«أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 602

الحديث رقم 602 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب السمر مع الضيف والأهل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي…

«أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ، أَوْ سَادِسٌ. وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: يَعْنِي، حَتَّى شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.» أَوْ كَمَا قَالَ.

سند حديث: ٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ…

٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَوْرَدَ حَدِيثَ قُرَّةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ (١)، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، وَحَدِيثِ قُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ قُرَّةَ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَنْ أَنَسٍ اشْتَرَكَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ فَاقْتَصَرَ الْحَسَنُ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ مِنْهُ فَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْخَاتَمِ وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَتَادَةَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي بَابِ السَّمَرِ بِالْعِلْمِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (فَوَهِلَ النَّاسُ) أَيْ غَلِطُوا أَوْ تَوَهَّمُوا أَوْ فَزِعُوا أَوْ نَسَوْا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ هُنَا، وَقِيلَ: وَهَلَ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى وَهِمَ بِالْكَسْرِ وَوَهِلَ بِالْكَسْرِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ غَلِطَ، وَبِالْكَسْرِ فَزِعَ.

قَوْلُهُ: (فِي مَقَالَةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ مَقَالَةٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ) لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عِنْدَ تَقَضِّي مِائَةِ سَنَةٍ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا، وَغَايَةُ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَهِيَ رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَوْتِ الْخَضِرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ سَاكِنِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، قَالُوا: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى مِمَّنْ تَرَوْنَهُ أَوْ تَعْرِفُونَهُ، فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.

وَقِيلَ: احْتَرَزَ بِالْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالُوا: خَرَجَ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ، وَخَرَجَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّامَ فِي الْأَرْضِ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ أَرْضُ الْمَدِينَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَتَتَنَاوَلُ جَميْعَ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَأُمَّةُ الدَّعْوَةِ، وَخَرَجَ عِيسَى وَالْخَضِرُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أُمَّتِهِ، فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ عِيسَى يَحْكُمُ بِشَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْقَوْلُ فِي الْخَضِرِ إِنْ كَانَ حَيًّا كَالْقَوْلِ فِي عِيسَى (٢)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤١ - بَاب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ

٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي - وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ

لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ - فَجَدَّعَ وَسَبَّ - وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا.

فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَأيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ.

[الحديث ٦٠٢ - أطرافه في: ٦١٤١، ٦١٤٠، ٣٥٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْفِ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْبَابَ مِنْ بَابِ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ مُسَمَّى الْخَيْرِ، لِأَنَّ الْخَيْرَ مُتَمَحِّضٌ لِلطَّاعَةِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ السَّمَرِ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الضِّيَافَةِ وَالصِّلَةِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا، فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي حَقِّهِمَا فَيَلْتَحِقُ بِالسَّمَرِ الْجَائِزِ أَوِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ اشْتِغَالُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِمَجِيئِهِ إِلَى بَيْتِهِ وَمُرَاجَعَتِهِ لِخَبَرِ الْأَضْيَافِ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا دَارَ بَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَعْنَى السَّمَرِ، لِأَنَّهُ سَمَرٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُخَاطَبَةٍ وَمُلَاطَفَةٍ وَمُعَاتَبَةٍ. انْتَهَى.

قَوْله: (كَانُوا أُنَاسًا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَانُوا نَاسًا.

قَوْله: (فَهُوَ أَنَا وَأَبِي) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَأُمِّي وَلِلْمُسْتَمْلِي فَهُوَ وَأَنَا وَأُمِّي.

قَوْله: (ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى بَدَلَ حَيْثُ.

قَوْله: (فَفَرَّقَنَا) أَيْ جَعَلَنَا فِرَقًا، وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْخَالِصُ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى ثَلَاثَةِ عَشَرَ حَدِيثًا، وَهِيَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي السُّجُودِ عَلَى الظَّهَائِرِ وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْنَاهُ، وَحَدِيثُهُ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا وَحَدِيثُهُ فِي الْمَعْنَى هَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَبْرِدُوا وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا بَقَاؤُكُم فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَحَدِيثُ أَنَسٍ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي النَّوْمِ عَنِ الصُّبْحِ، عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَكِنْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِقِصَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ ثَلَاثَةُ آثَارٍ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤١) (بابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ) الزَّوجة والأولاد والعيال (وَ) مع (الضَّيْفِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «مع الضَّيف والأهل».

٦٠٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التَّيميُّ (١) (قَالَ: حدَّثنا أَبِي) سليمان بن طرخان قال: (حدَّثنا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄: (أَنَّ أَصْحَابَ

الصُّفَّةِ) الَّتي كانت بآخر المسجد النَّبويِّ مظلَّلًا عليها (كَانُوا أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ناسًا» (فُقَرَاءَ) يأوون إليها (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفَّة (وَإِنْ) كان عنده طعام (أَرْبَعٌٍ فَخَامِسٌٍ) أي: فليذهب معه بخامسٍ منهم (أَوْ سَادِسٌٍ) مع الخامس، أي: يذهب معه بواحدٍ أو باثنين، أو المراد: إن كان عنده طعام خمسةٍ فليذهب بسادسٍ، فهو من عطف جملةٍ على جملةٍ، وفيه حذف حرف الجرِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع فيها (١) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويُضمَر مُبتدأٌ للفظ «خامسٌ» أي: فالمذهوب به خامسٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «وإن أربعةٌ» وكلمة «أو» للتَّنويع، والحكمة في كونه يزيد كلَّ واحدٍ واحدًا فقط: أنَّ عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متَّسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفسٍ لا يضيق عليه أن يطعم الرَّابع من قوتهم، وكذلك الأربعة فما فوقها (٢) أو للإباحة، واستُنبِط منه: أنَّ السُّلطان يفرِّق في المسغبة (٣) الفقراء على أهل السَّعة بقدر ما لا يجحف (٤) بهم (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، بفتح همزة «أنَّ»، ولأبي ذَرٍّ: «وإنَّ أبا بكرٍ» بكسرها (جَاءَ بِثَلَاثَةٍ) من أهل الصُّفَّة (فَانْطَلَقَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وانطلق» (النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) منهم (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٥) ﵁: (فَهْوَ) أي: الشَّأن (أَنَا) في الدار (وَأَبِي وَأُمِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي:

«أنا وأبي» بالباء من غير ذكر «الأمِّ»، وللمُستملي: «أنا وأمِّي» بالميم من غير ذكر «الأب»، قال أبو عثمان النَّهديُّ: (فَلَا أَدْرِي قَالَ) وللأربعة: «ولا أدري هل قال» أي: عبد الرَّحمن (وَامْرَأَتِي) أميمة (١) بنت عَدِيِّ بن قيسٍ السَّهميِّ (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) بين (٢): ظرفٌ لـ «خادمٌ»، والمراد: أنَّه شركةٌ بينهما في الخدمة، وللأربعة: «بين بيتنا وبيت أبي بكرٍ» ولأبي ذَرٍّ: «بين بيتنا وبين بيت أبي بكرٍ» (٣) (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (تَعَشَّى) أي: أكل العشاء، وهو طعام آخر النَّهار (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ لَبِثَ) في داره (حَيْثُ) بالثَّاء المُثلَّثة (٤)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت: «حتَّى» ولابن عساكر في نسخةٍ: «حين» (صُلِّيَتِ العِشَاءُ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام مُشدَّدةً مبنيًّا للمفعول (ثمَّ رَجَعَ) أبو بكرٍ إلى رسول الله ﷺ (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى نعس» (النَّبِيُّ ﷺ) وفيه على رواية: «حتَّى تعشَّى» مع و «أنَّ أبا بكرٍ تعشَّى» تكرارٌ يأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- في «باب

علامات النُّبوَّة في الإسلام» [خ¦٣٥٨١] (١) (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) وهي أمُّ رومان، زينب بنت دُهْمان، بضمِّ المُهمَلة وسكون الهاء، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة: (وَمَا) وللأربعة: «ما» (حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ-) بالإفراد مع كونهم ثلاثةً لإرادة الجنس (قَالَ) أبو بكرٍ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ (٢)؟) بهمزة الاستفهام والياء المتولِّدة من إشباع كسرة التَّاء، وفي نسخةٍ: «عشَّيتِهم» بحذفها، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة (قَالَتْ: أَبَوْا) أي: امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا) بضمِّ العين وكسر الرَّاء المُخفَّفة، أي: عُرِضَ الطَّعام على الأضياف، فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب، نحو: عرضت النَّاقة على الحوض (٣)، وفي روايةٍ: «عَرَضوا» بفتح العين والرَّاء مُخفَّفةٌ، أي: الأهل من

الولد والمرأة والخادم على الأضياف (فَأَبَوْا) أن يأكلوا (قَالَ) عبد الرَّحمن: (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) خوفًا من أبي وشتمه (فَقَالَ) أبو بكرٍ: (يَا غُنْثَرُ) بضمِّ الغين المُعجَمة وسكون النُّون وفتح المُثلثَّة وضمِّها، أي: يا ثقيل، أو يا جاهل، أو يا دنيء، أو يا لئيم (فَجَدَّعَ) بفتح الجيم والدَّال المُهمَلة المُشدَّدة وفي آخره عينٌ مُهمَلةٌ، أي: دعا على ولده بالجدع، وهو قطع الأذن أو الأنف أو الشَّفة (وَسَبَّ) ولده ظنًّا منه أنَّه فرَّط في حقِّ الأضياف (وَقَالَ) أبو بكرٍ ﵁ لمَّا تبيَّن له أنَّ التَّأخير منهم: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) تأديبًا لهم لأنَّهم تحكَّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك، أو هو خبرٌ، أي: أنَّكم لم تتهنَّوا بالطَّعام في وقته، قال البرماويُّ: وهذا ينبغي الحمل عليه، ثمَّ حلف أبو بكرٍ ألَّا يطعمه (فَقَالَ: وَاللهِ، لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ) قسمي بهمزة الوصل، وقد تُقطَع (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا) الطَّعام، أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا) أي: اللُّقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا) برفع الرَّاء فقط (١) كما في «اليونينيَّة» (قَالَ) عبد الرَّحمن: يَعْنِي (٢) (حَتَّى شَبِعُوا) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال: وشبعوا» وفي روايةٍ: «فشبعوا» (٣) (وَصَارَتْ) أي: الأطعمة (أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة، وفي بعض النُّسخ: «أكبر» بالمُوحَّدة (مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَإِذَا هِيَ) أي: الأطعمة أو

الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأوَّل لم تنقص شيئًا (أَوْ) هي (أَكْثَرُ مِنْهَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «أو أكثرُ» بالرَّفع في «اليونينيَّة» لا غير (١) (فَقَالَ) أبو بكرٍ (لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ عبد الرَّحمن: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء آخره سينٌ مُهمَلةٌ، أي: يا من هي من بني فراسٍ، وقد اختُلِف في نسبها (٢) اختلافًا كثيرًا ذكره ابن الأثير (مَا هَذَا؟) استفهامٌ عن حال الأطعمة، ولابن عساكر: «ما هذه؟» (قَالَتْ) أمُّ رومان: (لَا) شيء غير ما أقوله (وَ) حقِّ (قُرَّةِ عَيْنِي) رسول الله ﷺ، ففيه الحلف بالمخلوق، أو المراد: وخالق قرَّة عيني، أو لفظة «لا» زائدةٌ، وقرَّة العين يُعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّه الإنسان لأنَّ العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، فالعين تقرُّ ولا تتشوَّف لشيءٍ، وحينئذٍ يكون مُشتقًّا من القرار (٣)، وقول الأصمعيِّ: أقرَّ الله عينه، أي: أبرد دمعه لأنَّ دمع الفرح باردٌ ودمع الحزن حارٌّ، وتعقَّبه بعضهم فقال: ليس كما ذكره، بل كلُّ دمعٍ حارٌّ، قال (٤): ومعنى قولهم (٥): هو (٦) قرَّة عيني إنَّما يريدون: هو رضا نفسي (لَهِيَ) أي: الأطعمة أو الجفنة (الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَِ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ) وللأَصيليِّ: «مرارٍ» وهذا النُّموُّ كرامةٌ من كرامات الصِّدِّيق، آيةٌ من آيات النَّبيِّ ﷺ ظهرت على يد أبي بكرٍ (فَأَكَلَ مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَِ) بكسر الكاف وفتحها (مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ-) وهي (٧) قوله: والله لا أطعمه أبدًا، فأخزاه

بالحنث الَّذي هو خيرٌ، أو المراد: لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة، أو عند الغضب، لكن هذا مبنيٌّ على جواز تخصيص العموم في اليمين بالنِّيَّة، أو أنَّ الاعتبار بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ الوارد عليه، قاله البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ (ثمَّ أَكَلَ) أبو بكرٍ (مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (لُقْمَةً) أخرى لتطييب قلوب أضيافه، وتأكيدًا لدفع الوحشة (ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) ﷺ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ) أي: عهد (١) مهادنةٍ (فَمَضَى الأَجَلُ) فجاؤوا إلى المدينة (فَفَرَّقَنَا) حال كون المُفرَّق (اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا) ولغير الأربعة: «اثنا عشر» بالألف على لغة من يجعل (٢) المُثنَّى كالمقصور في أحواله الثَّلاثة، والمعنى: ميَّزنا أو جعلنا كلَّ رجل من اثني عشر رجلًا (٣) (٤) فرقةً، ولأبي ذَرٍّ: «فَعرَّفنا» بالعين المُهمَلة وتشديد الرَّاء، أي: جعلناهم عرفاء، وفي «اليونينيَّة» بسكون الفاء، وفيها أيضًا بالتَّخفيف للحَمُّويي والمُستملي، والتَّثقيل لأبي الهيثم (٥) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ) رجلٍ (٦) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) وجملة: «الله أعلم» اعتراضٌ، أي: أناسٌ اللهُ يعلم عددهم، وزاد في روايةٍ: «منهم» (فَأَكَلُوا مِنْهَا) أي: من الأطعمة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ ﵄، والشَّكُّ من أبي عثمان، فإن قلت: ما وجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب:

من اشتغال أبي بكرٍ بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر (١) الأضياف، واشتغاله (٢) بما دار بينهم من المُخاطَبة والمُلاطَفة والمُعاتَبة.

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، ومخضرمٌ وهو أبو عثمان، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨١] و «الأدب» [خ¦٦١٤١]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، وأبو داود في «الأيمان والنُّذور»، والله ﷾ أعلم بالصَّواب (٣)، وإليه المرجع والمآب (٤).

((١٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا هي ثابتةٌ في غير (١) رواية ابن عساكر كما في الفرع وأصله. (كِتَابُ الأَذَانِ) بالذَّال المُعجمَة، وهو في اللُّغة: الإعلام، وفي الشَّرع: إعلامٌ مخصوصٌ بألفاظٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصةٍ. وهو (٢) ثابتٌ في رواية ابن عساكر، ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ وغيره.

(بابٌ بَدْءُ الأَذَانِ) بهمزةٍ بعد الدَّال المُهمَلة، أي: ابتدائه، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (٣) «بدء الأذان» فأسقط التَّبويب (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع، أو بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وللأَصيليِّ «وقول الله» ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾) أي: أذَّنتم داعين (﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾) الَّتي هي أفضل

الأعمال عند ذوي الألباب (﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾) أي: اتَّخذوا الصَّلاة أو المناداة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأذان مشروعٌ (١) للصَّلاة (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]) معاني عبادة الله وشرائعه، واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الأذان بالنَّصِّ لا بالمنام وحده، قال الزُّهريُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ الحافظ: «قد ذكر الله التَّأذين في هذه الآية». رواه ابن أبي حاتمٍ (وَقَوْلُهُ) تعالى بالرَّفع والجرِّ كما مرَّ (٢): (﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ﴾) أذِّن لها (﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]) عند قعود

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة.

بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ:

أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت.

وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم.

(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من

الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر.

٦٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزَّهْرِيِّ قَالَ حدَّثَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة.

بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ:

أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت.

وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم.

(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر.

٦٠٢ - حدَّثنا أبُو النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حدَّثنا أبُو عُثْمانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ أنَّ أصْحَابَ الصُّفَةِ كانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ كَانَ عَنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ جاءَ بِثَلَاثَةٍ فانْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَشْرَةٍ قَالَ فَهُوَ أَنا وَأبي وأُمِّي فلَا أدْرِي قَالَ وامْرَأَتِي وخادِمٌ بَيْنَنا وبَيْنَ بَيْتِ أبي بَكْرٍ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعشَّى النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ الله قالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عنْ أضْيَافِكَ أوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ قَالَ أوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ قالَتْ أبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبُوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثرُ فَجَدَّع وسبَّ وَقَالَ كُلُوا لَا هَنِيئا فَقَالَ وَالله لَا أطْعَمَهُ أبدا وَايْمُ الله مَا كُنَّا ناخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَاّ رَبَا مِنْ أسْفَلِهَا أكْثَرُ مِنْهَا قالَ يَعْنِي حتَّى شَبِعُوا وصارَتْ أكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إلَيْهَا أبُو بَكْرٍ فإذَا هِي كمَا هِيَ أوْ أكْثَرَ مِنْهَا فَقَالَ ل اِمْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ مَا هَذَا قالَتْ ل اَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فاكَلَ مِنْهَا أبُو بَكْرٍ وَقَالَ إنَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ وكانَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مَعَ كلِّ رَجُل مِنْهُمْ أُنَاسٌ الله أعْلَمُ كَمْ مَعَ كلِّ رَجلٍ فأَكَلُوا مِنهَا أجْمَعُونَ أوْ كَما قَالَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟) ، ومراجعته لخَبر الأضياف. وَقَوله: لاضيافه: (كلوا) ، وكل ذَلِك فِي معنى السمر الْمُبَاح.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان السدُوسِي. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل بن عَمْرو النَّهْدِيّ، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ وَمِائَة سنة، وَكَانَ قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة، تقدم فِي بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: راوٍ من المخضرمين وَهُوَ: أَبُو عُثْمَان. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْأَدَب عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن عبيد الله بن معَاذ وحامد ابْن عمر وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُؤَمل بن هِشَام.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أَصْحَاب الصّفة) ، قَالَ النَّوَوِيّ: هم زهاد من الصَّحَابَة فُقَرَاء غرباء، كَانُوا يأوون إِلَى مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَت لَهُم فِي آخِره صفة، وَهِي مَكَان مقتطع من الْمَسْجِد مظلل عَلَيْهِ يبيتُونَ فِيهِ، وَكَانُوا يقلون ويكثرون، وَفِي وَقت كَانُوا سبعين، وَفِي وَقت غير ذَلِك، فيزيدون بِمن يقدم عَلَيْهِم وينقصون بِمن يَمُوت أَو يُسَافر أَو يتَزَوَّج. وَفِي (التَّلْوِيح) :

الصّفة، هُوَ مَوضِع مظلل فِي الْمَسْجِد كَانَ للْمَسَاكِين والغرباء، وهم الأوفاض، أَي: الْفرق والأخلاط من النَّاس يأوون إِلَيْهِ، وعدَّ مِنْهُم أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) مائَة ونيفا. قَوْله: (كَانُوا أُنَاسًا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَانُوا نَاسا) ، بِلَا ألف، وَالنَّاس والأناس بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فليذهب بثالث) ، أَي: من أَصْحَاب الصّفة، هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ الْأَصَح من رِوَايَة مُسلم: (فليذهب بِثَلَاثَة) ، لِأَن ظَاهرهَا صيرورتهم خَمْسَة، وَحِينَئِذٍ لَا يمسك رَمق أحد بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الْإِثْنَيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَو حملت رِوَايَة مُسلم على ظَاهرهَا فسد الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن الَّذِي عِنْده طَعَام إثنين إِذا أكله فِي خَمْسَة لم يكف أحدا مِنْهُم، وَلَا يمسك رمقه، بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الِاثْنَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالَّذِي فِي مُسلم أَيْضا لَهُ وَجه تَقْدِيره: فليذهب بِمن يتم بِثَلَاثَة، أَو بِتمَام ثَلَاثَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام} (فصلت: ١٠) . أَي: فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم يقل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن طَعَام الْإِثْنَيْنِ يشْبع الثَّلَاثَة. إِنَّمَا قَالَ: يَكْفِي، وَهُوَ غير الشِّبَع، وَكَانَت الْمُوَاسَاة إِذْ ذَاك وَاجِبَة لشدَّة الْحَال. قَوْله: (وَإِن أَربع فخامس أَو سادس) أَي: وَإِن كَانَ عِنْده طَعَام أَربع فليذهب بخامس أَو بسادس، هَذَا وَجه الْجَرّ فِي: خامسٍ وسادسٍ، ويروى برفعهما، فوجهه كَذَلِك لَكِن بِإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ أَربع اعراب الْمُضَاف وَهُوَ: طَعَام، وبإضمار مُبْتَدأ للفظ: خَامِس. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (من كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فليذهب بخامس بسادس) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ عِنْده طَعَام أَربع؟ قلت: مَعْنَاهُ: فليذهب بخامس أَو بسادس مَعَ الْخَامِس، وَالْعقل يدل عَلَيْهِ، إِذْ السَّادِس يسْتَلْزم خَامِسًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فليذهب بِوَاحِد أَو بإثنين، وَالْحَاصِل أَن: أَو: لَا تدل على منع الْجمع بَينهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون معنى: أَو سادس، وَأَن كَانَ عِنْده طَعَام خمس فليذهب بسادس، فَيكون من بَاب عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا الحَدِيث مِمَّا حذف فِيهِ بعد: أَن وَالْفَاء، فعلان وحرفا جرٍ باقٍ عملهما، وَتَقْدِيره: وَإِن قَامَ بأَرْبعَة فليذهب بخامس أَو بسادس، وَفِي (التَّوْضِيح) : كلمة: أَو، للتنويع وَقيل: للْإِبَاحَة. قَوْله: (وَانْطَلق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ هُنَا: انْطلق، وَعَن أبي بكر قَالَ: جَاءَ لِأَن الْمَجِيء هُوَ الْمَشْي المقرب إِلَى الْمُتَكَلّم. والانطلاق الْمَشْي المبعد عَنهُ. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن (فَهُوَ أَنا وَأبي وَأمي) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فَهُوَ أَنا وَأمي) . وَقَوله: وَقَوله هُوَ ضمير الشان وانا مُبْتَدأ وَأبي وَأمي عطف عَلَيْهِ وَخَبره مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق قَوْله (وَلَا ادري) كَلَام ابي عُثْمَان النَّهْدِيّ الرَّاوِي قَوْله (وخادم) ، بِالرَّفْع عطف على: امْرَأَتي، على تَقْدِير: أَن يكون لفظ: إمرأتي مَوْجُودا فِيهِ، وإلَاّ فَهُوَ عطف على: أُمِّي، قَوْله: (بَين بيتنا وَبَيت أبي بكر) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: (بَيْننَا وَبَين أبي بكر) يَعْنِي: مُشْتَرك خدمتها بَيْننَا وَبَين أبي بكر. وَقَوله: بَين، ظرف لخادم. قَوْله: (تعشى) أَي: أكل الْعشَاء، وَهُوَ بِفَتْح الْعين: الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل آخر النَّهَار. قَوْله: (ثمَّ لبث) أَي: فِي دَاره. قَوْله: (حَتَّى صليت) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، يَعْنِي لفظ: حَتَّى، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حَيْثُ صليت) ، قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (ثمَّ رَجَعَ) أَي: إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي (صَحِيح) الْإِسْمَاعِيلِيّ، (ثمَّ ركع) ، بِالْكَاف أَي: صلى النَّافِلَة بعد الْعشَاء، فَدلَّ هَذَا على أَن قَول البُخَارِيّ: ثمَّ رَجَعَ، لَيْسَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الروَاة. قَوْله: (حَتَّى تعشى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَعند مُسلم: (حَتَّى نعس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَوْله: (قَالَت لَهُ) أَي لأبي بكر (امْرَأَته) وَهِي: أم رُومَان، بِضَم الرَّاء وَفتحهَا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا: دعد، وَقَالَ غَيره: زَيْنَب، وَهِي من بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة. قَوْله: أَو ضيفك) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (ضيفك) . فَأن قلت: هم كَانُوا ثَلَاثَة، فَلم أفرد؟ قلت: هُوَ لفظ الْجِنْس يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير، أَو مصدر يتَنَاوَل الْمثنى وَالْجمع. انْتهى. قلت: هَذَا السُّؤَال على أَن نسخته كَانَت: ضيفك، بِدُونِ. قَوْله: (أضيافك) ، وَلَكِن قَوْله: أَو مصدر، غير صَحِيح لفساد الْمَعْنى. قَوْله: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِم) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة. ويروى: عشيتهم، بِالْيَاءِ الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (أَبَوا) أَي: امْتَنعُوا، وامتناعهم من الْأكل رفقا بِهِ لظنهم أَنه لَا يجد عشَاء، فصبروا حَتَّى يَأْكُل مَعَهم. قَوْله: (قد عرضوا) بِفَتْح الْعين أَي: الْأَهْل من: الابْن وَالْمَرْأَة وَالْخَادِم. وَفِي رِوَايَة (فعرضنا عَلَيْهِم) ، ويروى: (قد عرضوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: (قد عرصوا) ، بالصَّاد الْمُهْملَة. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا أعلم وَجها، وَيحْتَمل أَن يكون من: عرص إِذا نشط، فَكَأَن أهل الْبَيْت نشطوا فِي الْعَزِيمَة عَلَيْهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بِضَم الْعين أَي: عرض الطَّعَام على الأضياف، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، أَو هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت الْحَوْض على النَّاقة. قَوْله: (قَالَ فَذَهَبت) ، أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فاختبأت أَي: اختفيت، وَكَانَ اختفاؤه خوفًا من خصام

أَبِيه لِأَنَّهُ لم يكن فِي الْمنزل من الرِّجَال غَيره، أَو لِأَنَّهُ أوصاه بهم. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو بكر: (يَا غنثر) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَضمّهَا أَيْضا، قَالَ ابْن قرقول: مَعْنَاهُ: يَا لئيم يَا دنيء. وَقيل: الثقيل الوخم. وَقيل: الْجَاهِل، من الغثارة وَهِي الْجَهْل، وَالنُّون زَائِدَة. وَقيل: مَأْخُوذ من الغثر وَهُوَ السُّقُوط. وَقَالَ عِيَاض: وَعَن بعض الشُّيُوخ: يَا عنتر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ: الذُّبَاب الْأَزْرَق، شبهه بِهِ تحقيرا لَهُ، وَالْأول هُوَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، قَالَه النَّوَوِيّ. قَوْله: (فجدع) ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة، أَي: دَعَا بالجدع، وَهُوَ قطع الْأنف أَو الْأذن أَو الشّفة، وَهُوَ بالأنف أخص. وَقيل: مَعْنَاهُ السب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ الْبعد لقَوْله: فجدع وَسَب، وَقَالَ ابْن قرقول: وَعند الْمروزِي بالزاي قَالَ: وَهُوَ وهم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وكل ذَلِك من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ابْنه ظنا مِنْهُ أَنه فرط فِي حق الأضياف، فَلَمَّا تبين لَهُ أَن ذَلِك كَانَ من الأضياف أدَّبهم بقوله: (كلوا لَا هَنِيئًا) ، وَحلف أَن لَا يطعمهُ. وَقيل: إِنَّه لَيْسَ بِدُعَاء عَلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ خبر، أَي: لم تتهنوا بِهِ فِي وقته. وَقَالَ السفاقسي: إِنَّمَا خَاطب بذلك أَهله لَا أضيافه. و: هَنِيئًا، مَنْصُوب على أَن فعله مَحْذُوف وَاجِب حذفه فِي السماع، وَالتَّقْدِير: هُنَاكَ الله هَنِيئًا، وهنيئا دخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي. قَوْله: (وأيم الله) ، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: ايم الله قسمي، وهمزته همزَة وصل لَا يجوز فِيهَا الْقطع عِنْد الْأَكْثَرين، وَالْأَصْل فِيهِ: يَمِين الله، ثمَّ جمع الْيَمين على أَيمن، وَلما كثر اسْتِعْمَاله فِي كَلَامهم خففوه بِحَذْف النُّون فَقَالُوا: ايم الله، وَفِيه لُغَات قد ذَكرنَاهَا فِي: بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم. قَوْله: (إلَاّ رَبَا) أَي: زَاد. قَوْله: (وَصَارَت) أَي: الْأَطْعِمَة. قَوْله: (أَكثر مِمَّا كَانَت) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة: أكبر، قَوْله: (فَإِذا هِيَ كَمَا هِيَ) ، أَي: فَإِذا الْأَطْعِمَة كَمَا هِيَ على حَالهَا لم تنقص شَيْئا، وَالْفَاء فِيهِ: فَاء المفاجأة. قَوْله: (فَقَالَ لامْرَأَته) ، أَي: فَقَالَ أَبُو بكر لزوجته. وَهِي: أم عبد الرَّحْمَن وَأم رُومَان. قَوْله: (يَا أُخْت بني فراس) إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك لِأَنَّهَا زَيْنَب بنت دهمان، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، أحد بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ يَا من هِيَ من بني فراس. قَوْله: (مَا هَذَا؟) اسْتِفْهَام من أبي بكر عَن حَال الْأَطْعِمَة. قَوْله: (قَالَت: لَا وقرة عَيْني) ، كلمة: لَا، زَائِدَة للتَّأْكِيد، ونظائره مَشْهُورَة، وَيحْتَمل أَن تكون: لَا، نَافِيَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَي: لَا شَيْء غير مَا أَقُول، وَهُوَ قَوْلهَا: وقرة عَيْني، و: الْوَاو، فِيهِ وَاو الْقسم، و: قُرَّة الْعين، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: يعبر بهَا عَن المسرة، ورؤية مَا يحب الْإِنْسَان. قيل: إِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَن عينه تقر لبلوغ أمْنِيته، وَلَا يستشرف لشَيْء فَيكون مشتقا من الْقَرار. وَقيل: مَأْخُوذ من القر، بِالضَّمِّ، وَهُوَ: الْبرد، أَي: إِن عينه بَارِدَة لسرورها وَعدم تقلقها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أقرّ الله عينه، أَي: أبرد دمعه لِأَن دمعة الْفَرح بَارِدَة ودمعة الْحزن حارة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرَادَت بقرَّة عينهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأقسمت بِهِ. وَقَالَ ثَعْلَب: تَقول قررت بِهِ عينا أقرّ. وَفِي (الْغَرِيب المُصَنّف) و (الْإِصْلَاح) : قررت وقررت قُرَّة وقرورا. وَفِي (كتاب الْمثنى) لِابْنِ عديس: وقرة، وَحَكَاهُ ابْن سَيّده، وَفِي (الصِّحَاح) : تقر وتقر، وَأقر الله عينه: أعطَاهُ حَتَّى تقر، فَلَا تطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه. وَقَالَ ابْن خالويه: أَي: ضحِكت فَخرج من عَيْني مَاء قرور، وَهُوَ الْبَارِد، وَهُوَ ضد: أسخن الله عينه، قَالَ الْقَزاز: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لَيْسَ كَمَا ذكر الْأَصْمَعِي من أَن دمعة الْفَرح بَارِدَة والحزن حارة، قَالَ: بل كل دمع حَار. قَالُوا: وَمعنى قَوْلهم: هُوَ قُرَّة عَيْني إِنَّمَا يُرِيدُونَ هُوَ: رضى نَفسِي. قَالَ: وقرة الْعين نَاقَة تُؤْخَذ من الْمغنم قبل أَن يقسم فيطبخ لَحمهَا ويصنع فيجتمع أهل الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قبل الْقِسْمَة، فَإِن كَانَ من هَذَا فَكَأَنَّهُ دعى لَهُ بالفرج وَالْغنيمَة. وَفِي (كتاب الفاخر) : قَالَ أَبُو عَمْرو: مَعْنَاهُ أَنَام الله عَيْنك، الْمَعْنى: صَادف سُرُورًا أذهب سهره فَنَامَ، وَحكى القالي: أقرّ الله عَيْنك، وَأقر الله بِعَيْنِك. قَوْله: (فَأكل مِنْهَا) ، أَي: من الْأَطْعِمَة. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) ، يَعْنِي: يَمِينه وَهُوَ قَوْله: (وَالله لَا أطْعمهُ أبدا) ، قَوْله: (ثمَّ أكل مِنْهَا لقْمَة) ، وتكرار الْأكل مَعَ أَنه وَاحِد لأجل الْبَيَان. لِأَنَّهُ لما وَقع الأول أَرَادَ الْإِبْهَام بِأَنَّهُ أكل لقْمَة، أما تَركه الْيَمين ومخالفته لأجل إِتْيَانه بالأفضل، للْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ، أَو كَانَ مُرَاده لَا أطْعمهُ مَعكُمْ، أَو: فِي هَذِه السَّاعَة، أَو: عِنْد الْغَضَب، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَنه يقبل التَّقْيِيد إِذا كَانَ اللَّفْظ عَاما، وعَلى أَن الِاعْتِبَار لعُمُوم اللَّفْظ أَو لخُصُوص السَّبَب. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) وَفِي رِوَايَة: الأولى من الشَّيْطَان يَعْنِي، يَمِينه، فأخزاه بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خير، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (لما جَاءَ بالقصعة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكل مِنْهَا) . قَوْله: (فَأَصْبَحت عِنْده) أَي: أَصبَحت الْأَطْعِمَة عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عقد) أَي: عهد مهادنة، وَفِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَوْرَدَ حَدِيثَ قُرَّةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ (١)، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، وَحَدِيثِ قُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ قُرَّةَ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَنْ أَنَسٍ اشْتَرَكَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ فَاقْتَصَرَ الْحَسَنُ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ مِنْهُ فَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْخَاتَمِ وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَتَادَةَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي بَابِ السَّمَرِ بِالْعِلْمِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (فَوَهِلَ النَّاسُ) أَيْ غَلِطُوا أَوْ تَوَهَّمُوا أَوْ فَزِعُوا أَوْ نَسَوْا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ هُنَا، وَقِيلَ: وَهَلَ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى وَهِمَ بِالْكَسْرِ وَوَهِلَ بِالْكَسْرِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ غَلِطَ، وَبِالْكَسْرِ فَزِعَ.

قَوْلُهُ: (فِي مَقَالَةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ مَقَالَةٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ) لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عِنْدَ تَقَضِّي مِائَةِ سَنَةٍ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا، وَغَايَةُ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَهِيَ رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَوْتِ الْخَضِرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ سَاكِنِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، قَالُوا: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى مِمَّنْ تَرَوْنَهُ أَوْ تَعْرِفُونَهُ، فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.

وَقِيلَ: احْتَرَزَ بِالْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالُوا: خَرَجَ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ، وَخَرَجَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّامَ فِي الْأَرْضِ عَهْدِيَّةٌ وَالْمُرَادُ أَرْضُ الْمَدِينَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَتَتَنَاوَلُ جَميْعَ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَأُمَّةُ الدَّعْوَةِ، وَخَرَجَ عِيسَى وَالْخَضِرُ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أُمَّتِهِ، فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ عِيسَى يَحْكُمُ بِشَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْقَوْلُ فِي الْخَضِرِ إِنْ كَانَ حَيًّا كَالْقَوْلِ فِي عِيسَى (٢)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤١ - بَاب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ

٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي - وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ

لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ - فَجَدَّعَ وَسَبَّ - وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا.

فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَأيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ.

[الحديث ٦٠٢ - أطرافه في: ٦١٤١، ٦١٤٠، ٣٥٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْفِ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْبَابَ مِنْ بَابِ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ مُسَمَّى الْخَيْرِ، لِأَنَّ الْخَيْرَ مُتَمَحِّضٌ لِلطَّاعَةِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ السَّمَرِ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الضِّيَافَةِ وَالصِّلَةِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا، فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي حَقِّهِمَا فَيَلْتَحِقُ بِالسَّمَرِ الْجَائِزِ أَوِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ اشْتِغَالُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِمَجِيئِهِ إِلَى بَيْتِهِ وَمُرَاجَعَتِهِ لِخَبَرِ الْأَضْيَافِ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا دَارَ بَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَعْنَى السَّمَرِ، لِأَنَّهُ سَمَرٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُخَاطَبَةٍ وَمُلَاطَفَةٍ وَمُعَاتَبَةٍ. انْتَهَى.

قَوْله: (كَانُوا أُنَاسًا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَانُوا نَاسًا.

قَوْله: (فَهُوَ أَنَا وَأَبِي) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَأُمِّي وَلِلْمُسْتَمْلِي فَهُوَ وَأَنَا وَأُمِّي.

قَوْله: (ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى بَدَلَ حَيْثُ.

قَوْله: (فَفَرَّقَنَا) أَيْ جَعَلَنَا فِرَقًا، وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْخَالِصُ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى ثَلَاثَةِ عَشَرَ حَدِيثًا، وَهِيَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي السُّجُودِ عَلَى الظَّهَائِرِ وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْنَاهُ، وَحَدِيثُهُ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا وَحَدِيثُهُ فِي الْمَعْنَى هَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَبْرِدُوا وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا بَقَاؤُكُم فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَحَدِيثُ أَنَسٍ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي النَّوْمِ عَنِ الصُّبْحِ، عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَكِنْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِقِصَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ ثَلَاثَةُ آثَارٍ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤١) (بابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ) الزَّوجة والأولاد والعيال (وَ) مع (الضَّيْفِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «مع الضَّيف والأهل».

٦٠٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التَّيميُّ (١) (قَالَ: حدَّثنا أَبِي) سليمان بن طرخان قال: (حدَّثنا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄: (أَنَّ أَصْحَابَ

الصُّفَّةِ) الَّتي كانت بآخر المسجد النَّبويِّ مظلَّلًا عليها (كَانُوا أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ناسًا» (فُقَرَاءَ) يأوون إليها (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفَّة (وَإِنْ) كان عنده طعام (أَرْبَعٌٍ فَخَامِسٌٍ) أي: فليذهب معه بخامسٍ منهم (أَوْ سَادِسٌٍ) مع الخامس، أي: يذهب معه بواحدٍ أو باثنين، أو المراد: إن كان عنده طعام خمسةٍ فليذهب بسادسٍ، فهو من عطف جملةٍ على جملةٍ، وفيه حذف حرف الجرِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع فيها (١) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويُضمَر مُبتدأٌ للفظ «خامسٌ» أي: فالمذهوب به خامسٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «وإن أربعةٌ» وكلمة «أو» للتَّنويع، والحكمة في كونه يزيد كلَّ واحدٍ واحدًا فقط: أنَّ عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متَّسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفسٍ لا يضيق عليه أن يطعم الرَّابع من قوتهم، وكذلك الأربعة فما فوقها (٢) أو للإباحة، واستُنبِط منه: أنَّ السُّلطان يفرِّق في المسغبة (٣) الفقراء على أهل السَّعة بقدر ما لا يجحف (٤) بهم (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، بفتح همزة «أنَّ»، ولأبي ذَرٍّ: «وإنَّ أبا بكرٍ» بكسرها (جَاءَ بِثَلَاثَةٍ) من أهل الصُّفَّة (فَانْطَلَقَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وانطلق» (النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) منهم (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٥) ﵁: (فَهْوَ) أي: الشَّأن (أَنَا) في الدار (وَأَبِي وَأُمِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي:

«أنا وأبي» بالباء من غير ذكر «الأمِّ»، وللمُستملي: «أنا وأمِّي» بالميم من غير ذكر «الأب»، قال أبو عثمان النَّهديُّ: (فَلَا أَدْرِي قَالَ) وللأربعة: «ولا أدري هل قال» أي: عبد الرَّحمن (وَامْرَأَتِي) أميمة (١) بنت عَدِيِّ بن قيسٍ السَّهميِّ (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) بين (٢): ظرفٌ لـ «خادمٌ»، والمراد: أنَّه شركةٌ بينهما في الخدمة، وللأربعة: «بين بيتنا وبيت أبي بكرٍ» ولأبي ذَرٍّ: «بين بيتنا وبين بيت أبي بكرٍ» (٣) (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (تَعَشَّى) أي: أكل العشاء، وهو طعام آخر النَّهار (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ لَبِثَ) في داره (حَيْثُ) بالثَّاء المُثلَّثة (٤)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت: «حتَّى» ولابن عساكر في نسخةٍ: «حين» (صُلِّيَتِ العِشَاءُ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام مُشدَّدةً مبنيًّا للمفعول (ثمَّ رَجَعَ) أبو بكرٍ إلى رسول الله ﷺ (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى نعس» (النَّبِيُّ ﷺ) وفيه على رواية: «حتَّى تعشَّى» مع و «أنَّ أبا بكرٍ تعشَّى» تكرارٌ يأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- في «باب

علامات النُّبوَّة في الإسلام» [خ¦٣٥٨١] (١) (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) وهي أمُّ رومان، زينب بنت دُهْمان، بضمِّ المُهمَلة وسكون الهاء، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة: (وَمَا) وللأربعة: «ما» (حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ-) بالإفراد مع كونهم ثلاثةً لإرادة الجنس (قَالَ) أبو بكرٍ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ (٢)؟) بهمزة الاستفهام والياء المتولِّدة من إشباع كسرة التَّاء، وفي نسخةٍ: «عشَّيتِهم» بحذفها، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة (قَالَتْ: أَبَوْا) أي: امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا) بضمِّ العين وكسر الرَّاء المُخفَّفة، أي: عُرِضَ الطَّعام على الأضياف، فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب، نحو: عرضت النَّاقة على الحوض (٣)، وفي روايةٍ: «عَرَضوا» بفتح العين والرَّاء مُخفَّفةٌ، أي: الأهل من

الولد والمرأة والخادم على الأضياف (فَأَبَوْا) أن يأكلوا (قَالَ) عبد الرَّحمن: (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) خوفًا من أبي وشتمه (فَقَالَ) أبو بكرٍ: (يَا غُنْثَرُ) بضمِّ الغين المُعجَمة وسكون النُّون وفتح المُثلثَّة وضمِّها، أي: يا ثقيل، أو يا جاهل، أو يا دنيء، أو يا لئيم (فَجَدَّعَ) بفتح الجيم والدَّال المُهمَلة المُشدَّدة وفي آخره عينٌ مُهمَلةٌ، أي: دعا على ولده بالجدع، وهو قطع الأذن أو الأنف أو الشَّفة (وَسَبَّ) ولده ظنًّا منه أنَّه فرَّط في حقِّ الأضياف (وَقَالَ) أبو بكرٍ ﵁ لمَّا تبيَّن له أنَّ التَّأخير منهم: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) تأديبًا لهم لأنَّهم تحكَّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك، أو هو خبرٌ، أي: أنَّكم لم تتهنَّوا بالطَّعام في وقته، قال البرماويُّ: وهذا ينبغي الحمل عليه، ثمَّ حلف أبو بكرٍ ألَّا يطعمه (فَقَالَ: وَاللهِ، لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ) قسمي بهمزة الوصل، وقد تُقطَع (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا) الطَّعام، أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا) أي: اللُّقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا) برفع الرَّاء فقط (١) كما في «اليونينيَّة» (قَالَ) عبد الرَّحمن: يَعْنِي (٢) (حَتَّى شَبِعُوا) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال: وشبعوا» وفي روايةٍ: «فشبعوا» (٣) (وَصَارَتْ) أي: الأطعمة (أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة، وفي بعض النُّسخ: «أكبر» بالمُوحَّدة (مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَإِذَا هِيَ) أي: الأطعمة أو

الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأوَّل لم تنقص شيئًا (أَوْ) هي (أَكْثَرُ مِنْهَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «أو أكثرُ» بالرَّفع في «اليونينيَّة» لا غير (١) (فَقَالَ) أبو بكرٍ (لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ عبد الرَّحمن: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء آخره سينٌ مُهمَلةٌ، أي: يا من هي من بني فراسٍ، وقد اختُلِف في نسبها (٢) اختلافًا كثيرًا ذكره ابن الأثير (مَا هَذَا؟) استفهامٌ عن حال الأطعمة، ولابن عساكر: «ما هذه؟» (قَالَتْ) أمُّ رومان: (لَا) شيء غير ما أقوله (وَ) حقِّ (قُرَّةِ عَيْنِي) رسول الله ﷺ، ففيه الحلف بالمخلوق، أو المراد: وخالق قرَّة عيني، أو لفظة «لا» زائدةٌ، وقرَّة العين يُعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّه الإنسان لأنَّ العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، فالعين تقرُّ ولا تتشوَّف لشيءٍ، وحينئذٍ يكون مُشتقًّا من القرار (٣)، وقول الأصمعيِّ: أقرَّ الله عينه، أي: أبرد دمعه لأنَّ دمع الفرح باردٌ ودمع الحزن حارٌّ، وتعقَّبه بعضهم فقال: ليس كما ذكره، بل كلُّ دمعٍ حارٌّ، قال (٤): ومعنى قولهم (٥): هو (٦) قرَّة عيني إنَّما يريدون: هو رضا نفسي (لَهِيَ) أي: الأطعمة أو الجفنة (الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَِ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ) وللأَصيليِّ: «مرارٍ» وهذا النُّموُّ كرامةٌ من كرامات الصِّدِّيق، آيةٌ من آيات النَّبيِّ ﷺ ظهرت على يد أبي بكرٍ (فَأَكَلَ مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَِ) بكسر الكاف وفتحها (مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ-) وهي (٧) قوله: والله لا أطعمه أبدًا، فأخزاه

بالحنث الَّذي هو خيرٌ، أو المراد: لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة، أو عند الغضب، لكن هذا مبنيٌّ على جواز تخصيص العموم في اليمين بالنِّيَّة، أو أنَّ الاعتبار بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ الوارد عليه، قاله البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ (ثمَّ أَكَلَ) أبو بكرٍ (مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (لُقْمَةً) أخرى لتطييب قلوب أضيافه، وتأكيدًا لدفع الوحشة (ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) ﷺ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ) أي: عهد (١) مهادنةٍ (فَمَضَى الأَجَلُ) فجاؤوا إلى المدينة (فَفَرَّقَنَا) حال كون المُفرَّق (اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا) ولغير الأربعة: «اثنا عشر» بالألف على لغة من يجعل (٢) المُثنَّى كالمقصور في أحواله الثَّلاثة، والمعنى: ميَّزنا أو جعلنا كلَّ رجل من اثني عشر رجلًا (٣) (٤) فرقةً، ولأبي ذَرٍّ: «فَعرَّفنا» بالعين المُهمَلة وتشديد الرَّاء، أي: جعلناهم عرفاء، وفي «اليونينيَّة» بسكون الفاء، وفيها أيضًا بالتَّخفيف للحَمُّويي والمُستملي، والتَّثقيل لأبي الهيثم (٥) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ) رجلٍ (٦) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) وجملة: «الله أعلم» اعتراضٌ، أي: أناسٌ اللهُ يعلم عددهم، وزاد في روايةٍ: «منهم» (فَأَكَلُوا مِنْهَا) أي: من الأطعمة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ ﵄، والشَّكُّ من أبي عثمان، فإن قلت: ما وجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب:

من اشتغال أبي بكرٍ بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر (١) الأضياف، واشتغاله (٢) بما دار بينهم من المُخاطَبة والمُلاطَفة والمُعاتَبة.

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، ومخضرمٌ وهو أبو عثمان، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨١] و «الأدب» [خ¦٦١٤١]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، وأبو داود في «الأيمان والنُّذور»، والله ﷾ أعلم بالصَّواب (٣)، وإليه المرجع والمآب (٤).

((١٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا هي ثابتةٌ في غير (١) رواية ابن عساكر كما في الفرع وأصله. (كِتَابُ الأَذَانِ) بالذَّال المُعجمَة، وهو في اللُّغة: الإعلام، وفي الشَّرع: إعلامٌ مخصوصٌ بألفاظٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصةٍ. وهو (٢) ثابتٌ في رواية ابن عساكر، ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ وغيره.

(بابٌ بَدْءُ الأَذَانِ) بهمزةٍ بعد الدَّال المُهمَلة، أي: ابتدائه، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (٣) «بدء الأذان» فأسقط التَّبويب (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع، أو بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وللأَصيليِّ «وقول الله» ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾) أي: أذَّنتم داعين (﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾) الَّتي هي أفضل

الأعمال عند ذوي الألباب (﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾) أي: اتَّخذوا الصَّلاة أو المناداة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأذان مشروعٌ (١) للصَّلاة (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]) معاني عبادة الله وشرائعه، واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الأذان بالنَّصِّ لا بالمنام وحده، قال الزُّهريُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ الحافظ: «قد ذكر الله التَّأذين في هذه الآية». رواه ابن أبي حاتمٍ (وَقَوْلُهُ) تعالى بالرَّفع والجرِّ كما مرَّ (٢): (﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ﴾) أذِّن لها (﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]) عند قعود

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة.

بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ:

أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت.

وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم.

(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من

الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر.

٦٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزَّهْرِيِّ قَالَ حدَّثَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةِ سَنَةٍ وإنَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَلَمَّا سلم قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى قَوْله: (فوهل النَّاس) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ ينْسب إِلَى جده، وَقد تقدمُوا فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، فِي كتاب الْعلم: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بن سعد عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشَاء فِي آخر حَيَاته) ، إِلَى قَوْله: (أحد) وَمن قَوْله: (فوهل النَّاس) إِلَى آخِره، وزاده هَهُنَا فِي هَذِه الرِّوَايَة.

بَيَان مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرَأَيْتكُم) مَعْنَاهُ:

أعلموني، وَالْكَاف للخطاب لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، وَالْمِيم يدل على الْجَمَاعَة، وَهَذِه مَوْضِعه نصب، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قَوْله: (فوهل) ، بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا، أَي: قَالَ ابْن عمر: فوهل النَّاس. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهل من الشَّيْء وَعَن الشَّيْء: إِذا غلط فِيهِ، ووهل إِلَيْهِ، بِالْفَتْح، إِذا ذهب وهمه إِلَيْهِ، وَهُوَ يُرِيد غَيره، مثل: وهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي توهموا وغلطوا فِي التَّأْوِيل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: وَهل، بِالْفَتْح يهل وهلاً، كضرب يضْرب ضربا أَي: غلط وَذهب همه إِلَى خلاف الصَّوَاب، وَهل، بِالْكَسْرِ، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذرا: أَي فزع. قَوْله (فِي مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: من حَدِيثه. قَوْله: (إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث) أَي: حَيْثُ تؤولونها بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي كَانَت مَشْهُورَة بَينهم مشارا إِلَيْهَا عِنْدهم فِي الْمَعْنى المُرَاد عَن مائَة سنة. مثل: إِن المُرَاد بهَا انْقِرَاض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوه، لِأَن بَعضهم كَانَ يَقُول: إِن السَّاعَة تقوم عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة، كَمَا روى ذَلِك الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري، ورد عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وغرض ابْن عمر: أَن النَّاس مَا فَهموا مَا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَذِه الْمقَالة، وَحملُوهَا على محامل كلهَا بَاطِلَة، وبيَّن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بذلك انخرام الْقرن عِنْد انْقِضَاء مائَة سنة من مقَالَته تِلْكَ، وَهُوَ الْقرن الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ، بِأَن تَنْقَضِي أهاليه وَلَا يبْقى مِنْهُم أحد بعد مائَة سنة، وَلَيْسَ مُرَاده أَن ينقرض الْعَالم بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ وَقع بالاستقراء، فَكَانَ آخر من ضبط عمره مِمَّن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، وَقد أجمع أهل الحَدِيث على أَنه كَانَ آخر الصَّحَابَة موتا، وَغَايَة مَا قيل فِيهِ: إِنَّه بَقِي إِلَى سنة عشر وَمِائَة، وَهِي رَأس مائَة سنة من مقَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِعْلَام من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أَعمار أمته لَيست تطول كأعمار من تقدم من الْأُمَم السالفة ليجتهدوا فِي الْعَمَل. قَوْله: (يُرِيد) أَي: يُرِيد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَي: بقوله هَذَا: أَنَّهَا، أَي: مائَة سنة، يَعْنِي: مضيها. قَوْله: (تخرم) ، من الإخرام، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (ذَلِك الْقرن) أَي: الْقرن الَّذِي هُوَ فِيهِ، والقرن، بِفَتْح الْقَاف: كل طبقَة مقترنين فِي وَقت، وَمِنْه قيل لأهل كل مُدَّة أَو طبقَة بعث فِيهَا نَبِي: قرن، قلت: السنون أَو كثرت.

وَمِمَّا يستنبط من هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ بعد الْعشَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَكَانَ ابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَأَصْحَابه يتحدثون بعد الْعشَاء، يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقَالَ مُجَاهِد: يكره السمر بعد الْعشَاء إلَاّ لمصل أَو لمسافر أَو دارس علم.

(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر مَعَ الْأَهْل، وَأهل الرجل خاصته وَعِيَاله وحاشيته. فَإِن قلت: مَا وَجه إِفْرَاد هَذَا الْبَاب من الْبَاب السَّابِق مَعَ اشتماله عَلَيْهِ ودخوله فِيهِ؟ قلت: لانحطاط رتبته عَن الْبَاب السَّابِق، لِأَنَّهُ متمحص للطاعة لَا يَقع على غَيرهَا، وَهَذَا الْبَاب قد يكون بالسمر الْجَائِز أَو المتردد بَين الْإِبَاحَة وَالنَّدْب، فَلذَلِك أفردها بِالذكر.

٦٠٢ - حدَّثنا أبُو النعْمَانِ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حدَّثنا أبُو عُثْمانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ أنَّ أصْحَابَ الصُّفَةِ كانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ كَانَ عَنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ جاءَ بِثَلَاثَةٍ فانْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَشْرَةٍ قَالَ فَهُوَ أَنا وَأبي وأُمِّي فلَا أدْرِي قَالَ وامْرَأَتِي وخادِمٌ بَيْنَنا وبَيْنَ بَيْتِ أبي بَكْرٍ وأنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعشَّى النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ الله قالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عنْ أضْيَافِكَ أوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ قَالَ أوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ قالَتْ أبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبُوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثرُ فَجَدَّع وسبَّ وَقَالَ كُلُوا لَا هَنِيئا فَقَالَ وَالله لَا أطْعَمَهُ أبدا وَايْمُ الله مَا كُنَّا ناخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَاّ رَبَا مِنْ أسْفَلِهَا أكْثَرُ مِنْهَا قالَ يَعْنِي حتَّى شَبِعُوا وصارَتْ أكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إلَيْهَا أبُو بَكْرٍ فإذَا هِي كمَا هِيَ أوْ أكْثَرَ مِنْهَا فَقَالَ ل اِمْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ مَا هَذَا قالَتْ ل اَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فاكَلَ مِنْهَا أبُو بَكْرٍ وَقَالَ إنَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ وكانَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مَعَ كلِّ رَجُل مِنْهُمْ أُنَاسٌ الله أعْلَمُ كَمْ مَعَ كلِّ رَجلٍ فأَكَلُوا مِنهَا أجْمَعُونَ أوْ كَما قَالَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟) ، ومراجعته لخَبر الأضياف. وَقَوله: لاضيافه: (كلوا) ، وكل ذَلِك فِي معنى السمر الْمُبَاح.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان السدُوسِي. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل بن عَمْرو النَّهْدِيّ، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ وَمِائَة سنة، وَكَانَ قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة، تقدم فِي بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: راوٍ من المخضرمين وَهُوَ: أَبُو عُثْمَان. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْأَدَب عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن عبيد الله بن معَاذ وحامد ابْن عمر وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُؤَمل بن هِشَام.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أَصْحَاب الصّفة) ، قَالَ النَّوَوِيّ: هم زهاد من الصَّحَابَة فُقَرَاء غرباء، كَانُوا يأوون إِلَى مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَت لَهُم فِي آخِره صفة، وَهِي مَكَان مقتطع من الْمَسْجِد مظلل عَلَيْهِ يبيتُونَ فِيهِ، وَكَانُوا يقلون ويكثرون، وَفِي وَقت كَانُوا سبعين، وَفِي وَقت غير ذَلِك، فيزيدون بِمن يقدم عَلَيْهِم وينقصون بِمن يَمُوت أَو يُسَافر أَو يتَزَوَّج. وَفِي (التَّلْوِيح) :

الصّفة، هُوَ مَوضِع مظلل فِي الْمَسْجِد كَانَ للْمَسَاكِين والغرباء، وهم الأوفاض، أَي: الْفرق والأخلاط من النَّاس يأوون إِلَيْهِ، وعدَّ مِنْهُم أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) مائَة ونيفا. قَوْله: (كَانُوا أُنَاسًا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَانُوا نَاسا) ، بِلَا ألف، وَالنَّاس والأناس بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فليذهب بثالث) ، أَي: من أَصْحَاب الصّفة، هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ الْأَصَح من رِوَايَة مُسلم: (فليذهب بِثَلَاثَة) ، لِأَن ظَاهرهَا صيرورتهم خَمْسَة، وَحِينَئِذٍ لَا يمسك رَمق أحد بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الْإِثْنَيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَو حملت رِوَايَة مُسلم على ظَاهرهَا فسد الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن الَّذِي عِنْده طَعَام إثنين إِذا أكله فِي خَمْسَة لم يكف أحدا مِنْهُم، وَلَا يمسك رمقه، بِخِلَاف الْوَاحِد مَعَ الِاثْنَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالَّذِي فِي مُسلم أَيْضا لَهُ وَجه تَقْدِيره: فليذهب بِمن يتم بِثَلَاثَة، أَو بِتمَام ثَلَاثَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام} (فصلت: ١٠) . أَي: فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم يقل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن طَعَام الْإِثْنَيْنِ يشْبع الثَّلَاثَة. إِنَّمَا قَالَ: يَكْفِي، وَهُوَ غير الشِّبَع، وَكَانَت الْمُوَاسَاة إِذْ ذَاك وَاجِبَة لشدَّة الْحَال. قَوْله: (وَإِن أَربع فخامس أَو سادس) أَي: وَإِن كَانَ عِنْده طَعَام أَربع فليذهب بخامس أَو بسادس، هَذَا وَجه الْجَرّ فِي: خامسٍ وسادسٍ، ويروى برفعهما، فوجهه كَذَلِك لَكِن بِإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ أَربع اعراب الْمُضَاف وَهُوَ: طَعَام، وبإضمار مُبْتَدأ للفظ: خَامِس. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (من كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فليذهب بخامس بسادس) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ يتَصَوَّر السَّادِس إِذا كَانَ عِنْده طَعَام أَربع؟ قلت: مَعْنَاهُ: فليذهب بخامس أَو بسادس مَعَ الْخَامِس، وَالْعقل يدل عَلَيْهِ، إِذْ السَّادِس يسْتَلْزم خَامِسًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فليذهب بِوَاحِد أَو بإثنين، وَالْحَاصِل أَن: أَو: لَا تدل على منع الْجمع بَينهمَا، وَيحْتَمل أَن يكون معنى: أَو سادس، وَأَن كَانَ عِنْده طَعَام خمس فليذهب بسادس، فَيكون من بَاب عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة. وَقَالَ ابْن مَالك: هَذَا الحَدِيث مِمَّا حذف فِيهِ بعد: أَن وَالْفَاء، فعلان وحرفا جرٍ باقٍ عملهما، وَتَقْدِيره: وَإِن قَامَ بأَرْبعَة فليذهب بخامس أَو بسادس، وَفِي (التَّوْضِيح) : كلمة: أَو، للتنويع وَقيل: للْإِبَاحَة. قَوْله: (وَانْطَلق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ هُنَا: انْطلق، وَعَن أبي بكر قَالَ: جَاءَ لِأَن الْمَجِيء هُوَ الْمَشْي المقرب إِلَى الْمُتَكَلّم. والانطلاق الْمَشْي المبعد عَنهُ. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن (فَهُوَ أَنا وَأبي وَأمي) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فَهُوَ أَنا وَأمي) . وَقَوله: وَقَوله هُوَ ضمير الشان وانا مُبْتَدأ وَأبي وَأمي عطف عَلَيْهِ وَخَبره مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق قَوْله (وَلَا ادري) كَلَام ابي عُثْمَان النَّهْدِيّ الرَّاوِي قَوْله (وخادم) ، بِالرَّفْع عطف على: امْرَأَتي، على تَقْدِير: أَن يكون لفظ: إمرأتي مَوْجُودا فِيهِ، وإلَاّ فَهُوَ عطف على: أُمِّي، قَوْله: (بَين بيتنا وَبَيت أبي بكر) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: (بَيْننَا وَبَين أبي بكر) يَعْنِي: مُشْتَرك خدمتها بَيْننَا وَبَين أبي بكر. وَقَوله: بَين، ظرف لخادم. قَوْله: (تعشى) أَي: أكل الْعشَاء، وَهُوَ بِفَتْح الْعين: الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل آخر النَّهَار. قَوْله: (ثمَّ لبث) أَي: فِي دَاره. قَوْله: (حَتَّى صليت) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، يَعْنِي لفظ: حَتَّى، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حَيْثُ صليت) ، قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (ثمَّ رَجَعَ) أَي: إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِي (صَحِيح) الْإِسْمَاعِيلِيّ، (ثمَّ ركع) ، بِالْكَاف أَي: صلى النَّافِلَة بعد الْعشَاء، فَدلَّ هَذَا على أَن قَول البُخَارِيّ: ثمَّ رَجَعَ، لَيْسَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الروَاة. قَوْله: (حَتَّى تعشى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَعند مُسلم: (حَتَّى نعس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَوْله: (قَالَت لَهُ) أَي لأبي بكر (امْرَأَته) وَهِي: أم رُومَان، بِضَم الرَّاء وَفتحهَا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا: دعد، وَقَالَ غَيره: زَيْنَب، وَهِي من بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة. قَوْله: أَو ضيفك) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (ضيفك) . فَأن قلت: هم كَانُوا ثَلَاثَة، فَلم أفرد؟ قلت: هُوَ لفظ الْجِنْس يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير، أَو مصدر يتَنَاوَل الْمثنى وَالْجمع. انْتهى. قلت: هَذَا السُّؤَال على أَن نسخته كَانَت: ضيفك، بِدُونِ. قَوْله: (أضيافك) ، وَلَكِن قَوْله: أَو مصدر، غير صَحِيح لفساد الْمَعْنى. قَوْله: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِم) الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة. ويروى: عشيتهم، بِالْيَاءِ الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (أَبَوا) أَي: امْتَنعُوا، وامتناعهم من الْأكل رفقا بِهِ لظنهم أَنه لَا يجد عشَاء، فصبروا حَتَّى يَأْكُل مَعَهم. قَوْله: (قد عرضوا) بِفَتْح الْعين أَي: الْأَهْل من: الابْن وَالْمَرْأَة وَالْخَادِم. وَفِي رِوَايَة (فعرضنا عَلَيْهِم) ، ويروى: (قد عرضوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: (قد عرصوا) ، بالصَّاد الْمُهْملَة. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا أعلم وَجها، وَيحْتَمل أَن يكون من: عرص إِذا نشط، فَكَأَن أهل الْبَيْت نشطوا فِي الْعَزِيمَة عَلَيْهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بِضَم الْعين أَي: عرض الطَّعَام على الأضياف، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، أَو هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت الْحَوْض على النَّاقة. قَوْله: (قَالَ فَذَهَبت) ، أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فاختبأت أَي: اختفيت، وَكَانَ اختفاؤه خوفًا من خصام

أَبِيه لِأَنَّهُ لم يكن فِي الْمنزل من الرِّجَال غَيره، أَو لِأَنَّهُ أوصاه بهم. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو بكر: (يَا غنثر) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَضمّهَا أَيْضا، قَالَ ابْن قرقول: مَعْنَاهُ: يَا لئيم يَا دنيء. وَقيل: الثقيل الوخم. وَقيل: الْجَاهِل، من الغثارة وَهِي الْجَهْل، وَالنُّون زَائِدَة. وَقيل: مَأْخُوذ من الغثر وَهُوَ السُّقُوط. وَقَالَ عِيَاض: وَعَن بعض الشُّيُوخ: يَا عنتر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ: الذُّبَاب الْأَزْرَق، شبهه بِهِ تحقيرا لَهُ، وَالْأول هُوَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، قَالَه النَّوَوِيّ. قَوْله: (فجدع) ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة، أَي: دَعَا بالجدع، وَهُوَ قطع الْأنف أَو الْأذن أَو الشّفة، وَهُوَ بالأنف أخص. وَقيل: مَعْنَاهُ السب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ الْبعد لقَوْله: فجدع وَسَب، وَقَالَ ابْن قرقول: وَعند الْمروزِي بالزاي قَالَ: وَهُوَ وهم. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وكل ذَلِك من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ابْنه ظنا مِنْهُ أَنه فرط فِي حق الأضياف، فَلَمَّا تبين لَهُ أَن ذَلِك كَانَ من الأضياف أدَّبهم بقوله: (كلوا لَا هَنِيئًا) ، وَحلف أَن لَا يطعمهُ. وَقيل: إِنَّه لَيْسَ بِدُعَاء عَلَيْهِم إِنَّمَا هُوَ خبر، أَي: لم تتهنوا بِهِ فِي وقته. وَقَالَ السفاقسي: إِنَّمَا خَاطب بذلك أَهله لَا أضيافه. و: هَنِيئًا، مَنْصُوب على أَن فعله مَحْذُوف وَاجِب حذفه فِي السماع، وَالتَّقْدِير: هُنَاكَ الله هَنِيئًا، وهنيئا دخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي. قَوْله: (وأيم الله) ، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: ايم الله قسمي، وهمزته همزَة وصل لَا يجوز فِيهَا الْقطع عِنْد الْأَكْثَرين، وَالْأَصْل فِيهِ: يَمِين الله، ثمَّ جمع الْيَمين على أَيمن، وَلما كثر اسْتِعْمَاله فِي كَلَامهم خففوه بِحَذْف النُّون فَقَالُوا: ايم الله، وَفِيه لُغَات قد ذَكرنَاهَا فِي: بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم. قَوْله: (إلَاّ رَبَا) أَي: زَاد. قَوْله: (وَصَارَت) أَي: الْأَطْعِمَة. قَوْله: (أَكثر مِمَّا كَانَت) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِالْبَاء الْمُوَحدَة: أكبر، قَوْله: (فَإِذا هِيَ كَمَا هِيَ) ، أَي: فَإِذا الْأَطْعِمَة كَمَا هِيَ على حَالهَا لم تنقص شَيْئا، وَالْفَاء فِيهِ: فَاء المفاجأة. قَوْله: (فَقَالَ لامْرَأَته) ، أَي: فَقَالَ أَبُو بكر لزوجته. وَهِي: أم عبد الرَّحْمَن وَأم رُومَان. قَوْله: (يَا أُخْت بني فراس) إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك لِأَنَّهَا زَيْنَب بنت دهمان، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، أحد بني فراس بن غنم بن مَالك بن كنَانَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ يَا من هِيَ من بني فراس. قَوْله: (مَا هَذَا؟) اسْتِفْهَام من أبي بكر عَن حَال الْأَطْعِمَة. قَوْله: (قَالَت: لَا وقرة عَيْني) ، كلمة: لَا، زَائِدَة للتَّأْكِيد، ونظائره مَشْهُورَة، وَيحْتَمل أَن تكون: لَا، نَافِيَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَي: لَا شَيْء غير مَا أَقُول، وَهُوَ قَوْلهَا: وقرة عَيْني، و: الْوَاو، فِيهِ وَاو الْقسم، و: قُرَّة الْعين، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: يعبر بهَا عَن المسرة، ورؤية مَا يحب الْإِنْسَان. قيل: إِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَن عينه تقر لبلوغ أمْنِيته، وَلَا يستشرف لشَيْء فَيكون مشتقا من الْقَرار. وَقيل: مَأْخُوذ من القر، بِالضَّمِّ، وَهُوَ: الْبرد، أَي: إِن عينه بَارِدَة لسرورها وَعدم تقلقها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أقرّ الله عينه، أَي: أبرد دمعه لِأَن دمعة الْفَرح بَارِدَة ودمعة الْحزن حارة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرَادَت بقرَّة عينهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأقسمت بِهِ. وَقَالَ ثَعْلَب: تَقول قررت بِهِ عينا أقرّ. وَفِي (الْغَرِيب المُصَنّف) و (الْإِصْلَاح) : قررت وقررت قُرَّة وقرورا. وَفِي (كتاب الْمثنى) لِابْنِ عديس: وقرة، وَحَكَاهُ ابْن سَيّده، وَفِي (الصِّحَاح) : تقر وتقر، وَأقر الله عينه: أعطَاهُ حَتَّى تقر، فَلَا تطمح إِلَى من هُوَ فَوْقه. وَقَالَ ابْن خالويه: أَي: ضحِكت فَخرج من عَيْني مَاء قرور، وَهُوَ الْبَارِد، وَهُوَ ضد: أسخن الله عينه، قَالَ الْقَزاز: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لَيْسَ كَمَا ذكر الْأَصْمَعِي من أَن دمعة الْفَرح بَارِدَة والحزن حارة، قَالَ: بل كل دمع حَار. قَالُوا: وَمعنى قَوْلهم: هُوَ قُرَّة عَيْني إِنَّمَا يُرِيدُونَ هُوَ: رضى نَفسِي. قَالَ: وقرة الْعين نَاقَة تُؤْخَذ من الْمغنم قبل أَن يقسم فيطبخ لَحمهَا ويصنع فيجتمع أهل الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قبل الْقِسْمَة، فَإِن كَانَ من هَذَا فَكَأَنَّهُ دعى لَهُ بالفرج وَالْغنيمَة. وَفِي (كتاب الفاخر) : قَالَ أَبُو عَمْرو: مَعْنَاهُ أَنَام الله عَيْنك، الْمَعْنى: صَادف سُرُورًا أذهب سهره فَنَامَ، وَحكى القالي: أقرّ الله عَيْنك، وَأقر الله بِعَيْنِك. قَوْله: (فَأكل مِنْهَا) ، أَي: من الْأَطْعِمَة. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) ، يَعْنِي: يَمِينه وَهُوَ قَوْله: (وَالله لَا أطْعمهُ أبدا) ، قَوْله: (ثمَّ أكل مِنْهَا لقْمَة) ، وتكرار الْأكل مَعَ أَنه وَاحِد لأجل الْبَيَان. لِأَنَّهُ لما وَقع الأول أَرَادَ الْإِبْهَام بِأَنَّهُ أكل لقْمَة، أما تَركه الْيَمين ومخالفته لأجل إِتْيَانه بالأفضل، للْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ، أَو كَانَ مُرَاده لَا أطْعمهُ مَعكُمْ، أَو: فِي هَذِه السَّاعَة، أَو: عِنْد الْغَضَب، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَنه يقبل التَّقْيِيد إِذا كَانَ اللَّفْظ عَاما، وعَلى أَن الِاعْتِبَار لعُمُوم اللَّفْظ أَو لخُصُوص السَّبَب. قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من الشَّيْطَان) وَفِي رِوَايَة: الأولى من الشَّيْطَان يَعْنِي، يَمِينه، فأخزاه بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خير، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (لما جَاءَ بالقصعة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكل مِنْهَا) . قَوْله: (فَأَصْبَحت عِنْده) أَي: أَصبَحت الْأَطْعِمَة عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عقد) أَي: عهد مهادنة، وَفِي

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56