«أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4677

الحديث رقم 4677 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وعلى الثلاثة الذين خلفوا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها…

«أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضُحًى، وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا، فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا، فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي، مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ، قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ، وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا، حِينَ أَنْزَلَ اللهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ، ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ».

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

سند حديث: ٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا…

٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها…

هذا حديث كعب بن مالك رضي الله عنه ، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.
وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلى الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشُّقة والعياذ بالله، كما أخبر الله سبحانه في القرآن وكما في هذا الحديث.
أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يُضعف عزمهم بعد المسافة ولا طيب الثمار.
إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: "إنه ما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط، كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب رضي الله عنه فهو من المجاهدين في سبيل الله، إلا في غزوة بدر، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا إبلًا لقريش مُحملة قدمت من الشام تريد مكةَ وتَمُرُّ بالمدينة.
ثم ذكر بَيعته النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في مِنى، قبل الهجرة، حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها شهود بدر؛ وإن كانت بدر أكثر ذكرًا، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.
كان رضي الله عنه قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبدًا، وقد استعد وتجهز رضي الله عنه وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها فيظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب؛ لأنه لو أظهر ما يقصده تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانه الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرها ووضحها وجَلَّاها لأصحابه، وأخبر أنه خارج إلى تبوك إلى عدوٍّ كثير، وإلى مكان بعيد حتى يستعد الناس.
فخرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط من المؤمنين، هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم ، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية.
فخرج النبي -عليه الصلاة والسلام- بأصحابه وهم كثير، إلى جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالى لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف بغير حرب.
يقول كعب بن مالك رضي الله عنه إن الرسول صلى الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة، أما هو رضي الله عنه فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحِّل راحلته ويقول: سوف ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئًا، ثم يفعل كل يوم كذلك، حتى تمادى به الأمر ولم يدرك.
يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلى سوق المدينة، وإذا المدينة ليس فيها أحد من المهاجرين ولا الأنصار، وليس فيها إلا رجل مغموس في النفاق -والعياذ بالله- قد غمسه نفاقه فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب على نفسه: كيف لا يبقى في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.
فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله: أين كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمة وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.
فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا لابسا البياض يتحرك به السراب من بعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كن أبا خيثمة الأنصاري" فكان أبا خيثمة، وهذا معناه الفراسة والتمني أن يصبح هذا القادم من بعيد هو أبو خيثمة.
وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مُراءٍ ما أكثر الصدقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غَنِيٌّ عن صاعِ هذا.
يقول رضي الله عنه : إنه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قافلًا من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان تورية، من أجل أن يعذره النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه : فلما بلغه قرب النبي صلى الله عليه وسلم زال عنه الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلى الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام.
فدخل المسجد وصلى وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فيبايعهم ويستغفر لهم؛ ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله تعالى قال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (التوبة: من الآية80)، فيقول: أما أنا فعزمت أن أصدق النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب ثم قال: "تعال" فلما دنوت منه قال لي: "ما خلفك؟". فقال رضي الله عنه : يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلًا- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلًا- ولكني لا أحدثك اليوم حديثا ترضى به عني فيوشك أن يسخطك الله علي في ذلك.
فصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق" ويكفي له فخرًا أن وصفه النبي -عليه الصلاة والسلام- بالصدق: "أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء".
فذهب الرجل مستسلمًا لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فلحقه قوم من بني سلمة من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنبًا قبل هذا، ويكفيك أن يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا استغفر لك الرسول صلى الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه، فهم أن يفعل- رضي الله عنه- ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلى في كتاب الله إلى يوم القيامة.
فسال قومه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك، قال: فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا لي فيهما أسوة.
فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.
فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً لا يسلم عليهم.
يقول كعب: كنت أحضر وأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.
فضاقت عليهم الأرض وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا على هذه الحال مدة خمسين يوما والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم، ولا يردون السلام إذا سلموا.
فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلى الله عز وجل ، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.
فكان يحضر ويسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات؛ لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلى قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبدًا، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب.
قال: "فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان"؛ لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في الأسواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.
يقول: وكنت أنا أقواهم وأصبرهم لأنه كان أصغرهم سنا؛ فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة رضي الله عنهم أطوع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
يقول: كنت أصلي وأسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحيانًا وأنا أصلي، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني، كل هذا من شدة الهجر.
يقول: "فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال علي جفوة الناس، تسورت حائطًا –أي: دخله من فوق الجدار- لأبي قتادة رضي الله عنه ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام"، وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، كل هذا طاعة لله ورسوله. فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه. مرتين يناشده وأبو قتادة لم يرد عليه، وهو يعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله. فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا. يقول: فبكى ثم خرج إلى السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جدًّا.
يقول: "فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك -يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافرًا- وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، فتعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا. ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالى ورسوله، ومحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال: هذا أيضا من البلاء، ثم ذهب إلى التنور فأحرقها.
ولما تمت لهم أربعون ليلة وأبطأ الوحي فلم ينزل أرسل إليهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم.
فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلِّقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة لله ورسوله، فسأل فقال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يأمرك أن تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ.
فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك حتى يقضي الله هذا الأمر. فلحقت بأهلها.
وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: "إنه والله ما به من حركة إلي شيء" يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي رضي الله عنه منذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يومًا يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا ستكون النهاية.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته، وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نُهِيَ عن كلامنا.
يقول: "وكنت ذات يوم أصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا، فسمعت صارخًا يقول وهو على سَلْع -وهو جبل معروف في المدينة- أوفى عليه وصاح بأعلى صوته يقول: "يا كعب بن مالك أبشر"، يقول: "فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج"، وركب فارس من المسجد يؤم بيت كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون إلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونهما بتوبة الله عليهما.
يقول: فجاء الصارخ الماشي على قدميه، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشرى للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطى ثوبيه للذي بشره.
ثم نزل متوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته على هؤلاء الثلاثة.
يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجًا يهنئونني بتوبة الله عليَّ حتى دخلت المسجد.
يقول: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فصافحني وهنأني بتوبة الله عليَّ.
يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا ينساها له.
حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا وجهه يبرق؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يومًا، حتى نسائهم بعد الأربعين أَمَرَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك".
فقال له: "أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله عز وجل"؛ لأنه إذا كان من عند الله كان أشرف وأفضل وأعظم.
فقال كعب: إن من توبته أن يتخلى عن ماله، ويجعله صدقة لله تعالى.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
ثم ذكر كعب بن مالك أن من توبته أن لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالى بالصدق، وما زال كذلك ما حدث بحديث كذب أبدًا بعد أن تاب الله عليه، فكان رضي الله عنه مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).
وأنزل الله تعالى الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} (التوبة: 117: 119).
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد، قال سبحانه : {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، قال: كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حَلَفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنَا حتى قضى الله فيه بذلك، قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه".
وذكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة ضحى، وأنه دخل المسجد فصلى فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلى الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أهمية صراحة المسلم وصدقه.
  • جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله وعن سبب ذلك.
  • إباحة الغنيمة لهذه الأمة المرحومة حيث كانت محرَّمة على من قبلها من الأمم.
  • القتال يوم بدر لم يكن فرضًا عينيًّا.
  • جواز التحديث بنعمة الله عز وجل إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفع والرياء.
  • بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة -رضي الله عنهم- حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر.
  • خطته صلى الله عليه وسلم الحكيمة على الصعيد العسكري، كمحافظته على سرية الخطط وحسن تقديره للموقف، وعدم تغريره بجنده ووضعهم في الصورة الواقعية حتى يكونوا على مستوى المهمة الملقاة على عاتقهم.
  • الإمام إذا راى مصلحة في أن يستر على الرعية بعض ما يهِم به، ويقصده من العدو؛ استحب له ذلك أو يتعين لحسب المصلحة.
  • الستر والكتمان إذا تضمن مفسدة لم يجُز.
  • اندفاع المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله -عز وجل- عن رضا وطواعية رغم ما كانوا عليه من شدة.
  • تألم المسلم من تقصيره في أداء الواجب، وحرصه أن لا يكون من المتخلفين أو المنافقين.
  • لم يكن يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أحد ثلاثة: إما منافق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمصلحة أو استعمله على المدينة.
  • الإمام والمطاع لا ينبغي أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يُذَكِّرْه ليراجع الطاعة ويتوب.
  • جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله.
  • جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الرادِّ أنه وهم وغلط.
  • السنة للقادم من السفر أن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين.
  • يعامل الإنسان على ظاهره ويترك أمر باطنه إلى الله -عز وجل-.
  • تشديد الإسلام في هجر العصاة ولو بعزلهم عن المجتمع ليكون أبلغ في التأديب، وهذا إذا كان في الهجر مصلحة وفائدة للمهجور وللمجتمع.
  • حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ورأفته في صحبه وإشفاقه عليهم وسروره بسرورهم وفرحه بخيرهم.
  • المؤمن يبتلى في دينه ودنياه، ومن أراد الله به خيرا صدق مع الله وثبت على ما عاهد عليه.
  • خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله لتوبته، ولكن في حقنا أمر غيبي، لكن المرجو أن كل تائب حقق شروط التوبة وأخلص أن الله -تعالى- يتوب عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى ﴿رَحِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْقَدرُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا أَيْضًا فِي الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ هُنَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ مُرَادُهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ عَنْ يُونُسَ، لَكِنْ فَرَّقَهُمَا لِاخْتِلَافِ الصِّيغَةِ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ السَّنَدَ عَنْهُمَا مُتَّحِدٌ، لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ شِهَابٍ هُنَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَنْبَسَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيِّ الصَّدَفِيِّ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ بِهَامِشِ نُسْخَتِهِ. قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي النَّذْرِ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الْحَدِيثِ أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دُوَادَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ كَذَلِكَ.

١٨ - بَاب ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضُحًى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلاَّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنْ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقال رسول الله ﷺ: "يَا أُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من تاب ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ؛ كما رُوِي «ما أصرَّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ» (﴿الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]) به بعد التَّوبة، وسقط قوله: «﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رَحُبَتْ﴾: «الآيةَ».

٤٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن النَّضر النَّيسابوريُّ، أو (١) ابن إبراهيم البوشنجيُّ، أو ابن يحيى الذُّهليُّ، وبالأوَّلَين قال الحاكم، وبالأخير أبو عليٍّ الغسَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله بن أبي شعيبٍ مسلمٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وقع في رواية ابن السَّكن: «حدَّثني أحمد بن أبي شعيبٍ» من غير ذكر «محمَّد» المختلف فيه،

والأوَّل هو المشهور وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة بينهما عينٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ، الجَزَريُّ -بالجيم والزَّاي والرَّاء- قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريُّ أيضًا: (أَنَّ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (حَدَّثَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهْوَ) أي: كعبٌ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ) هو وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (١) (الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ) بكسر الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، مجهولُ تاب يتوب توبةً (أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ العُسْرَةِ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين؛ وهي غزوة تبوك (وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «صدقي رسول الله» (ﷺ) أي: بعد أن بلغه أنَّه ﵊ توجَّه قافلًا من الغزو، واهتمَّ لتخلُّفه من غير عذرٍ، وتفكَّر بما (٢) يخرج به من سخط الرَّسول، وطفق يتذكَّر الكذب لذلك، فأزاح الله عنه الباطل، فأجمع على الصِّدق، أي: جزم به وعقد عليه قصده، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا في رمضان (ضُحًى) وسقطت هذه اللَّفظة من كثيرٍ من الأصول (وَكَانَ) ﵊ (قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) قبل أن يدخل منزله (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ) أي: بعد أن اعترف بين يديه أنَّه تخلَّف من غير عذرٍ، وقوله ﵊ له: «قم حتَّى يقضيَ الله فيك» [خ¦٤٤١٨] (عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ) هلال ومرارة (٣) لكونهما تخلَّفا من غير عذرٍ واعترفا كذلك (وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا) وهم الَّذين اعتذروا إليه وقَبِل منهم (٤) علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا (فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا) أيُّها الثَّلاثة، قال كعبٌ: (فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ) بكسر لام «يصلِّي»، وفي نسخةٍ «يُصلَّى» بفتحها، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولا يسلِّم علَيَّ» بدل «يصلِّي» وفي نسخةٍ حكاها القاضي عياضٌ عن بعض الرُّواة: «ولا يسلِّمني» والمعروف أنَّ فعل السَّلام إنَّما يتعدَّى بـ «على»، وقد يكون إتباعًا لـ «يكلِّمني» قال القاضي: أو يرجع إلى قول من فسَّر السَّلام بأنَّ معناه: إنَّك مسلَّمٌ منِّي، قال في «المصابيح»: وسقطت «ولا يسلِّمني» للأَصيليِّ، كذا قال، فليُحرَّر (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ (٥) مِنَ اللَّيْلِ) بعد مضيِّ خمسين ليلةً من النَّهي عن كلامهم (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله تعالى عنها، والواو للحال (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: ذات اعتناءٍ، ولأبي ذَرٍّ عن

الكُشْميهَنيِّ: «مُعِيْنَة» (١) بضمِّ الميم وكسر العين فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ، أي: ذات إعانةٍ (فِي أَمْرِي) (٢) قال العينيُّ: وليست بمشتقَّةٍ من العون كما قاله بعضهم؛ يريد: الحافظ ابن حجرٍ، وقد رأيت في هامش الفرع ممَّا عزاه لـ «اليونينية»، ورأيته فيها (٣) عن عياضٍ: «مَعْنية» يعني: بفتح الميم وسكون العين، كذا عند الأَصيليِّ، ولغيره: «مُعِينة» (٤) بضمِّ الميم، أي: وكسر العين من العون، قال: والأوَّل أليق بالحديث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا) بهمزة الاستفهام (أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، منصوبٌ بـ «إذًا» من الحَطْم بالحاء والطَّاء المهملتين؛ وهو الدَّوْس، وللمستملي والكُشْميهَنيِّ: «يخطَفَكم» بفتح ثالثه (٥) والنَّصب، من الخَطْف؛ بالخاء المعجمة والفاء، وهو مجازٌ عن الازدحام (فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ) بإثبات النُّون بعد الواو، وللأَصيليِّ: «فيمنعوكم» بحذفها (سَائِرَ اللَّيْلَةِ) أي باقيها (حتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ؛ آذَنَ) بمدِّ الهمزة، أي: أعلم (بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ) ﵊ (إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ) شُبِّه به دون الشَّمس؛ لأنَّه يملأ الأرض بنوره، ويُؤنِسُ كلَّ من شاهده، ومجمع النُّور من غير أذًى، ويُتمكَّن من النَّظر إليه بخلاف

الشَّمس؛ فإنَّها تكلُّ البصر، فلا يتمكَّن البصر من رؤيتها (١) والتَّقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التَّشبيه بالقمر من غير تقييدٍ، وقد كان كعبٌ قائل هذا من شعراء الصَّحابة، فلا بدَّ في التَّقييد بذلك من حكمةٍ، وما قيل في ذلك من الاحتراز (٢) من السَّواد الَّذي في القمر ليس بقويٍّ؛ لأنَّ المراد بتشبيهه (٣) ما في القمر من الضِّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقلَّ ممَّا (٤) في القطعة المجرَّدة، فكأنَّ التَّشبيه وقع على بعض الوجه، فناسبَ أن يشبَّه ببعض (٥) القمر (وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) بلفظ النِّداء، ومعناه: الاختصاص (الَّذِينَ خُلِّفُوا) ولأبي ذَرٍّ: «خلفنا» (عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول كالسَّابق (مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا) ووكَّل سرائرهم (٦) إلى الله ﷿، وليس المراد التخلُّف (٧) عن الغزو، بل التَّخلُّف عن حكم أمثالهم من المتخلِّفين عن الغزو الَّذين اعتذروا وقُبِلُوا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ) بتخفيف ذال «كَذَبوا» ونصب «رسولَ»؛ لأنَّ «كَذَبَ» يتعدَّى بدون الصِّلة (فَاعْتَذَرُوا بِالبَاطِلِ؛ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ ﷾: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾) أي: في التَّخلُّف (﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾) من الغزو (﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾) بالمعاذير الكاذبة (﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾) لن نصدِّقكم أنَّ لكم عذرًا (﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الاية [التوبة: ٩٤]) يعني: إن تبتم وأصلحتم؛ رأى الله عملكم وجازاكم (٨) عليه، وذِكْرُ الرَّسولِ لأنَّه شهيدٌ عليهم (٩) ولهم، وسقط قوله: «الآيةَ» لأبي ذَرٍّ.

وهذا الحديث قطعةٌ من حديث كعبٍ، وقد ذكره المؤلِّف تامَّا في «المغازي» [خ¦٤٤١٨].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٨ - (بَابٌ: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ وَظَنُوا أنْ لَا مَلْجَأ مِنَ الله إلَاّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ} (التَّوْبَة: ١١٨)

لم يذكر هُنَا لفط بَاب، وَالْآيَة الْمَذْكُورَة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) الْآيَة. قَوْله: (وعَلى الثَّلَاثَة) ، أَي: وَتَابَ الله على الثَّلَاثَة، وهم كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (خلفوا) أَي: عَن الْغَزْو، وقرىء: خلفوا، بِفَتْح الْخَاء وَاللَّام المخففة. أَي: خلفوا المغازين بِالْمَدِينَةِ وفسدوا من الخالفة وخلوف الْفَم، وَقَرَأَ جَعْفَر الصَّادِق: خالفوا وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وعَلى الثَّلَاثَة الْمُخلفين. قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) أَي: برحبها أَي: بسعتها وَهُوَ مثل للحيرة فِي أَمرهم كَأَنَّهُمْ لَا يَجدونَ فِيهَا مَكَانا يقرونَ فِيهَا قلقا وجزعا مِمَّا هم فِيهِ. قَوْله: (أنفسهم) أَي: قُلُوبهم لَا يَسعهَا أنس وَلَا سرُور. قَوْله: (وظنوا) أَي: علمُوا أَن لَا ملْجأ من سخط الله إلَاّ إِلَى الله بالاستغفار قَوْله: (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رَجَعَ عَلَيْهِم بِالْقبُولِ وَالرَّحْمَة كرة بعد أُخْرَى. (ليتوبوا) أَي: ليستقيموا على تَوْبَتهمْ ويثبتوا وليتوبوا أَيْضا فِي الْمُسْتَقْبل إِن حصلت مِنْهُم خَطِيئَة.

٤٦٧٧ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي شُعَيْبٍ حدَّثنا مُوسَى بنُ أعْيَنَ حدَّثنا إسْحَاقُ ابنُ رَاشِدٍ أنَّ الزُّهْرِي حدَّثَهُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبِي كَعْبَ بنَ مَالِكٍ وَهُوَ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَفْ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ العُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأجْمَعْتُ صِدْقَ رَسِولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضُحًى وَكَانَ قَلَمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إلَاّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْ كَلَامِي وَكَلامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرنا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلامَنَا فَلَبْثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوْ يَمُوتَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنْهُمْ وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأنْزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى نِبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةِ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةٍ فِي شأنِي مَعْنِيَّةً فِي أمْرِي فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أُمُّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرُهُ قَالَ إذَا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إذَا صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا وَكَانَ إذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ وَكُنَّا أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِفُوا عَنِ الأمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هاؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أنْزَلَ الله لَنَا التَّوْبَةَ فَلمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرّ مَا ذُكِرَ بِهِ أحَدٌ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: {يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلّ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأنا الله مِنْ أخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولِهِ} (التَّوْبَة: ٩٤) الآيَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال، وَقَالَ مرّة: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَأحمد ابْن أبي شُعَيْب هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم وَأَبُو شُعَيْب كنية مُسلم لَا كنية عبد الله وكنية أَحْمد أَبُو الْحسن، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن، حَدثنِي أَحْمد بن أبي شُعَيْب، بِلَا ذكر مُحَمَّد، وَالْأول هُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ أَحْمد بن أبي شُعَيْب من مشايخه، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أعين، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، وَقد مر فِي الصَّوْم، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي أَيْضا وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك. وَقد تقدّمت بكمالها فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله: (تيب) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَجْهُول تَابَ تَوْبَة. قَوْله: (غَزْوَة الْعسرَة) ، ضد اليسرة، وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (فأجمعت) أَي: عزمت قَوْله: (صَاحِبي) وهما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (أهم) من: أهمني الْأَمر إِذا أقلقك وأحزنك. قَوْله: (وَلَا يُصَلِّي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي وَرَايَة الْكشميهني: وَلَا يسلم، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع لبَعض الروَاة. فَلَا يكلمني أحد مِنْهُم وَلَا يسلمني. واستبعده لِأَن الْمَعْرُوف أَن السَّلَام إِنَّمَا يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، وَقد وَجهه بَعضهم بِأَن يكون اتبَاعا أَو يرجع إِلَى قَول من فسر السَّلَام، بأنت مُسلم مني. قلت: هَذَا تَوْجِيه لَا طائل تَحْتَهُ. قَوْله: (وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد أم سَلمَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأم سَلمَة هِنْد. قَوْله: (معنية) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من الاعتناء، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مُعينَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء وَفتح النُّون من الْإِعَانَة، وَلَيْسَت بمشتقة من العون. كَمَا قَالَه بَعضهم: قَوْله: (إِذا يحطمكم) من الخطم وَهُوَ الدوس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: إِذا يخطفكم، بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء من الخطف وَهُوَ مجَاز عَن الازدحام. قَوْله: (آذز) أَي: اعْلَم. قَوْله: (كذبُوا) بتَخْفِيف الذَّال وَرَسُول الله بِالنّصب لِأَن كذب يتَعَدَّى بِدُونِ الصِّلَة. قَوْله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم) يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم. قَوْله: (لن نؤمن لكم) أَي: لن نصدقكم. قَوْله: (قد نبأنا الله) أَي: قد أخبرنَا الله من سرائركم وَمَا تخفى صدوركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله فِيمَا بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عَلَيْهِ وتردون بعد الْمَوْت إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم فيخبركم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ويجزيكم عَلَيْهَا.

١٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التَّوْبَة: ١١٩)

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عقيب قَوْله: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} (التَّوْبَة: ١١٨) الْآيَة، وَلما جرى على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الضّيق وَالْكرب وهجر الْمُسلمين إيَّاهُم نَحوا من خمسين لَيْلَة فصبروا على ذَلِك واستكانوا لأمر الله فرج الله عَنْهُم بِسَبَب صدقهم جَمِيع ذَلِك وَتَابَ عَلَيْهِم، وَكَانَ عَاقِبَة صدقهم وتقواهم نجاة لَهُم وَخيرا، وأعقب ذَلِك بقوله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة. قَوْله: (اتَّقوا الله) أَي: خافوه. قَوْله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) يَعْنِي: إلزموا الصدْق تَكُونُوا مَعَ أَهله وتنجوا من المهالك وَيجْعَل لكم فرجا من أُمُوركُم ومخرجاً.

٤٦٧٨ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن عبدِ الرَّحْمانِ ابْن عبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ عبدَ لله بنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةِ تَبُوكَ فَوَالله مَا أعْلَمُ أحَداً أبْلَاهُ الله فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذالِكَ لرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمِي هاذَا كَذَّباً وأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَى رسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ تابَ الله عَلَى النبيِّ والمُهاجِرين إِلَى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى ﴿رَحِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْقَدرُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا أَيْضًا فِي الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ هُنَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ مُرَادُهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ عَنْ يُونُسَ، لَكِنْ فَرَّقَهُمَا لِاخْتِلَافِ الصِّيغَةِ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ السَّنَدَ عَنْهُمَا مُتَّحِدٌ، لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ شِهَابٍ هُنَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَنْبَسَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيِّ الصَّدَفِيِّ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ بِهَامِشِ نُسْخَتِهِ. قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي النَّذْرِ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الْحَدِيثِ أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دُوَادَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ كَذَلِكَ.

١٨ - بَاب ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضُحًى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلاَّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنْ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقال رسول الله ﷺ: "يَا أُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من تاب ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ؛ كما رُوِي «ما أصرَّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم مئة مرَّةٍ» (﴿الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]) به بعد التَّوبة، وسقط قوله: «﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رَحُبَتْ﴾: «الآيةَ».

٤٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابن النَّضر النَّيسابوريُّ، أو (١) ابن إبراهيم البوشنجيُّ، أو ابن يحيى الذُّهليُّ، وبالأوَّلَين قال الحاكم، وبالأخير أبو عليٍّ الغسَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله بن أبي شعيبٍ مسلمٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وقع في رواية ابن السَّكن: «حدَّثني أحمد بن أبي شعيبٍ» من غير ذكر «محمَّد» المختلف فيه،

والأوَّل هو المشهور وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة بينهما عينٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ، الجَزَريُّ -بالجيم والزَّاي والرَّاء- قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريُّ أيضًا: (أَنَّ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (حَدَّثَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهْوَ) أي: كعبٌ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ) هو وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (١) (الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ) بكسر الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، مجهولُ تاب يتوب توبةً (أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ العُسْرَةِ) بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين؛ وهي غزوة تبوك (وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «صدقي رسول الله» (ﷺ) أي: بعد أن بلغه أنَّه ﵊ توجَّه قافلًا من الغزو، واهتمَّ لتخلُّفه من غير عذرٍ، وتفكَّر بما (٢) يخرج به من سخط الرَّسول، وطفق يتذكَّر الكذب لذلك، فأزاح الله عنه الباطل، فأجمع على الصِّدق، أي: جزم به وعقد عليه قصده، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا في رمضان (ضُحًى) وسقطت هذه اللَّفظة من كثيرٍ من الأصول (وَكَانَ) ﵊ (قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) قبل أن يدخل منزله (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ) أي: بعد أن اعترف بين يديه أنَّه تخلَّف من غير عذرٍ، وقوله ﵊ له: «قم حتَّى يقضيَ الله فيك» [خ¦٤٤١٨] (عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ) هلال ومرارة (٣) لكونهما تخلَّفا من غير عذرٍ واعترفا كذلك (وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا) وهم الَّذين اعتذروا إليه وقَبِل منهم (٤) علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا (فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا) أيُّها الثَّلاثة، قال كعبٌ: (فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ) بكسر لام «يصلِّي»، وفي نسخةٍ «يُصلَّى» بفتحها، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ولا يسلِّم علَيَّ» بدل «يصلِّي» وفي نسخةٍ حكاها القاضي عياضٌ عن بعض الرُّواة: «ولا يسلِّمني» والمعروف أنَّ فعل السَّلام إنَّما يتعدَّى بـ «على»، وقد يكون إتباعًا لـ «يكلِّمني» قال القاضي: أو يرجع إلى قول من فسَّر السَّلام بأنَّ معناه: إنَّك مسلَّمٌ منِّي، قال في «المصابيح»: وسقطت «ولا يسلِّمني» للأَصيليِّ، كذا قال، فليُحرَّر (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ (٥) مِنَ اللَّيْلِ) بعد مضيِّ خمسين ليلةً من النَّهي عن كلامهم (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله تعالى عنها، والواو للحال (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: ذات اعتناءٍ، ولأبي ذَرٍّ عن

الكُشْميهَنيِّ: «مُعِيْنَة» (١) بضمِّ الميم وكسر العين فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فنونٍ مفتوحةٍ، أي: ذات إعانةٍ (فِي أَمْرِي) (٢) قال العينيُّ: وليست بمشتقَّةٍ من العون كما قاله بعضهم؛ يريد: الحافظ ابن حجرٍ، وقد رأيت في هامش الفرع ممَّا عزاه لـ «اليونينية»، ورأيته فيها (٣) عن عياضٍ: «مَعْنية» يعني: بفتح الميم وسكون العين، كذا عند الأَصيليِّ، ولغيره: «مُعِينة» (٤) بضمِّ الميم، أي: وكسر العين من العون، قال: والأوَّل أليق بالحديث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا) بهمزة الاستفهام (أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، منصوبٌ بـ «إذًا» من الحَطْم بالحاء والطَّاء المهملتين؛ وهو الدَّوْس، وللمستملي والكُشْميهَنيِّ: «يخطَفَكم» بفتح ثالثه (٥) والنَّصب، من الخَطْف؛ بالخاء المعجمة والفاء، وهو مجازٌ عن الازدحام (فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ) بإثبات النُّون بعد الواو، وللأَصيليِّ: «فيمنعوكم» بحذفها (سَائِرَ اللَّيْلَةِ) أي باقيها (حتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ؛ آذَنَ) بمدِّ الهمزة، أي: أعلم (بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ) ﵊ (إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ) شُبِّه به دون الشَّمس؛ لأنَّه يملأ الأرض بنوره، ويُؤنِسُ كلَّ من شاهده، ومجمع النُّور من غير أذًى، ويُتمكَّن من النَّظر إليه بخلاف

الشَّمس؛ فإنَّها تكلُّ البصر، فلا يتمكَّن البصر من رؤيتها (١) والتَّقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التَّشبيه بالقمر من غير تقييدٍ، وقد كان كعبٌ قائل هذا من شعراء الصَّحابة، فلا بدَّ في التَّقييد بذلك من حكمةٍ، وما قيل في ذلك من الاحتراز (٢) من السَّواد الَّذي في القمر ليس بقويٍّ؛ لأنَّ المراد بتشبيهه (٣) ما في القمر من الضِّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقلَّ ممَّا (٤) في القطعة المجرَّدة، فكأنَّ التَّشبيه وقع على بعض الوجه، فناسبَ أن يشبَّه ببعض (٥) القمر (وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) بلفظ النِّداء، ومعناه: الاختصاص (الَّذِينَ خُلِّفُوا) ولأبي ذَرٍّ: «خلفنا» (عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول كالسَّابق (مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا) ووكَّل سرائرهم (٦) إلى الله ﷿، وليس المراد التخلُّف (٧) عن الغزو، بل التَّخلُّف عن حكم أمثالهم من المتخلِّفين عن الغزو الَّذين اعتذروا وقُبِلُوا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ) بتخفيف ذال «كَذَبوا» ونصب «رسولَ»؛ لأنَّ «كَذَبَ» يتعدَّى بدون الصِّلة (فَاعْتَذَرُوا بِالبَاطِلِ؛ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ ﷾: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾) أي: في التَّخلُّف (﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾) من الغزو (﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾) بالمعاذير الكاذبة (﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾) لن نصدِّقكم أنَّ لكم عذرًا (﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الاية [التوبة: ٩٤]) يعني: إن تبتم وأصلحتم؛ رأى الله عملكم وجازاكم (٨) عليه، وذِكْرُ الرَّسولِ لأنَّه شهيدٌ عليهم (٩) ولهم، وسقط قوله: «الآيةَ» لأبي ذَرٍّ.

وهذا الحديث قطعةٌ من حديث كعبٍ، وقد ذكره المؤلِّف تامَّا في «المغازي» [خ¦٤٤١٨].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٨ - (بَابٌ: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ وَظَنُوا أنْ لَا مَلْجَأ مِنَ الله إلَاّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ} (التَّوْبَة: ١١٨)

لم يذكر هُنَا لفط بَاب، وَالْآيَة الْمَذْكُورَة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) الْآيَة. قَوْله: (وعَلى الثَّلَاثَة) ، أَي: وَتَابَ الله على الثَّلَاثَة، وهم كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (خلفوا) أَي: عَن الْغَزْو، وقرىء: خلفوا، بِفَتْح الْخَاء وَاللَّام المخففة. أَي: خلفوا المغازين بِالْمَدِينَةِ وفسدوا من الخالفة وخلوف الْفَم، وَقَرَأَ جَعْفَر الصَّادِق: خالفوا وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وعَلى الثَّلَاثَة الْمُخلفين. قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) أَي: برحبها أَي: بسعتها وَهُوَ مثل للحيرة فِي أَمرهم كَأَنَّهُمْ لَا يَجدونَ فِيهَا مَكَانا يقرونَ فِيهَا قلقا وجزعا مِمَّا هم فِيهِ. قَوْله: (أنفسهم) أَي: قُلُوبهم لَا يَسعهَا أنس وَلَا سرُور. قَوْله: (وظنوا) أَي: علمُوا أَن لَا ملْجأ من سخط الله إلَاّ إِلَى الله بالاستغفار قَوْله: (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رَجَعَ عَلَيْهِم بِالْقبُولِ وَالرَّحْمَة كرة بعد أُخْرَى. (ليتوبوا) أَي: ليستقيموا على تَوْبَتهمْ ويثبتوا وليتوبوا أَيْضا فِي الْمُسْتَقْبل إِن حصلت مِنْهُم خَطِيئَة.

٤٦٧٧ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي شُعَيْبٍ حدَّثنا مُوسَى بنُ أعْيَنَ حدَّثنا إسْحَاقُ ابنُ رَاشِدٍ أنَّ الزُّهْرِي حدَّثَهُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبِي كَعْبَ بنَ مَالِكٍ وَهُوَ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَفْ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ العُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأجْمَعْتُ صِدْقَ رَسِولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضُحًى وَكَانَ قَلَمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إلَاّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْ كَلَامِي وَكَلامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرنا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلامَنَا فَلَبْثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوْ يَمُوتَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنْهُمْ وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأنْزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى نِبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةِ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةٍ فِي شأنِي مَعْنِيَّةً فِي أمْرِي فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أُمُّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرُهُ قَالَ إذَا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إذَا صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا وَكَانَ إذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ وَكُنَّا أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِفُوا عَنِ الأمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هاؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أنْزَلَ الله لَنَا التَّوْبَةَ فَلمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرّ مَا ذُكِرَ بِهِ أحَدٌ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: {يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلّ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأنا الله مِنْ أخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولِهِ} (التَّوْبَة: ٩٤) الآيَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال، وَقَالَ مرّة: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَأحمد ابْن أبي شُعَيْب هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم وَأَبُو شُعَيْب كنية مُسلم لَا كنية عبد الله وكنية أَحْمد أَبُو الْحسن، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن، حَدثنِي أَحْمد بن أبي شُعَيْب، بِلَا ذكر مُحَمَّد، وَالْأول هُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ أَحْمد بن أبي شُعَيْب من مشايخه، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أعين، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، وَقد مر فِي الصَّوْم، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي أَيْضا وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك. وَقد تقدّمت بكمالها فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله: (تيب) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَجْهُول تَابَ تَوْبَة. قَوْله: (غَزْوَة الْعسرَة) ، ضد اليسرة، وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (فأجمعت) أَي: عزمت قَوْله: (صَاحِبي) وهما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (أهم) من: أهمني الْأَمر إِذا أقلقك وأحزنك. قَوْله: (وَلَا يُصَلِّي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي وَرَايَة الْكشميهني: وَلَا يسلم، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع لبَعض الروَاة. فَلَا يكلمني أحد مِنْهُم وَلَا يسلمني. واستبعده لِأَن الْمَعْرُوف أَن السَّلَام إِنَّمَا يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، وَقد وَجهه بَعضهم بِأَن يكون اتبَاعا أَو يرجع إِلَى قَول من فسر السَّلَام، بأنت مُسلم مني. قلت: هَذَا تَوْجِيه لَا طائل تَحْتَهُ. قَوْله: (وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد أم سَلمَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأم سَلمَة هِنْد. قَوْله: (معنية) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من الاعتناء، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مُعينَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء وَفتح النُّون من الْإِعَانَة، وَلَيْسَت بمشتقة من العون. كَمَا قَالَه بَعضهم: قَوْله: (إِذا يحطمكم) من الخطم وَهُوَ الدوس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: إِذا يخطفكم، بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء من الخطف وَهُوَ مجَاز عَن الازدحام. قَوْله: (آذز) أَي: اعْلَم. قَوْله: (كذبُوا) بتَخْفِيف الذَّال وَرَسُول الله بِالنّصب لِأَن كذب يتَعَدَّى بِدُونِ الصِّلَة. قَوْله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم) يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم. قَوْله: (لن نؤمن لكم) أَي: لن نصدقكم. قَوْله: (قد نبأنا الله) أَي: قد أخبرنَا الله من سرائركم وَمَا تخفى صدوركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله فِيمَا بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عَلَيْهِ وتردون بعد الْمَوْت إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم فيخبركم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ويجزيكم عَلَيْهَا.

١٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التَّوْبَة: ١١٩)

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عقيب قَوْله: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} (التَّوْبَة: ١١٨) الْآيَة، وَلما جرى على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الضّيق وَالْكرب وهجر الْمُسلمين إيَّاهُم نَحوا من خمسين لَيْلَة فصبروا على ذَلِك واستكانوا لأمر الله فرج الله عَنْهُم بِسَبَب صدقهم جَمِيع ذَلِك وَتَابَ عَلَيْهِم، وَكَانَ عَاقِبَة صدقهم وتقواهم نجاة لَهُم وَخيرا، وأعقب ذَلِك بقوله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة. قَوْله: (اتَّقوا الله) أَي: خافوه. قَوْله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) يَعْنِي: إلزموا الصدْق تَكُونُوا مَعَ أَهله وتنجوا من المهالك وَيجْعَل لكم فرجا من أُمُوركُم ومخرجاً.

٤٦٧٨ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن عبدِ الرَّحْمانِ ابْن عبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ عبدَ لله بنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةِ تَبُوكَ فَوَالله مَا أعْلَمُ أحَداً أبْلَاهُ الله فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذالِكَ لرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمِي هاذَا كَذَّباً وأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَى رسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ تابَ الله عَلَى النبيِّ والمُهاجِرين إِلَى

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.1 / 29.5
الإضاءة 40%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله وبحمده

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56