ من هَؤُلَاءِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب الاستفعال، من البطء بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره وَهُوَ نقيض السرعة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا يستبطأ. اسْتِفْهَام. قلت: مَعْنَاهُ على قَوْله أَي شَيْء يستبطأ من هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا راعي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل؟ وَفِيه معنى التَّعَجُّب أَيْضا فَافْهَم، وَيُؤَيّد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْبَابِ قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ؛ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَالْأَعْمَشِ، وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَخَالَفَهُمْ عَاصِمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ فَوَافَقَ أَهْلَ الْحِجَازِ فَقَرَءُوا: (أَوْ لَامَسْتُمْ) بِالْأَلِفِ وَوَافَقَهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ.

ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ صَلَّى أَوَّلَ مَا نَزَلَ ثُمَّ نَامَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ هَجَعَ فَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَنَامُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ نَامَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤ - بَاب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾

٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ ح.

وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ فَاذْهَبْ إِلَخْ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أَخُوهُ هَارُونُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَحَمْدَانُ لَقَبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ إِلَخْ) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، بِخِلَافِ سِيَاقِ الْأَشْجَعِيِّ، لَكِنِ اسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ لِرِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ الْمَوْصُولَةِ بِرِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلُ. وَطَرِيقُ وَكِيعٍ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ إِلَخْ مُقَدَّمًا فِي الْبَابِ عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، مُؤَخَّرًا عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.

٥ - بَاب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية، الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ

٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا، فَقَالُوا، وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ؟ - أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ - قُلْتُ: مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس السَّبيعيُّ (عَنْ مُخَارِقٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قافٌ، ابن عبد الله الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ البجليِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁) يقول (١): (قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ) هو ابن الأسود، وكان قد تبنَّاه فنُسِب إليه، واسم أبيه: عمرٌو.

(ح): لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق (٢): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْدَانُ) هو أحمد (بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (٣)، البغداديُّ -ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الموضع- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم التَّميميُّ الخراسانيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ (٤)) بالشِّين المعجمة والجيم والعين المهملة، عبيد الله بن عبيد (٥) الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) (٦) الثَّوريِّ (عَنْ مُخَارِقٍ) هو ابن عبد الله (عَنْ طَارِقٍ) هو ابن شهابٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ أنَّه (٧) (قَالَ: قَالَ المِقْدَادُ) هو المعروف بابن الأسود (يَوْمَ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يومئذٍ»: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ) سقط

لفظ «لك» لأبي ذرٍّ (كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ) وعند أحمد: «ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون» (فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: أُزِيل عنه المكروهات كلُّها.

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرؤاسيُّ، فيما وصله أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ (عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ المِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ) القول وهو: «يارسول الله إنَّا لا نقول لك … » إلى آخره، (لِلنَّبِيِّ ﷺ) ومراد البخاريِّ: أنَّ صورة سياق هذا أنَّه مرسلٌ، بخلاف سياق الأشجعيِّ، واستظهر لرواية الأشجعيِّ الموصولة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله: «ورواه وكيعٌ … » إلى آخره مقدَّمًا على قوله: «حدَّثنا أبو نُعيم» عند أبي ذرٍّ، مؤخَّرًا عند غيره، قال في «الفتح»: وهو أشبه بالصَّواب، وعند ابن جريرٍ عن قتادة قال: «ذُكِر لنا أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: إنِّي ذاهبٌ بالهدي فناحره عند البيت، فقال المقداد: إنَّا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل؛ إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون، فلمَّا سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا (١) على ذلك» قال الحافظ ابن كثيرٍ: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيُحتَمل أنَّه كرَّر هذه المقالة يومئذٍ، كما قالها يوم بدرٍ، وسقط قوله: «ذلك» لأبي ذرٍّ.

(٥) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾) مفعولٌ من أجله، أي: يحاربون لأجل الفساد، أو حال، أي: مفسدين (﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾) خبر المبتدأ، وهو ﴿جَزَاء الَّذِينَ﴾ (﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣]) أي: من أرض الجناية إلى غيرها، وقال أبو حنيفة: بالحبس؛ لأنَّ المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه،

ولا ينتفع بلذَّات الدُّنيا، و ﴿أَوْ﴾: قيل: للتَّخيير، أي: للإمام أن يفعل بهم أيَّ خصلةٍ شاء، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ من طريق عليِّ (١) بن أبي طلحة، فيما رواه ابن جريرٍ، قال شارح «البزدويِّ» -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: نَظَر هذا القائل أنَّ كلمة ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير حقيقةً، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأنَّ قطع الطَّريق في ذاته جنايةٌ واحدةٌ، وهذه الأجزية ذُكِرَت بمقابلتها، فيصلح كلُّ واحدٍ جزاءً له، فيثبت التَّخيير كما في كفَّارة اليمين. انتهى. والجمهور: أنَّها للتَّنويع، قال إمامنا الشَّافعيُّ: أخبرنا إبراهيم -هو ابن أبي يحيى- عن صالحٍ مولى التَّوءمة عن ابن عبَّاسٍ في قطَّاع الطريق إذا قَتَلوا وأَخَذوا المال: «قُتِلوا وصُلِّبوا، وإذا قَتَلوا ولم يَأخُذوا المال، قُتِلوا ولم يُصَلَّبوا، وإذا أَخَذوا المال ولم يُقْتُلوا؛ قُطِّعت أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا؛ نُفُوا من الأرض» ورواه ابن أبي شيبة عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ بنحوه، وأجاب في «فتوح الغيب» عمَّا سبق من (٢) القول بالتَّخيير: بأنَّه غير ممكنٍ؛ لأنَّ الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فيبعد أن يُقَال: عند غلظ الجناية يعاقب بأخفِّ الأنواع، وعند خفَّتها بأغلظها، وذلك أنَّ المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية؛ من تخويفٍ، أو أخذ مالٍ، أو قتلِ نفسٍ أو جمعٍ بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزيةٌ متفاوتةٌ في معنى التَّشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدَّمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًّا، وهذا التَّقسيم يرجع إلى أصلٍ لهم؛ وهو أنَّ الجملة إذا قُوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض. انتهى. واختُلِف في كيفية الصَّلب؛ فقيل: يُصلَب حيًّا، ثمَّ يُطعَن في بطنه برُمْحٍ حتَّى يموت، وعن (٣) الشَّافعيِّ: يُقتَل أوَّلًا، ثمَّ يصلَّى عليه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه.

٥ - (بابٌ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا} إلَى قَوْلِهِ: {أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (الْمَائِدَة: ٣٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله} إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة.

المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ

رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: عز وَجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله} ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام.

٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وسلمان، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام. أَبُو رَجَاء مولى أبي قلَابَة الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، سُلَيْمَان، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة، فقطعة من ذَلِك مَضَت فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَاب الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيث العرنيين عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَقطعَة مُشْتَمِلَة على مَا فِي حَدِيث الْبَاب أخرجهَا فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قصَّة عكل وعرينة أخرجهَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن حَفْص بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَالْحجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة الحَدِيث.

قَوْله: (خلف عمر بن عبد الْعَزِيز) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي، قَالَ: يَعْنِي أَبُو رَجَاء وَأَبُو قلَابَة خلف سَرِيره. قَوْله: (فَذكرُوا ذكرُوا) أَي: الْقسَامَة، وَقد بَين البُخَارِيّ هَذَا فِي مَكَان آخر أَعنِي فِي كتاب الدِّيات، وَهُوَ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس ثمَّ أذن لَهُم فَدَخَلُوا. فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول فِي الْقسَامَة الْقود بهَا حق وَقد أقادت بهَا الْخُلَفَاء، فَقَالَ لي: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة ونصبني للنَّاس؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عنْدك رُؤُوس الأجناد وأشراف الْعَرَب، أَرَأَيْت لَو أَن خمسين رجلا مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قَدرنَا وَلم يروه أَكنت تَرْجَمَة؟ قَالَ: لَا. قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه وَلم يروه؟ قَالَ: لَا. قلت: فوَاللَّه مَا قتل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ إلَاّ فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال: رجل قتل بحديدة نفسا فَقتل، وَرجل زنى بعد إِحْصَان، وَرجل حَارب الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام. فَقَالَ الْقَوْم: أَو لَيْسَ قد حدث أنس بن مَالك أَن نَفرا من عكل؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا وَقَالُوا) ، مقول القَوْل الأول مَحْذُوف، وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي مَكَان آخر، ومقول القَوْل الثَّانِي هُوَ قَوْله: قد أقادت بهَا الْخُلَفَاء. يُقَال: أقاد الْقَاتِل بالقتيل إِذا قَتله بِهِ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز اسْتَشَارَ النَّاس يَوْمًا فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذِه الْقسَامَة؟ فَقَالُوا: حق قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقضت بهَا الْخُلَفَاء قبلك. قَوْله: (فالتف) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي قلَابَة، وَالْحَال أَنه خلف ظهر. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (يَا عبد الله بن زيد) ، هُوَ المكنى بِأبي قلَابَة. قَوْله: (أَو مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة) ؟ شكّ من الرَّاوِي هَل سَمَّاهُ باسمه أَو خاطبه بكنيته. قَوْله: قلت: الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: (فَقَالَ عَنْبَسَة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبُو خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَخُو يحيى وَعَمْرو الْأَشْدَق، سمع أَبَا هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر عَن البُخَارِيّ، وَسمع أنسا فِي الْحُدُود، روى عَنهُ أَبُو قلَابَة حَدِيث العرنيين عِنْد مُسلم. قَوْله: (حَدثنَا أنس بِكَذَا وَكَذَا) أَي: قَالَ عَنْبَسَة: حَدثنَا أنس بن مَالك بِقصَّة الْقسَامَة، وَحَدِيث العرنيين. قَوْله: (قلت) : الْقَائِل أَبُو قلَابَة ويروى: (فَقلت) ، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات، (فَقلت: أَنا أحدثكُم بِحَدِيث أنس، حَدثنِي أنس أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام فاستوخموا الأَرْض) الحَدِيث. قَوْله: (قدم قوم) هم نفر من عكل (فكلموه) أَي: فَكَلَّمُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد بِهِ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قد استوخمنا) من استوخمت الْبَلَد إِذا لم يُوَافق بدنك، وَأَصله من الوخم وَهُوَ ثقالة الطَّعَام فِي الْمعدة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم، قَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث العرنيين: واستوخموا الْمَدِينَة أَي: استثقلوها وَلم يُوَافق هواؤها أبدانهم. قَوْله: (هَذِه نعم لنا) المُرَاد بِالنعَم الْإِبِل، فَإِن قلت: قد قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أخرجُوا إِلَى إبل الصَّدَقَة. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَنه كَانَ حَاكما عَلَيْهَا أَو كَانَت لَهُ نعم ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. قَوْله: (تخرج) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (واستصحوا) أَي: حصلت لَهُم الصِّحَّة، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (واطَّردوا النعم) ، أَي: ساقوها سوقا شَدِيدا. وَأَصله من طرد فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ: اتطرد، ثمَّ قلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فَمَا يستبطأ من هَؤُلَاءِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب الاستفعال، من البطء بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره وَهُوَ نقيض السرعة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا يستبطأ. اسْتِفْهَام. قلت: مَعْنَاهُ على قَوْله أَي شَيْء يستبطأ من هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا راعي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل؟ وَفِيه معنى التَّعَجُّب أَيْضا فَافْهَم، وَيُؤَيّد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56