الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4975
الحديث رقم 4975 من كتاب «سورة قل هو الله أحد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله الله الصمد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿غَاسِقٌٍ﴾ اللَّيْلُِ، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ، ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ.
٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث القُدْسِيِّ أنّ اللهَ عز وجل أَخْبَرَ عن المشركين والكفار أنهم يُكذِّبونه ويَصِفُونه بالنقائص والمعايب، وما كان ينبغي لهم ذلك.
فأما تكذيبُهم لله: فَزَعْمُهم أنَّ الله لن يُعيدَهم بعد موتِهم مرة أخرى كما خلقهم أول مرة من عَدَم، فردَّ عليهم بأن الذي بَدَأ الخَلْقَ مِن العَدَم قادرٌ على إعادتهم بل أهون، وإن كان الأمر بالنسبة لله مستويان الخلق والإعادة، فالله على كل شيء قدير.
وأما شتمهم: فقولهم: إن له ولدًا، فَرَدَّ عليهم بأنه الأحد المُتَفَرِّدُ بجميع الكمالات في أسمائه وصفاته وأفعاله، المُنَزَّه عن كل نقص وعيب، الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إليه كل أحد، ولم يكن والدًا لأحد، ولم يكن ولدًا لأحد، ولم يكن لي كفؤًا أحدٌ من مثيلٍ أو نظيرٍ سبحانه وتعالى.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا
في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى.
ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان
الَّذي يبقى نوعهُ (١) بالتَّوالد والتَّناسل، بل هو وجودٌ مستمرٌّ أزليٌّ أبديٌّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ ليسَ مثل وجودِ الإنسان (٢) الَّذي يتحصَّل بعد العدم، ويبقى دائمًا إمَّا في جنَّةٍ عاليةٍ لا يفنى، وإمَّا في هاويةٍ لا ينقطعُ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] دليلٌ على أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ الَّذي (٣) له تعالى هو الوجودُ الَّذي يُفيد وجود غيرهِ، ولا يستفيد (٤) الوجودَ من غيره، فقوله تعالى: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ دليلٌ على إثباتِ ذاتهِ المقدَّسة (٥) المنزَّهة، والصَّمديَّة تقتضِي نفي الحاجة عنه، واحتياجَ غيرِه إليه، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … إلى آخرِ السُّورة سلب ما يوصَف به غيرهُ عنه، ولا طريقَ في معرفتهِ تعالى أوضح من سلبِ صفاتِ المخلوقاتِ عنه.
ولمَّا اشتملتْ هذه السُّورة -مع قصرهَا- على جميعِ المعارفِ الإلهيَّة، والردِّ على من ألحدَ فيها؛ جاء أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ، كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في «كتاب فضائلِ القُرآن» [خ¦٥٠١٣] وهل يحملُ ذلك على الإجزاءِ أم (٦) على غيرِها؟ فذهب الفقهاءُ والمفسِّرون إلى أنَّ لقارئها من الثَّواب ثلث ما لقارئ جملته، وليس في الجوابِ أكثر من أنَّ الله يهبُ ما يشاءُ لمن يشاء، وأجابَ المتكلِّفون بجوابٍ يمكنُ إرادتهُ، قالوا: القرآنُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ فيما يجوزُ أن يوصفَ به وما لا يجوزُ، وقسمٌ من أمر الدُّنيا، وقسمٌ من أمرِ الآخرةِ، ولم تتضمَّن سورة الإخلاصِ غير القسمِ الواحد، فصارت تعدلُ ثلثهُ؛ ولهذا سمِّيت سورة الإخلاصِ؛ لأنَّها خلصت في صفاته خاصَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه قريبًا بعونِ الله وقوَّته، وسقط قوله: «كفؤًا وكفيئًا … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.
(((١١٣))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الصُّبْحُ) لأنَّ اللَّيل يُفْلَقُ عنه ويُفْرَق، فَعَل بمعنى: مفعول، أي: مفلوقٌ، وتخصيصُه لما فيه من تغيُّر (١) الحالِ (٢)، وتبدُّل وحشةِ اللَّيل بسرور النُّور، وقيل: هو كلُّ ما يفلقهُ الله؛ كالأرض عن النَّبات، والسَّحاب عن المطرِ، والأرحامِ عن الأولادِ، وثبت قوله: «﴿الْفَلَقِ﴾: الصُّبح» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره.
(و ﴿غَاسِقٍ﴾) بالرَّفع وبالجرِّ، وهو الموافقُ للتَّنزيل: (اللَّيْلُ) أي: العظيم ظلامهُ (﴿إِ ذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]) أي: (غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ (٣): أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) الأوَّل بالرَّاء، والثَّاني باللَّام (﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) بغروبِ الشَّمس، وقيل: المراد القمر؛ فإنَّه يكسِفُ فيغسِقُ، ووقُوبُهُ دخولُهُ في الكسوفِ. وفي حديث عائشة عند التِّرمذيِّ والحاكمِ: أنَّه ﷺ أخذَ بيدها فأراهَا القمرَ حين طلعَ، وقال: «تعوَّذي باللهِ مِن شرِّ هذا الغاسقِ إذا وقَبَ».
قال في «شرح المشكاة»: لمَّا سُحر النَّبيُّ ﷺ استشفَى بالمعوِّذتين؛ لأنَّهما من الجوامعِ في هذا البابِ، فتأمَّل في أولاهُما كيف خصَّ وصف المستعاذِ به (٤) ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] أي:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالْوَاحد اسْم لمفتح الْعدَد، فأحد يصلح فِي الْكَلَام فِي مَوضِع الْجُحُود، وَالْوَاحد فِي مَوضِع الْإِثْبَات، تَقول: يأتني مِنْهُم أحد، وَجَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد وَلَا يُقَال: جَاءَنِي مِنْهُم أحد لِأَنَّك إِذا قلت: لم يأتني مِنْهُم أحد فَمَعْنَاه أَنه لَا وَاحِد أَتَانِي وَلَا إثنان، وَإِذا قلت: جَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد، فَمَعْنَاه أَنه لم يأتني اثْنَان، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أحد فِي الأَصْل وَاحِد.
٤٧٩٤ - حدَّثنا أبُو اليمَانِ حدَّثنا شعَيْبٌ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: كذَّبَني ابنُ آدَمَ وَلَمْ يكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، فأمَّا تَكذِيبُهُ إيَّايَ فقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأهْوَنَ علَيَّ مِنْ إعادَتِه؛ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي فقَوْلَهُ: { (٢) اتخذ الله ولدا} (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ ألِدْ ولَمْ أولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفْئا أحَدٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب {قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ} (الْبَقَرَة: ٦١١) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن عبد الله بن أبي حُسَيْن عَن نَافِع بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحْو رِوَايَة أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (وَشَتَمَنِي) الشتم توصيف الشَّخْص بارزاء وَنقص فِيهِ لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بِالنّسَبِ.
٢ - (بابٌ قوْلُهُ اللَّهُ الصَّمَدُ} (الْإِخْلَاص: ٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلاّ لأبي ذَر.
والعَرُبُ تُسَمِّي أشْرَافَها الصَّمَد. قَالَ أبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الذِي انْتَهَى سُودَدُهُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى الصَّمد عِنْد الْعَرَب الشّرف، وَلِهَذَا يسمون رؤساءهم: الْأَشْرَاف بالصمد. وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ السَّيِّد الَّذِي قد كمل أَنْوَاع الشّرف والسؤدد، وَقيل: هُوَ السَّيِّد الْمَقْصُود فِي الْحَوَائِج، تَقول الْعَرَب: صمدت فلَانا أصمده صمدا، بِسُكُون الْمِيم: إِذا قصدته والمصمود صَمد، وَيُقَال: بَيت مصمود إِذا قَصده النَّاس فِي حوائجهم. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو وَائِل) بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف كنية شَقِيق بن مسلمة، وَهَذَا ثَبت النَّسَفِيّ هُنَا، وَقد ذكر فِي تَفْسِير الصَّمد مَعَاني كَثِيرَة.
٥٧٩٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ منْصُورٍ قَالَ: وَحدثنَا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله: كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَم يَكُنْ لَهُ ذالك؛ أمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ: إنِّي لَنْ أعِيدَهُ كَما بَدَأْتُهُ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ { (٢) اتخذ الله ولدا} (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الصَّمدُ الّذِي لَمْ أَلِدْ ولَمْ أُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤا أحَدٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور الْمروزِي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (كَذبَنِي ابْن آدم) ، أَي: بعض بني آدم، وَالْمرَاد بهم المنكرون للبعث من مُشْركي الْعَرَب وَغَيرهم من عباد الْأَوْثَان وَالنَّصَارَى. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ ذَلِك) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَلم يثبت لبَقيَّة الروَاة عَن الْفربرِي، وَكَذَا النَّسَفِيّ. قَوْله: (أما تَكْذِيبه إيَّايَ أَن يَقُول) الْقيَاس: أَن يُقَال: فَأن يَقُول، بِالْفَاءِ وَهَذَا دَلِيل من جوز حذف الْفَاء من جَوَاب أما قَوْله: (وَلم يكن لي كُفؤًا أحد) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يكن لَهُ، بطرِيق الِالْتِفَات.
كُفُؤا وكَفيئا وكِفاءً واحدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كفوا بِضَمَّتَيْنِ بِدُونِ الْهمزَة، وكفيئا على وزن فعيل. وكفاءً على وزن فعال بِالْكَسْرِ بِمَعْنى وَاحِد، والكفؤ الْمثل والنظير وَلَيْسَ لله عز وَجل كفؤ وَلَا مثيل وَلَا شَبيه، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: وَلم يكن لَهُ كُفؤًا أحد، على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي لَيْسَ لَهُ أحد كُفؤًا. وَقَرَأَ حَمْزَة وَيَعْقُوب: كفئا، سَاكِنة الْفَاء ممهوزة وَمثله رُوِيَ الْعَبَّاس عَن أبي عَمْرو وَإِسْمَاعِيل عَن نَافِع وَحَفْص عَن عَاصِم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْفَاء وَفتح حَفْص الْوَاو بِغَيْر همزَة، وَرُوِيَ فِي الشواذ عَن سُلَيْمَان بن على أَنه قَرَأَ: كفاء، بِكَسْر ثمَّ مد، وَرُوِيَ عَن نَافِع مثله لَكِن بِغَيْر مد.
٣١١ - (سورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (الفلق: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} (الفلق: ١) وَفِي بعض النّسخ {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} من غير ذكر سُورَة وَفِي بَعْضهَا وَفِي بَعْضهَا سُورَة الفلق.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر.
وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول سُفْيَان وَفِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة مَكِّيَّة وَكَذَا قَالَه السّديّ وَقَالَ سُفْيَان الفلق وَالنَّاس تزلتا فِيمَا كانلبيد بن الأعصم سحر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقصته مسهورة فِي التفاسير وَهِي أَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حرفا وَثَلَاث وَعِشْرُونَ كلمة وَخمْس آيَات والفلق الصُّبْح كَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس وَعنهُ سجن فِي جَهَنَّم وَعَن السّديّ جب فِي جَهَنَّم وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ يرفعهُ بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ الفلق جب فيجهنم مغطى وَعَن كَعْب الْجب بَيت فِي جَهَنَّم إِذا فتح صَاح أهل النَّار من شَرّ حره وَقيل غير ذَلِك.
{وَقَالَ مُجَاهِد الفلق الصُّبْح وغاسق اللَّيْل إِذا وَقب غرُوب الشَّمْس يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم}
أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن شَرّ غَاسِق إِذا وَقب} أَن الْغَاسِق اللَّيْل وَإِذا وَقب غرُوب الشَّمْس وَكَذَا روى عَن أبي عُبَيْدَة ووقب من الوقوب وَهُوَ غرُوب الشَّمْس وَالدُّخُول فِي موضعهَا وَيُقَال وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم وَهُوَ كَلَام الْفراء وَكَذَا قَوْله يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح من كَلَام الْفراء.
٤٧٢ - حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم وَعَبدَة عَن زر بن حُبَيْش قَالَ سَأَلت أبي بن كَعْب عَن المعوذتين فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لي فَقلت فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وسُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَاصِم هُوَ ابْن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم وبالمهملة أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة الأولى الْأَسدي وزر بِكَسْر الزَّاي وَشدَّة الرَّاء ابْن جبيش مصغر الْحَبَش بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة قَوْله: (عَن المعوذتين) بِكَسْر الْوَاو وَمعنى السُّؤَال عَنْهُمَا لأجل قَول ابْن مَسْعُود أَن المعوذتين ليستا من الْقُرْآن فَسَأَلَ عَنْهُمَا من أَبى من هَذِه الْجِهَة فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ قيل لي أعوذ أَي إقرأنيهما جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يعْنى أَنَّهُمَا من الْقُرْآن قَوْله (فَنحْن نقُول) من كَلَام أبي رضى الله تَعَالَى عَنهُ.
(سُورَة {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} )
أَي هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة (قل أعوذ بِرَبّ النَّاس) وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ: سُورَة وَفِي بَعْضهَا بِسُورَة النَّاس، وَهِي مَدَنِيَّة، وَهِي تِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وست آيَات.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: الوَسْوَاسِ إذَا وُلِدَ خَنَسَةُ الشّيْطانُ فإِذَا ذُكِرَ الله عَزَّ وجلَّ ذَهَبَ، وإذَا لَمْ يُذْكَرِ الله ثَبَتَ علَى قَلْبِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا
في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى.
ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان
الَّذي يبقى نوعهُ (١) بالتَّوالد والتَّناسل، بل هو وجودٌ مستمرٌّ أزليٌّ أبديٌّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ ليسَ مثل وجودِ الإنسان (٢) الَّذي يتحصَّل بعد العدم، ويبقى دائمًا إمَّا في جنَّةٍ عاليةٍ لا يفنى، وإمَّا في هاويةٍ لا ينقطعُ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] دليلٌ على أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ الَّذي (٣) له تعالى هو الوجودُ الَّذي يُفيد وجود غيرهِ، ولا يستفيد (٤) الوجودَ من غيره، فقوله تعالى: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ دليلٌ على إثباتِ ذاتهِ المقدَّسة (٥) المنزَّهة، والصَّمديَّة تقتضِي نفي الحاجة عنه، واحتياجَ غيرِه إليه، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … إلى آخرِ السُّورة سلب ما يوصَف به غيرهُ عنه، ولا طريقَ في معرفتهِ تعالى أوضح من سلبِ صفاتِ المخلوقاتِ عنه.
ولمَّا اشتملتْ هذه السُّورة -مع قصرهَا- على جميعِ المعارفِ الإلهيَّة، والردِّ على من ألحدَ فيها؛ جاء أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ، كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في «كتاب فضائلِ القُرآن» [خ¦٥٠١٣] وهل يحملُ ذلك على الإجزاءِ أم (٦) على غيرِها؟ فذهب الفقهاءُ والمفسِّرون إلى أنَّ لقارئها من الثَّواب ثلث ما لقارئ جملته، وليس في الجوابِ أكثر من أنَّ الله يهبُ ما يشاءُ لمن يشاء، وأجابَ المتكلِّفون بجوابٍ يمكنُ إرادتهُ، قالوا: القرآنُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ فيما يجوزُ أن يوصفَ به وما لا يجوزُ، وقسمٌ من أمر الدُّنيا، وقسمٌ من أمرِ الآخرةِ، ولم تتضمَّن سورة الإخلاصِ غير القسمِ الواحد، فصارت تعدلُ ثلثهُ؛ ولهذا سمِّيت سورة الإخلاصِ؛ لأنَّها خلصت في صفاته خاصَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه قريبًا بعونِ الله وقوَّته، وسقط قوله: «كفؤًا وكفيئًا … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.
(((١١٣))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الصُّبْحُ) لأنَّ اللَّيل يُفْلَقُ عنه ويُفْرَق، فَعَل بمعنى: مفعول، أي: مفلوقٌ، وتخصيصُه لما فيه من تغيُّر (١) الحالِ (٢)، وتبدُّل وحشةِ اللَّيل بسرور النُّور، وقيل: هو كلُّ ما يفلقهُ الله؛ كالأرض عن النَّبات، والسَّحاب عن المطرِ، والأرحامِ عن الأولادِ، وثبت قوله: «﴿الْفَلَقِ﴾: الصُّبح» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره.
(و ﴿غَاسِقٍ﴾) بالرَّفع وبالجرِّ، وهو الموافقُ للتَّنزيل: (اللَّيْلُ) أي: العظيم ظلامهُ (﴿إِ ذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]) أي: (غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ (٣): أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) الأوَّل بالرَّاء، والثَّاني باللَّام (﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) بغروبِ الشَّمس، وقيل: المراد القمر؛ فإنَّه يكسِفُ فيغسِقُ، ووقُوبُهُ دخولُهُ في الكسوفِ. وفي حديث عائشة عند التِّرمذيِّ والحاكمِ: أنَّه ﷺ أخذَ بيدها فأراهَا القمرَ حين طلعَ، وقال: «تعوَّذي باللهِ مِن شرِّ هذا الغاسقِ إذا وقَبَ».
قال في «شرح المشكاة»: لمَّا سُحر النَّبيُّ ﷺ استشفَى بالمعوِّذتين؛ لأنَّهما من الجوامعِ في هذا البابِ، فتأمَّل في أولاهُما كيف خصَّ وصف المستعاذِ به (٤) ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] أي:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالْوَاحد اسْم لمفتح الْعدَد، فأحد يصلح فِي الْكَلَام فِي مَوضِع الْجُحُود، وَالْوَاحد فِي مَوضِع الْإِثْبَات، تَقول: يأتني مِنْهُم أحد، وَجَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد وَلَا يُقَال: جَاءَنِي مِنْهُم أحد لِأَنَّك إِذا قلت: لم يأتني مِنْهُم أحد فَمَعْنَاه أَنه لَا وَاحِد أَتَانِي وَلَا إثنان، وَإِذا قلت: جَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد، فَمَعْنَاه أَنه لم يأتني اثْنَان، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أحد فِي الأَصْل وَاحِد.
٤٧٩٤ - حدَّثنا أبُو اليمَانِ حدَّثنا شعَيْبٌ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: كذَّبَني ابنُ آدَمَ وَلَمْ يكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، فأمَّا تَكذِيبُهُ إيَّايَ فقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأهْوَنَ علَيَّ مِنْ إعادَتِه؛ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي فقَوْلَهُ: { (٢) اتخذ الله ولدا} (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ ألِدْ ولَمْ أولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفْئا أحَدٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب {قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ} (الْبَقَرَة: ٦١١) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن عبد الله بن أبي حُسَيْن عَن نَافِع بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحْو رِوَايَة أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (وَشَتَمَنِي) الشتم توصيف الشَّخْص بارزاء وَنقص فِيهِ لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بِالنّسَبِ.
٢ - (بابٌ قوْلُهُ اللَّهُ الصَّمَدُ} (الْإِخْلَاص: ٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلاّ لأبي ذَر.
والعَرُبُ تُسَمِّي أشْرَافَها الصَّمَد. قَالَ أبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الذِي انْتَهَى سُودَدُهُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى الصَّمد عِنْد الْعَرَب الشّرف، وَلِهَذَا يسمون رؤساءهم: الْأَشْرَاف بالصمد. وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ السَّيِّد الَّذِي قد كمل أَنْوَاع الشّرف والسؤدد، وَقيل: هُوَ السَّيِّد الْمَقْصُود فِي الْحَوَائِج، تَقول الْعَرَب: صمدت فلَانا أصمده صمدا، بِسُكُون الْمِيم: إِذا قصدته والمصمود صَمد، وَيُقَال: بَيت مصمود إِذا قَصده النَّاس فِي حوائجهم. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو وَائِل) بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف كنية شَقِيق بن مسلمة، وَهَذَا ثَبت النَّسَفِيّ هُنَا، وَقد ذكر فِي تَفْسِير الصَّمد مَعَاني كَثِيرَة.
٥٧٩٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ منْصُورٍ قَالَ: وَحدثنَا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله: كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَم يَكُنْ لَهُ ذالك؛ أمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ: إنِّي لَنْ أعِيدَهُ كَما بَدَأْتُهُ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ { (٢) اتخذ الله ولدا} (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الصَّمدُ الّذِي لَمْ أَلِدْ ولَمْ أُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤا أحَدٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور الْمروزِي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (كَذبَنِي ابْن آدم) ، أَي: بعض بني آدم، وَالْمرَاد بهم المنكرون للبعث من مُشْركي الْعَرَب وَغَيرهم من عباد الْأَوْثَان وَالنَّصَارَى. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ ذَلِك) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَلم يثبت لبَقيَّة الروَاة عَن الْفربرِي، وَكَذَا النَّسَفِيّ. قَوْله: (أما تَكْذِيبه إيَّايَ أَن يَقُول) الْقيَاس: أَن يُقَال: فَأن يَقُول، بِالْفَاءِ وَهَذَا دَلِيل من جوز حذف الْفَاء من جَوَاب أما قَوْله: (وَلم يكن لي كُفؤًا أحد) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يكن لَهُ، بطرِيق الِالْتِفَات.
كُفُؤا وكَفيئا وكِفاءً واحدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كفوا بِضَمَّتَيْنِ بِدُونِ الْهمزَة، وكفيئا على وزن فعيل. وكفاءً على وزن فعال بِالْكَسْرِ بِمَعْنى وَاحِد، والكفؤ الْمثل والنظير وَلَيْسَ لله عز وَجل كفؤ وَلَا مثيل وَلَا شَبيه، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: وَلم يكن لَهُ كُفؤًا أحد، على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي لَيْسَ لَهُ أحد كُفؤًا. وَقَرَأَ حَمْزَة وَيَعْقُوب: كفئا، سَاكِنة الْفَاء ممهوزة وَمثله رُوِيَ الْعَبَّاس عَن أبي عَمْرو وَإِسْمَاعِيل عَن نَافِع وَحَفْص عَن عَاصِم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْفَاء وَفتح حَفْص الْوَاو بِغَيْر همزَة، وَرُوِيَ فِي الشواذ عَن سُلَيْمَان بن على أَنه قَرَأَ: كفاء، بِكَسْر ثمَّ مد، وَرُوِيَ عَن نَافِع مثله لَكِن بِغَيْر مد.
٣١١ - (سورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (الفلق: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} (الفلق: ١) وَفِي بعض النّسخ {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} من غير ذكر سُورَة وَفِي بَعْضهَا وَفِي بَعْضهَا سُورَة الفلق.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر.
وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول سُفْيَان وَفِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة مَكِّيَّة وَكَذَا قَالَه السّديّ وَقَالَ سُفْيَان الفلق وَالنَّاس تزلتا فِيمَا كانلبيد بن الأعصم سحر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقصته مسهورة فِي التفاسير وَهِي أَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حرفا وَثَلَاث وَعِشْرُونَ كلمة وَخمْس آيَات والفلق الصُّبْح كَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس وَعنهُ سجن فِي جَهَنَّم وَعَن السّديّ جب فِي جَهَنَّم وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ يرفعهُ بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ الفلق جب فيجهنم مغطى وَعَن كَعْب الْجب بَيت فِي جَهَنَّم إِذا فتح صَاح أهل النَّار من شَرّ حره وَقيل غير ذَلِك.
{وَقَالَ مُجَاهِد الفلق الصُّبْح وغاسق اللَّيْل إِذا وَقب غرُوب الشَّمْس يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم}
أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن شَرّ غَاسِق إِذا وَقب} أَن الْغَاسِق اللَّيْل وَإِذا وَقب غرُوب الشَّمْس وَكَذَا روى عَن أبي عُبَيْدَة ووقب من الوقوب وَهُوَ غرُوب الشَّمْس وَالدُّخُول فِي موضعهَا وَيُقَال وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم وَهُوَ كَلَام الْفراء وَكَذَا قَوْله يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح من كَلَام الْفراء.
٤٧٢ - حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم وَعَبدَة عَن زر بن حُبَيْش قَالَ سَأَلت أبي بن كَعْب عَن المعوذتين فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لي فَقلت فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وسُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَاصِم هُوَ ابْن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم وبالمهملة أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة الأولى الْأَسدي وزر بِكَسْر الزَّاي وَشدَّة الرَّاء ابْن جبيش مصغر الْحَبَش بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة قَوْله: (عَن المعوذتين) بِكَسْر الْوَاو وَمعنى السُّؤَال عَنْهُمَا لأجل قَول ابْن مَسْعُود أَن المعوذتين ليستا من الْقُرْآن فَسَأَلَ عَنْهُمَا من أَبى من هَذِه الْجِهَة فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ قيل لي أعوذ أَي إقرأنيهما جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يعْنى أَنَّهُمَا من الْقُرْآن قَوْله (فَنحْن نقُول) من كَلَام أبي رضى الله تَعَالَى عَنهُ.
(سُورَة {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} )
أَي هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة (قل أعوذ بِرَبّ النَّاس) وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ: سُورَة وَفِي بَعْضهَا بِسُورَة النَّاس، وَهِي مَدَنِيَّة، وَهِي تِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وست آيَات.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: الوَسْوَاسِ إذَا وُلِدَ خَنَسَةُ الشّيْطانُ فإِذَا ذُكِرَ الله عَزَّ وجلَّ ذَهَبَ، وإذَا لَمْ يُذْكَرِ الله ثَبَتَ علَى قَلْبِهِ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56