«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 541

الحديث رقم 541 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقت الظهر عند الزوال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح، وأحدنا يعرف جليسه…

«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ

⦗١١٥⦘

وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ».

سند حديث: ٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ…

٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح، وأحدنا يعرف جليسه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن أبي، الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثم لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.

[الحديث ٥٤١ - أطرافه في ٧٧١، ٥٩٩، ٥٦٨، ٥٤٧]

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ وَهُوَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ رِوَايَةِ عَوْفٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يَعْرِفُ جَلِيسَهُ) أَيِ الَّذِي بِجَنْبِهِ، فَفِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ: فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى جَلِيسِهِ إِلَى جَنْبِهِ فَيَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلِأَحْمَدَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ وَجْهَ جَلِيسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ. وَلَهُ فِي أُخْرَى وَنَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَصْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ.

قَوْلُهُ: (وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا وَيَرْجِعُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَبِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ عَلَيْهَا شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ، وَظَاهِرُهُ حُصُولُ الذَّهَابِ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالرُّجُوعُ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عَوْفٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الذَّهَابُ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَأَحَدُنَا بِمَعْنَى ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَرِدُ لِلتَّرْتِيبِ مِثْلُ ثُمَّ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَذْهَبُ أَحَدُنَا أَيْ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَجَعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ وَيَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ يَذْهَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ يَذْهَبُ رَاجِعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ سَقَطَتْ إِمَّا لَوْ أَوْ إِذَا، وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ يَذْهَبُ أَحَدُنَا إِلَخْ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ أَحَدُنَا وَيَذْهَبُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لَكِنَّهُ يُغَايِرُ رِوَايَةَ عَوْفٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ وَالْعَصْرَ يَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَلِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِلَفْظِ يَذْهَبُ بَدَلَ يَرْجِعُ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ حَكَى احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ رَجَعَ عَطْفٌ عَلَى يَذْهَبُ، وَالْوَاوُ مُقَدَّرَةٌ وَرَجَعَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ. انْتَهَى.

وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ: وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَرِدُ عَلَيْهَا وَأَنَّ رِوَايَةَ عَوْفٍ أَوْضَحَتْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ الذَّهَابُ أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمَجِيءِ كَانَ مِنَ الْمَنْزِلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَكَانَ الذَّهَابُ مِنْهُ إِلَى الْمَنْزِلِ رُجُوعًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ. وَجَزَمَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ شُعْبَةَ.

٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إليه، أو زُوِي له ما بينهما، أو مُثِّلا له، وتأتي (١) مباحثه إن شاء الله تعالى (فَلَمْ أَرَ) أي: فلم أبصر (كَالخَيْرِ) الَّذي في الجنَّة (وَالشَّرِّ) الَّذي في النَّار، أو ما أبصرت شيئًا كالطَّاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار.

٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «حدَّثنا أبو المنهال» وهو بكسر الميم وسكون النُّون، سيَّار بن سلامة البصريُّ (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزَّاي، الأسلميِّ، واسمه نَضْلة بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمة، ابن عُبَيْدٍ -مُصغَّرًا- ﵁ (كَانَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال: كان» (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ

جَلِيسَهُ) أي: مُجالِسه الَّذي إلى جنبه، و «الواو» للحال (وَيَقْرَأُ) ﵊ (فِيهَا) أي: في صلاة الصُّبح (مَا بَيْنَ السِّتِّينَ) من آي القرآن وفوقها (إِلَى المِئَةِ) وحذف لفظ: «فوقها» لدلالة السِّياق عليه، وإِلَّا فلفظ: «بين» يقتضي دخوله على متعدِّدٍ، فكان القياس أن يقول: و «المئة» بدون كلمة «الانتهاء» كما في قوله: «باب ما يكره من السَّمر بعد العشاء» [خ¦٥٩٩]: «إنَّه يقرأ من السِّتِّين إلى المئة» كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ (و) كان ﵊ (يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت إلى جهة المغرب (وَ) يصلِّي (العَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ) من المسجد (إِلَى) منزله (أَقْصَى

المَدِينَةِ) آخرها حال كونه (رَجَعَ) أي: راجعًا من المسجد إلى منزله (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) بيضاء، لم يتغيَّر لونها ولا حرُّها، وليس المُراد: الذَّهاب إلى أقصى المدينة والرُّجوع من ثَمَّ إلى المسجد، ورواية عوفٍ (١) الآتية [خ¦٥٩٩]-إن شاء الله تعالى- قريبًا: «ثمَّ يرجع (٢) أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمس حيَّةٌ» توضح ذلك؛ لأنَّه ليس فيه إلَّا الذَّهاب فقط دون الرُّجوع، ووقع في رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ويرجع» بالواو وصيغة المضارع، وفي روايةٍ: «ثُمَّ يَرْجِعُ» ومثل ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: «وإنَّ أحدنا ليذهب أقصى المدينة ويرجع والشَّمس حيَّةٌ» وهذا يغاير رواية عوفٍ (٣) المذكورة، وهي قد أوضحت أنَّ المُرَاد بـ «الرُّجوع» الذَّهاب إلى المنزل من المسجد، وطرق الحديث يبيِّن بعضها بعضًا، وإنَّما سُمِّي رجوعًا لأنَّ ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذَّهاب منه إلى المنزل رجوعًا، قال أبو المنهال: (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزة (فِي المَغْرِبِ، وَ) كان ﵇ (لَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ) صلاة (العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الأوَّل، وهو وقت الاختيار (ثُمَّ قَالَ) أبو المنهال: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: نصفه، ورجَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وكلامه في «شرح المُهذَّب» يقتضي أنَّ الأكثرين عليه، والحاصل: أنَّ للعشاء أربعة أوقاتٍ: وقت فضيلةٍ أوَّل الوقت، ووقت اختيار إلى ثلث اللَّيل على الأصحِّ، ووقت جوازٍ إلى طلوع الفجر الصَّادق، ووقت عذرٍ وقت المغرب لمن يجمع.

(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن معاذ بن نصرٍ العنبريُّ، التَّابعيُّ (٤) التَّيميُّ، قاضي البصرة، ولابن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الْبعد، فَأَما الْمُصَلِّي وَحده، وَالَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِد قومه، فَالَّذِي أحب لَهُ أَن لَا يُؤَخر الصَّلَاة فِي شدَّة الْحر. قَالَ أَبُو عِيسَى ومعن، من ذهب إِلَى تَأْخِير الظّهْر فِي شدَّة الْحر فَهُوَ أولى وأشبه بالاتباع، وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي أَن الرُّخْصَة لمن ينتاب من الْبعد وللمشقة على النَّاس فَإِن فِي حَدِيث أبي ذَر مَا يدل على خلاف مَا قَالَه الشَّافِعِي. قَالَ أَبُو ذَر: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فَأذن بِلَال بِصَلَاة الظّهْر، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا بِلَال أبرد ثمَّ أبرد) فَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي لم يكن للإبراد فِي ذَلِك الْوَقْت معنى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السّفر، فَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ أَن ينتابوا من الْبعد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: لَا نسلم إجتماعهم لِأَن الْعَادة فِي القوافل سِيمَا فِي العساكر الْكَثِيرَة تفرقهم فِي أَطْرَاف الْمنزل لمصَالح مَعَ التَّخْفِيف على الاصحاب، وَطلب المرعى وَغَيره، خُصُوصا إِذا كَانَ فِيهِ سُلْطَان جليل الْقدر فَإِنَّهُم يتباعدون عَنهُ احتراما وتعظيما لَهُ. قلت: هَذَا لَيْسَ برد موجه لكَلَام التِّرْمِذِيّ فَإِن كَلَامه على الْغَالِب، وَالْغَالِب فِي الْمُسَافِرين اجْتِمَاعهم فِي مَوضِع وَاحِد لِأَن السّفر مَظَنَّة الْخَوْف، سِيمَا إِذا كَانَ عَسْكَر خَرجُوا لأجل الْحَرْب مَعَ الْأَعْدَاء. وَقَالَ بَعضهم، عقيب كَلَام الْكرْمَانِي: وَأَيْضًا فَلم تجر عَادَتهم باتخاذ خباء كَبِير يجمعهُمْ، بل كَانُوا يتفرقون فِي ظلال الشّجر، لَيْسَ هُنَاكَ كن يَمْشُونَ فِيهِ، فَلَيْسَ فِي سِيَاق الحَدِيث مَا يُخَالف مَا قَالَه الشَّافِعِي، وغايته أَنه استنبط من النَّص الْعَام معنى يَخُصُّهُ. انْتهى. قلت: هَذَا أَكثر بعدا من كَلَام الْكرْمَانِي لِأَن فِيهِ إِسْقَاط الْعَمَل بِعُمُوم النُّصُوص الْوَارِدَة فِي الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ بأَشْيَاء ملفقة من الْخَارِج. وَقَوله: فَلَيْسَ فِي سِيَاق الحَدِيث ... إِلَى آخِره، غير صَحِيح، لِأَن الْخلاف لظَاهِر الحَدِيث صَرِيح لَا يخفى، لِأَن ظَاهره عَام، وَالتَّقْيِيد بِالْمَسْجِدِ الَّذِي ينتاب أَهله من الْبعد خلاف ظَاهر الحَدِيث، والاستنباط من النَّص الْعَام معنى يخصصه لَا يجوز عِنْد الْأَكْثَرين، وَلَئِن سلمنَا فَلَا بُد من دَلِيل للتخصيص، وَلَا دَلِيل لذَلِك. هَهُنَا.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضِيَ الله عَنْهُمَا تَتَفَيَّأُ تَتَمَيَّلُ

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {يتفيأ ظلاله} (النَّحْل: ٤٨) . أَن مَعْنَاهُ: يتميل، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْفَيْء سمي بِهِ لِأَنَّهُ ظلّ مَال إِلَى جِهَة غير الْجِهَة الأولى. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تفيأت الظلال، أَي: تقلبت، ويتفيؤ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف أَي، وفاعله مَحْذُوف تَقْدِيره: يتفيأ الظل، ويروى تتفيأ: بِالتَّاءِ، الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: الظلال.

ومناسبة ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس لأجل مَا فِي حَدِيث الْبَاب: (حَتَّى رَأينَا فَيْء التلول) ، وَهَذَا تَعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وكريمة، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره.

١١ - (بابٌ وَقْتُ الظهْرِ عِنْدَ الزَّوَال)

أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا قدرناه. وَيجوز أَن يكون بِالْإِضَافَة وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن وَقت الظّهْر، أَي: ابتداؤه عِنْد زَوَال الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء وميلها إِلَى جِهَة الْمغرب.

وَقَالَ جابرٌ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ

هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث جَابر ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي بَاب وَقت الْمغرب، رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِيه: (فسألنا جَابر بن عبد الله فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الظّهْر بالهاجرة) والهاجرة: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر، وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ ثَبت بِالْفِعْلِ، وَحَدِيث الْإِبْرَاد بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْل، فيرجح على ذَلِك. وَقيل: إِنَّه مَنْسُوخ بِحَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ مُتَأَخّر عَنهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْإِبْرَاد تَأْخِير الظّهْر أدنى تَأْخِير بِحَيْثُ يَقع الظل، وَلَا يخرج بذلك عَن حد التهجير، فَإِن الهاجرة تطلق على الْوَقْت إِلَى أَن يقرب الْعَصْر. قلت: بِأَدْنَى التَّأْخِير لَا يحصل الْإِبْرَاد، وَلم يقل أحد: إِن الهاجرة تمتد إِلَى قرب الْعَصْر.

٥٤٠ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مَالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى المنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ فَذَكَرَ أنَّ فِيهَا أُمُورا عِظَاما ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلَا تَسْأَلُونِي عنْ شَيْءٍ إلَاّ أخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا فأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ وأكْثَرَ أنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ الله بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ مَنْ أبي قَالَ أبُوكَ حَذافةُ ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فقالَ رَضِينَا بِالله رَبّا وبِالإسْلَامِ دِينا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيَّا فَسَكَتَ ثُمَّ قالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنَّارُ آنِفا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ فَلَمْ أرَ كَالْخَيْرِ والشَّرِّ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خرج حِين زاغت الشَّمْس فصلى الظّهْر) ، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب من برك على رُكْبَتَيْهِ عِنْد الإِمَام أَو الْمُحدث، وَمتْن الحَدِيث أَيْضا مُخْتَصرا، وَالزِّيَادَة هُنَا من قَوْله: (خرج حِين زاغت الشَّمْس) إِلَى قَوْله: (فَقَامَ عبد الله بن حذافة) وَكَذَا قَوْله: (ثمَّ قَالَ عرضت) إِلَى آخِره. قَوْله: (حِين زاغت) أَي: حِين مَالَتْ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ زَالَت، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن زَوَال الشَّمْس أول وَقت الظّهْر، إِذا لم ينْقل عَنهُ أَنه صلى قبله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْإِجْمَاع. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على أَن وَقت الظّهْر زَوَال الشَّمْس، وَذكر ابْن بطال عَن الْكَرْخِي عَن أبي حنيفَة: أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت تقع نفلا، قَالَ: وَالْفُقَهَاء بأسرهم على خلاف قَوْله. قلت: ذكر أَصْحَابنَا أَن هَذَا قَول ضَعِيف نقل عَن

بعض أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ مَنْقُولًا عَن أبي حنيفَة أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت تقع نفلا، وَالصَّحِيح عندنَا أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت وجوبا موسعا. وَذكر القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الْكتاب (الفاخر) ، فِيمَا ذكره ابْن بطال وَغَيره عَن بعض النَّاس: يجوز أَن يفتح الظّهْر قبل الزَّوَال، وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة فِي (الْمَبْسُوط) : لَا خلاف أَن أول وَقت الظّهْر يدْخل بِزَوَال الشَّمْس إلَاّ شَيْء نقل عَن بعض النَّاس أَنه يدْخل إِذا صَار الْفَيْء بِقدر الشرَاك، وَصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين زاغت الشَّمْس دَلِيل على أَن ذَلِك من وَقتهَا. قَوْله: (فليسأل) أَي: فليسألني عَنهُ. قَوْله: (فَلَا تَسْأَلُونِي) ، بِلَفْظ النَّفْي، وَحذف نون الْوِقَايَة مِنْهُ جَائِز. قَوْله: (إلَاّ أَخْبَرتكُم) أَي: إلَاّ أخْبركُم، فَاسْتعْمل الْمَاضِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل إِشَارَة إِلَى تحَققه، وَأَنه كالواقع. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا خطب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعد الصَّلَاة، وَقَالَ هُوَ: سلوني، لِأَنَّهُ بلغه أَن قوما من الْمُنَافِقين يسْأَلُون مِنْهُ ويعجزونه عَن بعض مَا يسألونه، فتغيظ وَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء إلَاّ أَخْبَرتكُم بِهِ. قَوْله: (فَأكْثر النَّاس فِي الْبكاء) إِنَّمَا كَانَ بكاؤهم خوفًا من نزُول عَذَاب لغضبه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا كَانَ ينزل على الْأُمَم عِنْد ردهم على أَنْبِيَائهمْ، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، والبكاء يمد وَيقصر، إِذا مددت أردْت الصَّوْت الَّذِي يكون مَعَ الْبكاء، وَإِذا قصرت أردْت الدُّمُوع وخروجها. قَوْله: (وَأكْثر أَن يَقُول) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأكْثر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، القَوْل بقوله: سلوني، وَأَصله: اسألوني، فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين، فحذفت واستغني عَن همزَة الْوَصْل، فَقيل: سلوني، على وزن: فلوني. قَوْله: (فَقَامَ عبد الله بن حذافة) ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِن عبد الله بن حذافة كَانَ يطعن فِي نسبه، فَأَرَادَ أَن يبين لَهُ ذَلِك، فَقَالَت أمه: أما خشيت أَن أكون قارفت بعض مَا كَانَ يصنع فِي الْجَاهِلِيَّة، أَكنت فاضحي عِنْد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: وَالله لَو ألحقني بِعَبْد للحقت بِهِ. قَوْله: (آنِفا) ، أَي: فِي أول وَقت يقرب مني، وَمَعْنَاهُ هُنَا: الْآن، وانتصابه على الظَّرْفِيَّة لِأَنَّهُ يتَضَمَّن معنى الظّرْف. قَوْله: (فِي عرض هَذَا الْحَائِط) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، يُقَال: عرض الشَّيْء، بِالضَّمِّ: ناحيته من أَي وَجه جِئْته. قَوْله: (فَلم أر كالخير) أَي: مَا أَبْصرت قطّ مثل هَذَا الْخَيْر الَّذِي هُوَ الْجنَّة، وَهَذَا الشَّرّ الَّذِي هُوَ النَّار. أَو: مَا أَبْصرت شَيْئا مثل الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة فِي سَبَب دُخُول الْجنَّة وَالنَّار.

٥٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شعْبَةُ عنْ أبي المِنْهَالِ عَنْ أبي بَرْزَةَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جلِيسَهُ وَيَقْرَأ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المائَةِ وَكَانَ يُصَلِّي الظهْرَ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَالعَصْرَ وأَحَدُنا يَذْهَبُ إلَى أَقْصَى المَدِينَةِ رَجَعَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ ونَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ ولَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إلَى ثُلِثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إلَى شَطْرِ الليْلِ. وَقَالَ مُعَاذُ قالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ أوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيُصلي الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس) .

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: حَفْص بن غياث، تكَرر ذكره، وَكَذَلِكَ شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَأَبُو الْمنْهَال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون واسْمه سيار بن سَلامَة الريَاحي، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بَرزَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ بالزاي: الْأَسْلَمِيّ، واسْمه: نَضْلَة، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة بن عبيد مُصَغرًا، أسلم قَدِيما وَشهد فتح مَكَّة، وَلم يزل يَغْزُو مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى قبض فتحول وَنزل الْبَصْرَة، ثمَّ غزا خُرَاسَان وَمَات بمرو أَو بِالْبَصْرَةِ أَو بمفازة سجستان سنة أَربع وَسِتِّينَ، روى لَهُ البُخَارِيّ أَرْبَعَة أَحَادِيث.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَدثنَا أَبُو الْمنْهَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي، وَيجوز أَن يُقَال: كلهم بصريون، لِأَن شُعْبَة وَإِن كَانَ من وَاسِط فقد سكن الْبَصْرَة وَنسب إِلَيْهَا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى، كِلَاهُمَا عَن عَوْف نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن حبيب، وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة، وَعَن أبي كريب عَن سُوَيْد بن عَمْرو الْكَلْبِيّ.

وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر بِتَمَامِهِ، وَفِي مَوضِع آخر بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَعَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن بنْدَار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (واحدنا) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (جليسه) ، الجليس على وزن: فعيل، بِمَعْنى: الْمجَالِس، وَأَرَادَ بِهِ الَّذِي إِلَى جنبه، وَفِي رِوَايَة الجوزقي من طَرِيق وهب عَن شُعْبَة: (فَينْظر الرجل إِلَى جليسه إِلَى جنبه) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَيَنْصَرِف الرجل فَيعرف وَجه جليسه) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وبعضنا يعرف وَجه بعض) . قَوْله: (مَا بَين السِّتين إِلَى الْمِائَة) يَعْنِي: من) آيَات الْقُرْآن الْحَكِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت لفظ: بَين، يَقْتَضِي دُخُوله على مُتَعَدد، فَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وَالْمِائَة، بِدُونِ حرف الِانْتِهَاء؟ قلت: تَقْدِيره مَا بَين السِّتين وفوقها إِلَى الْمِائَة، فَحذف لفظ: فَوْقهَا، لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ. قَوْله: (وَالْعصر) بِالنّصب أَي، وَيُصلي الْعَصْر، و: الْوَاو، فِي: وأحدنا، للْحَال. قَوْله: (إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة) أَي: إِلَى آخرهَا. قَوْله: (رَجَعَ) ، كَذَا وَقع بِلَفْظ الْمَاضِي بِدُونِ: الْوَاو، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (وَيرجع) ، بواو الْعَطف وَصِيغَة الْمُضَارع، وَمحله الرّفْع على أَنه خبر للمبتدأ الَّذِي هُوَ قَوْله: (وأحدنا) ، فعلى هَذَا يكون لفظ: يذهب، حَالا بِمَعْنى: ذَاهِبًا، وَيجوز أَن يكون: يذهب، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر لقَوْله: (أَحَدنَا) ، وَقَوله: رَجَعَ، يكون فِي مَحل النصب على الْحَال و: قد، فِيهِ مقدرَة لِأَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة، إِذا وَقعت حَالا فَلَا بُد مِنْهَا من كلمة: قد إِمَّا ظَاهِرَة وَإِمَّا مقدرَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت، وَلَكِن تكون حَالا منتظرة مقدرَة، وَالتَّقْدِير: وأحدنا يذهب إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة حَال كَونه مُقَدرا الرُّجُوع إِلَيْهَا وَالْحَال أَن الشَّمْس حَيَّة. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون: الْوَاو، فِي قَوْله: وأحدنا، بِمَعْنى ثمَّ. وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالتَّقْدِير: ثمَّ يذهب أَحَدنَا، أَي مِمَّن صلى مَعَه، وَأما قَوْله: رَاجع، فَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: يرجع، وَيكون بَيَانا لقَوْله: يذهب. قلت: هَذَا فِيهِ ارْتِكَاب الْمَحْذُور من وُجُوه. الأول: كَون: الْوَاو، بِمَعْنى: ثمَّ، وَلم يقل بِهِ أحد. وَالثَّانِي: إِثْبَات التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من غير احْتِيَاج إِلَيْهِ. وَالثَّالِث: قَوْله: يرجع، بَيَان لقَوْله: يذهب، فَلَا يَصح ذَلِك لِأَن معنى: يرجع، لَيْسَ فِيهِ غموض حَتَّى يُبينهُ بقوله: يذهب، ومحذور آخر وَهُوَ أَن يكون الْمَعْنى: واحدنا يرجع إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة، وَهُوَ مخل بِالْمَقْصُودِ. وَزعم الْكرْمَانِي أَن فِيهِ وَجها آخر، وَفِيه تعسف جدا، وَهُوَ أَن: رَجَعَ، بِمَعْنى: يرجع، عطف على: يذهب، و: الْوَاو، مقدرَة وَفِيه مَحْذُور آخر أقوى من الأول، وَهُوَ أَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ هُوَ: الرُّجُوع إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة لَا الرُّجُوع إِلَى الْمَسْجِد، فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون الرُّجُوع إِلَى الْمَسْجِد، وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد هُوَ الذّهاب إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة وَالرُّجُوع إِلَيْهَا رِوَايَة عَوْف الْأَعرَابِي عَن سيار بن سَلامَة الْآتِيَة عَن قريب، ثمَّ يرجع أَحَدنَا إِلَى رحْلَة فِي أقْصَى الْمَدِينَة وَالشَّمْس حَيَّة. وَاقْتصر هَهُنَا على ذكر الرُّجُوع لحُصُول الِاكْتِفَاء بِهِ لِأَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ الذّهاب إِلَى الْمنزل، وَإِنَّمَا سمي رُجُوعا لِأَن ابْتِدَاء الْمَجِيء كَانَ من الْمنزل إِلَى الْمَسْجِد، فَكَانَ الذّهاب مِنْهُ إِلَى الْمنزل رُجُوعا. قَوْله: (وَالشَّمْس حَيَّة) وحياة الشَّمْس عبارَة عَن بَقَاء حرهَا لم يُغير، وَبَقَاء لَوْنهَا لم يتَغَيَّر، وَإِنَّمَا يدخلهَا التَّغَيُّر بدنو المغيب، كَأَنَّهُ جعل مغيبها موتا لَهَا. قَوْله: (ونسيت) أَي: قَالَ أَبُو الْمنْهَال: (نسيت مَا قَالَه أَبُو بَرزَة فِي (الْمغرب) . قَوْله: (وَلَا يُبَالِي) عطف على قَوْله: (يُصَلِّي) أَي: وَلَا يُبَالِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ من المبالاة وَهُوَ الاكتراث بالشَّيْء. قَوْله: (إِلَى شطر اللَّيْل) أَي: نصفه، وَلَا يُقَال: إِن الَّذِي يفهم مِنْهُ أَن وَقت الْعشَاء لَا يتَجَاوَز النّصْف، لِأَن الْأَحَادِيث الاخر تدل على بَقَاء وَقتهَا إِلَى الصُّبْح، وَإِنَّمَا المُرَاد بِالنِّصْفِ هَهُنَا هُوَ الْوَقْت الْمُخْتَار، وَقد اخْتلف فِيهِ، وَالأَصَح الثُّلُث. قَوْله: (قبلهَا) ، أَي: قبل الْعشَاء. قَوْله: (قَالَ معَاذ) هُوَ: معَاذ بن معَاذ بن نصر بن حسان الْعَنْبَري التَّمِيمِي، قَاضِي الْبَصْرَة، سمع من شُعْبَة وَغَيره، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق قطعا، لِأَن البُخَارِيّ لم يُدْرِكهُ. قلت: هُوَ مُسْند فِي (صَحِيح مُسلم) ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة ... فَذكره. قَوْله: (ثمَّ لَقيته) ، أَي: أَبَا الْمنْهَال مرّة أُخْرَى بعد ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ: أَو ثلث اللَّيْل) . تردد بَين الشّطْر وَالثلث.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة للحنفية لِأَن قَوْله: (وأحدنا يعرف جليسه) ، يدل على الْأَسْفَار، وَلَفظ النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي فِيهِ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْصَرف من الصُّبْح فَينْظر الرجل إِلَى الجليس الَّذِي يعرفهُ فيعرفه) . وَلَكِن قَوْله: (وَيقْرَأ فِيهَا مَا بَين السِّتين إِلَى الْمِائَة) يدل على أَنه كَانَ يشرع فِي الْغَلَس ويمدها بِالْقِرَاءَةِ إِلَى وَقت الْإِسْفَار، وَإِلَيْهِ ذهب

الطَّحَاوِيّ. وَفِيه: أَن وَقت الظّهْر من زَوَال الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء. وَفِيه: أَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ للعصر أَن يُصَلِّي مَا دَامَت الشَّمْس حَيَّة، وَهَذَا يدل على أَن الْمُسْتَحبّ تَعْجِيلهَا، كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس بَيْضَاء مُرْتَفعَة حَيَّة، وَيذْهب الذَّاهِب إِلَى العوالي وَالشَّمْس مُرْتَفعَة) . والعوالي أَمَاكِن بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَأَدْنَاهَا من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال، وأبعدها من جِهَة نجد ثَمَانِيَة، وَلَكِن فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (أدناها من الْمَدِينَة على ميلين) ، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأَرَادَ بِهَذَا الحَدِيث الْمُبَادرَة بِصَلَاة الْعَصْر فِي أول وَقتهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يذهب بعد صَلَاة الْعَصْر ميلين وَثَلَاثَة، وَالشَّمْس بعد لم تَتَغَيَّر، ثمَّ قَالَ: وَفِيه دَلِيل لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور: أَن وَقت الْعَصْر يدْخل إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يدْخل حَتَّى يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَهَذَا حجَّة (للْجَمَاعَة عَلَيْهِ. قُلْنَا: الْجَواب من جِهَة أبي حنيفَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بإبراد الظّهْر بقوله: أبردوا بِالظّهْرِ، يَعْنِي: صلوها إِذا سكنت شدَّة الْحر، واشتداد الْحر فِي دِيَارهمْ يكون فِي وَقت صيرورة ظلّ كل شَيْء مثله، وَلَا يفتر الْحر إلَاّ بعد المثلين، فَإِذا تَعَارَضَت الْآثَار يبْقى مَا كَانَ على مَا كَانَ، وَوقت الظّهْر ثَابت بِيَقِين فَلَا يَزُول بِالشَّكِّ، وَوقت الْعَصْر مَا كَانَ ثَابتا فَلَا يدْخل بِالشَّكِّ. وَفِيه: أَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ للعشاء تَأْخِيره إِلَى ثلث اللَّيْل أَو إِلَى شطره وَهُوَ حجَّة على من فضل التَّقْدِيم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: تَأْخِير الْعشَاء إِلَى ثلث اللَّيْل مُسْتَحبّ، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَأكْثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ قَالَه التِّرْمِذِيّ. وَإِلَى النّصْف مُبَاح، وَمَا بعده مَكْرُوه. وَحكى ابْن الْمُنْذر: أَن الْمَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس إِلَى مَا قبل ثلث اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَب إِسْحَاق وَاللَّيْث أَيْضا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي كتبه الجديدة، وَفِي الْإِمْلَاء، وَالْقَدِيم تَقْدِيمهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الْأَصَح. وَفِيه: كَرَاهَة النّوم قبل الْعشَاء لِأَنَّهُ تعرض لفواتها باستغراق النّوم. وَفِيه: كَرَاهِيَة الحَدِيث بعْدهَا، وَذَلِكَ لِأَن السهر فِي اللَّيْل سَبَب للكسل فِي النّوم عَمَّا يتَوَجَّه من حُقُوق النّوم والطاعات ومصالح الدّين. قَالُوا: الْمَكْرُوه مِنْهُ مَا كَانَ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا مصلحَة فِيهَا، أما مَا فِيهِ مصلحَة وَخير فَلَا كَرَاهَة فِيهِ، وَذَلِكَ كمدارسة الْعلم، وحكايات الصَّالِحين، ومحادثة الضَّيْف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أَهله وَأَوْلَاده للملاطفة وَالْحَاجة، ومحادثة الْمُسَافِرين لحفظ مَتَاعهمْ أَو أنفسهم، والْحَدِيث فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس والشفاعة إِلَيْهِم فِي خير، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والإرشاد إِلَى مصلحَة وَنَحْو ذَلِك، وكل ذَلِك لَا كَرَاهَة فِيهِ.

٥٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابنَ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا خالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حدَّثني غالِبٌ القَطانُ عنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِي عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا إتِّقَاءَ الحَرِّ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٥ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن صلَاتهم خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالظهائر، تدل على أَنهم كَانُوا يصلونَ الظّهْر فِي أول وقته، وَهُوَ وَقت اشتداد الْحر عِنْد زَوَال الشَّمْس، كَمَا مر فِي أول الْبَاب عَن جَابر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بالهاجرة) . وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث الْأَمر بالإبراد، لِأَن هَذَا الْبَيَان الْجَوَاز، وَحَدِيث الْأَمر بالإبراد لبَيَان الْفضل.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل، بِضَم الْمِيم: أَبُو الْحسن الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْحَنْظَلِي الْمروزِي. الثَّالِث: خَالِد بن عبد الرَّحْمَن ابْن بكير السّلمِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: غَالب، بالغين الْمُعْجَمَة: ابْن خطَّاف الْمَشْهُور بِابْن أبي غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْقطَّان، تقدم فِي بَاب السُّجُود على الثَّوْب. الْخَامِس: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ، تقدم فِي بَاب عرق الْجنب. السَّادِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد بِصِيغَة الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: مُحَمَّد بن مقَاتل من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَوَقع للأصيلي وَغَيره: حَدثنَا مُحَمَّد من غير نِسْبَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل، بنسبته إِلَى أَبِيه. وَفِيه: وَقع خَالِد بن عبد الرَّحْمَن على هَذِه الصُّورَة وَهُوَ السّلمِيّ وَاسم جده بكير، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِي طبقته: خَالِد بن عبد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِي نزيل دمشق، وخَالِد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن أبي، الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثم لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.

[الحديث ٥٤١ - أطرافه في ٧٧١، ٥٩٩، ٥٦٨، ٥٤٧]

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ وَهُوَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ رِوَايَةِ عَوْفٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (يَعْرِفُ جَلِيسَهُ) أَيِ الَّذِي بِجَنْبِهِ، فَفِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ: فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى جَلِيسِهِ إِلَى جَنْبِهِ فَيَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلِأَحْمَدَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ وَجْهَ جَلِيسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ. وَلَهُ فِي أُخْرَى وَنَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَصْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ.

قَوْلُهُ: (وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا وَيَرْجِعُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَبِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ عَلَيْهَا شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ، وَظَاهِرُهُ حُصُولُ الذَّهَابِ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالرُّجُوعُ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عَوْفٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الذَّهَابُ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَأَحَدُنَا بِمَعْنَى ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَرِدُ لِلتَّرْتِيبِ مِثْلُ ثُمَّ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَذْهَبُ أَحَدُنَا أَيْ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَجَعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ وَيَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ يَذْهَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ يَذْهَبُ رَاجِعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ سَقَطَتْ إِمَّا لَوْ أَوْ إِذَا، وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ يَذْهَبُ أَحَدُنَا إِلَخْ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ أَحَدُنَا وَيَذْهَبُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لَكِنَّهُ يُغَايِرُ رِوَايَةَ عَوْفٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ وَالْعَصْرَ يَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَلِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِلَفْظِ يَذْهَبُ بَدَلَ يَرْجِعُ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ حَكَى احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ رَجَعَ عَطْفٌ عَلَى يَذْهَبُ، وَالْوَاوُ مُقَدَّرَةٌ وَرَجَعَ بِمَعْنَى يَرْجِعُ. انْتَهَى.

وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ: وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَرِدُ عَلَيْهَا وَأَنَّ رِوَايَةَ عَوْفٍ أَوْضَحَتْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ الذَّهَابُ أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمَجِيءِ كَانَ مِنَ الْمَنْزِلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَكَانَ الذَّهَابُ مِنْهُ إِلَى الْمَنْزِلِ رُجُوعًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ. وَجَزَمَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ شُعْبَةَ.

٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إليه، أو زُوِي له ما بينهما، أو مُثِّلا له، وتأتي (١) مباحثه إن شاء الله تعالى (فَلَمْ أَرَ) أي: فلم أبصر (كَالخَيْرِ) الَّذي في الجنَّة (وَالشَّرِّ) الَّذي في النَّار، أو ما أبصرت شيئًا كالطَّاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار.

٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «حدَّثنا أبو المنهال» وهو بكسر الميم وسكون النُّون، سيَّار بن سلامة البصريُّ (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزَّاي، الأسلميِّ، واسمه نَضْلة بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمة، ابن عُبَيْدٍ -مُصغَّرًا- ﵁ (كَانَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال: كان» (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ

جَلِيسَهُ) أي: مُجالِسه الَّذي إلى جنبه، و «الواو» للحال (وَيَقْرَأُ) ﵊ (فِيهَا) أي: في صلاة الصُّبح (مَا بَيْنَ السِّتِّينَ) من آي القرآن وفوقها (إِلَى المِئَةِ) وحذف لفظ: «فوقها» لدلالة السِّياق عليه، وإِلَّا فلفظ: «بين» يقتضي دخوله على متعدِّدٍ، فكان القياس أن يقول: و «المئة» بدون كلمة «الانتهاء» كما في قوله: «باب ما يكره من السَّمر بعد العشاء» [خ¦٥٩٩]: «إنَّه يقرأ من السِّتِّين إلى المئة» كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ (و) كان ﵊ (يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت إلى جهة المغرب (وَ) يصلِّي (العَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ) من المسجد (إِلَى) منزله (أَقْصَى

المَدِينَةِ) آخرها حال كونه (رَجَعَ) أي: راجعًا من المسجد إلى منزله (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) بيضاء، لم يتغيَّر لونها ولا حرُّها، وليس المُراد: الذَّهاب إلى أقصى المدينة والرُّجوع من ثَمَّ إلى المسجد، ورواية عوفٍ (١) الآتية [خ¦٥٩٩]-إن شاء الله تعالى- قريبًا: «ثمَّ يرجع (٢) أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمس حيَّةٌ» توضح ذلك؛ لأنَّه ليس فيه إلَّا الذَّهاب فقط دون الرُّجوع، ووقع في رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ويرجع» بالواو وصيغة المضارع، وفي روايةٍ: «ثُمَّ يَرْجِعُ» ومثل ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: «وإنَّ أحدنا ليذهب أقصى المدينة ويرجع والشَّمس حيَّةٌ» وهذا يغاير رواية عوفٍ (٣) المذكورة، وهي قد أوضحت أنَّ المُرَاد بـ «الرُّجوع» الذَّهاب إلى المنزل من المسجد، وطرق الحديث يبيِّن بعضها بعضًا، وإنَّما سُمِّي رجوعًا لأنَّ ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذَّهاب منه إلى المنزل رجوعًا، قال أبو المنهال: (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزة (فِي المَغْرِبِ، وَ) كان ﵇ (لَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ) صلاة (العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الأوَّل، وهو وقت الاختيار (ثُمَّ قَالَ) أبو المنهال: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: نصفه، ورجَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وكلامه في «شرح المُهذَّب» يقتضي أنَّ الأكثرين عليه، والحاصل: أنَّ للعشاء أربعة أوقاتٍ: وقت فضيلةٍ أوَّل الوقت، ووقت اختيار إلى ثلث اللَّيل على الأصحِّ، ووقت جوازٍ إلى طلوع الفجر الصَّادق، ووقت عذرٍ وقت المغرب لمن يجمع.

(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن معاذ بن نصرٍ العنبريُّ، التَّابعيُّ (٤) التَّيميُّ، قاضي البصرة، ولابن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الْبعد، فَأَما الْمُصَلِّي وَحده، وَالَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِد قومه، فَالَّذِي أحب لَهُ أَن لَا يُؤَخر الصَّلَاة فِي شدَّة الْحر. قَالَ أَبُو عِيسَى ومعن، من ذهب إِلَى تَأْخِير الظّهْر فِي شدَّة الْحر فَهُوَ أولى وأشبه بالاتباع، وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي أَن الرُّخْصَة لمن ينتاب من الْبعد وللمشقة على النَّاس فَإِن فِي حَدِيث أبي ذَر مَا يدل على خلاف مَا قَالَه الشَّافِعِي. قَالَ أَبُو ذَر: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فَأذن بِلَال بِصَلَاة الظّهْر، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا بِلَال أبرد ثمَّ أبرد) فَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي لم يكن للإبراد فِي ذَلِك الْوَقْت معنى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السّفر، فَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ أَن ينتابوا من الْبعد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: لَا نسلم إجتماعهم لِأَن الْعَادة فِي القوافل سِيمَا فِي العساكر الْكَثِيرَة تفرقهم فِي أَطْرَاف الْمنزل لمصَالح مَعَ التَّخْفِيف على الاصحاب، وَطلب المرعى وَغَيره، خُصُوصا إِذا كَانَ فِيهِ سُلْطَان جليل الْقدر فَإِنَّهُم يتباعدون عَنهُ احتراما وتعظيما لَهُ. قلت: هَذَا لَيْسَ برد موجه لكَلَام التِّرْمِذِيّ فَإِن كَلَامه على الْغَالِب، وَالْغَالِب فِي الْمُسَافِرين اجْتِمَاعهم فِي مَوضِع وَاحِد لِأَن السّفر مَظَنَّة الْخَوْف، سِيمَا إِذا كَانَ عَسْكَر خَرجُوا لأجل الْحَرْب مَعَ الْأَعْدَاء. وَقَالَ بَعضهم، عقيب كَلَام الْكرْمَانِي: وَأَيْضًا فَلم تجر عَادَتهم باتخاذ خباء كَبِير يجمعهُمْ، بل كَانُوا يتفرقون فِي ظلال الشّجر، لَيْسَ هُنَاكَ كن يَمْشُونَ فِيهِ، فَلَيْسَ فِي سِيَاق الحَدِيث مَا يُخَالف مَا قَالَه الشَّافِعِي، وغايته أَنه استنبط من النَّص الْعَام معنى يَخُصُّهُ. انْتهى. قلت: هَذَا أَكثر بعدا من كَلَام الْكرْمَانِي لِأَن فِيهِ إِسْقَاط الْعَمَل بِعُمُوم النُّصُوص الْوَارِدَة فِي الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ بأَشْيَاء ملفقة من الْخَارِج. وَقَوله: فَلَيْسَ فِي سِيَاق الحَدِيث ... إِلَى آخِره، غير صَحِيح، لِأَن الْخلاف لظَاهِر الحَدِيث صَرِيح لَا يخفى، لِأَن ظَاهره عَام، وَالتَّقْيِيد بِالْمَسْجِدِ الَّذِي ينتاب أَهله من الْبعد خلاف ظَاهر الحَدِيث، والاستنباط من النَّص الْعَام معنى يخصصه لَا يجوز عِنْد الْأَكْثَرين، وَلَئِن سلمنَا فَلَا بُد من دَلِيل للتخصيص، وَلَا دَلِيل لذَلِك. هَهُنَا.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضِيَ الله عَنْهُمَا تَتَفَيَّأُ تَتَمَيَّلُ

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {يتفيأ ظلاله} (النَّحْل: ٤٨) . أَن مَعْنَاهُ: يتميل، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْفَيْء سمي بِهِ لِأَنَّهُ ظلّ مَال إِلَى جِهَة غير الْجِهَة الأولى. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تفيأت الظلال، أَي: تقلبت، ويتفيؤ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف أَي، وفاعله مَحْذُوف تَقْدِيره: يتفيأ الظل، ويروى تتفيأ: بِالتَّاءِ، الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: الظلال.

ومناسبة ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس لأجل مَا فِي حَدِيث الْبَاب: (حَتَّى رَأينَا فَيْء التلول) ، وَهَذَا تَعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وكريمة، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره.

١١ - (بابٌ وَقْتُ الظهْرِ عِنْدَ الزَّوَال)

أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا قدرناه. وَيجوز أَن يكون بِالْإِضَافَة وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن وَقت الظّهْر، أَي: ابتداؤه عِنْد زَوَال الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء وميلها إِلَى جِهَة الْمغرب.

وَقَالَ جابرٌ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ

هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث جَابر ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي بَاب وَقت الْمغرب، رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِيه: (فسألنا جَابر بن عبد الله فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الظّهْر بالهاجرة) والهاجرة: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر، وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ ثَبت بِالْفِعْلِ، وَحَدِيث الْإِبْرَاد بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْل، فيرجح على ذَلِك. وَقيل: إِنَّه مَنْسُوخ بِحَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ مُتَأَخّر عَنهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْإِبْرَاد تَأْخِير الظّهْر أدنى تَأْخِير بِحَيْثُ يَقع الظل، وَلَا يخرج بذلك عَن حد التهجير، فَإِن الهاجرة تطلق على الْوَقْت إِلَى أَن يقرب الْعَصْر. قلت: بِأَدْنَى التَّأْخِير لَا يحصل الْإِبْرَاد، وَلم يقل أحد: إِن الهاجرة تمتد إِلَى قرب الْعَصْر.

٥٤٠ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مَالِكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى المنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ فَذَكَرَ أنَّ فِيهَا أُمُورا عِظَاما ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلَا تَسْأَلُونِي عنْ شَيْءٍ إلَاّ أخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا فأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ وأكْثَرَ أنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ الله بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ مَنْ أبي قَالَ أبُوكَ حَذافةُ ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فقالَ رَضِينَا بِالله رَبّا وبِالإسْلَامِ دِينا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيَّا فَسَكَتَ ثُمَّ قالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنَّارُ آنِفا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ فَلَمْ أرَ كَالْخَيْرِ والشَّرِّ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خرج حِين زاغت الشَّمْس فصلى الظّهْر) ، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب من برك على رُكْبَتَيْهِ عِنْد الإِمَام أَو الْمُحدث، وَمتْن الحَدِيث أَيْضا مُخْتَصرا، وَالزِّيَادَة هُنَا من قَوْله: (خرج حِين زاغت الشَّمْس) إِلَى قَوْله: (فَقَامَ عبد الله بن حذافة) وَكَذَا قَوْله: (ثمَّ قَالَ عرضت) إِلَى آخِره. قَوْله: (حِين زاغت) أَي: حِين مَالَتْ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ زَالَت، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن زَوَال الشَّمْس أول وَقت الظّهْر، إِذا لم ينْقل عَنهُ أَنه صلى قبله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْإِجْمَاع. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على أَن وَقت الظّهْر زَوَال الشَّمْس، وَذكر ابْن بطال عَن الْكَرْخِي عَن أبي حنيفَة: أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت تقع نفلا، قَالَ: وَالْفُقَهَاء بأسرهم على خلاف قَوْله. قلت: ذكر أَصْحَابنَا أَن هَذَا قَول ضَعِيف نقل عَن

بعض أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ مَنْقُولًا عَن أبي حنيفَة أَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت تقع نفلا، وَالصَّحِيح عندنَا أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت وجوبا موسعا. وَذكر القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الْكتاب (الفاخر) ، فِيمَا ذكره ابْن بطال وَغَيره عَن بعض النَّاس: يجوز أَن يفتح الظّهْر قبل الزَّوَال، وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة فِي (الْمَبْسُوط) : لَا خلاف أَن أول وَقت الظّهْر يدْخل بِزَوَال الشَّمْس إلَاّ شَيْء نقل عَن بعض النَّاس أَنه يدْخل إِذا صَار الْفَيْء بِقدر الشرَاك، وَصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين زاغت الشَّمْس دَلِيل على أَن ذَلِك من وَقتهَا. قَوْله: (فليسأل) أَي: فليسألني عَنهُ. قَوْله: (فَلَا تَسْأَلُونِي) ، بِلَفْظ النَّفْي، وَحذف نون الْوِقَايَة مِنْهُ جَائِز. قَوْله: (إلَاّ أَخْبَرتكُم) أَي: إلَاّ أخْبركُم، فَاسْتعْمل الْمَاضِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل إِشَارَة إِلَى تحَققه، وَأَنه كالواقع. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا خطب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعد الصَّلَاة، وَقَالَ هُوَ: سلوني، لِأَنَّهُ بلغه أَن قوما من الْمُنَافِقين يسْأَلُون مِنْهُ ويعجزونه عَن بعض مَا يسألونه، فتغيظ وَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء إلَاّ أَخْبَرتكُم بِهِ. قَوْله: (فَأكْثر النَّاس فِي الْبكاء) إِنَّمَا كَانَ بكاؤهم خوفًا من نزُول عَذَاب لغضبه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا كَانَ ينزل على الْأُمَم عِنْد ردهم على أَنْبِيَائهمْ، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، والبكاء يمد وَيقصر، إِذا مددت أردْت الصَّوْت الَّذِي يكون مَعَ الْبكاء، وَإِذا قصرت أردْت الدُّمُوع وخروجها. قَوْله: (وَأكْثر أَن يَقُول) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأكْثر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، القَوْل بقوله: سلوني، وَأَصله: اسألوني، فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين، فحذفت واستغني عَن همزَة الْوَصْل، فَقيل: سلوني، على وزن: فلوني. قَوْله: (فَقَامَ عبد الله بن حذافة) ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِن عبد الله بن حذافة كَانَ يطعن فِي نسبه، فَأَرَادَ أَن يبين لَهُ ذَلِك، فَقَالَت أمه: أما خشيت أَن أكون قارفت بعض مَا كَانَ يصنع فِي الْجَاهِلِيَّة، أَكنت فاضحي عِنْد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: وَالله لَو ألحقني بِعَبْد للحقت بِهِ. قَوْله: (آنِفا) ، أَي: فِي أول وَقت يقرب مني، وَمَعْنَاهُ هُنَا: الْآن، وانتصابه على الظَّرْفِيَّة لِأَنَّهُ يتَضَمَّن معنى الظّرْف. قَوْله: (فِي عرض هَذَا الْحَائِط) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، يُقَال: عرض الشَّيْء، بِالضَّمِّ: ناحيته من أَي وَجه جِئْته. قَوْله: (فَلم أر كالخير) أَي: مَا أَبْصرت قطّ مثل هَذَا الْخَيْر الَّذِي هُوَ الْجنَّة، وَهَذَا الشَّرّ الَّذِي هُوَ النَّار. أَو: مَا أَبْصرت شَيْئا مثل الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة فِي سَبَب دُخُول الْجنَّة وَالنَّار.

٥٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شعْبَةُ عنْ أبي المِنْهَالِ عَنْ أبي بَرْزَةَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جلِيسَهُ وَيَقْرَأ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المائَةِ وَكَانَ يُصَلِّي الظهْرَ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَالعَصْرَ وأَحَدُنا يَذْهَبُ إلَى أَقْصَى المَدِينَةِ رَجَعَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ ونَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ ولَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إلَى ثُلِثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إلَى شَطْرِ الليْلِ. وَقَالَ مُعَاذُ قالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ أوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيُصلي الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس) .

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: حَفْص بن غياث، تكَرر ذكره، وَكَذَلِكَ شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَأَبُو الْمنْهَال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون واسْمه سيار بن سَلامَة الريَاحي، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بَرزَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ بالزاي: الْأَسْلَمِيّ، واسْمه: نَضْلَة، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة بن عبيد مُصَغرًا، أسلم قَدِيما وَشهد فتح مَكَّة، وَلم يزل يَغْزُو مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى قبض فتحول وَنزل الْبَصْرَة، ثمَّ غزا خُرَاسَان وَمَات بمرو أَو بِالْبَصْرَةِ أَو بمفازة سجستان سنة أَربع وَسِتِّينَ، روى لَهُ البُخَارِيّ أَرْبَعَة أَحَادِيث.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَدثنَا أَبُو الْمنْهَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي، وَيجوز أَن يُقَال: كلهم بصريون، لِأَن شُعْبَة وَإِن كَانَ من وَاسِط فقد سكن الْبَصْرَة وَنسب إِلَيْهَا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى، كِلَاهُمَا عَن عَوْف نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن حبيب، وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة، وَعَن أبي كريب عَن سُوَيْد بن عَمْرو الْكَلْبِيّ.

وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر بِتَمَامِهِ، وَفِي مَوضِع آخر بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَعَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن بنْدَار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (واحدنا) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (جليسه) ، الجليس على وزن: فعيل، بِمَعْنى: الْمجَالِس، وَأَرَادَ بِهِ الَّذِي إِلَى جنبه، وَفِي رِوَايَة الجوزقي من طَرِيق وهب عَن شُعْبَة: (فَينْظر الرجل إِلَى جليسه إِلَى جنبه) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَيَنْصَرِف الرجل فَيعرف وَجه جليسه) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وبعضنا يعرف وَجه بعض) . قَوْله: (مَا بَين السِّتين إِلَى الْمِائَة) يَعْنِي: من) آيَات الْقُرْآن الْحَكِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت لفظ: بَين، يَقْتَضِي دُخُوله على مُتَعَدد، فَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وَالْمِائَة، بِدُونِ حرف الِانْتِهَاء؟ قلت: تَقْدِيره مَا بَين السِّتين وفوقها إِلَى الْمِائَة، فَحذف لفظ: فَوْقهَا، لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ. قَوْله: (وَالْعصر) بِالنّصب أَي، وَيُصلي الْعَصْر، و: الْوَاو، فِي: وأحدنا، للْحَال. قَوْله: (إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة) أَي: إِلَى آخرهَا. قَوْله: (رَجَعَ) ، كَذَا وَقع بِلَفْظ الْمَاضِي بِدُونِ: الْوَاو، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (وَيرجع) ، بواو الْعَطف وَصِيغَة الْمُضَارع، وَمحله الرّفْع على أَنه خبر للمبتدأ الَّذِي هُوَ قَوْله: (وأحدنا) ، فعلى هَذَا يكون لفظ: يذهب، حَالا بِمَعْنى: ذَاهِبًا، وَيجوز أَن يكون: يذهب، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر لقَوْله: (أَحَدنَا) ، وَقَوله: رَجَعَ، يكون فِي مَحل النصب على الْحَال و: قد، فِيهِ مقدرَة لِأَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة، إِذا وَقعت حَالا فَلَا بُد مِنْهَا من كلمة: قد إِمَّا ظَاهِرَة وَإِمَّا مقدرَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت، وَلَكِن تكون حَالا منتظرة مقدرَة، وَالتَّقْدِير: وأحدنا يذهب إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة حَال كَونه مُقَدرا الرُّجُوع إِلَيْهَا وَالْحَال أَن الشَّمْس حَيَّة. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون: الْوَاو، فِي قَوْله: وأحدنا، بِمَعْنى ثمَّ. وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالتَّقْدِير: ثمَّ يذهب أَحَدنَا، أَي مِمَّن صلى مَعَه، وَأما قَوْله: رَاجع، فَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: يرجع، وَيكون بَيَانا لقَوْله: يذهب. قلت: هَذَا فِيهِ ارْتِكَاب الْمَحْذُور من وُجُوه. الأول: كَون: الْوَاو، بِمَعْنى: ثمَّ، وَلم يقل بِهِ أحد. وَالثَّانِي: إِثْبَات التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من غير احْتِيَاج إِلَيْهِ. وَالثَّالِث: قَوْله: يرجع، بَيَان لقَوْله: يذهب، فَلَا يَصح ذَلِك لِأَن معنى: يرجع، لَيْسَ فِيهِ غموض حَتَّى يُبينهُ بقوله: يذهب، ومحذور آخر وَهُوَ أَن يكون الْمَعْنى: واحدنا يرجع إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة، وَهُوَ مخل بِالْمَقْصُودِ. وَزعم الْكرْمَانِي أَن فِيهِ وَجها آخر، وَفِيه تعسف جدا، وَهُوَ أَن: رَجَعَ، بِمَعْنى: يرجع، عطف على: يذهب، و: الْوَاو، مقدرَة وَفِيه مَحْذُور آخر أقوى من الأول، وَهُوَ أَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ هُوَ: الرُّجُوع إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة لَا الرُّجُوع إِلَى الْمَسْجِد، فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون الرُّجُوع إِلَى الْمَسْجِد، وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد هُوَ الذّهاب إِلَى أقْصَى الْمَدِينَة وَالرُّجُوع إِلَيْهَا رِوَايَة عَوْف الْأَعرَابِي عَن سيار بن سَلامَة الْآتِيَة عَن قريب، ثمَّ يرجع أَحَدنَا إِلَى رحْلَة فِي أقْصَى الْمَدِينَة وَالشَّمْس حَيَّة. وَاقْتصر هَهُنَا على ذكر الرُّجُوع لحُصُول الِاكْتِفَاء بِهِ لِأَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ الذّهاب إِلَى الْمنزل، وَإِنَّمَا سمي رُجُوعا لِأَن ابْتِدَاء الْمَجِيء كَانَ من الْمنزل إِلَى الْمَسْجِد، فَكَانَ الذّهاب مِنْهُ إِلَى الْمنزل رُجُوعا. قَوْله: (وَالشَّمْس حَيَّة) وحياة الشَّمْس عبارَة عَن بَقَاء حرهَا لم يُغير، وَبَقَاء لَوْنهَا لم يتَغَيَّر، وَإِنَّمَا يدخلهَا التَّغَيُّر بدنو المغيب، كَأَنَّهُ جعل مغيبها موتا لَهَا. قَوْله: (ونسيت) أَي: قَالَ أَبُو الْمنْهَال: (نسيت مَا قَالَه أَبُو بَرزَة فِي (الْمغرب) . قَوْله: (وَلَا يُبَالِي) عطف على قَوْله: (يُصَلِّي) أَي: وَلَا يُبَالِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ من المبالاة وَهُوَ الاكتراث بالشَّيْء. قَوْله: (إِلَى شطر اللَّيْل) أَي: نصفه، وَلَا يُقَال: إِن الَّذِي يفهم مِنْهُ أَن وَقت الْعشَاء لَا يتَجَاوَز النّصْف، لِأَن الْأَحَادِيث الاخر تدل على بَقَاء وَقتهَا إِلَى الصُّبْح، وَإِنَّمَا المُرَاد بِالنِّصْفِ هَهُنَا هُوَ الْوَقْت الْمُخْتَار، وَقد اخْتلف فِيهِ، وَالأَصَح الثُّلُث. قَوْله: (قبلهَا) ، أَي: قبل الْعشَاء. قَوْله: (قَالَ معَاذ) هُوَ: معَاذ بن معَاذ بن نصر بن حسان الْعَنْبَري التَّمِيمِي، قَاضِي الْبَصْرَة، سمع من شُعْبَة وَغَيره، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق قطعا، لِأَن البُخَارِيّ لم يُدْرِكهُ. قلت: هُوَ مُسْند فِي (صَحِيح مُسلم) ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة ... فَذكره. قَوْله: (ثمَّ لَقيته) ، أَي: أَبَا الْمنْهَال مرّة أُخْرَى بعد ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ: أَو ثلث اللَّيْل) . تردد بَين الشّطْر وَالثلث.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة للحنفية لِأَن قَوْله: (وأحدنا يعرف جليسه) ، يدل على الْأَسْفَار، وَلَفظ النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي فِيهِ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْصَرف من الصُّبْح فَينْظر الرجل إِلَى الجليس الَّذِي يعرفهُ فيعرفه) . وَلَكِن قَوْله: (وَيقْرَأ فِيهَا مَا بَين السِّتين إِلَى الْمِائَة) يدل على أَنه كَانَ يشرع فِي الْغَلَس ويمدها بِالْقِرَاءَةِ إِلَى وَقت الْإِسْفَار، وَإِلَيْهِ ذهب

الطَّحَاوِيّ. وَفِيه: أَن وَقت الظّهْر من زَوَال الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء. وَفِيه: أَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ للعصر أَن يُصَلِّي مَا دَامَت الشَّمْس حَيَّة، وَهَذَا يدل على أَن الْمُسْتَحبّ تَعْجِيلهَا، كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس بَيْضَاء مُرْتَفعَة حَيَّة، وَيذْهب الذَّاهِب إِلَى العوالي وَالشَّمْس مُرْتَفعَة) . والعوالي أَمَاكِن بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَأَدْنَاهَا من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال، وأبعدها من جِهَة نجد ثَمَانِيَة، وَلَكِن فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (أدناها من الْمَدِينَة على ميلين) ، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأَرَادَ بِهَذَا الحَدِيث الْمُبَادرَة بِصَلَاة الْعَصْر فِي أول وَقتهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يذهب بعد صَلَاة الْعَصْر ميلين وَثَلَاثَة، وَالشَّمْس بعد لم تَتَغَيَّر، ثمَّ قَالَ: وَفِيه دَلِيل لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور: أَن وَقت الْعَصْر يدْخل إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يدْخل حَتَّى يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَهَذَا حجَّة (للْجَمَاعَة عَلَيْهِ. قُلْنَا: الْجَواب من جِهَة أبي حنيفَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بإبراد الظّهْر بقوله: أبردوا بِالظّهْرِ، يَعْنِي: صلوها إِذا سكنت شدَّة الْحر، واشتداد الْحر فِي دِيَارهمْ يكون فِي وَقت صيرورة ظلّ كل شَيْء مثله، وَلَا يفتر الْحر إلَاّ بعد المثلين، فَإِذا تَعَارَضَت الْآثَار يبْقى مَا كَانَ على مَا كَانَ، وَوقت الظّهْر ثَابت بِيَقِين فَلَا يَزُول بِالشَّكِّ، وَوقت الْعَصْر مَا كَانَ ثَابتا فَلَا يدْخل بِالشَّكِّ. وَفِيه: أَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ للعشاء تَأْخِيره إِلَى ثلث اللَّيْل أَو إِلَى شطره وَهُوَ حجَّة على من فضل التَّقْدِيم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: تَأْخِير الْعشَاء إِلَى ثلث اللَّيْل مُسْتَحبّ، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَأكْثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ قَالَه التِّرْمِذِيّ. وَإِلَى النّصْف مُبَاح، وَمَا بعده مَكْرُوه. وَحكى ابْن الْمُنْذر: أَن الْمَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس إِلَى مَا قبل ثلث اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَب إِسْحَاق وَاللَّيْث أَيْضا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي كتبه الجديدة، وَفِي الْإِمْلَاء، وَالْقَدِيم تَقْدِيمهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ الْأَصَح. وَفِيه: كَرَاهَة النّوم قبل الْعشَاء لِأَنَّهُ تعرض لفواتها باستغراق النّوم. وَفِيه: كَرَاهِيَة الحَدِيث بعْدهَا، وَذَلِكَ لِأَن السهر فِي اللَّيْل سَبَب للكسل فِي النّوم عَمَّا يتَوَجَّه من حُقُوق النّوم والطاعات ومصالح الدّين. قَالُوا: الْمَكْرُوه مِنْهُ مَا كَانَ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا مصلحَة فِيهَا، أما مَا فِيهِ مصلحَة وَخير فَلَا كَرَاهَة فِيهِ، وَذَلِكَ كمدارسة الْعلم، وحكايات الصَّالِحين، ومحادثة الضَّيْف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أَهله وَأَوْلَاده للملاطفة وَالْحَاجة، ومحادثة الْمُسَافِرين لحفظ مَتَاعهمْ أَو أنفسهم، والْحَدِيث فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس والشفاعة إِلَيْهِم فِي خير، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والإرشاد إِلَى مصلحَة وَنَحْو ذَلِك، وكل ذَلِك لَا كَرَاهَة فِيهِ.

٥٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابنَ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا خالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حدَّثني غالِبٌ القَطانُ عنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِي عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا إتِّقَاءَ الحَرِّ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٥ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن صلَاتهم خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالظهائر، تدل على أَنهم كَانُوا يصلونَ الظّهْر فِي أول وقته، وَهُوَ وَقت اشتداد الْحر عِنْد زَوَال الشَّمْس، كَمَا مر فِي أول الْبَاب عَن جَابر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بالهاجرة) . وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث الْأَمر بالإبراد، لِأَن هَذَا الْبَيَان الْجَوَاز، وَحَدِيث الْأَمر بالإبراد لبَيَان الْفضل.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل، بِضَم الْمِيم: أَبُو الْحسن الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْحَنْظَلِي الْمروزِي. الثَّالِث: خَالِد بن عبد الرَّحْمَن ابْن بكير السّلمِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: غَالب، بالغين الْمُعْجَمَة: ابْن خطَّاف الْمَشْهُور بِابْن أبي غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْقطَّان، تقدم فِي بَاب السُّجُود على الثَّوْب. الْخَامِس: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ، تقدم فِي بَاب عرق الْجنب. السَّادِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد بِصِيغَة الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: مُحَمَّد بن مقَاتل من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَوَقع للأصيلي وَغَيره: حَدثنَا مُحَمَّد من غير نِسْبَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل، بنسبته إِلَى أَبِيه. وَفِيه: وَقع خَالِد بن عبد الرَّحْمَن على هَذِه الصُّورَة وَهُوَ السّلمِيّ وَاسم جده بكير، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِي طبقته: خَالِد بن عبد الرَّحْمَن الْخُرَاسَانِي نزيل دمشق، وخَالِد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56