«سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، حِينَ تَخَلَّفَ، عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4678

الحديث رقم 4678 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سمعت كعب بن مالك يحدث، حين تخلف، عن قصة…

«سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، حِينَ تَخَلَّفَ، عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ: فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾».

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ مِنَ الرَّأْفَةِ.

سند حديث: ٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سمعت كعب بن مالك يحدث، حين تخلف، عن قصة…

يحكي زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق أرسل إليه في خلافته بعد قتال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- مسيلمة الكذاب ببلاد اليمامة سنة إحدى عشرة، بسبب ادعائه النبوة وارتداد كثير من العرب، وقد قُتل فيها كثير من الصحابة، فذهب إليه فوجد عنده عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقال أبو بكر لزيد: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد اشتد وكثر في الصحابة في حرب مسيلمة الكذاب، وإني أخاف أن يكثر القتل بقراء القرآن وحفاظه في الحروب التي يقع فيها القتال مع الكفار، فيذهب كثير من القرآن، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي عمر: جمع القرآن واللهِ خير من تركه. قال أبو بكر: فلم يزل عمر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر ذلك وعمر عنده جالس لا يتكلم. ثم قال أبو بكر لزيد: إنك يا زيد رجل شاب عاقل ولا نتهمك بكذب ولا نسيان، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فتتبع القرآن فاجمعه. وقد كان القرآن كله كُتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. قال زيد: فوالله لو كلفني أبو بكر نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. ثم قال زيد لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له أبو بكر: هو والله خير. قال زيد: فلم يزل أبو بكر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن؛ لما في ذلك من المصلحة العامة. فقام زيد بتتبع القرآن ليجمعه من «الرقاع» ومن «الأكتاف» جمع كتف وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه، ومن جريد النخل الذي يكشطون خوصه فيكتبون في طرفه العريض، ومن صدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا في حياته صلى الله عليه وسلم كأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرا على تقرير، حتى وجد زيد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم يجدهما مكتوبتين مع أحد غيره: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم} [التوبة: 128] إلى آخرهما. وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
وقد اعترضت الرافضة على فعل أبي بكر في جمعه القرآن، وأنه فعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس في فعله رضي الله عنه ما يُنكر؛ إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه، وقد أذن فيه -عليه الصلاة والسلام- بقوله في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن»، وغايته جمعُ ما كان مكتوبا قبل ذلك، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حفظ الله -تعالى- لكتابه من التغيير والتبديل, وأنه جمع في ذلك بين حفظه في الصدور والسطور.
  • شدة اتباع الصحابة لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-, وبعدهم عن مخالفته.
  • جمع القرآن من أعظم فضائل أبي بكر الصديق حين سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من الأمة.
  • أن من سبقت له معرفة بالأمر فإنه أولى بالولاية، وأحق بها ممن لا سابقة له في ذلك ولا معرفة.
  • الأخذ بمبدإ الشورى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
  • جواز اتخاذ الكاتب للسلاطين والحكام، وأنه ينبغى أن يكون الكاتب عاقلاً فطنًا مقبول الشهادة.
  • جواز مراجعة الكاتب للسلطان فى الرأي ومشاركته له فيه.
  • العمل بالمصلحة المرسلة فيما لم يرد به نص.
  • في الحديث منقبة لعمر ولزيد بن ثابت -رضي الله عنهما-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «سمعت كعب بن مالك يحدث، حين تخلف، عن قصة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ، وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ فاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، سَاقَ غَيْرَهُ إِلَى ﴿الرَّحِيمُ﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مُحَمَّدٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ لِلْبُخَارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ بِلَا وَاسِطَةً، وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيُّ، يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ، وَقَالَ مَرَّةٌ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ لَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لِلذُّهْلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ، وَالْبُخَارِيُّ يُسْتَمَدُّ مِنْهُ كَثِيرًا، وَهُوَ يُهْمِلُ نَسَبَهُ غَالِبًا. وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ فَهُوَ الْحَرَّانِيُّ نَسَبَهُ الْمُؤَلِّفُ إِلَى جَدِّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو شُعَيْبٍ كُنْيَةُ مُسْلِمٍ لَا كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَطْعًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا يُسَلِّمُ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُسَلِّمُنِي وَاسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ يَكُونَ اتِّبَاعًا، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ السَّلَامَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ مُسْلِمٌ مِنِّي.

وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُعَيَّنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ مِنَ الْعَوْنِ. وَالْأَوَّلُ أُنْسَبُ. وَقَوْلُهُ يَحْطِمُكُمْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي يَخْطَفُكُمْ

١٩ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) الَّذين صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا إلى الغزو بإخلاصٍ، أو الخطاب للمنافقين، أي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ في العلانية اتَّقوا الله، وكونوا مع الَّذين صدقوا وأخلصوا النِّيَّة. وعن ابن عمر فيما ذكره (١) ابن كثيرٍ ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] مع محمَّدٍ وأصحابه، وسقط التَّبويب لغير أبي ذَرٍّ.

٤٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ، ونسبه لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ المجتهد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ) أباه (٢) (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) (٣) ولأبي ذَرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) زاد في السَّابقة [خ¦٤٦٧٦]: «من بنيه حين عمي» (قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ) عن خبره (حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ) وإخباره الرَّسولَ ﵊ بالصِّدق من شأنه بأنَّه لم يكن له عذرٌ في التَّخلُّف: (فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللهُ) بالموحَّدة السَّاكنة، أي: أنعم الله عليه (فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا (٤) تَعَمَّدْتُ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (ذَكَرْتُ ذَلِكَ) القول الصِّدق (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لَقَد

تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «﴿وَالأَنصَارِ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]).

(٢٠) (باب قوله) ﷿ (١): (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾) يعني: محمَّدًا (﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾) من جنسكم، صفةٌ لـ «رسولٌ» أي: من صميم العرب، وقرأ ابن عبَّاسٍ وأبو العالية وابن محيصن ومحبوبٌ عن أبي عمرٍو ويعقوب من بعض طرقه، وهي قراءته ﷺ (٢) وفاطمة وعائشة: بفتح الفاء، أي: من أشرفكم، وقال الزَّجَّاج: هي مخاطبةٌ (٣) لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسولٌ من البشر، وإنَّما كان من الجنس؛ لأنَّ الجنس إلى الجنس أميل، ثمَّ رتَّب عليه صفاتٍ أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾) أي: شديد شاقٌّ (﴿مَا عَنِتُّمْ﴾) أي: عَنَتُكم، أي: إثمكم وعصيانكم، فـ ﴿مَا﴾: مصدريَّةٌ، وهي مبتدأٌ (٤)، و «عزيزٌ»: خبرٌ مقدَّمٌ، ويجوز أن يكون ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ فاعلًا بـ ﴿عَزِيزٌ﴾ و ﴿عَزِيزٌ﴾: صفةٌ لـ ﴿رَسُولٌ﴾ ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولةً، أي: يعزُّ عليه الَّذي عنتُّموه، أي: عنتُّم بسببه، فحُذِفَ العائد على التَّدريج، كقوله:

يَسرُّ المرءَ ما ذهبَ اللَّيالي … وكانَ ذهابُهنَّ له ذَهابا

أي: يسرُّه ذهابُ اللَّيالي (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾) أن تدخلوا الجنَّة (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] مِنَ الرَّأْفَةِ) وهي أشدُّ الرَّحمة، ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحدٍ غير نبيِّنا ﷺ، قاله الحسين بن الفضل، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿حَرِيصٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿عَنِتُّمْ﴾: «الآيةَ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال، وَقَالَ مرّة: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَأحمد ابْن أبي شُعَيْب هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم وَأَبُو شُعَيْب كنية مُسلم لَا كنية عبد الله وكنية أَحْمد أَبُو الْحسن، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن، حَدثنِي أَحْمد بن أبي شُعَيْب، بِلَا ذكر مُحَمَّد، وَالْأول هُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ أَحْمد بن أبي شُعَيْب من مشايخه، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أعين، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، وَقد مر فِي الصَّوْم، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي أَيْضا وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك. وَقد تقدّمت بكمالها فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله: (تيب) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَجْهُول تَابَ تَوْبَة. قَوْله: (غَزْوَة الْعسرَة) ، ضد اليسرة، وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (فأجمعت) أَي: عزمت قَوْله: (صَاحِبي) وهما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (أهم) من: أهمني الْأَمر إِذا أقلقك وأحزنك. قَوْله: (وَلَا يُصَلِّي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي وَرَايَة الْكشميهني: وَلَا يسلم، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع لبَعض الروَاة. فَلَا يكلمني أحد مِنْهُم وَلَا يسلمني. واستبعده لِأَن الْمَعْرُوف أَن السَّلَام إِنَّمَا يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، وَقد وَجهه بَعضهم بِأَن يكون اتبَاعا أَو يرجع إِلَى قَول من فسر السَّلَام، بأنت مُسلم مني. قلت: هَذَا تَوْجِيه لَا طائل تَحْتَهُ. قَوْله: (وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد أم سَلمَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأم سَلمَة هِنْد. قَوْله: (معنية) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من الاعتناء، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مُعينَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء وَفتح النُّون من الْإِعَانَة، وَلَيْسَت بمشتقة من العون. كَمَا قَالَه بَعضهم: قَوْله: (إِذا يحطمكم) من الخطم وَهُوَ الدوس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: إِذا يخطفكم، بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء من الخطف وَهُوَ مجَاز عَن الازدحام. قَوْله: (آذز) أَي: اعْلَم. قَوْله: (كذبُوا) بتَخْفِيف الذَّال وَرَسُول الله بِالنّصب لِأَن كذب يتَعَدَّى بِدُونِ الصِّلَة. قَوْله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم) يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم. قَوْله: (لن نؤمن لكم) أَي: لن نصدقكم. قَوْله: (قد نبأنا الله) أَي: قد أخبرنَا الله من سرائركم وَمَا تخفى صدوركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله فِيمَا بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عَلَيْهِ وتردون بعد الْمَوْت إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم فيخبركم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ويجزيكم عَلَيْهَا.

١٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التَّوْبَة: ١١٩)

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عقيب قَوْله: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} (التَّوْبَة: ١١٨) الْآيَة، وَلما جرى على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الضّيق وَالْكرب وهجر الْمُسلمين إيَّاهُم نَحوا من خمسين لَيْلَة فصبروا على ذَلِك واستكانوا لأمر الله فرج الله عَنْهُم بِسَبَب صدقهم جَمِيع ذَلِك وَتَابَ عَلَيْهِم، وَكَانَ عَاقِبَة صدقهم وتقواهم نجاة لَهُم وَخيرا، وأعقب ذَلِك بقوله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة. قَوْله: (اتَّقوا الله) أَي: خافوه. قَوْله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) يَعْنِي: إلزموا الصدْق تَكُونُوا مَعَ أَهله وتنجوا من المهالك وَيجْعَل لكم فرجا من أُمُوركُم ومخرجاً.

٤٦٧٨ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن عبدِ الرَّحْمانِ ابْن عبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ عبدَ لله بنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةِ تَبُوكَ فَوَالله مَا أعْلَمُ أحَداً أبْلَاهُ الله فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذالِكَ لرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمِي هاذَا كَذَّباً وأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَى رسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ تابَ الله عَلَى النبيِّ والمُهاجِرين إِلَى

قَوْلِهِ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الله فرج عَن كَعْب وَتَابَ عَلَيْهِ بِحسن صدقه كَمَا فِي متن الحَدِيث، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَأمر الْمُؤمنِينَ بالتقوى والصدق. وَرِجَال إِسْنَاده قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا قبله غير مرّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث كَعْب الطَّوِيل، وتكلمنا فِيهِ فِيمَا مضى.

٢٠ - (بابٌ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ} (التَّوْبَة: ١٢٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لقد جَاءَكُم} الْآيَة، كَذَا ثَبت إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (مَا عنتم) وَقد من الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة على الْمُؤمنِينَ بِمَا أرسل إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم أَي: من جنسهم وعَلى لغتهم، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ١٢٩) وقرى: من أَنفسكُم، من النفاسة أَي: من أشرفكم وأفضلكم، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفَاطِمَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم) أَي: يعز عَلَيْهِ مَا يشق عَلَيْكُم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من الْعَنَت وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَصله التَّشْدِيد، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْإِثْم، وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: الضلال، وَقيل: الْهَلَاك. وَحَاصِل الْمَعْنى: يعز عَلَيْهِ أَن تدْخلُوا النَّار، وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلَاّ لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم} وَقَالَ عز وَجل: {إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم} (الْبَقَرَة: ١٤٣ وَالْحج: ٦٥) .

مِنَ الرَّأفَةِ

يَعْنِي: رؤوف من الرأفة وَهِي الحنو والعطف وَهِي أَشد الرَّحْمَة، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.

٤٦٧٩ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني ابنُ السَّبّاقِ أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابِتِ الأنْصارِيَّ رَضِي الله عنهُ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قَالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِن فيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي لأَرَي أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ الله لذالِكَ صَدْرِي ورَأيْتُ الَّذِي رَأي عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أبُو بَكْر إنَّكَ رجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ فَوَالله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أبُو بَكْرٍ هُوَ وَالله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُب وصُدُورِ الرِّجالِ حَتَّى وجَدْتُ مِنْ سُورَة التوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غيْرِهِ {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ

علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخِرِها وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {لقد جَاءَكُم رَسُول} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَابْن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عبيد حجازي.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.

قَوْله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) ، أَي: أَيَّام مقاتلة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ مقتلهم سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، واليمامة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم مَدِينَة بِالْيمن وَسميت باسم المصلوبة على بَابهَا وَهِي الَّتِي كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينهَا وَاسْمهَا عنزة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: كَانَ إسم الْيَمَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة: جو، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو حَتَّى سَمَّاهَا الْملك الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها، وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:

(وَقُلْنَا فسموا الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد الْإِقَامَة)

وَزعم عِيَاض أَنَّهَا تسمى أَيْضا: الْعرُوض، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْعرُوض إسم لمَكَّة وَالْمَدينَة مَعْرُوف. قَوْله: (قد استحر) ، أَي: اشْتَدَّ وَكثر على وزن استفعل من الْحر، وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه يُضَاف إِلَى الْحر والمحبوب يُضَاف إِلَى الْبرد وَمِنْه الْمثل: تولى حارها من تولى قارها، وَقتل بهَا من الْمُسلمين ألف وَمِائَة، وَقيل: ألف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهُم سَبْعُونَ جمعُوا الْقُرْآن. قَوْله: (فِي المواطن) أَي: الْمَوَاضِع الَّتِي سيغزو فِيهَا الْمُسلمُونَ وَيقتل نَاس من الْقُرَّاء فَيذْهب كثير من الْقُرْآن. قَوْله: (كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا كَلَام من يُؤثر الِاتِّبَاع ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ كَانَ بمعرض أَن ينْسَخ مِنْهُ أَو يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب وَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة، فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعه أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يصنع عُثْمَان فِي الْقُرْآن شَيْئا، وَإِنَّمَا أَخذ الصُّحُف الَّتِي وَضعهَا عِنْد حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا. وَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب فِي إثني عشر رجلا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار فَكتب مِنْهَا مصاحف وسيرها إِلَى الْأَمْصَار لِأَن حُذَيْفَة أخبرهُ بالاختلاف فِي ذَلِك، فَلَمَّا توفيت حَفْصَة أَخذ مَرْوَان بن الحكم تِلْكَ الصُّحُف فغسلها، وَقَالَ: أخْشَى أَن يُخَالف بعض الْقُرْآن بَعْضًا، وَفِي لفظ: أَخَاف أَن يكون فِيهِ شَيْء يُخَالف مَا نسخ عُثْمَان، وَإِنَّمَا فعل عُثْمَان هَذَا وَلم يَفْعَله الصّديق رَضِي الله عَنهُ، لِأَن غَرَض أبي بكر كَانَ جمع الْقُرْآن بِجَمِيعِ حُرُوفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا وَهِي على لُغَة قُرَيْش وَغَيرهَا، وَكَانَ غَرَض عُثْمَان تَجْرِيد لُغَة قُرَيْش من تِلْكَ الْقرَاءَات، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي قَول عُثْمَان لهَؤُلَاء الْكتاب، فَجمع أَبُو بكر غير جمع عُثْمَان، فَإِن قيل: فَمَا قصد عُثْمَان بإحضار الصُّحُف وَقد كَانَ زيد وَمن أضيف إِلَيْهِ حفظوه؟ . قيل: الْغَرَض بذلك سد بَاب الْمقَالة وَأَن يزْعم أَن فِي الصُّحُف قُرْآنًا لم يكْتب وَلِئَلَّا يرى إِنْسَان فِيمَا كتبوه شَيْئا مِمَّا لم يقْرَأ بِهِ فينكره، فالصحف شاهدة بِجَمِيعِ مَا كتبوه. قَوْله: (هُوَ وَالله خير) ، يحْتَمل أَن يكون لفظ: خير، أفعل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: كَيفَ ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا هُوَ خير؟ قلت: هَذَا خير فِي هَذَا الزَّمَان وَكَانَ تَركه خيرا فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب. قَوْله: (إِنَّك رجل شَاب) ، يُخَاطب بِهِ أَبُو بكر زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: شَاب، لِأَن عمره كَانَ إِحْدَى عشرَة سنة حِين قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وخطاب أبي بكر إِيَّاه بذلك فِي خِلَافَته، فَإِذا اعْتبرت هَذَا يكون عمره حئنذٍ مَا دون خمس وَعشْرين سنة، وَهِي أَيَّام الشَّبَاب. قَوْله: (لَا تتهمك) ، دلّ على عدم اتهامه بِهِ. قَوْله: (كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وكتابته الْوَحْي تدل على أَمَانَته الْغَايَة، وَكَيف وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى؟ قَوْله: (فتتبع) أَمر، و (الْقُرْآن) مَنْصُوب. قَوْله: (فوَاللَّه لَو كلفني) ، من كَلَام زيد، يحلف بِاللَّه أَن أَبَا بكر لَو كلفه كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (مَا كَانَ أثقل) جَوَاب: لَو قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن) ، قيل: إِن زيدا كَانَ جَامعا

لِلْقُرْآنِ فَمَا معنى هَذَا التتبع والطلب لشَيْء إِنَّمَا هُوَ ليحفظه ويعلمه، أُجِيب: أَنه كَانَ يتتبع وجوهه وقراءاته وَيسْأل عَنْهُمَا غَيره ليحيط بالأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْكتاب الْعَزِيز، وَيعلم الْقرَاءَات الَّتِي هِيَ غير قِرَاءَته. قَوْله: (أجمعه) حَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة. قَوْله: (من الرّقاع) ، بِكَسْر الرَّاء: جمع رقْعَة يكون من ورق وَمن جلد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (والأكتاف) ، جمع كتف وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان ينشف وَيكْتب فِيهِ. قَوْله: (والعسب) ، بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: جَمِيع عسيب وَهُوَ جريد النّخل العريض مِنْهُ وَكَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عَصا وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفها العريض، وَقَالَ ابْن فَارس: عسيب النّخل كالقضبان لغيره، وَذكر فِي التَّفْسِير: اللخاف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِي حِجَارَة بيض رقاق وَاحِدهَا لخفة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِيهَا عرض ودقة، وَقيل: الخزف. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) ، وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ الخطمي ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، شهد صفّين مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَقتل يومئذٍ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لم أجدهما مَعَ أحد غير خُزَيْمَة) ، فَإِن قيل: كَيفَ ألحق هَاتين الْآيَتَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَشَرطه أَن يثبت بالتواتر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ: لم أجدهما مكتوبتين عِنْد غَيره، أَو المُرَاد: لم أجدهما محفوظتين، وَوَجهه أَن الْمَقْصُود من التَّوَاتُر إِفَادَة الْيَقِين، وَالْخَبَر الْوَاحِد المحفوف بالقرائن يُفِيد أَيْضا الْيَقِين، وَكَانَ هَهُنَا قَرَائِن مثل كَونهمَا مكتوبتين وَنَحْوهمَا وَأَن مثله لَا يقدر فِي مثله بِمحضر الصَّحَابَة أَن يَقُول إلَاّ حَقًا وصدقاً. قلت: إِن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه وَلِهَذَا قَالَ زيد: وجدتهما مَعَ خُزَيْمَة، يَعْنِي مكتوبتين وَلم يقل: عرفني أَنَّهُمَا من الْقُرْآن، مَعَ تَصْرِيح زيد بِأَنَّهُ سمعهما من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو نقُول: ثَبت أَن خُزَيْمَة شَهَادَته بشهادتين فَإِذا شهد فِي هَذَا وَحده كَانَ كَافِيا. قَوْله: (لقد جَاءَكُم) إِلَى آخر بَيَان الْآيَتَيْنِ.

تابَعَهُ عُثْمانُ بنُ عُمَرَ واللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ

أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي وَاللَّيْث بن سعيد الْبَصْرِيّ كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى مُتَابعَة عُثْمَان أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد ابْن يحيى عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَذكره، وَأما مُتَابعَة اللَّيْث عَن يُونُس فرواها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد.

وَقَالَ اللّيْثُ: حدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ وَقَالَ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث رَحمَه الله، لَهُ فِيهِ شيخ آخر عَن ابْن شهَاب، وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلكنه خَالف فِي قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (أبي خُزَيْمَة) وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِه وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: قَوْله: أَبُو خُزَيْمَة، وهمٌ ورد عَلَيْهِ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ ولاحتمال أَن يَكُونَا سمعاها كِلَاهُمَا. قلت: أَبُو خُزَيْمَة هَذَا هُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أَخُو مَسْعُود بن أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن شهَاب عَن عبيدا السباق عَن زيد بن ثَابت: وجدت آخر التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ.

وَقَالَ مُوساى عنْ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب، قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي (صَحِيحه) .

وتابَعَهُ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ

أَي: تَابع مُوسَى فِي رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أبي خُزَيْمَة أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب (الْمَصَاحِف) من طَرِيقه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ، وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ فاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، سَاقَ غَيْرَهُ إِلَى ﴿الرَّحِيمُ﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مُحَمَّدٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ لِلْبُخَارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ بِلَا وَاسِطَةً، وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيُّ، يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ، وَقَالَ مَرَّةٌ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ لَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لِلذُّهْلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ، وَالْبُخَارِيُّ يُسْتَمَدُّ مِنْهُ كَثِيرًا، وَهُوَ يُهْمِلُ نَسَبَهُ غَالِبًا. وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ فَهُوَ الْحَرَّانِيُّ نَسَبَهُ الْمُؤَلِّفُ إِلَى جَدِّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو شُعَيْبٍ كُنْيَةُ مُسْلِمٍ لَا كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَطْعًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا يُسَلِّمُ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُسَلِّمُنِي وَاسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ يَكُونَ اتِّبَاعًا، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ السَّلَامَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ مُسْلِمٌ مِنِّي.

وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُعَيَّنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ مِنَ الْعَوْنِ. وَالْأَوَّلُ أُنْسَبُ. وَقَوْلُهُ يَحْطِمُكُمْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي يَخْطَفُكُمْ

١٩ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) الَّذين صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا إلى الغزو بإخلاصٍ، أو الخطاب للمنافقين، أي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ في العلانية اتَّقوا الله، وكونوا مع الَّذين صدقوا وأخلصوا النِّيَّة. وعن ابن عمر فيما ذكره (١) ابن كثيرٍ ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] مع محمَّدٍ وأصحابه، وسقط التَّبويب لغير أبي ذَرٍّ.

٤٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ، ونسبه لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ المجتهد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ) أباه (٢) (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) (٣) ولأبي ذَرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) زاد في السَّابقة [خ¦٤٦٧٦]: «من بنيه حين عمي» (قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ) عن خبره (حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ) وإخباره الرَّسولَ ﵊ بالصِّدق من شأنه بأنَّه لم يكن له عذرٌ في التَّخلُّف: (فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللهُ) بالموحَّدة السَّاكنة، أي: أنعم الله عليه (فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا (٤) تَعَمَّدْتُ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (ذَكَرْتُ ذَلِكَ) القول الصِّدق (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿لَقَد

تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «﴿وَالأَنصَارِ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]).

(٢٠) (باب قوله) ﷿ (١): (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾) يعني: محمَّدًا (﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾) من جنسكم، صفةٌ لـ «رسولٌ» أي: من صميم العرب، وقرأ ابن عبَّاسٍ وأبو العالية وابن محيصن ومحبوبٌ عن أبي عمرٍو ويعقوب من بعض طرقه، وهي قراءته ﷺ (٢) وفاطمة وعائشة: بفتح الفاء، أي: من أشرفكم، وقال الزَّجَّاج: هي مخاطبةٌ (٣) لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسولٌ من البشر، وإنَّما كان من الجنس؛ لأنَّ الجنس إلى الجنس أميل، ثمَّ رتَّب عليه صفاتٍ أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾) أي: شديد شاقٌّ (﴿مَا عَنِتُّمْ﴾) أي: عَنَتُكم، أي: إثمكم وعصيانكم، فـ ﴿مَا﴾: مصدريَّةٌ، وهي مبتدأٌ (٤)، و «عزيزٌ»: خبرٌ مقدَّمٌ، ويجوز أن يكون ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ فاعلًا بـ ﴿عَزِيزٌ﴾ و ﴿عَزِيزٌ﴾: صفةٌ لـ ﴿رَسُولٌ﴾ ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولةً، أي: يعزُّ عليه الَّذي عنتُّموه، أي: عنتُّم بسببه، فحُذِفَ العائد على التَّدريج، كقوله:

يَسرُّ المرءَ ما ذهبَ اللَّيالي … وكانَ ذهابُهنَّ له ذَهابا

أي: يسرُّه ذهابُ اللَّيالي (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾) أن تدخلوا الجنَّة (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] مِنَ الرَّأْفَةِ) وهي أشدُّ الرَّحمة، ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحدٍ غير نبيِّنا ﷺ، قاله الحسين بن الفضل، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿حَرِيصٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿عَنِتُّمْ﴾: «الآيةَ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال، وَقَالَ مرّة: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَأحمد ابْن أبي شُعَيْب هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم وَأَبُو شُعَيْب كنية مُسلم لَا كنية عبد الله وكنية أَحْمد أَبُو الْحسن، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن، حَدثنِي أَحْمد بن أبي شُعَيْب، بِلَا ذكر مُحَمَّد، وَالْأول هُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ أَحْمد بن أبي شُعَيْب من مشايخه، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أعين، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، وَقد مر فِي الصَّوْم، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي أَيْضا وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك. وَقد تقدّمت بكمالها فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله: (تيب) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَجْهُول تَابَ تَوْبَة. قَوْله: (غَزْوَة الْعسرَة) ، ضد اليسرة، وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (فأجمعت) أَي: عزمت قَوْله: (صَاحِبي) وهما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (أهم) من: أهمني الْأَمر إِذا أقلقك وأحزنك. قَوْله: (وَلَا يُصَلِّي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي وَرَايَة الْكشميهني: وَلَا يسلم، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع لبَعض الروَاة. فَلَا يكلمني أحد مِنْهُم وَلَا يسلمني. واستبعده لِأَن الْمَعْرُوف أَن السَّلَام إِنَّمَا يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، وَقد وَجهه بَعضهم بِأَن يكون اتبَاعا أَو يرجع إِلَى قَول من فسر السَّلَام، بأنت مُسلم مني. قلت: هَذَا تَوْجِيه لَا طائل تَحْتَهُ. قَوْله: (وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد أم سَلمَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأم سَلمَة هِنْد. قَوْله: (معنية) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من الاعتناء، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مُعينَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء وَفتح النُّون من الْإِعَانَة، وَلَيْسَت بمشتقة من العون. كَمَا قَالَه بَعضهم: قَوْله: (إِذا يحطمكم) من الخطم وَهُوَ الدوس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: إِذا يخطفكم، بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء من الخطف وَهُوَ مجَاز عَن الازدحام. قَوْله: (آذز) أَي: اعْلَم. قَوْله: (كذبُوا) بتَخْفِيف الذَّال وَرَسُول الله بِالنّصب لِأَن كذب يتَعَدَّى بِدُونِ الصِّلَة. قَوْله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم) يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم. قَوْله: (لن نؤمن لكم) أَي: لن نصدقكم. قَوْله: (قد نبأنا الله) أَي: قد أخبرنَا الله من سرائركم وَمَا تخفى صدوركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله فِيمَا بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عَلَيْهِ وتردون بعد الْمَوْت إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم فيخبركم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ويجزيكم عَلَيْهَا.

١٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التَّوْبَة: ١١٩)

أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عقيب قَوْله: {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} (التَّوْبَة: ١١٨) الْآيَة، وَلما جرى على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الضّيق وَالْكرب وهجر الْمُسلمين إيَّاهُم نَحوا من خمسين لَيْلَة فصبروا على ذَلِك واستكانوا لأمر الله فرج الله عَنْهُم بِسَبَب صدقهم جَمِيع ذَلِك وَتَابَ عَلَيْهِم، وَكَانَ عَاقِبَة صدقهم وتقواهم نجاة لَهُم وَخيرا، وأعقب ذَلِك بقوله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} الْآيَة. قَوْله: (اتَّقوا الله) أَي: خافوه. قَوْله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) يَعْنِي: إلزموا الصدْق تَكُونُوا مَعَ أَهله وتنجوا من المهالك وَيجْعَل لكم فرجا من أُمُوركُم ومخرجاً.

٤٦٧٨ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن عبدِ الرَّحْمانِ ابْن عبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ عبدَ لله بنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةِ تَبُوكَ فَوَالله مَا أعْلَمُ أحَداً أبْلَاهُ الله فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذالِكَ لرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمِي هاذَا كَذَّباً وأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَى رسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ تابَ الله عَلَى النبيِّ والمُهاجِرين إِلَى

قَوْلِهِ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الله فرج عَن كَعْب وَتَابَ عَلَيْهِ بِحسن صدقه كَمَا فِي متن الحَدِيث، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَأمر الْمُؤمنِينَ بالتقوى والصدق. وَرِجَال إِسْنَاده قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا قبله غير مرّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث كَعْب الطَّوِيل، وتكلمنا فِيهِ فِيمَا مضى.

٢٠ - (بابٌ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ} (التَّوْبَة: ١٢٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لقد جَاءَكُم} الْآيَة، كَذَا ثَبت إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (مَا عنتم) وَقد من الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة على الْمُؤمنِينَ بِمَا أرسل إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم أَي: من جنسهم وعَلى لغتهم، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ١٢٩) وقرى: من أَنفسكُم، من النفاسة أَي: من أشرفكم وأفضلكم، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفَاطِمَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم) أَي: يعز عَلَيْهِ مَا يشق عَلَيْكُم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من الْعَنَت وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَصله التَّشْدِيد، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْإِثْم، وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: الضلال، وَقيل: الْهَلَاك. وَحَاصِل الْمَعْنى: يعز عَلَيْهِ أَن تدْخلُوا النَّار، وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلَاّ لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم} وَقَالَ عز وَجل: {إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم} (الْبَقَرَة: ١٤٣ وَالْحج: ٦٥) .

مِنَ الرَّأفَةِ

يَعْنِي: رؤوف من الرأفة وَهِي الحنو والعطف وَهِي أَشد الرَّحْمَة، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.

٤٦٧٩ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني ابنُ السَّبّاقِ أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابِتِ الأنْصارِيَّ رَضِي الله عنهُ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قَالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِن فيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي لأَرَي أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ الله لذالِكَ صَدْرِي ورَأيْتُ الَّذِي رَأي عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أبُو بَكْر إنَّكَ رجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ فَوَالله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أبُو بَكْرٍ هُوَ وَالله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُب وصُدُورِ الرِّجالِ حَتَّى وجَدْتُ مِنْ سُورَة التوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غيْرِهِ {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ

علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخِرِها وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {لقد جَاءَكُم رَسُول} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَابْن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عبيد حجازي.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.

قَوْله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) ، أَي: أَيَّام مقاتلة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ مقتلهم سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، واليمامة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم مَدِينَة بِالْيمن وَسميت باسم المصلوبة على بَابهَا وَهِي الَّتِي كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينهَا وَاسْمهَا عنزة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: كَانَ إسم الْيَمَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة: جو، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو حَتَّى سَمَّاهَا الْملك الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها، وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:

(وَقُلْنَا فسموا الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد الْإِقَامَة)

وَزعم عِيَاض أَنَّهَا تسمى أَيْضا: الْعرُوض، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْعرُوض إسم لمَكَّة وَالْمَدينَة مَعْرُوف. قَوْله: (قد استحر) ، أَي: اشْتَدَّ وَكثر على وزن استفعل من الْحر، وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه يُضَاف إِلَى الْحر والمحبوب يُضَاف إِلَى الْبرد وَمِنْه الْمثل: تولى حارها من تولى قارها، وَقتل بهَا من الْمُسلمين ألف وَمِائَة، وَقيل: ألف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهُم سَبْعُونَ جمعُوا الْقُرْآن. قَوْله: (فِي المواطن) أَي: الْمَوَاضِع الَّتِي سيغزو فِيهَا الْمُسلمُونَ وَيقتل نَاس من الْقُرَّاء فَيذْهب كثير من الْقُرْآن. قَوْله: (كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا كَلَام من يُؤثر الِاتِّبَاع ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ كَانَ بمعرض أَن ينْسَخ مِنْهُ أَو يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب وَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة، فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعه أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يصنع عُثْمَان فِي الْقُرْآن شَيْئا، وَإِنَّمَا أَخذ الصُّحُف الَّتِي وَضعهَا عِنْد حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا. وَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب فِي إثني عشر رجلا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار فَكتب مِنْهَا مصاحف وسيرها إِلَى الْأَمْصَار لِأَن حُذَيْفَة أخبرهُ بالاختلاف فِي ذَلِك، فَلَمَّا توفيت حَفْصَة أَخذ مَرْوَان بن الحكم تِلْكَ الصُّحُف فغسلها، وَقَالَ: أخْشَى أَن يُخَالف بعض الْقُرْآن بَعْضًا، وَفِي لفظ: أَخَاف أَن يكون فِيهِ شَيْء يُخَالف مَا نسخ عُثْمَان، وَإِنَّمَا فعل عُثْمَان هَذَا وَلم يَفْعَله الصّديق رَضِي الله عَنهُ، لِأَن غَرَض أبي بكر كَانَ جمع الْقُرْآن بِجَمِيعِ حُرُوفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا وَهِي على لُغَة قُرَيْش وَغَيرهَا، وَكَانَ غَرَض عُثْمَان تَجْرِيد لُغَة قُرَيْش من تِلْكَ الْقرَاءَات، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي قَول عُثْمَان لهَؤُلَاء الْكتاب، فَجمع أَبُو بكر غير جمع عُثْمَان، فَإِن قيل: فَمَا قصد عُثْمَان بإحضار الصُّحُف وَقد كَانَ زيد وَمن أضيف إِلَيْهِ حفظوه؟ . قيل: الْغَرَض بذلك سد بَاب الْمقَالة وَأَن يزْعم أَن فِي الصُّحُف قُرْآنًا لم يكْتب وَلِئَلَّا يرى إِنْسَان فِيمَا كتبوه شَيْئا مِمَّا لم يقْرَأ بِهِ فينكره، فالصحف شاهدة بِجَمِيعِ مَا كتبوه. قَوْله: (هُوَ وَالله خير) ، يحْتَمل أَن يكون لفظ: خير، أفعل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: كَيفَ ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا هُوَ خير؟ قلت: هَذَا خير فِي هَذَا الزَّمَان وَكَانَ تَركه خيرا فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب. قَوْله: (إِنَّك رجل شَاب) ، يُخَاطب بِهِ أَبُو بكر زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: شَاب، لِأَن عمره كَانَ إِحْدَى عشرَة سنة حِين قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وخطاب أبي بكر إِيَّاه بذلك فِي خِلَافَته، فَإِذا اعْتبرت هَذَا يكون عمره حئنذٍ مَا دون خمس وَعشْرين سنة، وَهِي أَيَّام الشَّبَاب. قَوْله: (لَا تتهمك) ، دلّ على عدم اتهامه بِهِ. قَوْله: (كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وكتابته الْوَحْي تدل على أَمَانَته الْغَايَة، وَكَيف وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى؟ قَوْله: (فتتبع) أَمر، و (الْقُرْآن) مَنْصُوب. قَوْله: (فوَاللَّه لَو كلفني) ، من كَلَام زيد، يحلف بِاللَّه أَن أَبَا بكر لَو كلفه كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (مَا كَانَ أثقل) جَوَاب: لَو قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن) ، قيل: إِن زيدا كَانَ جَامعا

لِلْقُرْآنِ فَمَا معنى هَذَا التتبع والطلب لشَيْء إِنَّمَا هُوَ ليحفظه ويعلمه، أُجِيب: أَنه كَانَ يتتبع وجوهه وقراءاته وَيسْأل عَنْهُمَا غَيره ليحيط بالأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْكتاب الْعَزِيز، وَيعلم الْقرَاءَات الَّتِي هِيَ غير قِرَاءَته. قَوْله: (أجمعه) حَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة. قَوْله: (من الرّقاع) ، بِكَسْر الرَّاء: جمع رقْعَة يكون من ورق وَمن جلد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (والأكتاف) ، جمع كتف وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان ينشف وَيكْتب فِيهِ. قَوْله: (والعسب) ، بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: جَمِيع عسيب وَهُوَ جريد النّخل العريض مِنْهُ وَكَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عَصا وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفها العريض، وَقَالَ ابْن فَارس: عسيب النّخل كالقضبان لغيره، وَذكر فِي التَّفْسِير: اللخاف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِي حِجَارَة بيض رقاق وَاحِدهَا لخفة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِيهَا عرض ودقة، وَقيل: الخزف. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) ، وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ الخطمي ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، شهد صفّين مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَقتل يومئذٍ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لم أجدهما مَعَ أحد غير خُزَيْمَة) ، فَإِن قيل: كَيفَ ألحق هَاتين الْآيَتَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَشَرطه أَن يثبت بالتواتر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ: لم أجدهما مكتوبتين عِنْد غَيره، أَو المُرَاد: لم أجدهما محفوظتين، وَوَجهه أَن الْمَقْصُود من التَّوَاتُر إِفَادَة الْيَقِين، وَالْخَبَر الْوَاحِد المحفوف بالقرائن يُفِيد أَيْضا الْيَقِين، وَكَانَ هَهُنَا قَرَائِن مثل كَونهمَا مكتوبتين وَنَحْوهمَا وَأَن مثله لَا يقدر فِي مثله بِمحضر الصَّحَابَة أَن يَقُول إلَاّ حَقًا وصدقاً. قلت: إِن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه وَلِهَذَا قَالَ زيد: وجدتهما مَعَ خُزَيْمَة، يَعْنِي مكتوبتين وَلم يقل: عرفني أَنَّهُمَا من الْقُرْآن، مَعَ تَصْرِيح زيد بِأَنَّهُ سمعهما من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو نقُول: ثَبت أَن خُزَيْمَة شَهَادَته بشهادتين فَإِذا شهد فِي هَذَا وَحده كَانَ كَافِيا. قَوْله: (لقد جَاءَكُم) إِلَى آخر بَيَان الْآيَتَيْنِ.

تابَعَهُ عُثْمانُ بنُ عُمَرَ واللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ

أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي وَاللَّيْث بن سعيد الْبَصْرِيّ كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى مُتَابعَة عُثْمَان أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد ابْن يحيى عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَذكره، وَأما مُتَابعَة اللَّيْث عَن يُونُس فرواها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد.

وَقَالَ اللّيْثُ: حدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ وَقَالَ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث رَحمَه الله، لَهُ فِيهِ شيخ آخر عَن ابْن شهَاب، وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلكنه خَالف فِي قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (أبي خُزَيْمَة) وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِه وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: قَوْله: أَبُو خُزَيْمَة، وهمٌ ورد عَلَيْهِ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ ولاحتمال أَن يَكُونَا سمعاها كِلَاهُمَا. قلت: أَبُو خُزَيْمَة هَذَا هُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أَخُو مَسْعُود بن أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن شهَاب عَن عبيدا السباق عَن زيد بن ثَابت: وجدت آخر التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ.

وَقَالَ مُوساى عنْ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب، قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي (صَحِيحه) .

وتابَعَهُ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ

أَي: تَابع مُوسَى فِي رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أبي خُزَيْمَة أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب (الْمَصَاحِف) من طَرِيقه.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
أحدب متناقص اليوم 22 / 29.5
الإضاءة 51%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56