الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2370
الحديث رقم 2370 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنَ الْأَنْهَارِ
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَفِيهِ: وَرَجُلٌ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ وَقَالَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُعَاقَبَةَ وَقَعَتْ عَلَى مَنْعِهِ الْفَضْلَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَصْلِ، وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ عَالَجَهُ لَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا يَخْفَى مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْبِئْرَ لَيْسَتْ مِنْ حَفْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنْعِهِ غَاصِبَ ظَالِمٍ، وَهَذَا لَا يَرِدُ فِيمَا حَازَهُ وَعَمِلَهُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَفَرَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّفَةِ أَيِ الْعَطْشَانِ، وَيَكُونُ مَعْنَى مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ أَيْ لَمْ تُنْبِعِ الْمَاءَ وَلَا أَخْرَجْتَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَيِ الْأَخِيرُ لَيْسَ مِنَ الْبَابِ فِي شَيْءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهُ صَحَّحَ الْمَوْصُولَ لِكَوْنِ الَّذِي وَصَلَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ فَوَصَلُوهُ قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُمْ. قُلْتُ: وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا عَمْرٌو النَّاقِدُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، وَصَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١١ - بَاب لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
[الحديث ٢٣٧٠ - طرفه في: ٣٠١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمُا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَالْآخَرُ مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ بَعْدَهُ أَنْ يَحْمِيَ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خَاصَّةً. وَأَخَذَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ لَكِنْ رَجَّحُوا الْأَوَّلَ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّ عُمَرَ حَمَى بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ ; وَالْمُرَادُ بِالْحِمَى مَنْعُ الرَّعْيِ فِي أَرْضٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ فَيَجْعَلُهَا الْإِمَامُ مَخْصُوصَةً بِرَعْيِ بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْهُ مِنَ الْأَقْرَانِ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ ابْنِ شِهَابٍ، وفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ.
قَوْلُهُ: (لَا حِمَى) أَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخْصِبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ، وَالْحِمَى هُوَ الْمَكَانُ الْمَحْمِيُّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْإِحْيَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ وَيُمْنَعُ غَيْرُهَا، وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصُّ بِالْخَلِيفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وُلَاةُ الْأَقَالِيمِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ مُطْلَقًا أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ الْإِمَامِ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَتُعُقِّبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْحِمَى أَخَصُّ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
زائدٍ عمَّا يحتاج إليه، ولأبي ذرٍّ: «فضل مائه» (فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي) بضمِّ العين (كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ) أي: يرفع أبو صالحٍ الحديثَ إلى النَّبيِّ (ﷺ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنَّه صحَّح الموصول لكونه سمعه من الحفَّاظ موصولًا، وقد أخرجه أيضًا عمرٌو النَّاقد فيما أخرجه مسلمٌ عنه عن سفيان.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المعاقبة وقعت على منع الفضل، فدلَّ على أنَّه أحقُّ بالأصل، وقد مضى هذا الحديث في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨].
(١١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ) «الحِمَى» بكسر الحاء وفتح الميم، من غير تنوينٍ، مقصورًا، وهو لغةً: المحظور، واصطلاحًا: ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع سائر النَّاس الرَّعي فيه.
٢٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون التَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ (٢) الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون العين، و «جَثَّامة» بفتح الجيم وتشديد المُثلَّثة، اللَّيثيَّ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا حِمَى) لأحدٍ يخصُّ نفسه به (٣) يرعى فيه ماشيته دون سائر النَّاس (إِلَّا للهِ) ﷿
(وَلِرَسُولِهِ) ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصَّةً إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، كما فعل العُمَران وعثمان ﵃، وإنَّما يحمي الإمام ما ليس بمملوكٍ كبطون الأودية والجبال والموات، وفي «النِّهاية»: قيل: كان الشَّريف في الجاهليَّة إذا نزل أرضًا في حيِّه استعوى كلبًا، فحَمَى مَدَى عُواء الكلب لا يشرَكُه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعَون فيه، فنهى النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، أي: إلَّا (١) ما يُحمَى للخيل التي تُرصَد للجهاد، والإبل التي يُحمَل عليها في سبيل الله تعالى، وإبل الزَّكاة وغيرها. (وَقَالَ) أي: ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق مُرسَلًا: (بَلَغَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقال أبو عبد الله» أي: البخاريّ (٢): «بلغنا» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ) بفتح النُّون وكسر القاف وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مهملةٌ، وهو موضعٌ على عشرين فرسخًا من المدينة، وقَدْرُه ميلٌ في ثمانية أميالٍ، كما ذكره ابن وهبٍ في «مُوطَّئه»، وهو في الأصل: كلُّ موضعٍ يستنقع فيه الماء، أي: يجتمع، فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ، وهو غير نقيع الخَضِمَات، وقد توهِمُ رواية أبي ذرٍّ حيث قال: «وقال أبو عبد الله: بلغنا» أنَّه من كلام المؤلِّف، وإنَّما الضَّمير المرفوع في «بلغنا» يرجع إلى الزُّهريِّ كما صرَّح به أبو داود (وَأَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (حَمَى السَّرَفَ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء، كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» كهي، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرها: «السَّرِف» بكسر الرَّاء، ككَتِفٍ، موضعٌ قرب التَّنعيم، وذكر القاضي عياضٌ أنَّه الذي عند البخاريِّ، وقال الدِّمياطيُّ: إنَّه خطأٌ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٣): «الشَّرَف» بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء، وهو كذا (٤) في بعض الأصول المعتمدة، وهو الذي في «مُوطَّأ ابن وهبٍ»، ورواه بعض رواة البخاريِّ أو أصلحه، وهو الصَّواب، وأمَّا «سرف» فلا يدخله الألف واللَّام، كما قاله القاضي عياضٌ (وَالرَّبَذَةَ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والمعجمة: موضعٌ معروفٌ بين الحرمين، وقوله: «وأنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
جرهم وَابْن عَمه قطورا هما كَانَا أهل مَكَّة وَكَانَا قد ظعنا من الْيمن فَأَقْبَلَا سيارة وعَلى جرهم مضاض بن عمر وعَلى قطورا السميدع رجل مِنْهُم فَنزلَا مَكَّة وجرهم بن قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " لَو تركت زَمْزَم " بِأَن لَا تغرف مِنْهَا إِلَى الْقرْبَة وَلَا تشح بهَا لكَانَتْ عينا معينا بِفَتْح الْمِيم أَي جَارِيا قَوْله " أَو قَالَ " شكّ من الرَّاوِي قَوْله أَتَأْذَنِينَ خطاب لهاجر بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " أَن ننزل " بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر ويروى أَن أنزل بِاعْتِبَار قَول كل وَاحِد مِنْهُم قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) نعم مقررة لما سبق وَهَهُنَا النَّفْي سَابق (قلت) يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى وَلِهَذَا يثبت بِهِ الْإِقْرَار حَيْثُ يُقَال أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ نعم (قلت) التَّحْقِيق فِيهِ أَن بلَى لَا تَأتي إِلَّا بعد نفي وَأَن نعم تَأتي بعد نفي وَإِيجَاب فَلَا يحْتَاج أَن يُقَال يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى -
٩٦٣٢ - حدَّثنا عبد الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ إبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ ولَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ رجُلٌ حَلَفَ علَى سِلْعةٍ لقَدْ أعْطَى أكْثَرَ مِمَّا أعْطَى وهْوَ كاذِبٌ ورجُلٌ حلَفَ علَى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ورَجُلٌ منَعَ فَضْلَ ماءٍ فيَقُولُ الله الْيَوْمَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كَما منَعْتَ فَضْلَ مالَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل منع فضل مَاء) ، لِأَنَّهُ اسْتحق الْعقَاب فِي الْفضل، فَدلَّ هَذَا أَنه أَحَق بِالْأَصْلِ الَّذِي فِي حَوْضه، أَو فِي قربته، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، والْحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب فِي: بَاب إِثْم من منع ابْن السَّبِيل من المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن بَينهمَا بعض اخْتِلَاف فِي الْمَتْن بِزِيَادَة ونقصان يعلم بِالنّظرِ، فَإِن فِيهِ هُنَاكَ الرجل المبايع للْإِمَام هُوَ ثَالِث الثَّلَاثَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذا لم يحصر على هَذِه الثَّلَاثَة وَلَا على تِلْكَ الثَّلَاثَة.
قَوْله: (أَكثر مِمَّا أعْطى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي: أَكثر مِمَّا أعْطى فلَان الَّذِي يستامه. قَوْله: (وَهُوَ كَاذِب) جملَة حَالية. قَوْله: (الْيَوْم أمنعك فضلي) أَي: إِنَّك إِذا كنت تمنع فضل المَاء الَّذِي لَيْسَ بعملك، وَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك أمنعك الْيَوْم فضلي مجازاة لما فعلت. وَقيل: قَوْله: الْيَوْم أمنعك ... إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أأنتم أنزلتموه من المزن أم نَحن المنزلون} (الْوَاقِعَة: ٩٦) . وَحكى ابْن التِّين عَن أبي عبد الْملك أَنه قَالَ: هَذَا يخفي مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّه يُرِيد أَن الْبِئْر لَيست من حفره، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنعه غَاصِب ظَالِم، وَهَذَا لَا يرد فِيمَا حازه وَعَمله، وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ حفرهَا ومنعها من صَاحب الشّفة، أَي: العطشان، وَيكون معنى: مَا لم تعْمل يداك، أَي: لم تنبع المَاء وَلَا أخرجته. قلت: تَقْيِيد هَذَا بالبئر لَا معنى لَهُ، لِأَن قَوْله: وَرجل منع فضل مَاء، أَعم من أَن يكون ذَلِك الْفضل فِي الْبِئْر أَو فِي الْحَوْض أَو فِي الْقرْبَة وَنَحْو ذَلِك.
وقالَ عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعَ أبَا صالِحٍ يبْلُغُ بِهِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: قَالَ عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار سمع أَبَا صَالح ذكْوَان يبلغ بِهِ، أَي يرفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سُفْيَان كَانَ يُرْسل هَذَا الحَدِيث كثيرا، وَلكنه صحّح الْمَوْصُول لِأَنَّهُ سَمعه من الْحفاظ مَوْصُولا وَوَصله أَيْضا عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه مُسلم عَنهُ عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أرَاهُ مَرْفُوعا، وَالله أعلم.
١١ - (بابٌ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ، وَعقد هَذِه التَّرْجَمَة بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب من غير زِيَادَة عَلَيْهِ، والحمى، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْمِيم بِلَا تَنْوِين مَقْصُور، وَفِي (الْمغرب) : الْحمى: مَوضِع الْكلأ يحمى من النَّاس
وَلَا يرْعَى وَلَا يقرب، وَفِي (الصِّحَاح) : حميته حماية أَي: دفعت عَنهُ، وَهَذَا شَيْء حمى على فعل أَي: مَحْظُور لَا يقرب. قلت: دلّ هَذَا أَن لفظ: حمى، اسْم غير مصدر، وَهُوَ على وزن فعل بِكَسْر الْفَاء بِمَعْنى مفعول، أَي: محمي مَحْظُور، هَذَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَمَعْنَاهُ الاصطلاحي: مَا يحمي الإِمَام من الْموَات لمواشٍ يعينها وَيمْنَع سَائِر النَّاس من الرَّعْي فِيهَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قيل: كَانَ الشريف فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا نزل أَرضًا فِي حيه استعوى كَلْبا فحمى مدى عواء الْكَلْب لَا يُشْرك فِيهِ غَيره، وَهُوَ يُشَارك الْقَوْم فِي سَائِر مَا يرعون فِيهِ، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، وأضاف. الْحمى إِلَى الله وَرَسُوله إلَاّ مَا يحمى للخيل الَّتِي ترصد للْجِهَاد وَالْإِبِل الَّتِي يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وإبل الزَّكَاة وَغَيرهَا، كَمَا حمى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، النقيع، بالنُّون: لنعم الصَّدَقَة وَالْخَيْل الْمعدة فِي سَبِيل الله. قيل: فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن الْمُلُوك والأشراف كَانُوا يحْمُونَ بِمَا شاؤا، فَلم يحك أحد أَنهم كَانُوا يحْمُونَ بالكلب إلَاّ مَا نقل عَن وَائِل بن ربيعَة التغلبي، فَغلبَتْ عَلَيْهِ اسْم كُلَيْب، لِأَنَّهُ حمى الْحمى بعواء كلب كَانَ يقطع يَدَيْهِ ويدعه وسط مَكَان يُريدهُ، فَأَي مَوضِع بلغ عواؤه لَا يقربهُ أحد وبسببه، كَانَت حَرْب البسوس الْمَشْهُورَة. وَقَالَ ابْن بطال: أصل الْحمى الْمَنْع، يَعْنِي: لَا مَانع لما لَا مَالك لَهُ من النَّاس من أَرض أَو كلأ إلَاّ الله وَرَسُوله، قَالَ: وَذكر ابْن وهب أَن النقيع الَّذِي حماه سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قدره ميل فِي ثَمَانِيَة أَمْيَال، والنقيع بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: على عشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة، وَقيل: على عشْرين ميلًا، ومساحته بريد فِي بريد، قَالَ ياقوت: وَهُوَ غير نَقِيع الْخضمات الَّذِي كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حماه، وَعكس ذَلِك أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَزعم الْخطابِيّ أَن من النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالْأَصْل فِي النقيع أَنه: كل مَوضِع يستنقع فِيهِ المَاء، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَعضهم ذهب إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِد، وَالْأول أصح.
٠٧٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَن يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثَّامَةَ قَالَ إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِهِ. (الحَدِيث ٠٧٣٢ طرفه فِي: ٣١٠٣) .
الحَدِيث عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة أقوى من هَذَا، وَرِجَاله سَبْعَة كلهم قد ذكرُوا، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، والصعب ضد السهل ابْن جثامة، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: اللَّيْثِيّ، مر فِي جَزَاء الصَّيْد وَرِوَايَة اللَّيْث عَن يُونُس من الأقران، لِأَن اللَّيْث قد سمع من شَيْخه ابْن شهَاب أَيْضا. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد تابعيان: ابْن شهَاب وَعبيد الله، وصحابيان: عبد الله بن عَبَّاس والصعب بن جثامة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَوَقع فِي (الْإِلْمَام) للشَّيْخ تَقِيّ الَّذين الْقشيرِي: أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَهُوَ وهم، بل رُبمَا يكون من النَّاسِخ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن ابْن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحمى وَفِي السّير عَن أبي كريب عَن ابْن إِدْرِيس عَن مَالك عَن ابْن شهَاب.
قَوْله: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) ، أَي: لَا حمى لأحد يخص نَفسه يرْعَى فِيهِ مَاشِيَته دون سَائِر النَّاس، وَإِنَّمَا هُوَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلمن ورد ذَلِك عَنهُ من الْخُلَفَاء بعده إِذا احْتَاجَ إِلَى ذَلِك لمصْلحَة الْمُسلمين، كَمَا فعل الصّديق والفاروق وَعُثْمَان لما احتاجوا إِلَى ذَلِك، وَعَابَ رجل من الْعَرَب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: بِلَاد الله حميت لمَال الله، وَأنكر أَيْضا على عُثْمَان أَنه زَاد فِي الْحمى، وَلَيْسَ لأحد أَن يُنكر ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تقدم إِلَيْهِ ولخلفائه الِاقْتِدَاء بِهِ والاهتداء، وَإِنَّمَا يحمى الإِمَام مَا لَيْسَ بِملك لأحد مثل بطُون الأودية وَالْجِبَال والموات، وَإِن كَانَ ينْتَفع الْمُسلمُونَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِع فمنافعهم فِي حماية الإِمَام أَكثر. وَقَالَ ابْن التِّين: معنى الحَدِيث: لَا حمى إلَاّ على مَا أذن الله لرَسُوله أَن يحميه، لَا مَا كَانَ يحميه الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة. قيل: الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن الْحمى مُخْتَصّ بالخليفة، وَمِنْهُم من ألحق بِهِ وُلَاة الأقاليم، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ لمذهبه فِي اشْتِرَاط إِذن الإِمَام فِي إحْيَاء الْموَات، وَتعقب بِالْفرقِ بَينهمَا، فَإِن الْحمى أخص من الْإِحْيَاء. انْتهى. قلت: حصر الْحمى لله وَلِرَسُولِهِ يدل على أَن حكم الْأَرَاضِي إِلَى الإِمَام، والموات من الْأَرَاضِي، وَدَعوى أخصية الْحمى من الْإِحْيَاء
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَفِيهِ: وَرَجُلٌ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ وَقَالَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُعَاقَبَةَ وَقَعَتْ عَلَى مَنْعِهِ الْفَضْلَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَصْلِ، وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ عَالَجَهُ لَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا يَخْفَى مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْبِئْرَ لَيْسَتْ مِنْ حَفْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنْعِهِ غَاصِبَ ظَالِمٍ، وَهَذَا لَا يَرِدُ فِيمَا حَازَهُ وَعَمِلَهُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَفَرَهَا وَمَنَعَهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّفَةِ أَيِ الْعَطْشَانِ، وَيَكُونُ مَعْنَى مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ أَيْ لَمْ تُنْبِعِ الْمَاءَ وَلَا أَخْرَجْتَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَيِ الْأَخِيرُ لَيْسَ مِنَ الْبَابِ فِي شَيْءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرًا، وَلَكِنَّهُ صَحَّحَ الْمَوْصُولَ لِكَوْنِ الَّذِي وَصَلَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ فَوَصَلُوهُ قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُمْ. قُلْتُ: وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا عَمْرٌو النَّاقِدُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، وَصَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١١ - بَاب لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
[الحديث ٢٣٧٠ - طرفه في: ٣٠١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمُا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَالْآخَرُ مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ بَعْدَهُ أَنْ يَحْمِيَ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خَاصَّةً. وَأَخَذَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ لَكِنْ رَجَّحُوا الْأَوَّلَ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّ عُمَرَ حَمَى بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ ; وَالْمُرَادُ بِالْحِمَى مَنْعُ الرَّعْيِ فِي أَرْضٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ فَيَجْعَلُهَا الْإِمَامُ مَخْصُوصَةً بِرَعْيِ بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْهُ مِنَ الْأَقْرَانِ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ ابْنِ شِهَابٍ، وفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ.
قَوْلُهُ: (لَا حِمَى) أَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخْصِبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ، وَالْحِمَى هُوَ الْمَكَانُ الْمَحْمِيُّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْإِحْيَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ وَيُمْنَعُ غَيْرُهَا، وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصُّ بِالْخَلِيفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وُلَاةُ الْأَقَالِيمِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ مُطْلَقًا أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ الْإِمَامِ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَتُعُقِّبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْحِمَى أَخَصُّ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
زائدٍ عمَّا يحتاج إليه، ولأبي ذرٍّ: «فضل مائه» (فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي) بضمِّ العين (كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ) أي: يرفع أبو صالحٍ الحديثَ إلى النَّبيِّ (ﷺ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنَّه صحَّح الموصول لكونه سمعه من الحفَّاظ موصولًا، وقد أخرجه أيضًا عمرٌو النَّاقد فيما أخرجه مسلمٌ عنه عن سفيان.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المعاقبة وقعت على منع الفضل، فدلَّ على أنَّه أحقُّ بالأصل، وقد مضى هذا الحديث في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨].
(١١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ) «الحِمَى» بكسر الحاء وفتح الميم، من غير تنوينٍ، مقصورًا، وهو لغةً: المحظور، واصطلاحًا: ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع سائر النَّاس الرَّعي فيه.
٢٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون التَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ (٢) الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون العين، و «جَثَّامة» بفتح الجيم وتشديد المُثلَّثة، اللَّيثيَّ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا حِمَى) لأحدٍ يخصُّ نفسه به (٣) يرعى فيه ماشيته دون سائر النَّاس (إِلَّا للهِ) ﷿
(وَلِرَسُولِهِ) ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصَّةً إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، كما فعل العُمَران وعثمان ﵃، وإنَّما يحمي الإمام ما ليس بمملوكٍ كبطون الأودية والجبال والموات، وفي «النِّهاية»: قيل: كان الشَّريف في الجاهليَّة إذا نزل أرضًا في حيِّه استعوى كلبًا، فحَمَى مَدَى عُواء الكلب لا يشرَكُه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعَون فيه، فنهى النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، أي: إلَّا (١) ما يُحمَى للخيل التي تُرصَد للجهاد، والإبل التي يُحمَل عليها في سبيل الله تعالى، وإبل الزَّكاة وغيرها. (وَقَالَ) أي: ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق مُرسَلًا: (بَلَغَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقال أبو عبد الله» أي: البخاريّ (٢): «بلغنا» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ) بفتح النُّون وكسر القاف وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مهملةٌ، وهو موضعٌ على عشرين فرسخًا من المدينة، وقَدْرُه ميلٌ في ثمانية أميالٍ، كما ذكره ابن وهبٍ في «مُوطَّئه»، وهو في الأصل: كلُّ موضعٍ يستنقع فيه الماء، أي: يجتمع، فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ، وهو غير نقيع الخَضِمَات، وقد توهِمُ رواية أبي ذرٍّ حيث قال: «وقال أبو عبد الله: بلغنا» أنَّه من كلام المؤلِّف، وإنَّما الضَّمير المرفوع في «بلغنا» يرجع إلى الزُّهريِّ كما صرَّح به أبو داود (وَأَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (حَمَى السَّرَفَ) بفتح السِّين المهملة والرَّاء، كذا في فرعين لـ «اليونينيَّة» كهي، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرها: «السَّرِف» بكسر الرَّاء، ككَتِفٍ، موضعٌ قرب التَّنعيم، وذكر القاضي عياضٌ أنَّه الذي عند البخاريِّ، وقال الدِّمياطيُّ: إنَّه خطأٌ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٣): «الشَّرَف» بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء، وهو كذا (٤) في بعض الأصول المعتمدة، وهو الذي في «مُوطَّأ ابن وهبٍ»، ورواه بعض رواة البخاريِّ أو أصلحه، وهو الصَّواب، وأمَّا «سرف» فلا يدخله الألف واللَّام، كما قاله القاضي عياضٌ (وَالرَّبَذَةَ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والمعجمة: موضعٌ معروفٌ بين الحرمين، وقوله: «وأنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
جرهم وَابْن عَمه قطورا هما كَانَا أهل مَكَّة وَكَانَا قد ظعنا من الْيمن فَأَقْبَلَا سيارة وعَلى جرهم مضاض بن عمر وعَلى قطورا السميدع رجل مِنْهُم فَنزلَا مَكَّة وجرهم بن قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " لَو تركت زَمْزَم " بِأَن لَا تغرف مِنْهَا إِلَى الْقرْبَة وَلَا تشح بهَا لكَانَتْ عينا معينا بِفَتْح الْمِيم أَي جَارِيا قَوْله " أَو قَالَ " شكّ من الرَّاوِي قَوْله أَتَأْذَنِينَ خطاب لهاجر بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " أَن ننزل " بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر ويروى أَن أنزل بِاعْتِبَار قَول كل وَاحِد مِنْهُم قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) نعم مقررة لما سبق وَهَهُنَا النَّفْي سَابق (قلت) يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى وَلِهَذَا يثبت بِهِ الْإِقْرَار حَيْثُ يُقَال أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ نعم (قلت) التَّحْقِيق فِيهِ أَن بلَى لَا تَأتي إِلَّا بعد نفي وَأَن نعم تَأتي بعد نفي وَإِيجَاب فَلَا يحْتَاج أَن يُقَال يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى -
٩٦٣٢ - حدَّثنا عبد الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ إبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ ولَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ رجُلٌ حَلَفَ علَى سِلْعةٍ لقَدْ أعْطَى أكْثَرَ مِمَّا أعْطَى وهْوَ كاذِبٌ ورجُلٌ حلَفَ علَى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ورَجُلٌ منَعَ فَضْلَ ماءٍ فيَقُولُ الله الْيَوْمَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كَما منَعْتَ فَضْلَ مالَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل منع فضل مَاء) ، لِأَنَّهُ اسْتحق الْعقَاب فِي الْفضل، فَدلَّ هَذَا أَنه أَحَق بِالْأَصْلِ الَّذِي فِي حَوْضه، أَو فِي قربته، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، والْحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب فِي: بَاب إِثْم من منع ابْن السَّبِيل من المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن بَينهمَا بعض اخْتِلَاف فِي الْمَتْن بِزِيَادَة ونقصان يعلم بِالنّظرِ، فَإِن فِيهِ هُنَاكَ الرجل المبايع للْإِمَام هُوَ ثَالِث الثَّلَاثَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذا لم يحصر على هَذِه الثَّلَاثَة وَلَا على تِلْكَ الثَّلَاثَة.
قَوْله: (أَكثر مِمَّا أعْطى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي: أَكثر مِمَّا أعْطى فلَان الَّذِي يستامه. قَوْله: (وَهُوَ كَاذِب) جملَة حَالية. قَوْله: (الْيَوْم أمنعك فضلي) أَي: إِنَّك إِذا كنت تمنع فضل المَاء الَّذِي لَيْسَ بعملك، وَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك أمنعك الْيَوْم فضلي مجازاة لما فعلت. وَقيل: قَوْله: الْيَوْم أمنعك ... إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أأنتم أنزلتموه من المزن أم نَحن المنزلون} (الْوَاقِعَة: ٩٦) . وَحكى ابْن التِّين عَن أبي عبد الْملك أَنه قَالَ: هَذَا يخفي مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّه يُرِيد أَن الْبِئْر لَيست من حفره، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنعه غَاصِب ظَالِم، وَهَذَا لَا يرد فِيمَا حازه وَعَمله، وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ حفرهَا ومنعها من صَاحب الشّفة، أَي: العطشان، وَيكون معنى: مَا لم تعْمل يداك، أَي: لم تنبع المَاء وَلَا أخرجته. قلت: تَقْيِيد هَذَا بالبئر لَا معنى لَهُ، لِأَن قَوْله: وَرجل منع فضل مَاء، أَعم من أَن يكون ذَلِك الْفضل فِي الْبِئْر أَو فِي الْحَوْض أَو فِي الْقرْبَة وَنَحْو ذَلِك.
وقالَ عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعَ أبَا صالِحٍ يبْلُغُ بِهِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: قَالَ عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار سمع أَبَا صَالح ذكْوَان يبلغ بِهِ، أَي يرفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سُفْيَان كَانَ يُرْسل هَذَا الحَدِيث كثيرا، وَلكنه صحّح الْمَوْصُول لِأَنَّهُ سَمعه من الْحفاظ مَوْصُولا وَوَصله أَيْضا عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه مُسلم عَنهُ عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أرَاهُ مَرْفُوعا، وَالله أعلم.
١١ - (بابٌ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ، وَعقد هَذِه التَّرْجَمَة بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب من غير زِيَادَة عَلَيْهِ، والحمى، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْمِيم بِلَا تَنْوِين مَقْصُور، وَفِي (الْمغرب) : الْحمى: مَوضِع الْكلأ يحمى من النَّاس
وَلَا يرْعَى وَلَا يقرب، وَفِي (الصِّحَاح) : حميته حماية أَي: دفعت عَنهُ، وَهَذَا شَيْء حمى على فعل أَي: مَحْظُور لَا يقرب. قلت: دلّ هَذَا أَن لفظ: حمى، اسْم غير مصدر، وَهُوَ على وزن فعل بِكَسْر الْفَاء بِمَعْنى مفعول، أَي: محمي مَحْظُور، هَذَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَمَعْنَاهُ الاصطلاحي: مَا يحمي الإِمَام من الْموَات لمواشٍ يعينها وَيمْنَع سَائِر النَّاس من الرَّعْي فِيهَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قيل: كَانَ الشريف فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا نزل أَرضًا فِي حيه استعوى كَلْبا فحمى مدى عواء الْكَلْب لَا يُشْرك فِيهِ غَيره، وَهُوَ يُشَارك الْقَوْم فِي سَائِر مَا يرعون فِيهِ، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، وأضاف. الْحمى إِلَى الله وَرَسُوله إلَاّ مَا يحمى للخيل الَّتِي ترصد للْجِهَاد وَالْإِبِل الَّتِي يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وإبل الزَّكَاة وَغَيرهَا، كَمَا حمى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، النقيع، بالنُّون: لنعم الصَّدَقَة وَالْخَيْل الْمعدة فِي سَبِيل الله. قيل: فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن الْمُلُوك والأشراف كَانُوا يحْمُونَ بِمَا شاؤا، فَلم يحك أحد أَنهم كَانُوا يحْمُونَ بالكلب إلَاّ مَا نقل عَن وَائِل بن ربيعَة التغلبي، فَغلبَتْ عَلَيْهِ اسْم كُلَيْب، لِأَنَّهُ حمى الْحمى بعواء كلب كَانَ يقطع يَدَيْهِ ويدعه وسط مَكَان يُريدهُ، فَأَي مَوضِع بلغ عواؤه لَا يقربهُ أحد وبسببه، كَانَت حَرْب البسوس الْمَشْهُورَة. وَقَالَ ابْن بطال: أصل الْحمى الْمَنْع، يَعْنِي: لَا مَانع لما لَا مَالك لَهُ من النَّاس من أَرض أَو كلأ إلَاّ الله وَرَسُوله، قَالَ: وَذكر ابْن وهب أَن النقيع الَّذِي حماه سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قدره ميل فِي ثَمَانِيَة أَمْيَال، والنقيع بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: على عشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة، وَقيل: على عشْرين ميلًا، ومساحته بريد فِي بريد، قَالَ ياقوت: وَهُوَ غير نَقِيع الْخضمات الَّذِي كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حماه، وَعكس ذَلِك أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَزعم الْخطابِيّ أَن من النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالْأَصْل فِي النقيع أَنه: كل مَوضِع يستنقع فِيهِ المَاء، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَعضهم ذهب إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِد، وَالْأول أصح.
٠٧٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَن يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثَّامَةَ قَالَ إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِهِ. (الحَدِيث ٠٧٣٢ طرفه فِي: ٣١٠٣) .
الحَدِيث عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة أقوى من هَذَا، وَرِجَاله سَبْعَة كلهم قد ذكرُوا، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، والصعب ضد السهل ابْن جثامة، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: اللَّيْثِيّ، مر فِي جَزَاء الصَّيْد وَرِوَايَة اللَّيْث عَن يُونُس من الأقران، لِأَن اللَّيْث قد سمع من شَيْخه ابْن شهَاب أَيْضا. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد تابعيان: ابْن شهَاب وَعبيد الله، وصحابيان: عبد الله بن عَبَّاس والصعب بن جثامة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَوَقع فِي (الْإِلْمَام) للشَّيْخ تَقِيّ الَّذين الْقشيرِي: أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَهُوَ وهم، بل رُبمَا يكون من النَّاسِخ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن ابْن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحمى وَفِي السّير عَن أبي كريب عَن ابْن إِدْرِيس عَن مَالك عَن ابْن شهَاب.
قَوْله: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) ، أَي: لَا حمى لأحد يخص نَفسه يرْعَى فِيهِ مَاشِيَته دون سَائِر النَّاس، وَإِنَّمَا هُوَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلمن ورد ذَلِك عَنهُ من الْخُلَفَاء بعده إِذا احْتَاجَ إِلَى ذَلِك لمصْلحَة الْمُسلمين، كَمَا فعل الصّديق والفاروق وَعُثْمَان لما احتاجوا إِلَى ذَلِك، وَعَابَ رجل من الْعَرَب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: بِلَاد الله حميت لمَال الله، وَأنكر أَيْضا على عُثْمَان أَنه زَاد فِي الْحمى، وَلَيْسَ لأحد أَن يُنكر ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تقدم إِلَيْهِ ولخلفائه الِاقْتِدَاء بِهِ والاهتداء، وَإِنَّمَا يحمى الإِمَام مَا لَيْسَ بِملك لأحد مثل بطُون الأودية وَالْجِبَال والموات، وَإِن كَانَ ينْتَفع الْمُسلمُونَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِع فمنافعهم فِي حماية الإِمَام أَكثر. وَقَالَ ابْن التِّين: معنى الحَدِيث: لَا حمى إلَاّ على مَا أذن الله لرَسُوله أَن يحميه، لَا مَا كَانَ يحميه الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة. قيل: الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن الْحمى مُخْتَصّ بالخليفة، وَمِنْهُم من ألحق بِهِ وُلَاة الأقاليم، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ لمذهبه فِي اشْتِرَاط إِذن الإِمَام فِي إحْيَاء الْموَات، وَتعقب بِالْفرقِ بَينهمَا، فَإِن الْحمى أخص من الْإِحْيَاء. انْتهى. قلت: حصر الْحمى لله وَلِرَسُولِهِ يدل على أَن حكم الْأَرَاضِي إِلَى الإِمَام، والموات من الْأَرَاضِي، وَدَعوى أخصية الْحمى من الْإِحْيَاء
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56