الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 573
الحديث رقم 573 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل صلاة الفجر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ:
كان الصحابةُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ فنَظَرَ إلى القمر -ليلة الرابع عشر-، فقال:
إنَّ المؤمنين سيرون ربَّهم حقيقةً بالعين دون اشتباه، وأنهم لا يتزاحمون ولا يصيبهم تعب ولا مشقة عند رؤيته تعالى.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فإن استطعتم قطعَ الأسبابِ التي تَصرفُكم عن صلاةِ الفجر وصلاةِ العصر فافعلوا، وأتوا بهما كاملتين في وقتهما في جماعة، فإن ذلك من أسباب النظر إلى وجه الله عز وجل،
ثم قرأ صلى الله عليه وسلم الآية:
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذَا ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ صَارَتْ قَضَاءً. قَالَ: وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ.
قُلْتُ: وَعُمُومُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ فِي الْمَغْرِبِ فَلِلْإِصْطَخْرِيِّ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْعِشَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِقَيْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ التَّأْخِيرِ وَالتَّوْقِيتِ لَمَّا جَاءَتْ مَرَّةً مُقَيَّدَةً بِالثُّلُثِ وَأُخْرَى بِالنِّصْفِ كَانَ النِّصْفُ غَايَةَ التَّأْخِيرِ، وَلَمْ أَرَ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ حَدِيثًا صَرِيحًا يَثْبُتُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، ووَقَعَ لِأَبِي الْوَقْتُ وَغَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بِغَيْرِ صِيغَةِ أَدَاءٍ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ، يُكَنَّى أَبَا زِيَادٍ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْعِشَاءِ) زَادَ مُسْلِمٌ لَيْلَةً وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَدْ صَلَّى النَّاسُ) أَيِ الْمَعْهُودُونَ مِمَّنْ صَلَّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ الْمِصْرِيَّ، وَمُرَادُهُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِلْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَخْ) الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ لِقَوْلِهِ زَادَ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا عَالِيًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخْلِصِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِسَنَدِهِ وَأَوَّلُهُ: سَأَلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ الْعِشَاءَ فَذَكَرَهُ، وَفِي آخِرِهِ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ الْوَبِيصُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الْبَرِيقُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَى الْخَاتَمِ وَلُبْسِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٦ - بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ - أَوْ لَا تُضَاهُونَ - فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عن، حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. . . مِثْلَهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٧٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهدٍ (قَالَ: حدَّثنا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ابن أبي خالد قال: (حدَّثنا قَيْسٌ) هو ابن أبي حازم (قَالَ (١) جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي الوقت (٢) وابن عساكر: «قال: قال جرير بن عبد الله» وللأَصيليِّ: «قال: قَالَ لِي جرير بن عبد الله» (٣): (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ) بتخفيف ميم «أما إنَّكم» والَّذي في «اليونينيَّة» بالتَّشديد فقط (٤) (سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا) القمر (لَا تُضَامُّونَ) بضمِّ أوَّله، وتخفيف الميم وتشديدها، أي: لا ينالكم ضيمٌ (أَوْ لَا) وفي روايةٍ: «أو قال: لا»
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَالَ أخَّرَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاء إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ ونامُوا أمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي الْكُوفِي، ويكنى أَبَا زِيَاد، وَهُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله: (الْمحَاربي) ، بِضَم الْمِيم وإهمال الْحَاء وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ نِسْبَة إِلَى: محَارب ابْن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف، وَقد تقدم. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا إلَاّ هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قد صلى النَّاس) ، أَي: المعهودون من الْمُسلمين إِذْ ذَاك. قَوْله: ((أما إِنَّكُم) ، بتَخْفِيف الْمِيم حرف التَّنْبِيه. قَوْله: (مَا انتظرتموها) أَي: مُدَّة انتظاركم، وَالْمعْنَى: أَن الرجل إِذا انْتظر الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ فِي نفس الصَّلَاة.
وزَادَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا قَالَ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ
وَهَذَا تَعْلِيق نبه بِهِ على أَن حميد الطَّوِيل سمع أنسا، وَذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي اللبَاس بِلَفْظ: وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب عَن حميد ... فَذكره. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَوَصله الْبَغَوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم. . إِلَى آخِره، وَأول الحَدِيث: (سُئِلَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَل اتخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتمًا؟ قَالَ: نعم، أخر الْعشَاء) . فَذكره وَفِي آخِره: (فَكَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص خَاتمه ليلتئذ) . وَابْن أبي مَرْيَم: هُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ. قَوْله: (وبيص خَاتمه) ، الوبيص، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة: البريث واللمعان. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وخاتام وخيتام. قَوْله: (ليلتئذ) أَي: لَيْلَة إِذْ أخر الصَّلَاة، والتنوين عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ.
٢٦ - (بابُ فَضْلِ صَّلَاةِ الفَجْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع فِي رِوَايَة غَيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم تظهر مُنَاسبَة لفظ الحَدِيث فِي هَذَا الْموضع، وَقد يُقَال: الْغَرَض مِنْهُ بَاب كَذَا: وَبَاب الحَدِيث الْوَارِد فِي فضل صَلَاة الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: وَلم يظْهر لي تَوْجِيه لهَذَا: اللَّفْظ، واستبعد تَوْجِيه الْكرْمَانِي، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن هَذَا وهم، وَيدل لذَلِك أَنه ترْجم لحَدِيث جرير إيضا بَاب صَلَاة الْعَصْر بِغَيْر زِيَادَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِيهِ بَاب فضل صَلَاة الْفجْر وَالْعصر، فتحرفت الْكَلِمَة الْأَخِيرَة. قلت: استبعاده كَلَام الْكرْمَانِي بعيد، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يُقَال: تَقْدِير كَلَامه: بَاب فِي بَيَان فضل الْفجْر، وَفِي بَيَان الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَهَذَا أوجه من إدعاء الْوَهم، وَلَا يلْزم من قَوْله: لفظ الحَدِيث فِي بَاب صَلَاة الْفجْر، أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة هَهُنَا وهما، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره بعيد، لِأَن تحرف الْعَصْر بِالْحَدِيثِ بعيد جدا.
فَإِن قلت: فَمَا وَجه خُصُوصِيَّة هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة دون سَائِر الْأَبْوَاب الَّذِي يذكر فِيهَا فَضَائِل الْأَعْمَال؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون وَجه ذَاك أَن صَلَاة الْفجْر إِنَّمَا هِيَ عقيب النّوم، وَالنَّوْم أَخُو الْمَوْت، أَلا ترى كَيفَ ورد أَن يُقَال عِنْد الاستيقاظ من النّوم: (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور) . فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يجْتَهد المستيقظ على أَدَاء صَلَاة الْفجْر شكرا لله على حَيَاته وإعادة روحه إِلَيْهِ، وَيعلم أَن لإقامتها فضلا عَظِيما لوُرُود الْأَحَادِيث فِيهِ، فنبه على ذَلِك بقوله: والْحَدِيث، وَخص هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الزِّيَادَة.
٥٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا قَيْسٌ قَالَ لي جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله كنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ نَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ أمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكم
كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤيَتِهِ فإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا فأفْعَلُوا ثمَّ قَالَ فسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ((على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير، وَهَهُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد عَن قيس ابْن أبي حَازِم، قَالَ: قَالَ لي جرير بن عبد الله، وَهُنَاكَ: قَالَ عَن جرير، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ متعلقات الحَدِيث كلهَا. قَوْله: (أوَ لَا تضاهون) من المضاهاة، وَهِي المشابهة. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وَلَا ترتابون فِيهِ.
٥٧٤ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثني أبُو جَمْرَةَ عنْ أبِي بَكْرٍ بن أبي مُوسَى عنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من صَلى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أحد البردين صَلَاة الْفجْر.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: ثَلَاثَة بصريون بالتوالي. وَفِيه: فِي أبي بكر اخْتلفُوا فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ بعض أهل الْعلم: هُوَ أَبُو بكر بن عمَارَة ابْن رؤيبة الثَّقَفِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَنهُ. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يروي عَن أبي مُوسَى إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَإِنَّمَا يعرف: عَن أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة عَن أَبِيه، وَلَكِن هَكَذَا قَالَ همام، يعنيان بذلك حَدِيث أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة الْمخْرج عِنْد مُسلم بِلَفْظ، قَالَ عمَارَة: (سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) . يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث السّري بن إِسْمَاعِيل عَن الشّعبِيّ عَن عمَارَة بن رؤيبة: (لن يدْخل النَّار من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، وَكَانَ يُبَادر بِصَلَاتِهِ قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (البردين) : تَثْنِيَة برد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، وَالْمرَاد بهما: صَلَاة الْفجْر وَالْعصر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ كثير من الْعلمَاء: البردان الْفجْر وَالْعصر، وسميا بذلك لِأَنَّهُمَا يفْعَلَانِ فِي وَقت الْبرد. وَقَالَ الْخطابِيّ: لِأَنَّهُمَا يصليان فِي بردي النَّهَار، وهما طرفاه حِين يطيب الْهَوَاء وَتذهب سُورَة الْحر. وَقَالَ السفاقسي عَن أبي عُبَيْدَة: المُرَاد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب، وَفِيه نظر لِأَن الْمَذْكُور تَثْنِيَة وَمَعَ هَذَا لم يتبعهُ على هَذَا أحد، وَزعم الْقَزاز أَنه اجْتهد فِي تَمْيِيز هذَيْن الْوَقْتَيْنِ لعظم فائدتهما، فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى أَدخل الْجنَّة كل من صلى تِلْكَ الصَّلَاة مِمَّن آمن بِهِ فِي أول دَعوته، وَبشر بِهَذَا الْخَبَر أَن من صلاهما مَعَه فِي أول فَرْضه إِلَى أَن نسخ لَيْلَة الْإِسْرَاء، أدخلهم الله الْجنَّة كَمَا بَادرُوا إِلَيْهِ من الْإِيمَان تفضلاً مِنْهُ تَعَالَى. انْتهى. قلت: كَلَامه يُؤَدِّي إِلَى أَن هَذَا مَخْصُوص ((لِأُنَاس مُعينين، وَلَا عُمُوم فِيهِ؛ وَأَنه مَنْسُوخ، وَلَيْسَ كَذَلِك من وُجُوه: الأول: أَن رَاوِيه أَبَا مُوسَى سَمعه فِي آواخر الْإِسْلَام، وَأَنه فهم الْعُمُوم، وَكَذَا غَيره فهم ذَلِك لِأَنَّهُ خير فضل لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولأمته. الثَّانِي: أَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. الثَّالِث: أَن كلمة: من، شَرْطِيَّة. وَقَوله: (دخل الْجنَّة) جَوَاب الشَّرْط، فَكل من أَتَى بِالشّرطِ فقد اسْتحق الْمَشْرُوط لعُمُوم كلمة الشَّرْط، وَلَا يُقَال: إِن مَفْهُومه يَقْتَضِي أَن من لم يصلها لم يدْخل الْجنَّة، لأَنا نقُول: الْمَفْهُوم لَيْسَ بِحجَّة وَأَيْضًا فَإِن قَوْله: (دخل الْجنَّة) خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن الْغَالِب أَن من صلاهما وراعاهما، انْتهى. عَمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لِأَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، أَو يكون آخر أمره دُخُول الْجنَّة. وَأما وَجه التَّخْصِيص بهما فَهُوَ لزِيَادَة شرفهما وترغيبا فِي حفظهما لشهود الْمَلَائِكَة فيهمَا، كَمَا تقدم، وَقد مضى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِيهِ
خَطِيئَة حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت الصَّلَاة تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ يحدث فِيهِ) . وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مستقصىً، وَذكرنَا أَيْضا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، والتوفيق بَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِعَادَة إلَاّ فِي بعض الْمَوَاضِع، كَمَا نذكرهُ الأن.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَقَوله: يَقُول: فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل النصب على الْحَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: (فِي جمَاعَة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (تضعف) أَي: تزداد، والتضعيف أَن يُزَاد على أصل الشَّيْء فَيجْعَل بمثلين أَو أَكثر، والضعف بِالْكَسْرِ الْمثل قَوْله: (خَمْسَة وَعشْرين ضعفا) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، ويروى (خمْسا وَعشْرين) ، ووجهها أَن يؤول الضعْف بالدرجة أَو بِالصَّلَاةِ، تَوْضِيحه أَن: ضعفا، مُمَيّز مُذَكّر فَتجب التَّاء فَقيل بالتأويل الْمَذْكُور، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِن وجوب التَّاء فِيمَا إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا، وَإِذا لم يكن مَذْكُورا يَسْتَوِي فِيهِ التَّاء وَعدمهَا، وَهَهُنَا مُمَيّز الْخمس غير مَذْكُور فَجَاز الْأَمْرَانِ فَإِن قلت: يَقْتَضِي قَوْله: (فِي بَيته وَفِي سوقه) أَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جمَاعَة تزيد على الصَّلَاة فِي الْبَيْت، وَفِي السُّوق، سَوَاء كَانَت جمَاعَة أَو فُرَادَى، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا خَارج مخرج الْغَالِب، لِأَن من لم يحضر الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي مُنْفَردا فِي بَيته أَو سوقه، وَأما الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيته جمَاعَة فَلهُ الْفضل فِيهَا على صلَاته مُنْفَردا بِلَا نزاع. قَوْله: (وَذَلِكَ) ، إِشَارَة إِلَى التَّضْعِيف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تضعف) : يَعْنِي: التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَببه أَنه إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (إلَاّ الصَّلَاة) أَي: قصد الصَّلَاة فِي جمَاعَة. قَوْله: (لم يخط) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الطَّاء. قَوْله: (خطْوَة) ، يجوز فِيهِ ضم الْخَاء وَفتحهَا، وَجزم الْيَعْمرِي بِأَنَّهَا هَهُنَا بِالْفَتْح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسلم بِالضَّمِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطوة، بِالضَّمِّ: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وبالفتح: الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (فَإِذا صلى) المُرَاد بِهِ: فَإِذا صلى الصَّلَاة التَّامَّة ليستحق هَذِه الْفَضَائِل. قَوْله: (مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. وَهَذَا خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَلَو قَامَ فِي بقْعَة أُخْرَى من الْمَسْجِد مستمرا على نِيَّة انْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك. قَوْله: (اللَّهُمَّ ارحمه) ، أَي: لم تزل الْمَلَائِكَة يصلونَ عَلَيْهِ حَال كَونهم قائلين: يَا الله إرحمه. وَزَاد ابْن مَاجَه: (اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من ذَلِك: الدّلَالَة على أَفضَلِيَّة الصَّلَاة على غَيرهَا من الْأَعْمَال، لِأَن فِيهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة على فاعلها ودعاءهم لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة. وَمِنْه: الدّلَالَة على تَفْضِيل صالحي النَّاس على الْمَلَائِكَة لأَنهم يكونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بعبادتهم، وَالْمَلَائِكَة يشتغلون بالاستغفار وَالدُّعَاء لَهُم. كَذَا قيل قلت: هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن خَواص بني آدم، وهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل من الْمَلَائِكَة، وعوامهم أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام بني آدم. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْجَمَاعَة لَيست شرطا لصِحَّة الصَّلَاة، لِأَن قَوْله على صلَاته وَحده، يدل على صِحَة صلَاته مُنْفَردا لاقْتِضَاء صِيغَة: أفعل التَّفْضِيل، الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفَاضُل، فَذَلِك يَقْتَضِي وجود الْفَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرد، لِأَن مَا لَا يَصح من الصَّلَاة لَا فَضِيلَة فِيهِ. وَفِيه: رد على دَاوُد وَمن تبعه فِي اشتراطهم الْجَمَاعَة فِي صِحَة الصَّلَاة.
٣١ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة وَذكر التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا مُطلقَة إِشَارَة إِلَى زِيَادَة خُصُوصِيَّة الْفجْر بالفضيلة.
٦٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الليْلِ
وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ فاقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا. .
قَالَ شُعَيْبٌ وحدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ تَفْضُلُهَا تَكْمِلَة الحَدِيث بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (انْظُر الحَدِيث ٦٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار) ، فَإِنَّهُ يدل على مزية لصَلَاة الْفجْر على غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر لطائف أسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل) أَي: تزيد صَلَاة الْجَمِيع الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي: لَا، بِمَعْنى اللَّام. فَافْهَم. قَوْله: (بِخَمْسَة وَعشْرين جزأ) ، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ. وَقيل: وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ: (خمس وَعشْرين) ، بِدُونِ الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِدُون الْهَاء فِي آخِره، وَأول بِأَن لفظ: خمس، مجرور بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ: الْبَاء، كَمَا وَقع فِي نَظِيره فِي قَول الشَّاعِر:
(أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع)
وَتَقْدِيره: إِلَى كُلَيْب. وَأما حذف الْهَاء فعلى تَأْوِيل الْجُزْء بالدرجة. قلت: وَأما لِأَن الْمُمَيز غير مَذْكُور، وَهَهُنَا مُمَيّز: خمس، غير مَذْكُور. قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَهُوَ الْمُوجب لتفضيل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وَكَذَا فِي صَلَاة الْعَصْر أَيْضا،، فَلذَلِك حث الشَّارِع على الْمُحَافظَة عَلَيْهِمَا ليَكُون من حضرهما ترفع الْمَلَائِكَة عمله وَتشفع لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُمكن أَن يكون اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا هما الدرجتان الزائدتان على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جزأ فِي سَائِر الصَّلَوَات الَّتِي لَا تَجْتَمِع الْمَلَائِكَة فِيهَا. قَوْله: (قُرْآن الْفجْر) ، كِنَايَة عَن صَلَاة الْفجْر، لِأَن الصَّلَاة مستلزمة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (مشهودا) أَي: محضورا فِيهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الأول فتقديره: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وحَدثني نَافِع، أَي: بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعا نَحوه إلَاّ أَنه قَالَ: (بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) ، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة مَالك وَغَيره من نَافِع، وَطَرِيق شُعَيْب هَذِه مَوْصُولَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن تكون معلقَة وَهُوَ بعيد، بل هِيَ معطوفة على الاسناد الاول وَالتَّقْدِير حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب انْتهى (قلت) استبعاده قَول الْكرْمَانِي بعيد لِأَنَّهُ مَا حكم بِالْجَزْمِ بل بِالِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ بِحَسب الظَّاهِر، بل الْقَرِيب مَا ذكره ويقويه أَن طَرِيق شُعَيْب هَذِه لم تَرَ إلَاّ عِنْد البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل: لم يستخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم وَلَا أوردهَا الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين فِي تَرْجَمَة شُعَيْب.
٦٥٠ - حدَّثنا حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأَعْمشُ قَالَ سَمِعْتُ سالِما قَالَ سَمِعْتُ أم الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقلْتُ مَا أغْضَبَكَ فَقَالَ وَالله مَا أعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا إلَاّ أنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَعمال الَّذين يصلونَ بِالْجَمَاعَة قد وَقع فِيهَا النَّقْص والتغيير مَا خلا صلَاتهم بِالْجَمَاعَة، وَلم يَقع فِيهَا شَيْء من ذَلِك، فَدلَّ ذَلِك على أَن فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفجْر، وَالَّذِي يفهم من هَذَا الحَدِيث أَعم من ذَلِك، فَكيف يكون التطابق؟ قلت: إِذا طابق جُزْء من الحَدِيث التَّرْجَمَة يَكْفِي، وَمثل هَذَا وَقع لَهُ كثيرا فِي هَذَا الْكتاب.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء، الَّتِي اسْمهَا: هجيمة، وَهِي أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية، لَا الْكُبْرَى الَّتِي اسْمهَا: خيرة، وَهِي الصحابية. وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن الْكُبْرَى مَاتَت فِي حَيَاة أبي الدَّرْدَاء، وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بعده بِزَمَان طَوِيل، وَقد جزم أَبُو حَاتِم بِأَن سَالم بن أبي الْجَعْد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء، فعلى هَذَا لم يدْرك أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أم الدَّرْدَاء هِيَ: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان.
قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه: عُوَيْمِر بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: التَّابِعِيّ عَن التابعية. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة كوفيون.
وَهَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مغضب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا أعرف من أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (من مُحَمَّد) بِدُونِ لَفْظَة: أمة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال وَمن تبعه، فَقَالَ: يُرِيد من شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا لم يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إلَاّ الصَّلَاة فِي جمَاعَة، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (من أَمر مُحَمَّد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَكَذَا سَاقه الْحميدِي فِي (جمعه) ، وَكَذَا هُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) و (مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم) : من طرق عَن الْأَعْمَش، وَعِنْدهم بِلَفْظ: (مَا أعرف فيهم) ، أَي: فِي أهل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاء قيل: كَانَ لفظ: فيهم، لما حذف من رِوَايَة البُخَارِيّ صحف بعض النقلَة لفظ: أَمر، بِلَفْظَة: أمة، ليعود الضَّمِير فِي: أَنهم، على الْأمة. قلت: لَا مَحْذُور فِي كَون لَفْظَة: امة، بل الظَّاهِر هَذَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يصلونَ جَمِيعًا) ، أَي: مُجْتَمعين، وانتصابه على الْحَال، ومفعول: يصلونَ، مَحْذُوف تَقْدِيره، يصلونَ الصَّلَاة أَو الصَّلَوَات.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْغَضَب عِنْد تغير شَيْء من أُمُور الدّين، وَجَوَاز إِنْكَار الْمُنكر بِالْغَضَبِ إِذا لم يسْتَطع أَكثر من ذَلِك.
٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْظَمُ النَّاسِ أجْرا فِي الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ فأبْعَدُهُمْ مَمْشًى والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمَام أعْظَمُ أجْرا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى) ، بَيَان ذَلِك أَنه بَين فِيهِ أَن سَبَب أعظمية الْأجر فِي الصَّلَاة هُوَ: بعد الممشى، وَهُوَ الْمسَافَة، وَذَلِكَ لوُجُود الْمَشَقَّة فِيهِ. وَقد علم أَن أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فَكل صَلَاة تُوجد فِيهَا الْمَشَقَّة من حَيْثُ بعد الممشى فَهِيَ أعظم أجرا وَأفضل من الصَّلَاة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا ذَلِك، فينتج من ذَلِك أَن صَلَاة الْفجْر إِذا كَانَ فِيهَا بُعْد الممشى مَعَ كَونه عقيب النّوم الَّذِي فِيهِ رَاحَة للبدن، مَعَ مصادفة الظلمَة أَحْيَانًا تكون أعظم أجرا وَأفضل من غَيرهَا، فبهذه الْحَيْثِيَّة طابق هَذَا الحَدِيث التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: تشاركها الْعشَاء فِي ذَلِك مَعَ دلَالَة آخر الحَدِيث على ذَلِك؟ قلت: نعم تشاركها فِي وجود تِلْكَ الْمَشَقَّة، وَلَا تشاركها فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا تشاركها مُطلقًا فَلَا يضر ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ مُطَابقَة مَا بَين الحَدِيث والترجمة، وَهِي مَوْجُودَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر فِيهِ الْكِفَايَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا أَكْثَره بعض الشُّرَّاح من كَلَام فِيهِ مَا فِيهِ من حرارة فِي الْقلب من الْحَسَد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فيي: بَاب من علم، لَكِن ذكر أَبُو أُسَامَة ثمَّة باسمه حَمَّاد، وَهَهُنَا بكنيته، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه: عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى واسْمه: عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجرا) نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أبعدهم) بِالرَّفْع خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي. قَوْله: (أعظم النَّاس) . قَوْله: (فأبعدهم) ، الْفَاء فِيهِ للاستمرار، كَمَا فِي قَوْلهم الأمثل فالأمثل، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يذكر أحد من النُّحَاة أَن الْفَاء تَجِيء بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار، وَلَكِن يُمكن أَن تكون الْفَاء هَهُنَا للتَّرْتِيب مَعَ تفَاوت من بعض الْوُجُوه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا: أَن تدل على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه:
(يَا لهف زيابة لِلْحَارِثِ الصابح ... فالغانم فالآيب)
أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب. وَالثَّانِي: تدل على ترتيبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه، نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل، واعمل الْأَحْسَن فالأجمل. وَالثَّالِث: أَن تدل على تَرْتِيب موصوفاتها فِي ذَلِك، نَحْو: رحم الله المحلقين
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذَا ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ صَارَتْ قَضَاءً. قَالَ: وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ.
قُلْتُ: وَعُمُومُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ فِي الْمَغْرِبِ فَلِلْإِصْطَخْرِيِّ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْعِشَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِقَيْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ التَّأْخِيرِ وَالتَّوْقِيتِ لَمَّا جَاءَتْ مَرَّةً مُقَيَّدَةً بِالثُّلُثِ وَأُخْرَى بِالنِّصْفِ كَانَ النِّصْفُ غَايَةَ التَّأْخِيرِ، وَلَمْ أَرَ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ حَدِيثًا صَرِيحًا يَثْبُتُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، ووَقَعَ لِأَبِي الْوَقْتُ وَغَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بِغَيْرِ صِيغَةِ أَدَاءٍ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ، يُكَنَّى أَبَا زِيَادٍ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْعِشَاءِ) زَادَ مُسْلِمٌ لَيْلَةً وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَدْ صَلَّى النَّاسُ) أَيِ الْمَعْهُودُونَ مِمَّنْ صَلَّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ الْمِصْرِيَّ، وَمُرَادُهُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِلْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَخْ) الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ لِقَوْلِهِ زَادَ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا عَالِيًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخْلِصِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِسَنَدِهِ وَأَوَّلُهُ: سَأَلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ الْعِشَاءَ فَذَكَرَهُ، وَفِي آخِرِهِ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ الْوَبِيصُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الْبَرِيقُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَى الْخَاتَمِ وَلُبْسِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٦ - بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ - أَوْ لَا تُضَاهُونَ - فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عن، حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. . . مِثْلَهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٧٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهدٍ (قَالَ: حدَّثنا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ابن أبي خالد قال: (حدَّثنا قَيْسٌ) هو ابن أبي حازم (قَالَ (١) جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي الوقت (٢) وابن عساكر: «قال: قال جرير بن عبد الله» وللأَصيليِّ: «قال: قَالَ لِي جرير بن عبد الله» (٣): (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ) بتخفيف ميم «أما إنَّكم» والَّذي في «اليونينيَّة» بالتَّشديد فقط (٤) (سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا) القمر (لَا تُضَامُّونَ) بضمِّ أوَّله، وتخفيف الميم وتشديدها، أي: لا ينالكم ضيمٌ (أَوْ لَا) وفي روايةٍ: «أو قال: لا»
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَالَ أخَّرَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ العِشَاء إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ ونامُوا أمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة صَرِيحًا.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي الْكُوفِي، ويكنى أَبَا زِيَاد، وَهُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله: (الْمحَاربي) ، بِضَم الْمِيم وإهمال الْحَاء وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ نِسْبَة إِلَى: محَارب ابْن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. الثَّانِي: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف، وَقد تقدم. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا إلَاّ هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قد صلى النَّاس) ، أَي: المعهودون من الْمُسلمين إِذْ ذَاك. قَوْله: ((أما إِنَّكُم) ، بتَخْفِيف الْمِيم حرف التَّنْبِيه. قَوْله: (مَا انتظرتموها) أَي: مُدَّة انتظاركم، وَالْمعْنَى: أَن الرجل إِذا انْتظر الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ فِي نفس الصَّلَاة.
وزَادَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا قَالَ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ
وَهَذَا تَعْلِيق نبه بِهِ على أَن حميد الطَّوِيل سمع أنسا، وَذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا فِي اللبَاس بِلَفْظ: وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب عَن حميد ... فَذكره. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَوَصله الْبَغَوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم. . إِلَى آخِره، وَأول الحَدِيث: (سُئِلَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَل اتخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتمًا؟ قَالَ: نعم، أخر الْعشَاء) . فَذكره وَفِي آخِره: (فَكَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص خَاتمه ليلتئذ) . وَابْن أبي مَرْيَم: هُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ. قَوْله: (وبيص خَاتمه) ، الوبيص، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة: البريث واللمعان. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وخاتام وخيتام. قَوْله: (ليلتئذ) أَي: لَيْلَة إِذْ أخر الصَّلَاة، والتنوين عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ.
٢٦ - (بابُ فَضْلِ صَّلَاةِ الفَجْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع فِي رِوَايَة غَيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم تظهر مُنَاسبَة لفظ الحَدِيث فِي هَذَا الْموضع، وَقد يُقَال: الْغَرَض مِنْهُ بَاب كَذَا: وَبَاب الحَدِيث الْوَارِد فِي فضل صَلَاة الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: وَلم يظْهر لي تَوْجِيه لهَذَا: اللَّفْظ، واستبعد تَوْجِيه الْكرْمَانِي، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن هَذَا وهم، وَيدل لذَلِك أَنه ترْجم لحَدِيث جرير إيضا بَاب صَلَاة الْعَصْر بِغَيْر زِيَادَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِيهِ بَاب فضل صَلَاة الْفجْر وَالْعصر، فتحرفت الْكَلِمَة الْأَخِيرَة. قلت: استبعاده كَلَام الْكرْمَانِي بعيد، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يُقَال: تَقْدِير كَلَامه: بَاب فِي بَيَان فضل الْفجْر، وَفِي بَيَان الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَهَذَا أوجه من إدعاء الْوَهم، وَلَا يلْزم من قَوْله: لفظ الحَدِيث فِي بَاب صَلَاة الْفجْر، أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة هَهُنَا وهما، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره بعيد، لِأَن تحرف الْعَصْر بِالْحَدِيثِ بعيد جدا.
فَإِن قلت: فَمَا وَجه خُصُوصِيَّة هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة دون سَائِر الْأَبْوَاب الَّذِي يذكر فِيهَا فَضَائِل الْأَعْمَال؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون وَجه ذَاك أَن صَلَاة الْفجْر إِنَّمَا هِيَ عقيب النّوم، وَالنَّوْم أَخُو الْمَوْت، أَلا ترى كَيفَ ورد أَن يُقَال عِنْد الاستيقاظ من النّوم: (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور) . فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يجْتَهد المستيقظ على أَدَاء صَلَاة الْفجْر شكرا لله على حَيَاته وإعادة روحه إِلَيْهِ، وَيعلم أَن لإقامتها فضلا عَظِيما لوُرُود الْأَحَادِيث فِيهِ، فنبه على ذَلِك بقوله: والْحَدِيث، وَخص هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الزِّيَادَة.
٥٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا قَيْسٌ قَالَ لي جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله كنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ نَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ أمَا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكم
كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أوْ لَا تُضَاهُونَ فِي رُؤيَتِهِ فإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا فأفْعَلُوا ثمَّ قَالَ فسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْس وقَبْلَ غُرُوبِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ((على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير، وَهَهُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد عَن قيس ابْن أبي حَازِم، قَالَ: قَالَ لي جرير بن عبد الله، وَهُنَاكَ: قَالَ عَن جرير، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ متعلقات الحَدِيث كلهَا. قَوْله: (أوَ لَا تضاهون) من المضاهاة، وَهِي المشابهة. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وَلَا ترتابون فِيهِ.
٥٧٤ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثني أبُو جَمْرَةَ عنْ أبِي بَكْرٍ بن أبي مُوسَى عنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من صَلى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أحد البردين صَلَاة الْفجْر.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: هدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: ثَلَاثَة بصريون بالتوالي. وَفِيه: فِي أبي بكر اخْتلفُوا فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ بعض أهل الْعلم: هُوَ أَبُو بكر بن عمَارَة ابْن رؤيبة الثَّقَفِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَنهُ. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يروي عَن أبي مُوسَى إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَإِنَّمَا يعرف: عَن أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة عَن أَبِيه، وَلَكِن هَكَذَا قَالَ همام، يعنيان بذلك حَدِيث أبي بكر بن عمَارَة بن رؤيبة الْمخْرج عِنْد مُسلم بِلَفْظ، قَالَ عمَارَة: (سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) . يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث السّري بن إِسْمَاعِيل عَن الشّعبِيّ عَن عمَارَة بن رؤيبة: (لن يدْخل النَّار من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، وَكَانَ يُبَادر بِصَلَاتِهِ قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (البردين) : تَثْنِيَة برد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، وَالْمرَاد بهما: صَلَاة الْفجْر وَالْعصر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ كثير من الْعلمَاء: البردان الْفجْر وَالْعصر، وسميا بذلك لِأَنَّهُمَا يفْعَلَانِ فِي وَقت الْبرد. وَقَالَ الْخطابِيّ: لِأَنَّهُمَا يصليان فِي بردي النَّهَار، وهما طرفاه حِين يطيب الْهَوَاء وَتذهب سُورَة الْحر. وَقَالَ السفاقسي عَن أبي عُبَيْدَة: المُرَاد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب، وَفِيه نظر لِأَن الْمَذْكُور تَثْنِيَة وَمَعَ هَذَا لم يتبعهُ على هَذَا أحد، وَزعم الْقَزاز أَنه اجْتهد فِي تَمْيِيز هذَيْن الْوَقْتَيْنِ لعظم فائدتهما، فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى أَدخل الْجنَّة كل من صلى تِلْكَ الصَّلَاة مِمَّن آمن بِهِ فِي أول دَعوته، وَبشر بِهَذَا الْخَبَر أَن من صلاهما مَعَه فِي أول فَرْضه إِلَى أَن نسخ لَيْلَة الْإِسْرَاء، أدخلهم الله الْجنَّة كَمَا بَادرُوا إِلَيْهِ من الْإِيمَان تفضلاً مِنْهُ تَعَالَى. انْتهى. قلت: كَلَامه يُؤَدِّي إِلَى أَن هَذَا مَخْصُوص ((لِأُنَاس مُعينين، وَلَا عُمُوم فِيهِ؛ وَأَنه مَنْسُوخ، وَلَيْسَ كَذَلِك من وُجُوه: الأول: أَن رَاوِيه أَبَا مُوسَى سَمعه فِي آواخر الْإِسْلَام، وَأَنه فهم الْعُمُوم، وَكَذَا غَيره فهم ذَلِك لِأَنَّهُ خير فضل لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولأمته. الثَّانِي: أَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. الثَّالِث: أَن كلمة: من، شَرْطِيَّة. وَقَوله: (دخل الْجنَّة) جَوَاب الشَّرْط، فَكل من أَتَى بِالشّرطِ فقد اسْتحق الْمَشْرُوط لعُمُوم كلمة الشَّرْط، وَلَا يُقَال: إِن مَفْهُومه يَقْتَضِي أَن من لم يصلها لم يدْخل الْجنَّة، لأَنا نقُول: الْمَفْهُوم لَيْسَ بِحجَّة وَأَيْضًا فَإِن قَوْله: (دخل الْجنَّة) خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن الْغَالِب أَن من صلاهما وراعاهما، انْتهى. عَمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لِأَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، أَو يكون آخر أمره دُخُول الْجنَّة. وَأما وَجه التَّخْصِيص بهما فَهُوَ لزِيَادَة شرفهما وترغيبا فِي حفظهما لشهود الْمَلَائِكَة فيهمَا، كَمَا تقدم، وَقد مضى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِيهِ
خَطِيئَة حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت الصَّلَاة تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ يحدث فِيهِ) . وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مستقصىً، وَذكرنَا أَيْضا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، والتوفيق بَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِعَادَة إلَاّ فِي بعض الْمَوَاضِع، كَمَا نذكرهُ الأن.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَقَوله: يَقُول: فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل النصب على الْحَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: (فِي جمَاعَة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (تضعف) أَي: تزداد، والتضعيف أَن يُزَاد على أصل الشَّيْء فَيجْعَل بمثلين أَو أَكثر، والضعف بِالْكَسْرِ الْمثل قَوْله: (خَمْسَة وَعشْرين ضعفا) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، ويروى (خمْسا وَعشْرين) ، ووجهها أَن يؤول الضعْف بالدرجة أَو بِالصَّلَاةِ، تَوْضِيحه أَن: ضعفا، مُمَيّز مُذَكّر فَتجب التَّاء فَقيل بالتأويل الْمَذْكُور، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِن وجوب التَّاء فِيمَا إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا، وَإِذا لم يكن مَذْكُورا يَسْتَوِي فِيهِ التَّاء وَعدمهَا، وَهَهُنَا مُمَيّز الْخمس غير مَذْكُور فَجَاز الْأَمْرَانِ فَإِن قلت: يَقْتَضِي قَوْله: (فِي بَيته وَفِي سوقه) أَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جمَاعَة تزيد على الصَّلَاة فِي الْبَيْت، وَفِي السُّوق، سَوَاء كَانَت جمَاعَة أَو فُرَادَى، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا خَارج مخرج الْغَالِب، لِأَن من لم يحضر الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي مُنْفَردا فِي بَيته أَو سوقه، وَأما الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيته جمَاعَة فَلهُ الْفضل فِيهَا على صلَاته مُنْفَردا بِلَا نزاع. قَوْله: (وَذَلِكَ) ، إِشَارَة إِلَى التَّضْعِيف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تضعف) : يَعْنِي: التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَببه أَنه إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (إلَاّ الصَّلَاة) أَي: قصد الصَّلَاة فِي جمَاعَة. قَوْله: (لم يخط) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الطَّاء. قَوْله: (خطْوَة) ، يجوز فِيهِ ضم الْخَاء وَفتحهَا، وَجزم الْيَعْمرِي بِأَنَّهَا هَهُنَا بِالْفَتْح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسلم بِالضَّمِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطوة، بِالضَّمِّ: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وبالفتح: الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (فَإِذا صلى) المُرَاد بِهِ: فَإِذا صلى الصَّلَاة التَّامَّة ليستحق هَذِه الْفَضَائِل. قَوْله: (مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. وَهَذَا خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَلَو قَامَ فِي بقْعَة أُخْرَى من الْمَسْجِد مستمرا على نِيَّة انْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك. قَوْله: (اللَّهُمَّ ارحمه) ، أَي: لم تزل الْمَلَائِكَة يصلونَ عَلَيْهِ حَال كَونهم قائلين: يَا الله إرحمه. وَزَاد ابْن مَاجَه: (اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من ذَلِك: الدّلَالَة على أَفضَلِيَّة الصَّلَاة على غَيرهَا من الْأَعْمَال، لِأَن فِيهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة على فاعلها ودعاءهم لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة. وَمِنْه: الدّلَالَة على تَفْضِيل صالحي النَّاس على الْمَلَائِكَة لأَنهم يكونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بعبادتهم، وَالْمَلَائِكَة يشتغلون بالاستغفار وَالدُّعَاء لَهُم. كَذَا قيل قلت: هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن خَواص بني آدم، وهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل من الْمَلَائِكَة، وعوامهم أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام بني آدم. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْجَمَاعَة لَيست شرطا لصِحَّة الصَّلَاة، لِأَن قَوْله على صلَاته وَحده، يدل على صِحَة صلَاته مُنْفَردا لاقْتِضَاء صِيغَة: أفعل التَّفْضِيل، الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفَاضُل، فَذَلِك يَقْتَضِي وجود الْفَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرد، لِأَن مَا لَا يَصح من الصَّلَاة لَا فَضِيلَة فِيهِ. وَفِيه: رد على دَاوُد وَمن تبعه فِي اشتراطهم الْجَمَاعَة فِي صِحَة الصَّلَاة.
٣١ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة وَذكر التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا مُطلقَة إِشَارَة إِلَى زِيَادَة خُصُوصِيَّة الْفجْر بالفضيلة.
٦٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الليْلِ
وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ فاقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا. .
قَالَ شُعَيْبٌ وحدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ تَفْضُلُهَا تَكْمِلَة الحَدِيث بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (انْظُر الحَدِيث ٦٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار) ، فَإِنَّهُ يدل على مزية لصَلَاة الْفجْر على غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر لطائف أسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل) أَي: تزيد صَلَاة الْجَمِيع الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي: لَا، بِمَعْنى اللَّام. فَافْهَم. قَوْله: (بِخَمْسَة وَعشْرين جزأ) ، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ. وَقيل: وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ: (خمس وَعشْرين) ، بِدُونِ الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِدُون الْهَاء فِي آخِره، وَأول بِأَن لفظ: خمس، مجرور بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ: الْبَاء، كَمَا وَقع فِي نَظِيره فِي قَول الشَّاعِر:
(أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع)
وَتَقْدِيره: إِلَى كُلَيْب. وَأما حذف الْهَاء فعلى تَأْوِيل الْجُزْء بالدرجة. قلت: وَأما لِأَن الْمُمَيز غير مَذْكُور، وَهَهُنَا مُمَيّز: خمس، غير مَذْكُور. قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَهُوَ الْمُوجب لتفضيل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وَكَذَا فِي صَلَاة الْعَصْر أَيْضا،، فَلذَلِك حث الشَّارِع على الْمُحَافظَة عَلَيْهِمَا ليَكُون من حضرهما ترفع الْمَلَائِكَة عمله وَتشفع لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُمكن أَن يكون اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا هما الدرجتان الزائدتان على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جزأ فِي سَائِر الصَّلَوَات الَّتِي لَا تَجْتَمِع الْمَلَائِكَة فِيهَا. قَوْله: (قُرْآن الْفجْر) ، كِنَايَة عَن صَلَاة الْفجْر، لِأَن الصَّلَاة مستلزمة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (مشهودا) أَي: محضورا فِيهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الأول فتقديره: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وحَدثني نَافِع، أَي: بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعا نَحوه إلَاّ أَنه قَالَ: (بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) ، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة مَالك وَغَيره من نَافِع، وَطَرِيق شُعَيْب هَذِه مَوْصُولَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن تكون معلقَة وَهُوَ بعيد، بل هِيَ معطوفة على الاسناد الاول وَالتَّقْدِير حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب انْتهى (قلت) استبعاده قَول الْكرْمَانِي بعيد لِأَنَّهُ مَا حكم بِالْجَزْمِ بل بِالِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ بِحَسب الظَّاهِر، بل الْقَرِيب مَا ذكره ويقويه أَن طَرِيق شُعَيْب هَذِه لم تَرَ إلَاّ عِنْد البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل: لم يستخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم وَلَا أوردهَا الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين فِي تَرْجَمَة شُعَيْب.
٦٥٠ - حدَّثنا حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأَعْمشُ قَالَ سَمِعْتُ سالِما قَالَ سَمِعْتُ أم الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقلْتُ مَا أغْضَبَكَ فَقَالَ وَالله مَا أعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا إلَاّ أنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَعمال الَّذين يصلونَ بِالْجَمَاعَة قد وَقع فِيهَا النَّقْص والتغيير مَا خلا صلَاتهم بِالْجَمَاعَة، وَلم يَقع فِيهَا شَيْء من ذَلِك، فَدلَّ ذَلِك على أَن فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفجْر، وَالَّذِي يفهم من هَذَا الحَدِيث أَعم من ذَلِك، فَكيف يكون التطابق؟ قلت: إِذا طابق جُزْء من الحَدِيث التَّرْجَمَة يَكْفِي، وَمثل هَذَا وَقع لَهُ كثيرا فِي هَذَا الْكتاب.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء، الَّتِي اسْمهَا: هجيمة، وَهِي أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية، لَا الْكُبْرَى الَّتِي اسْمهَا: خيرة، وَهِي الصحابية. وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن الْكُبْرَى مَاتَت فِي حَيَاة أبي الدَّرْدَاء، وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بعده بِزَمَان طَوِيل، وَقد جزم أَبُو حَاتِم بِأَن سَالم بن أبي الْجَعْد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء، فعلى هَذَا لم يدْرك أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أم الدَّرْدَاء هِيَ: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان.
قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه: عُوَيْمِر بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: التَّابِعِيّ عَن التابعية. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة كوفيون.
وَهَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مغضب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا أعرف من أمة مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (من مُحَمَّد) بِدُونِ لَفْظَة: أمة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال وَمن تبعه، فَقَالَ: يُرِيد من شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا لم يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إلَاّ الصَّلَاة فِي جمَاعَة، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (من أَمر مُحَمَّد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَكَذَا سَاقه الْحميدِي فِي (جمعه) ، وَكَذَا هُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) و (مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم) : من طرق عَن الْأَعْمَش، وَعِنْدهم بِلَفْظ: (مَا أعرف فيهم) ، أَي: فِي أهل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاء قيل: كَانَ لفظ: فيهم، لما حذف من رِوَايَة البُخَارِيّ صحف بعض النقلَة لفظ: أَمر، بِلَفْظَة: أمة، ليعود الضَّمِير فِي: أَنهم، على الْأمة. قلت: لَا مَحْذُور فِي كَون لَفْظَة: امة، بل الظَّاهِر هَذَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يصلونَ جَمِيعًا) ، أَي: مُجْتَمعين، وانتصابه على الْحَال، ومفعول: يصلونَ، مَحْذُوف تَقْدِيره، يصلونَ الصَّلَاة أَو الصَّلَوَات.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْغَضَب عِنْد تغير شَيْء من أُمُور الدّين، وَجَوَاز إِنْكَار الْمُنكر بِالْغَضَبِ إِذا لم يسْتَطع أَكثر من ذَلِك.
٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْظَمُ النَّاسِ أجْرا فِي الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ فأبْعَدُهُمْ مَمْشًى والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمَام أعْظَمُ أجْرا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى) ، بَيَان ذَلِك أَنه بَين فِيهِ أَن سَبَب أعظمية الْأجر فِي الصَّلَاة هُوَ: بعد الممشى، وَهُوَ الْمسَافَة، وَذَلِكَ لوُجُود الْمَشَقَّة فِيهِ. وَقد علم أَن أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فَكل صَلَاة تُوجد فِيهَا الْمَشَقَّة من حَيْثُ بعد الممشى فَهِيَ أعظم أجرا وَأفضل من الصَّلَاة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا ذَلِك، فينتج من ذَلِك أَن صَلَاة الْفجْر إِذا كَانَ فِيهَا بُعْد الممشى مَعَ كَونه عقيب النّوم الَّذِي فِيهِ رَاحَة للبدن، مَعَ مصادفة الظلمَة أَحْيَانًا تكون أعظم أجرا وَأفضل من غَيرهَا، فبهذه الْحَيْثِيَّة طابق هَذَا الحَدِيث التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: تشاركها الْعشَاء فِي ذَلِك مَعَ دلَالَة آخر الحَدِيث على ذَلِك؟ قلت: نعم تشاركها فِي وجود تِلْكَ الْمَشَقَّة، وَلَا تشاركها فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا تشاركها مُطلقًا فَلَا يضر ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ مُطَابقَة مَا بَين الحَدِيث والترجمة، وَهِي مَوْجُودَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر فِيهِ الْكِفَايَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا أَكْثَره بعض الشُّرَّاح من كَلَام فِيهِ مَا فِيهِ من حرارة فِي الْقلب من الْحَسَد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فيي: بَاب من علم، لَكِن ذكر أَبُو أُسَامَة ثمَّة باسمه حَمَّاد، وَهَهُنَا بكنيته، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه: عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى واسْمه: عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجرا) نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أبعدهم) بِالرَّفْع خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي. قَوْله: (أعظم النَّاس) . قَوْله: (فأبعدهم) ، الْفَاء فِيهِ للاستمرار، كَمَا فِي قَوْلهم الأمثل فالأمثل، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يذكر أحد من النُّحَاة أَن الْفَاء تَجِيء بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار، وَلَكِن يُمكن أَن تكون الْفَاء هَهُنَا للتَّرْتِيب مَعَ تفَاوت من بعض الْوُجُوه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا: أَن تدل على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه:
(يَا لهف زيابة لِلْحَارِثِ الصابح ... فالغانم فالآيب)
أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب. وَالثَّانِي: تدل على ترتيبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه، نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل، واعمل الْأَحْسَن فالأجمل. وَالثَّالِث: أَن تدل على تَرْتِيب موصوفاتها فِي ذَلِك، نَحْو: رحم الله المحلقين
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56