الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4768
الحديث رقم 4768 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الشعراء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٧٦٨ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: (الْجِبِلَّةُ) الْخَلْقُ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾
١ - بَاب: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
٤٧٦٨ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ: عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ، والْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ.
٤٧٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَخِي، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ … إِلَخْ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا، وَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي زِيدَ فِيهَا بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ فَذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً، وَسَعِيدٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا وَمِنْ أَبِيهِ عَنْهُ تَامًّا، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وُجِدَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَاهِدُهُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ. وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي، قَالَ: لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ الْيَوْمَ، الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَأَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ الْقَتَرُ: الْغُبَارُ، وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ عَبَسَ: ﴿غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، كَأَنَّهُ قَالَ: غَبَرَةٌ فَوْقَهَا غَبَرَةٌ. وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: الْقَتَرَةُ مَا يَغْشَى الْوَجْهَ مِنَ الْكَرْبِ، وَالْغَبَرَةُ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الْغُبَارِ، وَأَحَدُهُمَا حِسِّيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ. وَقِيلَ: الْقَتَرَةُ شِدَّةُ الْغَبَرَةِ بِحَيْثُ يَسْوَدُّ الْوَجْهُ. وَقِيلَ: الْقَتَرَةُ سَوَادُ الدُّخَانِ فَاسْتُعِيرَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَامًّا.
قَوْلُهُ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي تَسْمِيَةِ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ سَبَقَتْ نِسْبَتُهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ آزَرَ اسْمُ الصَّنَمِ وَهُوَ شَاذٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى وَجْهٍ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ
الْقُرْآنِ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أَيْ: يَغْشَاهَا قَتَرَةٌ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْغَبَرَةَ الْغُبَارُ مِنَ التُّرَابِ، وَالْقَتَرَةُ السَّوَادُ الْكَائِنُ عَنِ الْكَآبَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمُ لَا أَعْصِيكَ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي، قَالَ: لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ) وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْأَبْعَدِ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ إِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ فِي أَبِيهِ، وَقِيلَ: الْأَبْعَدُ صِفَةُ أَبِيهِ، أَيْ أَنَّهُ شَدِيدُ الْبُعْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ مِنْهَا فَالْكَافِرٌ أَبْعَدٌ، وَقِيلَ: الْأَبْعَدُ بِمَعْنَى الْبَعِيدَ وَالْمُرَادُ الْهَالِكُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: وَإِنْ أَخْزَيْتَ أَبِي فَقَدْ أَخْزَيْتَ الْأَبْعَدَ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ: أَيُّ ابْنٍ كُنْتَ لَكَ؟ فَيَقُولُ: خَيْرُ ابْنٍ، فَيَقُولُ: هَلْ أَنْتَ مُطِيعِي الْيَوْمَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ خُذْ بَازَرتِي. فَيَأْخُذُ بَازَرتَهُ. ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ رَبَّهُ وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا عَبْدِي ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَبِي مَعِي، فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُنَادِي: إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا مُشْرِكٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمَ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ انْظُرْ، فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَيَقُولُ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي، قَالَ: انْظُرْ أَسْفَلَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضَبُعًا، فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي أَبُوكَ هُوَ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُحَوَّلُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ فِي صُورَةِ ضِبْعَانَ، زَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِذَا رَآهُ كَذَا تَبَرَّأَ مِنْهُ قَالَ: لَسْتَ أَبِي، وَالذِّيخُ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ذَكَرُ الضِّبَاعِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهُ: ذِيخٌ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ. وَالضِّبْعَانُ لُغَةٌ فِي الضَّبْعِ. وَقَوْلُهُ: مُتَلَطِّخٌ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيْ فِي رَجِيعٍ أَوْ دَمٍ أَوْ طِينٍ. وَقَدْ عَيَّنَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْمُرَادَ، وَأَنَّهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ؛ حَيْثُ قَالَ: فَيَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ. قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ لِتَنْفِرَ نَفْسُ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُ، وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ فَيَكُونُ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْعَ مِنْ أَحْمَقِ الْحَيَوَانِ، وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَقِ الْبَشَرِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى مَاتَ.
وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخِهِ عَلَى هَذَا الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ وَسَطٌ فِي التَّشْوِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَالَغَ فِي الْخُضُوعِ لَهُ وَخَفْضَ الْجَنَاحَ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِنُ بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجِهِ فِي الدِّينِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلِهِ وَطَعَنَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: هَذَا خَبَرٌ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ; فَكَيْفَ يَجْعَلُ مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؟ وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ انْتَهَى. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ، فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةِ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ قَالَ: اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ، وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقِيلَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قولُه في سورة يس [الآية: ٦٢]: (﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم والموحَّدة (وَجِبِلًا) بكسرهما (وَ ﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم وسكون الموحَّدة، مع التخفيف في الثلاثة (١) لغات (يَعْنِي) بها: (الخَلْقَ، قَالَهُ ابْنُ عبَّاسٍ) وسقط قولُه: «قاله ابن عبَّاس» لغير أبي ذرٍّ، وبالضَّمَّتين قرأَ ابنُ كثيرٍ والأخوان، وبالضَّمِّ والسكون أبو عمرو وابن عامر، وقرأ نافع وعاصم بكسرهما مع تشديد اللَّام، ولأبي ذرٍّ هنا: «ليكة» بلام مفتوحة «الأَيْكَةُ؛ وهي الغيضة»، وقد سبق تفسيرُها بالشجر.
(١) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) أي: العباد أو الضالون.
فإن قلتَ: لمَّا قال أوَّلًا: ﴿وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] كان كافيًا عن قوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فما كان يصيبُ الكفَّار فقط كيف يخافه المعصوم؟ أُجيب بأنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، فكذا درجاتُ خِزي المقرَّبين، وخِزْيُ كلِّ واحدٍ بما يَلِيقُ به.
٤٧٦٨ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ فيما وصله النَّسائيُّ: (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵊ رَأَى) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يرى» (أَبَاهُ) آزر، وقيل: اسمه تارَح، وقيل (٢): هما عَلَمان له؛ كإسرائيل ويعقوب، وقيل: العلم تارَح، وآزر معناه: الشيخ أو المعوج (يَوْمَ القِيَامَةِ) حالَ كونِه (عَلَيْهِ الغَبَرَةُ وَالقَتَرَةُ) بفتح المعجمة والموحَّدة، والقاف والفوقية (الغَبَرَةُ: هِيَ القَتَرَةُ) وهي سوادٌ كالدُّخَان، وسقط لأبي ذرٍّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: (الْجِبِلَّةُ) الْخَلْقُ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾
١ - بَاب: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
٤٧٦٨ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ: عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ، والْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ.
٤٧٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَخِي، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ … إِلَخْ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا، وَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي زِيدَ فِيهَا بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ فَذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً، وَسَعِيدٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا وَمِنْ أَبِيهِ عَنْهُ تَامًّا، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وُجِدَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَاهِدُهُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ. وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: وَعَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي، قَالَ: لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ الْيَوْمَ، الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَأَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ الْقَتَرُ: الْغُبَارُ، وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ عَبَسَ: ﴿غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، كَأَنَّهُ قَالَ: غَبَرَةٌ فَوْقَهَا غَبَرَةٌ. وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: الْقَتَرَةُ مَا يَغْشَى الْوَجْهَ مِنَ الْكَرْبِ، وَالْغَبَرَةُ مَا يَعْلُوهُ مِنَ الْغُبَارِ، وَأَحَدُهُمَا حِسِّيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ. وَقِيلَ: الْقَتَرَةُ شِدَّةُ الْغَبَرَةِ بِحَيْثُ يَسْوَدُّ الْوَجْهُ. وَقِيلَ: الْقَتَرَةُ سَوَادُ الدُّخَانِ فَاسْتُعِيرَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَامًّا.
قَوْلُهُ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي تَسْمِيَةِ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ سَبَقَتْ نِسْبَتُهُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ آزَرَ اسْمُ الصَّنَمِ وَهُوَ شَاذٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى وَجْهٍ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ) هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ
الْقُرْآنِ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أَيْ: يَغْشَاهَا قَتَرَةٌ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْغَبَرَةَ الْغُبَارُ مِنَ التُّرَابِ، وَالْقَتَرَةُ السَّوَادُ الْكَائِنُ عَنِ الْكَآبَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمُ لَا أَعْصِيكَ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي، قَالَ: لَكِنِّي لَا أَعْصِيكَ وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ) وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْأَبْعَدِ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ إِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ فِي أَبِيهِ، وَقِيلَ: الْأَبْعَدُ صِفَةُ أَبِيهِ، أَيْ أَنَّهُ شَدِيدُ الْبُعْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ مِنْهَا فَالْكَافِرٌ أَبْعَدٌ، وَقِيلَ: الْأَبْعَدُ بِمَعْنَى الْبَعِيدَ وَالْمُرَادُ الْهَالِكُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: وَإِنْ أَخْزَيْتَ أَبِي فَقَدْ أَخْزَيْتَ الْأَبْعَدَ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: يَلْقَى رَجُلٌ أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ: أَيُّ ابْنٍ كُنْتَ لَكَ؟ فَيَقُولُ: خَيْرُ ابْنٍ، فَيَقُولُ: هَلْ أَنْتَ مُطِيعِي الْيَوْمَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ خُذْ بَازَرتِي. فَيَأْخُذُ بَازَرتَهُ. ثُمَّ يَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَ رَبَّهُ وَهُوَ يَعْرِضُ الْخَلْقَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا عَبْدِي ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَبِي مَعِي، فَإِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُنَادِي: إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا مُشْرِكٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمَ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ انْظُرْ، فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَيَقُولُ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي، قَالَ: انْظُرْ أَسْفَلَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: فَيَمْسَخُ اللَّهُ أَبَاهُ ضَبُعًا، فَيَأْخُذُ بِأَنْفِهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي أَبُوكَ هُوَ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُحَوَّلُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ فِي صُورَةِ ضِبْعَانَ، زَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِذَا رَآهُ كَذَا تَبَرَّأَ مِنْهُ قَالَ: لَسْتَ أَبِي، وَالذِّيخُ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ذَكَرُ الضِّبَاعِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهُ: ذِيخٌ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ. وَالضِّبْعَانُ لُغَةٌ فِي الضَّبْعِ. وَقَوْلُهُ: مُتَلَطِّخٌ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيْ فِي رَجِيعٍ أَوْ دَمٍ أَوْ طِينٍ. وَقَدْ عَيَّنَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْمُرَادَ، وَأَنَّهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ؛ حَيْثُ قَالَ: فَيَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ. قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ لِتَنْفِرَ نَفْسُ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُ، وَلِئَلَّا يَبْقَى فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ فَيَكُونُ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي مَسْخِهِ ضَبْعًا أَنَّ الضَّبْعَ مِنْ أَحْمَقِ الْحَيَوَانِ، وَآزَرَ كَانَ مِنْ أَحْمَقِ الْبَشَرِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى مَاتَ.
وَاقْتَصَرَ فِي مَسْخِهِ عَلَى هَذَا الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ وَسَطٌ فِي التَّشْوِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَإِلَى مَا فَوْقَهُ كَالْأَسَدِ مَثَلًا، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَالَغَ فِي الْخُضُوعِ لَهُ وَخَفْضَ الْجَنَاحَ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ فَعُومِلَ بِصِفَةِ الذُّلِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِأَنَّ لِلضَّبْعِ عِوَجًا فَأُشِيرَ إِلَى أَنَّ آزَرَ لَمْ يَسْتَقِمْ فَيُؤْمِنُ بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى عِوَجِهِ فِي الدِّينِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلِهِ وَطَعَنَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: هَذَا خَبَرٌ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ; فَكَيْفَ يَجْعَلُ مَا صَارَ لِأَبِيهِ خِزْيًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؟ وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ انْتَهَى. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ، فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرَ مُشْرِكًا، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةِ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ قَالَ: اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ، وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقِيلَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قولُه في سورة يس [الآية: ٦٢]: (﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم والموحَّدة (وَجِبِلًا) بكسرهما (وَ ﴿جِبِلًّا﴾) بضمِّ الجيم وسكون الموحَّدة، مع التخفيف في الثلاثة (١) لغات (يَعْنِي) بها: (الخَلْقَ، قَالَهُ ابْنُ عبَّاسٍ) وسقط قولُه: «قاله ابن عبَّاس» لغير أبي ذرٍّ، وبالضَّمَّتين قرأَ ابنُ كثيرٍ والأخوان، وبالضَّمِّ والسكون أبو عمرو وابن عامر، وقرأ نافع وعاصم بكسرهما مع تشديد اللَّام، ولأبي ذرٍّ هنا: «ليكة» بلام مفتوحة «الأَيْكَةُ؛ وهي الغيضة»، وقد سبق تفسيرُها بالشجر.
(١) هذا (بَابٌ) بالتنوين في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) أي: العباد أو الضالون.
فإن قلتَ: لمَّا قال أوَّلًا: ﴿وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] كان كافيًا عن قوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فما كان يصيبُ الكفَّار فقط كيف يخافه المعصوم؟ أُجيب بأنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، فكذا درجاتُ خِزي المقرَّبين، وخِزْيُ كلِّ واحدٍ بما يَلِيقُ به.
٤٧٦٨ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ فيما وصله النَّسائيُّ: (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵊ رَأَى) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يرى» (أَبَاهُ) آزر، وقيل: اسمه تارَح، وقيل (٢): هما عَلَمان له؛ كإسرائيل ويعقوب، وقيل: العلم تارَح، وآزر معناه: الشيخ أو المعوج (يَوْمَ القِيَامَةِ) حالَ كونِه (عَلَيْهِ الغَبَرَةُ وَالقَتَرَةُ) بفتح المعجمة والموحَّدة، والقاف والفوقية (الغَبَرَةُ: هِيَ القَتَرَةُ) وهي سوادٌ كالدُّخَان، وسقط لأبي ذرٍّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56