الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4655
الحديث رقم 4655 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ آذَنَهُمْ: أَعْلَمَهُمْ.
٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
يخبر حُميد بن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله أنه سمع معاوية رضي الله عنه عام حَجَّ وهو على المِنْبَر، وبيده قُصَّة من شَعْرٍ، وهي شَعْر مكْفُوف بعضه على بعض، كانت بيد أَحَد خدمه الذين يحرسونه فتناولها منه، فقال: يا أهل المدينة أين عُلَمَاؤُكُمْ؟! من باب الإنكار عليهم بإهمالهم إنكار هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره، ثم أخبرهم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن الله تعالى أهلك بني إسرائيل عندما اتخذ نساؤها هذه القصة، ووصلها بالشعر، وإنما أهلكوا جميعا؛ لإقرارهم المنكر مع ما انضم إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتكبوه من المناهي.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ، فَعَاشَ بَعْدَهَا خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ سِيحُوا: سِيرُوا.
٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عن عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ سَاقَ إِلَى ﴿الْكَافِرِينَ * فَسِيحُوا﴾ سِيرُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: سِيرُوا وَأَقْبِلُوا وَأَدْبِرُوا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَلِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: بِوَاوِ الْعَطْفِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ. قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ زِيَادَةً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِالتِّجَارَةِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قُطِعَ عَنْهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الْآيَةَ ثُمَّ أَحَلَّ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الْجِزْيَةَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي) فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ.
٣ - بَاب: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ آذَنَهُمْ: أَعْلَمَهُمْ.
٤٦٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قال:، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ
بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ) فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مُؤَذِّنِينَ أَيْ فِي جَمَاعَةِ مُؤَذِّنِينَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْذِينِ الْإِعْلَامُ، وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ إِعْلَامٌ. وَقَدْ وَقَفْتُ مِمَّنْ سُمِّيَ مِمَّنْ كَانَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ عَلَى أَسْمَاءِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى ضَجْنَانَ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا. وَمِنْهُمْ جَابِرٌ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَحُجَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ هَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَكَيْفَ يَبْعَثُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِلتَّأْذِينِ مَعَ صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَعْلَى؟ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالتَّأْذِينِ بِذَلِكَ، وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُطِقِ التَّأْذِينَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ وَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةِ، فَكُنْتُ أُنَادِي مَعَهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتِي، وَكَانَ هُوَ يُنَادِي قَبْلِي حَتَّى يُعْيِيَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُبَاشَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِذَلِكَ كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْعَامِ) أَيْ بَعْدَ الزَّمَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَطُوفَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ عَطْفًا عَلَى الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيٍّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) هَذَا الْقَدرُ مِنَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ وَلَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ إِرْسَالُ عَلِيٍّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعَثَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَنِي فِي أَثَرِهِ، فَأَدْرَكْتُهُ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي، أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ مُطَوَّلًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَرَاءَةً مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، وَهَذَا يُوَضِّحُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا
يُبَلِّغُ عَنِّي وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مُطْلَقُ التَّبْلِيغِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ مَعَ مُشْرِكٍ فِي الْحَجِّ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: هُمْ صِنْفَانِ، صِنْفٌ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأُمْهِلَ إِلَى تَمَامِ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، وَصِنْفٌ كَانَتْ لَهُ عَهْدُهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ فَقُصِرَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ أَجَلُ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ بِقَدْرِهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ فَانْقِضَاؤُهُ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ بْنِ سَلْمَانَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاهَدَ نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ عَهْدَهُ وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٍ فِي شَوَّالٍ، فَكَانَ آخِرُهَا آخَرَ الْمُحَرَّمِ.
فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَاسْتَبْعَدَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بُلُوغَهُمُ الْخَبَرَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا وَقَعَ النِّدَاءُ بِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ سِيحُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا دُونَ الشَّهْرَيْنِ؟ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَمَامَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) يَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَبِالْجَرِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةُ الْجَرِّ فَتْحَةً وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَذَّنَ مَعَنَا وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَطْعًا، فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ الْفَرَبْرِيِّ وَافَقُوا الْكُشْمِيهَنِيَّ، قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَأَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَمَلَ قِصَّةَ تَوَجُّهِ عَلِيٍّ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ لَحِقَ أَبَا بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَمَلَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ كُلَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ إِلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ، فَكَيْفَ يُؤَذِّنُ بِأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ أَذَّنَ بِبَرَاءَةٍ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ وَبِمَا أُمِرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَذِّنَ بِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ يُؤَذِّنُ بِبَرَاءَةٍ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبِضْعٍ وَثَلَاثِينَ آيَةً مُنْتَهَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيًّا بِثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الصَّهْبَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَنِي بَعْدَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَخَطَبَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَأَدِّ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ فَقَرَأْتُ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةٍ، ثُمَّ صَدَرْنَا حَتَّى رَمَيْتُ الْجَمْرَةَ، فَطَفِقْتُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(سِيحُوا) قال أبو عبيدة: أي (١): (سِيرُوا) وقال غيره: اتَّسعوا (٢) في السَّير وأبعدوا عن العمارات، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَير؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عُقيلٍ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد وواو العطف، قال في «الكواكب»: إشعارًا بأنَّه أخبره أيضًا بغير ذلك، فهو عطفٌ على مقدَّرٍ، قال في «الفتح»: ولم أرَ في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكرٍ زيادةً إلَّا (٣) ما وقع في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ، فإنَّ فيها: «كان المشركون يوافون (٤) بالتِّجارة فينتفع بها المسلمون، فلمَّا حرَّم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام؛ وجد المسلمون في أنفسهم ممَّا قُطِع عليهم من التِّجارة، فنزلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الاية [التوبة: ٢٨] ثمَّ أحلَّ في الآية الأخرى الجزية … » الحديثَ، وأخرجه الطَّبرانيُّ وابن مردويه مطوَّلًا، وقال في «العمدة»: ولم يعيِّن الكِرمانيُّ المقدَّر، والظَّاهر أنَّ المقدَّر هكذا: عن ابن شهابٍ حدَّثني وأخبرني (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزَّهريُّ المدنيُّ (٥)،
قال: وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدّثنا وأخبرنا، كذا قال، فليُتَأمَّل (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فِي تِلْكَ الحَجَّةِ) زاد في «الحجِّ» من طريق يحيى ابن بكيرٍ [خ¦١٦٢٢]: «التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجَّة الوداع» (فِي مُؤَذِّنِينَ) جمع مؤذِّنٍ، من الإيذان؛ وهو الإعلام (بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ) سنة تسعٍ من الهجرة (يُؤَذِّنُونَ) أي: يعلمون النَّاس (بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ) بفتح الهمزة وتشديد اللَّام، ونصب «يحجَّ» بـ «أن»، و «لا»: نافيةٌ (بَعْدَ العَامِ) المذكور (مُشْرِكٌ) هو منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد: الحرم كلُّه (وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بنصب «يطوفَ» عطفًا على «يحجَّ» واحتجَّ به الأئمَّة الثَّلاثة على وجوب ستر العورة في الطَّواف، خلافًا لأبي حنيفة، حيث جوّز طواف العُرْيان، ولأبي ذرٍّ: «لا يحجُّ» بالرَّفع، و «لا»: نافيةٌ مخفَّفةٌ، و «يطوفُ»: رفع عطفًا (١) على «يحجُّ».
(قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالسَّند السَّابق: (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أبا بكر (بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالكٍ -وقال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ-: أنَّه ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكرٍ، فلمَّا بلغ ذا الحُليفة قال: «لا يبلِّغها إلَّا أنا أو (٢) رجلٌ من أهل بيتي، فبعث بها مع عليٍّ ﵁» (وَأَمَرَهُ) ولأبي ذرٍّ (٣): «فأمره» (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ) أي: ببعضها، وقد نبَّه في «الفتح» على أنَّ هذا القدر (٤) من الحديث مرسلٌ؛ لأنَّ حميدًا لم يدرك ذلك، ولا صرَّح بسماعه له من أبي هريرة.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالإسناد المذكور، قال في «الفتح»: وكأنَّ حميدًا حمل قصَّة توجُّه عليٍّ من المدينة إلى أن لحق أبا بكرٍ عن غير أبي هريرة، وحمل بقيَّة القصَّة كلِّها عن أبي هريرة (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) ﵁ (يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قال أبو بكرٍ» بدل «قال (٥) أبو هريرة» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ فاحشٌ مخالفٌ لرواية الجميع، وإنَّما هو كلام أبي هريرة
قطعًا، فهو الذي كان يؤذِّن بذلك (وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) وزاد أحمد من رواية مُحرَّر (١) بن أبي هريرة عن أبيه: «ولا يدخل الجنَّة إلَّا مؤمنٌ» إن قلت: فما فائدة قوله: «ولا يدخل الجنَّة إلا مؤمنٌ»؟ أُجيب (٢) الإعلام بأنَّ المشرك بعدها لا يُقبَل منه بعد هذا غير الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقد سبق حديث الباب في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٢٢].
(٣) (باب قَوْله) ﷿: (﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾) يوم عرفة، كذا رُوِي عن عليٍّ وعمر فيما رواه ابن جريرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ، ورُوِي مرسلًا عن مخرمة: أنَّ رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وقيل: إنَّه يوم النحر، وإليه ذهب حميد بن عبد الرَّحمن، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا في «باب: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤]» [خ¦٤٦٥٧] ورُوِي عن ابن عمر: وقف (٣) رسول الله ﷺ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وبه قال كثيرون؛ لأنَّ أعمال المناسك تتمُّ فيه، والجمهور: أنَّ الحجَّ الأصغر العمرة، وقيل: الأصغر: يوم عرفة، والأكبر: يوم النَّحر، وقيل: حجَّة الوداع هي الأكبر؛ لِمَا وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر (﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾) رفعٌ مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، أي: ورسولُه بريءٌ منهم، أو معطوفٌ على الضَّمير المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ وجاز ذلك للفصل المسوِّغ للعطف، فرفعه على هذا بالفاعليَّة (﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أي: فالتَّوب (٤) عن الشِّرك أو المتاب عن المعصية خيرٌ من البقاء عليها، و «أفعل» التَّفضيل لمطلقِ الخيريَّة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا وَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا هُوَ على الْمَوْسِم. أَو قَالَ: على هَيئته، قَالَ ابْن كثير وَهَذَا السِّيَاق فِيهِ غرابة من جِهَة أَن أَمِير الْحَج سنة عمْرَة الْجِعِرَّانَة إِنَّمَا كَانَ عتاب بن أسيد، وَأما أَبُو بكر فَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرا سنة تسع. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأذن مَعنا عَليّ) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده. قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأذن مَعنا، قيل: هَذَا غلط فَاحش مُخَالف لرِوَايَة الْجَمِيع، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أبي هُرَيْرَة قطعا فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤذن بذلك وَقَالَ عِيَاض: أَن أَكثر رُوَاة الْفربرِي وافقوا الْكشميهني قَالَ: وَهُوَ غلط.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَأذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ ألِيمٍ إلَاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدا فأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ} (التَّوْبَة: ٣، ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وأذان من الله} إِلَى آخِره. قَوْله: (وأذان من الله) أَي: إِعْلَام من الله وَرَسُوله وإنذار إِلَى النَّاس وارتفاع: أَذَان، عطفا على براة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وارتفاعه كارتفاع بَرَاءَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (إِلَى النَّاس) أَي: لجميعهم. قَوْله: (يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي هُوَ أفضل أَيَّام الْمَنَاسِك، وأظهرها وأكثرها جمعا، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق: سَأَلت أبام جُحَيْفَة عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: يَوْم عَرَفَة، وروى عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وطاووس أَنهم قَالُوا: يَوْم عَرَفَة هُوَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث مُرْسل رَوَاهُ ابْن جريج: أخْبرت عَن مُحَمَّد بن قيس بن مخرمَة (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خطب يَوْم عَرَفَة فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَقَالَ هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَرُوِيَ عَن عَليّ من وُجُوه أخر كَذَلِك، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا سُفْيَان وَشعْبَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عبد الله بن أبي أوفى أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة أَنه خطب يَوْم الْأَضْحَى على بعير، فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْأَضْحَى وَهَذَا يَوْم النَّحْر وَهَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن أبي جُحَيْفَة وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد وَأبي جَعْفَر الباقر وَالزهْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم أَنهم قَالُوا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (وقف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر عِنْد الجمرات فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أبي جَابر واسْمه مُحَمَّد بن عبد الْملك بِهِ، وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر الْيَوْم الثَّانِي من يَوْم النَّحْر. رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر أَيَّام الْحَج كلهَا، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد. وَقَالَ سهل السراج: سُئِلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، فَقَالَ: مَا لكم وللحج الْأَكْبَر ذَاك عَام حج فِيهِ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فحج بِالنَّاسِ، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن وَكِيع حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن ابْن عَوْف. سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: ابْن سِيرِين عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: كَانَ يَوْمًا وَافق فِيهِ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحج أهل الْوَبر. قَوْله: (أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين) أَي: ليعلم النَّاس بَعضهم بَعْضًا (أَن الله) وقرىء (إِن الله) بِالْكَسْرِ لِأَن الإيذان فِي معنى القَوْل. قَوْله: (وَرَسُوله) فِيهِ قراءتان الرّفْع وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَمَعْنَاهُ: وَرَسُوله أَيْضا برىء من الْمُشْركين، وَالنّصب وَمَعْنَاهُ: وَأَن رَسُول الله بَرِيء من الْمُشْركين، وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَسُوله، عطف على الْمَنوِي فِي: بَرِيء أَي: بَرِيء، هُوَ أَو على مَحل: إِن الْمَكْسُورَة وَاسْمهَا، وقرىء بِالنّصب عطفا على إسم إِن، أَو لِأَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ أَي: برىء مَعَه مِنْهُم، وبالجر على الْجوَار، وَقيل: على الْقسم كَقَوْلِك: لعمرك. قَوْله: (فَإِن تبتم) أَي: من الْغدر وَالْكفْر {فَهُوَ خير لكم وَإِن توليتم} عَن التَّوْبَة أَو ثبتمْ على التولي والإعراض عَن الْإِسْلَام وَالْوَفَاء، فاعلموا أَنكُمْ غير سابقين الله وَلَا فائتين أَخذه وعقابه. قَوْله: (إِلَّا الَّذين) ، اسْتثِْنَاء من: برىء، وَقيل:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ، فَعَاشَ بَعْدَهَا خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ سِيحُوا: سِيرُوا.
٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عن عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ سَاقَ إِلَى ﴿الْكَافِرِينَ * فَسِيحُوا﴾ سِيرُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: سِيرُوا وَأَقْبِلُوا وَأَدْبِرُوا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَلِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: بِوَاوِ الْعَطْفِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ. قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ زِيَادَةً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِالتِّجَارَةِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قُطِعَ عَنْهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الْآيَةَ ثُمَّ أَحَلَّ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الْجِزْيَةَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي) فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ.
٣ - بَاب: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ آذَنَهُمْ: أَعْلَمَهُمْ.
٤٦٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قال:، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ
بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ) فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مُؤَذِّنِينَ أَيْ فِي جَمَاعَةِ مُؤَذِّنِينَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْذِينِ الْإِعْلَامُ، وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ إِعْلَامٌ. وَقَدْ وَقَفْتُ مِمَّنْ سُمِّيَ مِمَّنْ كَانَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ عَلَى أَسْمَاءِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى ضَجْنَانَ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا. وَمِنْهُمْ جَابِرٌ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَحُجَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ هَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَكَيْفَ يَبْعَثُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِلتَّأْذِينِ مَعَ صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَعْلَى؟ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالتَّأْذِينِ بِذَلِكَ، وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُطِقِ التَّأْذِينَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ وَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُ لِيُسَاعِدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةِ، فَكُنْتُ أُنَادِي مَعَهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتِي، وَكَانَ هُوَ يُنَادِي قَبْلِي حَتَّى يُعْيِيَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُبَاشَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِذَلِكَ كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْعَامِ) أَيْ بَعْدَ الزَّمَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَطُوفَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ عَطْفًا عَلَى الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيٍّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) هَذَا الْقَدرُ مِنَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ وَلَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ إِرْسَالُ عَلِيٍّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِبَرَاءَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعَثَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَنِي فِي أَثَرِهِ، فَأَدْرَكْتُهُ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي، أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ مُطَوَّلًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَرَاءَةً مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، وَهَذَا يُوَضِّحُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا
يُبَلِّغُ عَنِّي وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مُطْلَقُ التَّبْلِيغِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ مَعَ مُشْرِكٍ فِي الْحَجِّ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: هُمْ صِنْفَانِ، صِنْفٌ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأُمْهِلَ إِلَى تَمَامِ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، وَصِنْفٌ كَانَتْ لَهُ عَهْدُهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ فَقُصِرَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ أَجَلُ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ بِقَدْرِهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ فَانْقِضَاؤُهُ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ بْنِ سَلْمَانَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاهَدَ نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ عَهْدَهُ وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٍ فِي شَوَّالٍ، فَكَانَ آخِرُهَا آخَرَ الْمُحَرَّمِ.
فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَاسْتَبْعَدَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بُلُوغَهُمُ الْخَبَرَ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا وَقَعَ النِّدَاءُ بِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ سِيحُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا دُونَ الشَّهْرَيْنِ؟ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَمَامَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ) يَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَبِالْجَرِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَامَةُ الْجَرِّ فَتْحَةً وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَذَّنَ مَعَنَا وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَطْعًا، فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ الْفَرَبْرِيِّ وَافَقُوا الْكُشْمِيهَنِيَّ، قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَأَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَمَلَ قِصَّةَ تَوَجُّهِ عَلِيٍّ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ لَحِقَ أَبَا بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَمَلَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ كُلَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ إِلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ، فَكَيْفَ يُؤَذِّنُ بِأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ؟ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ أَذَّنَ بِبَرَاءَةٍ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٍ وَبِمَا أُمِرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَذِّنَ بِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ يُؤَذِّنُ بِبَرَاءَةٍ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبِضْعٍ وَثَلَاثِينَ آيَةً مُنْتَهَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيًّا بِثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الصَّهْبَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَنِي بَعْدَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ بَرَاءَةٍ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَخَطَبَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَأَدِّ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُمْتُ فَقَرَأْتُ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةٍ، ثُمَّ صَدَرْنَا حَتَّى رَمَيْتُ الْجَمْرَةَ، فَطَفِقْتُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(سِيحُوا) قال أبو عبيدة: أي (١): (سِيرُوا) وقال غيره: اتَّسعوا (٢) في السَّير وأبعدوا عن العمارات، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَير؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عُقيلٍ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد وواو العطف، قال في «الكواكب»: إشعارًا بأنَّه أخبره أيضًا بغير ذلك، فهو عطفٌ على مقدَّرٍ، قال في «الفتح»: ولم أرَ في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكرٍ زيادةً إلَّا (٣) ما وقع في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ، فإنَّ فيها: «كان المشركون يوافون (٤) بالتِّجارة فينتفع بها المسلمون، فلمَّا حرَّم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام؛ وجد المسلمون في أنفسهم ممَّا قُطِع عليهم من التِّجارة، فنزلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الاية [التوبة: ٢٨] ثمَّ أحلَّ في الآية الأخرى الجزية … » الحديثَ، وأخرجه الطَّبرانيُّ وابن مردويه مطوَّلًا، وقال في «العمدة»: ولم يعيِّن الكِرمانيُّ المقدَّر، والظَّاهر أنَّ المقدَّر هكذا: عن ابن شهابٍ حدَّثني وأخبرني (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزَّهريُّ المدنيُّ (٥)،
قال: وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدّثنا وأخبرنا، كذا قال، فليُتَأمَّل (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فِي تِلْكَ الحَجَّةِ) زاد في «الحجِّ» من طريق يحيى ابن بكيرٍ [خ¦١٦٢٢]: «التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجَّة الوداع» (فِي مُؤَذِّنِينَ) جمع مؤذِّنٍ، من الإيذان؛ وهو الإعلام (بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ) سنة تسعٍ من الهجرة (يُؤَذِّنُونَ) أي: يعلمون النَّاس (بِمِنًى: أَلَّا يَحُجَّ) بفتح الهمزة وتشديد اللَّام، ونصب «يحجَّ» بـ «أن»، و «لا»: نافيةٌ (بَعْدَ العَامِ) المذكور (مُشْرِكٌ) هو منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد: الحرم كلُّه (وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بنصب «يطوفَ» عطفًا على «يحجَّ» واحتجَّ به الأئمَّة الثَّلاثة على وجوب ستر العورة في الطَّواف، خلافًا لأبي حنيفة، حيث جوّز طواف العُرْيان، ولأبي ذرٍّ: «لا يحجُّ» بالرَّفع، و «لا»: نافيةٌ مخفَّفةٌ، و «يطوفُ»: رفع عطفًا (١) على «يحجُّ».
(قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالسَّند السَّابق: (ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أبا بكر (بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالكٍ -وقال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ-: أنَّه ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكرٍ، فلمَّا بلغ ذا الحُليفة قال: «لا يبلِّغها إلَّا أنا أو (٢) رجلٌ من أهل بيتي، فبعث بها مع عليٍّ ﵁» (وَأَمَرَهُ) ولأبي ذرٍّ (٣): «فأمره» (أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ) أي: ببعضها، وقد نبَّه في «الفتح» على أنَّ هذا القدر (٤) من الحديث مرسلٌ؛ لأنَّ حميدًا لم يدرك ذلك، ولا صرَّح بسماعه له من أبي هريرة.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالإسناد المذكور، قال في «الفتح»: وكأنَّ حميدًا حمل قصَّة توجُّه عليٍّ من المدينة إلى أن لحق أبا بكرٍ عن غير أبي هريرة، وحمل بقيَّة القصَّة كلِّها عن أبي هريرة (فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ) ﵁ (يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قال أبو بكرٍ» بدل «قال (٥) أبو هريرة» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ فاحشٌ مخالفٌ لرواية الجميع، وإنَّما هو كلام أبي هريرة
قطعًا، فهو الذي كان يؤذِّن بذلك (وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) وزاد أحمد من رواية مُحرَّر (١) بن أبي هريرة عن أبيه: «ولا يدخل الجنَّة إلَّا مؤمنٌ» إن قلت: فما فائدة قوله: «ولا يدخل الجنَّة إلا مؤمنٌ»؟ أُجيب (٢) الإعلام بأنَّ المشرك بعدها لا يُقبَل منه بعد هذا غير الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقد سبق حديث الباب في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٢٢].
(٣) (باب قَوْله) ﷿: (﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾) يوم عرفة، كذا رُوِي عن عليٍّ وعمر فيما رواه ابن جريرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ، ورُوِي مرسلًا عن مخرمة: أنَّ رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وقيل: إنَّه يوم النحر، وإليه ذهب حميد بن عبد الرَّحمن، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا في «باب: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤]» [خ¦٤٦٥٧] ورُوِي عن ابن عمر: وقف (٣) رسول الله ﷺ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر» وبه قال كثيرون؛ لأنَّ أعمال المناسك تتمُّ فيه، والجمهور: أنَّ الحجَّ الأصغر العمرة، وقيل: الأصغر: يوم عرفة، والأكبر: يوم النَّحر، وقيل: حجَّة الوداع هي الأكبر؛ لِمَا وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر (﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾) رفعٌ مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، أي: ورسولُه بريءٌ منهم، أو معطوفٌ على الضَّمير المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ وجاز ذلك للفصل المسوِّغ للعطف، فرفعه على هذا بالفاعليَّة (﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أي: فالتَّوب (٤) عن الشِّرك أو المتاب عن المعصية خيرٌ من البقاء عليها، و «أفعل» التَّفضيل لمطلقِ الخيريَّة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا وَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا هُوَ على الْمَوْسِم. أَو قَالَ: على هَيئته، قَالَ ابْن كثير وَهَذَا السِّيَاق فِيهِ غرابة من جِهَة أَن أَمِير الْحَج سنة عمْرَة الْجِعِرَّانَة إِنَّمَا كَانَ عتاب بن أسيد، وَأما أَبُو بكر فَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرا سنة تسع. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأذن مَعنا عَليّ) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده. قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأذن مَعنا، قيل: هَذَا غلط فَاحش مُخَالف لرِوَايَة الْجَمِيع، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أبي هُرَيْرَة قطعا فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤذن بذلك وَقَالَ عِيَاض: أَن أَكثر رُوَاة الْفربرِي وافقوا الْكشميهني قَالَ: وَهُوَ غلط.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَأذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ ألِيمٍ إلَاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدا فأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ} (التَّوْبَة: ٣، ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وأذان من الله} إِلَى آخِره. قَوْله: (وأذان من الله) أَي: إِعْلَام من الله وَرَسُوله وإنذار إِلَى النَّاس وارتفاع: أَذَان، عطفا على براة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وارتفاعه كارتفاع بَرَاءَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (إِلَى النَّاس) أَي: لجميعهم. قَوْله: (يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي هُوَ أفضل أَيَّام الْمَنَاسِك، وأظهرها وأكثرها جمعا، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق: سَأَلت أبام جُحَيْفَة عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: يَوْم عَرَفَة، وروى عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وطاووس أَنهم قَالُوا: يَوْم عَرَفَة هُوَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث مُرْسل رَوَاهُ ابْن جريج: أخْبرت عَن مُحَمَّد بن قيس بن مخرمَة (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خطب يَوْم عَرَفَة فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَقَالَ هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَرُوِيَ عَن عَليّ من وُجُوه أخر كَذَلِك، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا سُفْيَان وَشعْبَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عبد الله بن أبي أوفى أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة أَنه خطب يَوْم الْأَضْحَى على بعير، فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْأَضْحَى وَهَذَا يَوْم النَّحْر وَهَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن أبي جُحَيْفَة وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد وَأبي جَعْفَر الباقر وَالزهْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم أَنهم قَالُوا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (وقف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر عِنْد الجمرات فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أبي جَابر واسْمه مُحَمَّد بن عبد الْملك بِهِ، وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر الْيَوْم الثَّانِي من يَوْم النَّحْر. رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر أَيَّام الْحَج كلهَا، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد. وَقَالَ سهل السراج: سُئِلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، فَقَالَ: مَا لكم وللحج الْأَكْبَر ذَاك عَام حج فِيهِ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فحج بِالنَّاسِ، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن وَكِيع حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن ابْن عَوْف. سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: ابْن سِيرِين عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: كَانَ يَوْمًا وَافق فِيهِ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحج أهل الْوَبر. قَوْله: (أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين) أَي: ليعلم النَّاس بَعضهم بَعْضًا (أَن الله) وقرىء (إِن الله) بِالْكَسْرِ لِأَن الإيذان فِي معنى القَوْل. قَوْله: (وَرَسُوله) فِيهِ قراءتان الرّفْع وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَمَعْنَاهُ: وَرَسُوله أَيْضا برىء من الْمُشْركين، وَالنّصب وَمَعْنَاهُ: وَأَن رَسُول الله بَرِيء من الْمُشْركين، وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَسُوله، عطف على الْمَنوِي فِي: بَرِيء أَي: بَرِيء، هُوَ أَو على مَحل: إِن الْمَكْسُورَة وَاسْمهَا، وقرىء بِالنّصب عطفا على إسم إِن، أَو لِأَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ أَي: برىء مَعَه مِنْهُم، وبالجر على الْجوَار، وَقيل: على الْقسم كَقَوْلِك: لعمرك. قَوْله: (فَإِن تبتم) أَي: من الْغدر وَالْكفْر {فَهُوَ خير لكم وَإِن توليتم} عَن التَّوْبَة أَو ثبتمْ على التولي والإعراض عَن الْإِسْلَام وَالْوَفَاء، فاعلموا أَنكُمْ غير سابقين الله وَلَا فائتين أَخذه وعقابه. قَوْله: (إِلَّا الَّذين) ، اسْتثِْنَاء من: برىء، وَقيل:
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56