«أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2362

الحديث رقم 2362 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شرب الأعلى إلى الكعبين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من…

«أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

سند حديث: ٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا…

٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من…

أخبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رجلًا من الأنصار تشاجر مع أبيه الزبير بن العوام عند النبي صلى الله عليه وسلم في مسايل وسواقي الماء التي يَسْقُون بها النخل، فقال الأنصاري للزبير رضي الله عنه: أطلق الماء ليمر ولا تحبسه في أرضك، فرفض الزبير، فترافعا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: اسق نخلك يا زبير بشيء يسير دون حقك، ثم أرسل الماء إلى جارك الأنصاري، فغضب الأنصاري فقال: لكون الزبير ابن عمتك حكمت له بالتقديم عليّ؟ فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام وظهر فيه آثار الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة وقبيح كلام هذا الرجل، ولكنه غضبٌ لا يُخرج عن الاعتدال، ثم قال: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء تحت الشجر حتى يصل إلى ارتفاع قَدَمٍ، أو حتى يصل إلى أصول النخل، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65]، وفي لفظ للبخاري: فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء، فاستوفى صلى الله عليه وسلم بهذا الحق للزبير كاملًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أخبر الزبير برأي فيه توسيع ومسامحة له وللأنصاري، فلما أغضب الأنصاري النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الزبير باستيفاء تمام حقه، فإنه أصلح له، وأبلغ في الزجر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم في سائر أقواله وأحكامه، مع المحبة والتسليم والتعظيم.
  • جواز الحكم في حالة الغضب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، أو في مبادئ الغضب وقبل استحكامه.
  • من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تملك إلا بالحيازة، فهو أحق به، لكن ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه.
  • الأولى بالماء الجاري الأول فالأول، حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله مملوكًا للأسفل مختصًا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمر عليه.
  • للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به ويرشد إليه، ولا يُلْزِمه به، إلا إذا رضي.
  • على الحاكم أن يستوفي لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا وأن يحكم بالحق لمن توجه له، ولو لم يسأله صاحب الحق.
  • مشروعية توبيخ من بغى على الحاكم ومعاقبته.
  • أن للإمام أن يعفو عن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع والاستهانة بأحكامه، فإن أدى إلى ذلك أُدِّبَ المرتكب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا حَكَمَ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فِي حَالِ غَضَبِهِ - مَعَ نَهْيِهِ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ وَهُوَ غَضْبَانُ - لِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُخَافُ عَلَى الْحَاكِمِ مِنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ حَالَ السَّخَطِ.

٨ - بَاب شِرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ

٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ ليَسْقِي بِه النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِله إِلَى جَارِكَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: آن كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حتى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ - وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ. وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يُشِيرُ إِلَى مَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ بِلَفْظِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِمْرَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِ الشُّرْبِ اهـ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ وَالْأَمْرِ الْوَسَطِ مُرَاعَاةً لِلْجِوَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ، وَمِثْلُهَا لِمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يُسَامِحَ بِبَعْضِ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الصُّلْحِ إِذَا أَشَارَ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ الْأَنْصَارِيُّ بِذَلِكَ اسْتَقْصَى الْحُكْمَ وَحَكَمَ بِهِ.

وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ فَسْخِ الْحَاكِمِ حُكْمَهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ فَقَدَّمَ الْأَسْهَلَ إِيثَارًا لِحُسْنِ الْجِوَارِ، فَلَمَّا جَهِلَ الْخَصْمُ مَوْضِعَ حَقِّهِ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ الْأَوَّلِ وَحَكَمَ بِالثَّانِي لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ: وَقِيلَ بَلِ الْحُكْمُ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلِ الْخَصْمُ ذَلِكَ عَاقَبَهُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ثَانِيًا عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ اهـ.

وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسِيَاقُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صْرِيحِ الْحُكْمِ وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ وَمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، فَمَجْمُوعُ الطُّرُقِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَوَّلًا أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَثَانِيًا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حَقِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (فَقَدَّرَتِ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْجَدْرَ يَخْتَلِفُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ قَاسُوا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّةُ فَوَجَدُوهُ يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِعْيَارًا لِاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُنَا مَنْ يَكُونُ مَبْدَأُ الْمَاءِ مِنْ نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُرَادُ بِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي الوقت: «هو ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (١) وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «مخلد بن يزيد الحرَّانيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو حاطبٌ أو حُمَيدٌ أو ثابت بن قيسٍ، كما مرَّ [خ¦٢٣٥٩] (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ (٢) الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، و «الحَرَّة»: بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء، أي: مجاري الماء الذي يسيل منها (يَسْقِي (٣) بِهَا) بفتح أوَّله، أي: يسقي بالشِّراج، ولأبي ذرٍّ: «لِيَسقيَ (٤) به» أي: بالماء (النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اِسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشُّرب، أو أمره بالقصد، وهو (٥) الأمر الوسط، وأن يترك بعض حقِّه، وهذه الجملة المعترضة (٦) من كلام الرَّاوي، وضبط في جميع الرِّوايات «فأَمَرَه» فعلٌ ماضٍ، وضبطه الكِرمانيُّ: بكسر الميم وتشديد الرَّاء، على أنَّه فعل أمرٍ، من الإمرار، قال في «الفتح»: وهو محتملٌ (ثُمَّ أَرْسِلْ) أي: الماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ أرسله» (إِلَى جَارِكَ) والهمزة مقطوعةٌ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة حَكَمْتَ له بالتَّقديم؟! وهمزة «آنْ» ممدودةٌ في الفرع، وقد مرَّ ما فيها في «باب سَكْر الأنهار» [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) من كلامه وجرأته على منصب النُّبوَّة، ولم يعاقبه لصبره على الأذى، ومصلحة تألُّف النَّاس

صلوات الله وسلامه عليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للزُّبير: (اسْقِ) نخلك (ثُمَّ احْبِسْ) نفسك عن السَّقي (١) (حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ وَاسْتَوْعَى) بالعين، وفي نسخةٍ: «واستوفى» ﵊ (لَهُ) أي: للزُّبير (حَقَّهُ) كاملًا، أي: استوفاه واستوعبه حتَّى كأنَّه جمعه كلَّه في وعاءٍ، بحيث (٢) لم يترك منه شيئًا، وكان أوَّلًا أمره أن يسامح ببعض حقِّه، فلمَّا لم يرض الأنصاريُّ استقصى الحكم وحكم به، وأمَّا قول ابن الصَّبَّاغ وغيره: -إنَّه لمَّا لم يقبل الخصم ما حكم به أوَّلًا، ووقع منه ما وقع أَمَرَهُ أن يستوفيَ أكثرَ من حقِّه؛ عقوبةً للأنصاريِّ لمَّا كانت العقوبة بالأموال- ففيه نظرٌ، لأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك لا سيَّما قوله: «واستوعى للزُّبير حقَّه في صريح الحكم» كما في رواية شعيبٍ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨] ومَعْمَرٍ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٥] فمجموع الطُّرق قد دلَّ على أنَّه أمر الزُّبير أوَّلًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكِرمانيِّ تبعًا للخطَّابيِّ -ولعلَّ قوله: «واستوعى له حقَّه» من كلام الزُّهريِّ، إذ عادته الإدراج- فيه شيءٌ؛ لأنَّ الأصل في الحديث أن يكون حكمه كلُّه واحدًا حتَّى يرد ما يُبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وسقط قوله «﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقد جزم هنا بأنَّ الآية نزلت في ذلك، وشكَّ فيما سبق [خ¦٢٣٥٩] حيث قال: «أَحْسِب»، وجُمِع بينهما: بأنَّ الشَّخص قد يشكُّ، ثمَّ يتحقَّق الأمر عنده، وبالعكس، قال ابن جريجٍ: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لِي ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: للزُّبير: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي: قوله: «اسق … » إلى آخره، (إِلَى الكَعْبَيْنِ) يعني: قدَّروا الماء الذي يرجع إلى الجدر، فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختصِّ إذا تزاحموا عليه، وضاق عنهم، فيسقي (٣)

الأوَّل فالأوَّل، فيحبس كلُّ واحدٍ الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لأنَّه ﷺ قضى بذلك في مسيل مَهْزُورٍ -بفتح الميم وسكون الهاء وضمِّ الزَّاي وبعد الواو السَّاكنة راءٌ- ومُذَيْنِب-بذالٍ معجمةٍ ونونٍ، مُصغَّرًا: واديان بالمدينة- أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يُرسل الأعلى قبل (١) الأسفل، رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» (٢) من مرسل عبد الله بن أبي بكرٍ، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وإسناده حسنٌ، وعن الماورديِّ: الأَولى التَّقدير بالحاجة في العادة؛ لأنَّ الحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ، وبوقت الزِّراعة ووقت السَّقي، ثمَّ يرسله الأوَّل إلى الثَّاني، وهكذا، فإن انخفض بعضٌ من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها؛ أُفِرد كلٌّ منهما بسقيٍ بأن يسقي أحدهما، ثمَّ يسدَّه، ثمَّ يسقي الآخر، فإن احتاج الأوَّل إلى السَّقي مرَّةً أخرى قُدِّم، أمَّا إذا اتَّسع الماء فيسقي كلٌّ منهما متى شاء، وهل (٤) الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ الذي ذكره أصحاب الشَّافعيِّ: الأوَّل، وهو قول مطرِّفٍ وابن الماجِشُون من المالكيِّة، وقال ابن القاسم: يرسله كلّه ولا يحبس منه شيئًا، ورجَّح ابن حبيبٍ الأوَّل بأنَّ مطرِّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصَّة، فهما أقعد بذلك، لكنَّ ظاهر الحديث مع ابن القاسم؛ لأنَّه قال: «احبس الماء حتَّى يبلغ الجدر» والذي يبلغ الجدر (٥) هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللَّفظ أنَّه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بعد قوله: «إلى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أولى. قلت: لَا أَوْلَوِيَّة هُنَا، لِأَن معنى السفلي قبل صَاحب الأَرْض السُّفْلى، وَيجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع الْأَعْلَى: الْعليا، على تَقْدِير شرب صَاحب الأَرْض الْعليا، فتذكير الْأَعْلَى والأسفل بِاعْتِبَار الصاحب، وتأنيثهما بِاعْتِبَار الأَرْض بالتقدير الْمَذْكُور.

١٦٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خاصَمَ الزُّبَيْرُ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أرْسِلْ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ أنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ علَيْهِ السَّلامُ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أمْسِكْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلَا وربُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٥٦) . .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زبير أسق ثمَّ أرسل) فَإِنَّهُ يعلم مِنْهُ أَن الزبير هُوَ الْأَعْلَى، لِأَن إرْسَال المَاء لَا يكون إلَاّ من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.

قَوْله: (ثمَّ أرسل) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر مَفْعُوله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ أرسل المَاء) . قَوْله: (ثمَّ يبلغ المَاء الْجدر) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أسق يَا زبير حَتَّى يبلغ المَاء الْجدر) وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر ذكر المَاء، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة من وَجه آخر عَن معمر: (ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك) ، ومعاني بَقِيَّة الْأَلْفَاظ وَالْحكم تقدّمت فِي الْبَاب السَّابِق.

٨ - (بابُ شُرْبِ الأعْلى إِلَى الكَعْبَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى بَيَان مِقْدَار المَاء للأعلى.

١٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مخلد قَالَ أَخْبرنِي ابْن جريج قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه حَدثهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج من الْحرَّة يسْقِي بهَا النّخل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ يَا زبير فَأمره بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ قَالَ اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع المَاء إِلَى الْجدر واستوعي لَهُ حَقه فَقَالَ الزبير وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم} قَالَ لي ابْن شهَاب فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي رُجُوع المَاء إِلَى الْجدر وُصُوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت صرح بِهِ ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَفِي آخِره دَال مُهْملَة هُوَ ابْن يزِيد وَقد مر فِي الْجُمُعَة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ قَوْله " فَأمره بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أمره بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جرت بَينهم فِي مِقْدَار الشّرْب وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله اسْقِ يَا زبير وَبَين قَوْله ثمَّ أرسل قَوْله " واستوعي لَهُ " أَي استوفي للزبير حَقه واستوعب وَهُوَ من الْوِعَاء كَأَنَّهُ جمعه لَهُ فِي وعائه وَأبْعد من قَالَ أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ حَكَاهُ ابْن الصّباغ وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقصي فِيهِ تَغْلِيظًا على الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من كَلَام الزُّهْرِيّ وَكَانَت عَادَته أَن يصل بِالْحَدِيثِ من كَلَامه مَا يظْهر لَهُ من معنى الشَّرْح وَالْبَيَان قيل الأَصْل فِي الحَدِيث أَن يكون حكمه كُله وَاحِدًا حَتَّى يرد مَا يبين ذَلِك وَلَا يثبت الإدراج بِالِاحْتِمَالِ قَوْله قَالَ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن عُرْوَة وَهَذَا إِلَى آخِره من كَلَام ابْن شهَاب حكى عَنهُ ابْن جريج الرَّاوِي عَنهُ قَوْله وَالنَّاس من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص أَو مَعْهُود غير الْأَنْصَار قَوْله

" وَكَانَ ذَلِك " أَي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر قَوْله " إِلَى الْكَعْبَيْنِ " أَي يقدر إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي يكون مِقْدَار المَاء الَّذِي يرجع إِلَى الْجدر يبلغ الْكَعْبَيْنِ وَقد ذكرنَا أَحَادِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحكم وَقَالَ ابْن التِّين الْجُمْهُور على أَن الحكم أَن يمسك إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَخَصه ابْن كنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجر قَالَ وَأما الزَّرْع فَإلَى الشرَاك وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْأَرَاضِي مُخْتَلفَة فَيمسك لكل أَرض مَا يكفيها لِأَن الَّذِي فِي قصَّة الزبير وَاقعَة عين وَقيل معنى قَوْله إِلَى الْجدر أَي إِلَى الْكَعْبَيْنِ قلت إِن كَانَ مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا يَصح تَفْسِير الْجدر بالكعبين (الْجدر هُوَ الأَصْل) هَذَا تَفْسِير لفظ الْجدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من عِنْد البُخَارِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَهَذَا هُنَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده -

٩ - (بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سقِِي المَاء لكل من لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك.

٣٦٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ بَيْنَا رَجُلٍ يَمْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فنَزلَ بِئْرا فَشَرِبَ منْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقدْ بلغَ هَذَا مثلُ الَّذِي بلَغَ بِي فَمَلأَ خفَّهُ (ثمَّ أمْسكهُ بغيه) ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنا فِي البَهَائِمِ أجْراً قالَ فِي كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُمَي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي، أربعتهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (رجل يمشي) . قَوْله: (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) ، الْفَاء فِيهِ وَقعت هُنَا موقع: إِذا، تَقْدِيره: بَينا رجل يمشي إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطش، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم: بَيْنَمَا، وَكِلَاهُمَا سَوَاء فِي الحكم، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي الموطآت. من طَرِيق روح عَن مَالك: يمشي بفلاة، وَله من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك: يمشي بطرِيق مَكَّة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: الْفَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْأَفْصَح أَن يَقع جَوَاب: بَينا وبينما بِلَا كلمة، إِذْ وَإِذا، وَلَكِن وُقُوعه بهما كثير. قَوْله: الْعَطش، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: العطاش، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فيشرب فَلَا يرْوى، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب الْعَطش، قَالَ: وَقيل: يَصح على تَقْدِير أَن الْعَطش يحدث مِنْهُ دَاء فَيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (يَأْكُل الثرى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ، وَهُوَ التُّرَاب الندي. قَوْله: (يَلْهَث) ، جملَة وَقعت حَالا من الْكَلْب، قَالَ ابْن قرقول: لهث الْكَلْب بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا إِذا أخرج لِسَانه من الْعَطش أَو الْحر، واللهاث، بِضَم اللَّام: الْعَطش، وَكَذَلِكَ الطَّائِر. ولهث الرجل إِذا أعيى. وَيُقَال: مَعْنَاهُ يبْحَث بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ فِي الأَرْض، وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ ارْتِفَاع النَّفس يَلْهَث لهثاً ولهاثاً، ولهث بِالْكَسْرِ يَلْهَث لهثاً ولهاثاً مثل: سمع سَمَاعا إِذا عَطش. قَوْله: (بلغ هَذَا مثل الَّذِي بلغ بِي) ، أَي: بلغ هَذَا الْكَلْب مثل الَّذِي،

بِنصب اللَّام على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: بلغ هَذَا مبلغا مثلَ الَّذِي بلغ بِي، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ بِضَم: مثل، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تَوْجِيهه. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على تَوْجِيهه، وَهُوَ أَن يكون لفظ: هَذَا، مفعول بلغ، وَقَوله: مثل الَّذِي بلغ بِي، فَاعله فارتفاعه حِينَئِذٍ على الفاعلية. قَوْله: (فَمَلَأ خفه) فِيهِ مَحْذُوف قبله تَقْدِيره: (فَنزل فِي الْبِئْر فَمَلَأ خفه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (فَنزع أحد خفيه) . قَوْله: (ثمَّ أمْسكهُ بِفِيهِ) ، أَي: بفمه. وَإِنَّمَا أمسك خفه بفمه لِأَنَّهُ كَانَ يعالج بيدَيْهِ ليصعد من الْبِئْر، فَدلَّ هَذَا أَن الصعُود مِنْهَا كَانَ عسراً. قَوْله: (ثمَّ رقي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْقَاف على مِثَال: صعد وزنا وَمعنى، يُقَال: رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ: إِذا صعدت، وَذكره ابْن التِّين بِفَتْح الْقَاف على مِثَال: مضى، وَأنْكرهُ. وَقَالَ عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : هِيَ لُغَة طيىء، يفتحون الْعين فِيمَا كَانَ من الْأَفْعَال معتل اللَّام، وَالْأول أفْصح وَأشهر. قَوْله: (فسقى الْكَلْب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح: حَتَّى أرواه من الإرواء من الرّيّ، وَقد مَضَت هَذِه الرِّوَايَة فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَنهُ إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا رأى كَلْبا يَأْكُل الثرى من الْعَطش، فَأخذ الرجل خفه فَجعل يغْرف لَهُ بِهِ حَتَّى أرواه، فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَو قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ، كَمَا فِي قَوْلك: إِن يسلم فَهُوَ فِي الْجنَّة، أَي: بِسَبَب إِسْلَامه هُوَ فِي الْجنَّة، وَيجوز أَن تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: ٤٥) . على قَول من فسر التَّوْبَة بِالْقَتْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أظهر مَا جازاه بِهِ عِنْد مَلَائكَته، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: لَا يَصح هَذَا هُنَا، لِأَن شكر الله لهَذَا الرجل عبارَة عَن مغفرته إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة، من جُمْلَتهمْ سراقَة بن مَالك ابْن جعْشم، روى حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن مَالك بن جعْشم، قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فَهَل لي من أجر إِن سقيتها؟ فَقَالَ: نعم، فِي كل ذَات كبد حرى أجر. قَوْله: (وَإِن لنا) ، هُوَ مَعْطُوف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: الْأَمر كَمَا ذكرت، وَإِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا، أَي: فِي سقيها أَو فِي الْإِحْسَان إِلَيْهَا. قَوْله: (فِي كل كبد) ، يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: فتح الْكَاف وَكسر الْبَاء وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف، كَمَا قَالُوا فِي الْفَخْذ فَخذ، وَكسر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الكبد يذكر وَيُؤَنث، وَلِهَذَا قَالَ: رطبَة، وَالْجمع أكباد وأكبد وكبود. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي كبد كل حَيّ من ذَوَات الْأَنْفس، وَالْمرَاد بالرطبة رُطُوبَة الْحَيَاة أَو هُوَ كِنَايَة عَن الْحَيَاة. قَوْله: (أجر) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما قَوْله: (فِي كل كبد) ، تَقْدِيره: أجر حَاصِل أَو كَائِن فِي إرواء كل ذِي كبد حَيّ. وَأبْعد الْكرْمَانِي فِي سُؤَاله هُنَا حَيْثُ يَقُول: الكبد لَيست ظرفا لِلْأجرِ، فَمَا معنى كلمة الظَّرْفِيَّة؟ ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره الْأجر ثَابت فِي إرواء أَو فِي رِعَايَة كل حَيّ وَجه الإبعاد: أَن كل من شم شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة يعرف أَن الْجَار وَالْمَجْرُور لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِشَيْء، إِمَّا ظَاهرا أَو مُقَدرا، فَإِذا لم يصلح الْمَذْكُور أَن يتَعَلَّق بِهِ يقدر لفظ: كَائِن أَو حَاصِل أَو نَحْوهمَا، فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال وَالْجَوَاب، ثمَّ قَالَ: أَو الْكَلِمَة للسَّبَبِيَّة، يَعْنِي: كلمة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَمَعَ هَذَا الْمُتَعَلّق مَحْذُوف، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة الْوَاجِب مائَة إبل، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا: بِسَبَب إرواء كل كبد أجر حَاصِل. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، وَأما الْإِسْلَام فقد أَمر بقتل الْكلاب فِيهِ. وَأما قَوْله: (فِي كل كبد) ، فمخصوص بِبَعْض الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ لِأَن الْمَأْمُور بقتْله كالخنزير لَا يجوز أَن يقوى لِيَزْدَادَ ضَرَره، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم، وَهُوَ مَا لم يُؤمر بقتْله فَيحصل الثَّوَاب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وَغير ذَلِك من وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قلت: الْقلب الَّذِي فِيهِ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة يجنح إِلَى قَول الدَّاودِيّ، وَفِي الْقلب من قَول أبي عبد الْملك حزازة، وَيتَوَجَّهُ الرَّد على كَلَامه من وُجُوه: الأول: قَوْله: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَمَا الْمَانِع أَن أحدا من هَذِه الْأمة قد فعل هَذَا، وكوشف للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك وَأخْبرهُ بذلك حثاً لأمته على فعل ذَلِك، وصدور هَذَا الْفِعْل من أحد من أمته يجوز أَن يكون فِي زَمَنه، وَيجوز أَن يكون بعده، بِأَن يفعل أحد

هَذَا. وَأعلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَنه سَيكون كَذَا وَأخْبرهُ بذلك فِي صُورَة الْكَائِن، لِأَن الَّذِي يُخبرهُ عَن الْمُسْتَقْبل كالواقع لِأَنَّهُ مخبر صَادِق، وكل مَا يُخبرهُ من المغيبات الْآتِيَة كَائِن لَا محَالة. وَالثَّانِي: قَوْله: وَأما الْإِسْلَام، فقد أَمر بقتل الْكلاب لَا يقوم بِهِ دَلِيل على مدعاه، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتل الْكلاب فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ ذَلِك بِإِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا للصَّيْد وللماشية وَالزَّرْع، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه. وَالثَّالِث: دَعْوَى الْخُصُوص تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، لِأَن تَخْصِيص الْعَام بِلَا دَلِيل إِلْغَاء لحكمه الَّذِي تنَاوله، فَلَا يجوز، وَالْعجب من النَّوَوِيّ أَيْضا أَنه ادّعى عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور للحيوان الْمُحْتَرَم، وَهُوَ أَيْضا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وأصل الحَدِيث مَبْنِيّ على إِظْهَار الشَّفَقَة لمخلوقات الله تَعَالَى من الْحَيَوَانَات، وَإِظْهَار الشَّفَقَة لَا يُنَافِي إِبَاحَة قتل المؤذي من الْحَيَوَانَات، وَيفْعل فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن التَّيْمِيّ: لَا يمْتَنع إجراؤه على عُمُومه، يَعْنِي: فيسقي ثمَّ يقتل، لأَنا أمرنَا بِأَن نحسن القتلة ونهينا عَن الْمثلَة، فعلى قَول مدعي الْخُصُوص: الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ الَّذِي اسْتمرّ على ارتداده إِذا قدما للْقَتْل، وَكَانَ الْعَطش قد غلب عَلَيْهِمَا، يَنْبَغِي أَن يَأْثَم من يسقيهما لِأَنَّهُمَا غير محترمين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا يمِيل قلب شفوق فِيهِ رَحْمَة إِلَى منع السَّقْي عَنْهُمَا، يسقيان ثمَّ يقتلان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: فِيهِ: جَوَاز السّفر مُنْفَردا وَبِغير زَاد. قلت: قد ورد النَّهْي عَن سفر الرجل وَحده، والْحَدِيث لَا يدل على أَن رجلا كَانَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: (بَينا رجل يمشي) ، فَيجوز أَن يكون مَاشِيا فِي أَطْرَاف مَدِينَة أَو عمَارَة، أَو كَانَ مَاشِيا فِي مَوضِع فِي مدينته. وَكَانَ خَالِيا من السكان. فَإِن قلت: قد مضى فِي أَوَائِل الْبَاب أَن فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: يمشي بفلاة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يمشي بطرِيق مَكَّة؟ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الرجل الْمَذْكُور مُسَافِرًا، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ مُسَافِرًا لَكِن يحْتَمل أَنه كَانَ مَعَه قوم فَانْقَطع مِنْهُم فِي الفلاة لضَرُورَة عرضت لَهُ، فَجرى لَهُ مَا جرى فَلَا يفهم مِنْهُ جَوَاز السّفر وَحده فَافْهَم. وَأما السّفر بِغَيْر زَاد، فَإِن كَانَ فِي علمه أَنه يحصل لَهُ الزَّاد فِي طَرِيقه فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ يتَحَقَّق عَدمه فَلَا يجوز لَهُ بِغَيْر الزَّاد. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ إِذا حصلت الْمَغْفِرَة بِسَبَب سقِِي الْكَلْب، فسقي بني آدم أعظم أجرا. وَفِيه: أَن سقِِي المَاء من أعظم القربات. قَالَ بعض التَّابِعين: من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بسقي المَاء، فَإِذا غفرت ذنُوب الَّذِي سقى كَلْبا فَمَا ظنكم بِمن سقى مُؤمنا موحداً وأحياه بذلك؟ وَقَالَ ابْن التِّين: وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا: أَنه دخل على رجل فِي السِّيَاق، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يتأخران وأسودين يدنوان، وأري الشَّرّ ينمى وَالْخَيْر يضمحل، فأعني مِنْك بدعوة يَا نَبِي الله، فَقَالَ: أللهم أشكر لَهُ الْيَسِير، واعف عَنهُ الْكثير، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يدنوان والأسودين يتأخران، وَأرى الْخَيْر ينمي وَالشَّر يضمحل. قَالَ: فَمَا وجدت أفضل عَمَلك؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِي حَدِيث سُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ على جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْركين لعُمُوم قَوْله: أجر. وَفِيه: أَن المجازاة على الْخَيْر وَالشَّر قد يكون يَوْم الْقِيَامَة من جنس الْأَعْمَال، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من قتل نَفسه بحديدة عذب بهَا فِي نَار جَهَنَّم، وَقَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي أَن يكون مَحَله، مَا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ مُسلم، فالمسلم أَحَق. قلت: هَذَا قيد لَا يعْتَبر بِهِ، بل تجوز الصَّدَقَة على الْكَافِر، سَوَاء يُوجد هُنَاكَ مُسلم أَو لَا، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَكَذَا إِذا دَار الْأَمر بَين الْبَهِيمَة والآدمي الْمُحْتَرَم واستويا فِي الْحَاجة، فالآدمي أَحَق. قلت: إِنَّمَا يكون أَحَق فِيمَا إِذا قسم بَينهمَا، يخَاف على الْمُسلم من الْهَلَاك، إو إِذا أَخذ جُزْءا للبهيمة يخَاف على الْمُسلم، فَأَما إِذا لم يُوجد وَاحِد مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَن لَا تحرم الْبَهِيمَة أَيْضا، لِأَنَّهَا ذَات كبد رطبَة.

تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ

٤٦٣٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مرْيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ أيْ رَبِّ وأنَا مَعَهُمْ فإذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تخْدِشُها هِرَّةٌ قَالَ مَا شأْنُ هَذِهِ قَالُوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧) .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا حَكَمَ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فِي حَالِ غَضَبِهِ - مَعَ نَهْيِهِ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ وَهُوَ غَضْبَانُ - لِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُخَافُ عَلَى الْحَاكِمِ مِنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ حَالَ السَّخَطِ.

٨ - بَاب شِرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ

٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ ليَسْقِي بِه النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِله إِلَى جَارِكَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: آن كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حتى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ - وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ. وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يُشِيرُ إِلَى مَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ بِلَفْظِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِمْرَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِ الشُّرْبِ اهـ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ وَالْأَمْرِ الْوَسَطِ مُرَاعَاةً لِلْجِوَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ، وَمِثْلُهَا لِمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يُسَامِحَ بِبَعْضِ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الصُّلْحِ إِذَا أَشَارَ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ الْأَنْصَارِيُّ بِذَلِكَ اسْتَقْصَى الْحُكْمَ وَحَكَمَ بِهِ.

وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ فَسْخِ الْحَاكِمِ حُكْمَهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ فَقَدَّمَ الْأَسْهَلَ إِيثَارًا لِحُسْنِ الْجِوَارِ، فَلَمَّا جَهِلَ الْخَصْمُ مَوْضِعَ حَقِّهِ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ الْأَوَّلِ وَحَكَمَ بِالثَّانِي لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ: وَقِيلَ بَلِ الْحُكْمُ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلِ الْخَصْمُ ذَلِكَ عَاقَبَهُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ثَانِيًا عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ اهـ.

وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسِيَاقُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صْرِيحِ الْحُكْمِ وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ وَمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، فَمَجْمُوعُ الطُّرُقِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَوَّلًا أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَثَانِيًا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حَقِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (فَقَدَّرَتِ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْجَدْرَ يَخْتَلِفُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ قَاسُوا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّةُ فَوَجَدُوهُ يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِعْيَارًا لِاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُنَا مَنْ يَكُونُ مَبْدَأُ الْمَاءِ مِنْ نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُرَادُ بِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي الوقت: «هو ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (١) وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «مخلد بن يزيد الحرَّانيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو حاطبٌ أو حُمَيدٌ أو ثابت بن قيسٍ، كما مرَّ [خ¦٢٣٥٩] (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ (٢) الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، و «الحَرَّة»: بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء، أي: مجاري الماء الذي يسيل منها (يَسْقِي (٣) بِهَا) بفتح أوَّله، أي: يسقي بالشِّراج، ولأبي ذرٍّ: «لِيَسقيَ (٤) به» أي: بالماء (النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اِسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشُّرب، أو أمره بالقصد، وهو (٥) الأمر الوسط، وأن يترك بعض حقِّه، وهذه الجملة المعترضة (٦) من كلام الرَّاوي، وضبط في جميع الرِّوايات «فأَمَرَه» فعلٌ ماضٍ، وضبطه الكِرمانيُّ: بكسر الميم وتشديد الرَّاء، على أنَّه فعل أمرٍ، من الإمرار، قال في «الفتح»: وهو محتملٌ (ثُمَّ أَرْسِلْ) أي: الماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ أرسله» (إِلَى جَارِكَ) والهمزة مقطوعةٌ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة حَكَمْتَ له بالتَّقديم؟! وهمزة «آنْ» ممدودةٌ في الفرع، وقد مرَّ ما فيها في «باب سَكْر الأنهار» [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) من كلامه وجرأته على منصب النُّبوَّة، ولم يعاقبه لصبره على الأذى، ومصلحة تألُّف النَّاس

صلوات الله وسلامه عليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للزُّبير: (اسْقِ) نخلك (ثُمَّ احْبِسْ) نفسك عن السَّقي (١) (حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ وَاسْتَوْعَى) بالعين، وفي نسخةٍ: «واستوفى» ﵊ (لَهُ) أي: للزُّبير (حَقَّهُ) كاملًا، أي: استوفاه واستوعبه حتَّى كأنَّه جمعه كلَّه في وعاءٍ، بحيث (٢) لم يترك منه شيئًا، وكان أوَّلًا أمره أن يسامح ببعض حقِّه، فلمَّا لم يرض الأنصاريُّ استقصى الحكم وحكم به، وأمَّا قول ابن الصَّبَّاغ وغيره: -إنَّه لمَّا لم يقبل الخصم ما حكم به أوَّلًا، ووقع منه ما وقع أَمَرَهُ أن يستوفيَ أكثرَ من حقِّه؛ عقوبةً للأنصاريِّ لمَّا كانت العقوبة بالأموال- ففيه نظرٌ، لأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك لا سيَّما قوله: «واستوعى للزُّبير حقَّه في صريح الحكم» كما في رواية شعيبٍ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨] ومَعْمَرٍ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٥] فمجموع الطُّرق قد دلَّ على أنَّه أمر الزُّبير أوَّلًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكِرمانيِّ تبعًا للخطَّابيِّ -ولعلَّ قوله: «واستوعى له حقَّه» من كلام الزُّهريِّ، إذ عادته الإدراج- فيه شيءٌ؛ لأنَّ الأصل في الحديث أن يكون حكمه كلُّه واحدًا حتَّى يرد ما يُبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وسقط قوله «﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقد جزم هنا بأنَّ الآية نزلت في ذلك، وشكَّ فيما سبق [خ¦٢٣٥٩] حيث قال: «أَحْسِب»، وجُمِع بينهما: بأنَّ الشَّخص قد يشكُّ، ثمَّ يتحقَّق الأمر عنده، وبالعكس، قال ابن جريجٍ: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لِي ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: للزُّبير: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي: قوله: «اسق … » إلى آخره، (إِلَى الكَعْبَيْنِ) يعني: قدَّروا الماء الذي يرجع إلى الجدر، فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختصِّ إذا تزاحموا عليه، وضاق عنهم، فيسقي (٣)

الأوَّل فالأوَّل، فيحبس كلُّ واحدٍ الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لأنَّه ﷺ قضى بذلك في مسيل مَهْزُورٍ -بفتح الميم وسكون الهاء وضمِّ الزَّاي وبعد الواو السَّاكنة راءٌ- ومُذَيْنِب-بذالٍ معجمةٍ ونونٍ، مُصغَّرًا: واديان بالمدينة- أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يُرسل الأعلى قبل (١) الأسفل، رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» (٢) من مرسل عبد الله بن أبي بكرٍ، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وإسناده حسنٌ، وعن الماورديِّ: الأَولى التَّقدير بالحاجة في العادة؛ لأنَّ الحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ، وبوقت الزِّراعة ووقت السَّقي، ثمَّ يرسله الأوَّل إلى الثَّاني، وهكذا، فإن انخفض بعضٌ من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها؛ أُفِرد كلٌّ منهما بسقيٍ بأن يسقي أحدهما، ثمَّ يسدَّه، ثمَّ يسقي الآخر، فإن احتاج الأوَّل إلى السَّقي مرَّةً أخرى قُدِّم، أمَّا إذا اتَّسع الماء فيسقي كلٌّ منهما متى شاء، وهل (٤) الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ الذي ذكره أصحاب الشَّافعيِّ: الأوَّل، وهو قول مطرِّفٍ وابن الماجِشُون من المالكيِّة، وقال ابن القاسم: يرسله كلّه ولا يحبس منه شيئًا، ورجَّح ابن حبيبٍ الأوَّل بأنَّ مطرِّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصَّة، فهما أقعد بذلك، لكنَّ ظاهر الحديث مع ابن القاسم؛ لأنَّه قال: «احبس الماء حتَّى يبلغ الجدر» والذي يبلغ الجدر (٥) هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللَّفظ أنَّه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بعد قوله: «إلى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أولى. قلت: لَا أَوْلَوِيَّة هُنَا، لِأَن معنى السفلي قبل صَاحب الأَرْض السُّفْلى، وَيجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع الْأَعْلَى: الْعليا، على تَقْدِير شرب صَاحب الأَرْض الْعليا، فتذكير الْأَعْلَى والأسفل بِاعْتِبَار الصاحب، وتأنيثهما بِاعْتِبَار الأَرْض بالتقدير الْمَذْكُور.

١٦٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خاصَمَ الزُّبَيْرُ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أرْسِلْ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ أنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ علَيْهِ السَّلامُ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أمْسِكْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلَا وربُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٥٦) . .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زبير أسق ثمَّ أرسل) فَإِنَّهُ يعلم مِنْهُ أَن الزبير هُوَ الْأَعْلَى، لِأَن إرْسَال المَاء لَا يكون إلَاّ من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.

قَوْله: (ثمَّ أرسل) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر مَفْعُوله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ أرسل المَاء) . قَوْله: (ثمَّ يبلغ المَاء الْجدر) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أسق يَا زبير حَتَّى يبلغ المَاء الْجدر) وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر ذكر المَاء، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة من وَجه آخر عَن معمر: (ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك) ، ومعاني بَقِيَّة الْأَلْفَاظ وَالْحكم تقدّمت فِي الْبَاب السَّابِق.

٨ - (بابُ شُرْبِ الأعْلى إِلَى الكَعْبَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى بَيَان مِقْدَار المَاء للأعلى.

١٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مخلد قَالَ أَخْبرنِي ابْن جريج قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه حَدثهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج من الْحرَّة يسْقِي بهَا النّخل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ يَا زبير فَأمره بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ قَالَ اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع المَاء إِلَى الْجدر واستوعي لَهُ حَقه فَقَالَ الزبير وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم} قَالَ لي ابْن شهَاب فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي رُجُوع المَاء إِلَى الْجدر وُصُوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت صرح بِهِ ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَفِي آخِره دَال مُهْملَة هُوَ ابْن يزِيد وَقد مر فِي الْجُمُعَة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ قَوْله " فَأمره بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أمره بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جرت بَينهم فِي مِقْدَار الشّرْب وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله اسْقِ يَا زبير وَبَين قَوْله ثمَّ أرسل قَوْله " واستوعي لَهُ " أَي استوفي للزبير حَقه واستوعب وَهُوَ من الْوِعَاء كَأَنَّهُ جمعه لَهُ فِي وعائه وَأبْعد من قَالَ أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ حَكَاهُ ابْن الصّباغ وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقصي فِيهِ تَغْلِيظًا على الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من كَلَام الزُّهْرِيّ وَكَانَت عَادَته أَن يصل بِالْحَدِيثِ من كَلَامه مَا يظْهر لَهُ من معنى الشَّرْح وَالْبَيَان قيل الأَصْل فِي الحَدِيث أَن يكون حكمه كُله وَاحِدًا حَتَّى يرد مَا يبين ذَلِك وَلَا يثبت الإدراج بِالِاحْتِمَالِ قَوْله قَالَ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن عُرْوَة وَهَذَا إِلَى آخِره من كَلَام ابْن شهَاب حكى عَنهُ ابْن جريج الرَّاوِي عَنهُ قَوْله وَالنَّاس من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص أَو مَعْهُود غير الْأَنْصَار قَوْله

" وَكَانَ ذَلِك " أَي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر قَوْله " إِلَى الْكَعْبَيْنِ " أَي يقدر إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي يكون مِقْدَار المَاء الَّذِي يرجع إِلَى الْجدر يبلغ الْكَعْبَيْنِ وَقد ذكرنَا أَحَادِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحكم وَقَالَ ابْن التِّين الْجُمْهُور على أَن الحكم أَن يمسك إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَخَصه ابْن كنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجر قَالَ وَأما الزَّرْع فَإلَى الشرَاك وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْأَرَاضِي مُخْتَلفَة فَيمسك لكل أَرض مَا يكفيها لِأَن الَّذِي فِي قصَّة الزبير وَاقعَة عين وَقيل معنى قَوْله إِلَى الْجدر أَي إِلَى الْكَعْبَيْنِ قلت إِن كَانَ مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا يَصح تَفْسِير الْجدر بالكعبين (الْجدر هُوَ الأَصْل) هَذَا تَفْسِير لفظ الْجدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من عِنْد البُخَارِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَهَذَا هُنَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده -

٩ - (بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سقِِي المَاء لكل من لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك.

٣٦٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ بَيْنَا رَجُلٍ يَمْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فنَزلَ بِئْرا فَشَرِبَ منْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقدْ بلغَ هَذَا مثلُ الَّذِي بلَغَ بِي فَمَلأَ خفَّهُ (ثمَّ أمْسكهُ بغيه) ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنا فِي البَهَائِمِ أجْراً قالَ فِي كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُمَي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي، أربعتهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (رجل يمشي) . قَوْله: (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) ، الْفَاء فِيهِ وَقعت هُنَا موقع: إِذا، تَقْدِيره: بَينا رجل يمشي إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطش، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم: بَيْنَمَا، وَكِلَاهُمَا سَوَاء فِي الحكم، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي الموطآت. من طَرِيق روح عَن مَالك: يمشي بفلاة، وَله من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك: يمشي بطرِيق مَكَّة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: الْفَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْأَفْصَح أَن يَقع جَوَاب: بَينا وبينما بِلَا كلمة، إِذْ وَإِذا، وَلَكِن وُقُوعه بهما كثير. قَوْله: الْعَطش، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: العطاش، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فيشرب فَلَا يرْوى، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب الْعَطش، قَالَ: وَقيل: يَصح على تَقْدِير أَن الْعَطش يحدث مِنْهُ دَاء فَيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (يَأْكُل الثرى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ، وَهُوَ التُّرَاب الندي. قَوْله: (يَلْهَث) ، جملَة وَقعت حَالا من الْكَلْب، قَالَ ابْن قرقول: لهث الْكَلْب بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا إِذا أخرج لِسَانه من الْعَطش أَو الْحر، واللهاث، بِضَم اللَّام: الْعَطش، وَكَذَلِكَ الطَّائِر. ولهث الرجل إِذا أعيى. وَيُقَال: مَعْنَاهُ يبْحَث بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ فِي الأَرْض، وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ ارْتِفَاع النَّفس يَلْهَث لهثاً ولهاثاً، ولهث بِالْكَسْرِ يَلْهَث لهثاً ولهاثاً مثل: سمع سَمَاعا إِذا عَطش. قَوْله: (بلغ هَذَا مثل الَّذِي بلغ بِي) ، أَي: بلغ هَذَا الْكَلْب مثل الَّذِي،

بِنصب اللَّام على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: بلغ هَذَا مبلغا مثلَ الَّذِي بلغ بِي، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ بِضَم: مثل، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تَوْجِيهه. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على تَوْجِيهه، وَهُوَ أَن يكون لفظ: هَذَا، مفعول بلغ، وَقَوله: مثل الَّذِي بلغ بِي، فَاعله فارتفاعه حِينَئِذٍ على الفاعلية. قَوْله: (فَمَلَأ خفه) فِيهِ مَحْذُوف قبله تَقْدِيره: (فَنزل فِي الْبِئْر فَمَلَأ خفه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (فَنزع أحد خفيه) . قَوْله: (ثمَّ أمْسكهُ بِفِيهِ) ، أَي: بفمه. وَإِنَّمَا أمسك خفه بفمه لِأَنَّهُ كَانَ يعالج بيدَيْهِ ليصعد من الْبِئْر، فَدلَّ هَذَا أَن الصعُود مِنْهَا كَانَ عسراً. قَوْله: (ثمَّ رقي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْقَاف على مِثَال: صعد وزنا وَمعنى، يُقَال: رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ: إِذا صعدت، وَذكره ابْن التِّين بِفَتْح الْقَاف على مِثَال: مضى، وَأنْكرهُ. وَقَالَ عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : هِيَ لُغَة طيىء، يفتحون الْعين فِيمَا كَانَ من الْأَفْعَال معتل اللَّام، وَالْأول أفْصح وَأشهر. قَوْله: (فسقى الْكَلْب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح: حَتَّى أرواه من الإرواء من الرّيّ، وَقد مَضَت هَذِه الرِّوَايَة فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَنهُ إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا رأى كَلْبا يَأْكُل الثرى من الْعَطش، فَأخذ الرجل خفه فَجعل يغْرف لَهُ بِهِ حَتَّى أرواه، فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَو قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ، كَمَا فِي قَوْلك: إِن يسلم فَهُوَ فِي الْجنَّة، أَي: بِسَبَب إِسْلَامه هُوَ فِي الْجنَّة، وَيجوز أَن تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: ٤٥) . على قَول من فسر التَّوْبَة بِالْقَتْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أظهر مَا جازاه بِهِ عِنْد مَلَائكَته، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: لَا يَصح هَذَا هُنَا، لِأَن شكر الله لهَذَا الرجل عبارَة عَن مغفرته إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة، من جُمْلَتهمْ سراقَة بن مَالك ابْن جعْشم، روى حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن مَالك بن جعْشم، قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فَهَل لي من أجر إِن سقيتها؟ فَقَالَ: نعم، فِي كل ذَات كبد حرى أجر. قَوْله: (وَإِن لنا) ، هُوَ مَعْطُوف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: الْأَمر كَمَا ذكرت، وَإِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا، أَي: فِي سقيها أَو فِي الْإِحْسَان إِلَيْهَا. قَوْله: (فِي كل كبد) ، يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: فتح الْكَاف وَكسر الْبَاء وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف، كَمَا قَالُوا فِي الْفَخْذ فَخذ، وَكسر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الكبد يذكر وَيُؤَنث، وَلِهَذَا قَالَ: رطبَة، وَالْجمع أكباد وأكبد وكبود. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي كبد كل حَيّ من ذَوَات الْأَنْفس، وَالْمرَاد بالرطبة رُطُوبَة الْحَيَاة أَو هُوَ كِنَايَة عَن الْحَيَاة. قَوْله: (أجر) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما قَوْله: (فِي كل كبد) ، تَقْدِيره: أجر حَاصِل أَو كَائِن فِي إرواء كل ذِي كبد حَيّ. وَأبْعد الْكرْمَانِي فِي سُؤَاله هُنَا حَيْثُ يَقُول: الكبد لَيست ظرفا لِلْأجرِ، فَمَا معنى كلمة الظَّرْفِيَّة؟ ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره الْأجر ثَابت فِي إرواء أَو فِي رِعَايَة كل حَيّ وَجه الإبعاد: أَن كل من شم شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة يعرف أَن الْجَار وَالْمَجْرُور لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِشَيْء، إِمَّا ظَاهرا أَو مُقَدرا، فَإِذا لم يصلح الْمَذْكُور أَن يتَعَلَّق بِهِ يقدر لفظ: كَائِن أَو حَاصِل أَو نَحْوهمَا، فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال وَالْجَوَاب، ثمَّ قَالَ: أَو الْكَلِمَة للسَّبَبِيَّة، يَعْنِي: كلمة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَمَعَ هَذَا الْمُتَعَلّق مَحْذُوف، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة الْوَاجِب مائَة إبل، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا: بِسَبَب إرواء كل كبد أجر حَاصِل. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، وَأما الْإِسْلَام فقد أَمر بقتل الْكلاب فِيهِ. وَأما قَوْله: (فِي كل كبد) ، فمخصوص بِبَعْض الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ لِأَن الْمَأْمُور بقتْله كالخنزير لَا يجوز أَن يقوى لِيَزْدَادَ ضَرَره، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم، وَهُوَ مَا لم يُؤمر بقتْله فَيحصل الثَّوَاب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وَغير ذَلِك من وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قلت: الْقلب الَّذِي فِيهِ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة يجنح إِلَى قَول الدَّاودِيّ، وَفِي الْقلب من قَول أبي عبد الْملك حزازة، وَيتَوَجَّهُ الرَّد على كَلَامه من وُجُوه: الأول: قَوْله: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَمَا الْمَانِع أَن أحدا من هَذِه الْأمة قد فعل هَذَا، وكوشف للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك وَأخْبرهُ بذلك حثاً لأمته على فعل ذَلِك، وصدور هَذَا الْفِعْل من أحد من أمته يجوز أَن يكون فِي زَمَنه، وَيجوز أَن يكون بعده، بِأَن يفعل أحد

هَذَا. وَأعلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَنه سَيكون كَذَا وَأخْبرهُ بذلك فِي صُورَة الْكَائِن، لِأَن الَّذِي يُخبرهُ عَن الْمُسْتَقْبل كالواقع لِأَنَّهُ مخبر صَادِق، وكل مَا يُخبرهُ من المغيبات الْآتِيَة كَائِن لَا محَالة. وَالثَّانِي: قَوْله: وَأما الْإِسْلَام، فقد أَمر بقتل الْكلاب لَا يقوم بِهِ دَلِيل على مدعاه، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتل الْكلاب فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ ذَلِك بِإِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا للصَّيْد وللماشية وَالزَّرْع، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه. وَالثَّالِث: دَعْوَى الْخُصُوص تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، لِأَن تَخْصِيص الْعَام بِلَا دَلِيل إِلْغَاء لحكمه الَّذِي تنَاوله، فَلَا يجوز، وَالْعجب من النَّوَوِيّ أَيْضا أَنه ادّعى عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور للحيوان الْمُحْتَرَم، وَهُوَ أَيْضا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وأصل الحَدِيث مَبْنِيّ على إِظْهَار الشَّفَقَة لمخلوقات الله تَعَالَى من الْحَيَوَانَات، وَإِظْهَار الشَّفَقَة لَا يُنَافِي إِبَاحَة قتل المؤذي من الْحَيَوَانَات، وَيفْعل فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن التَّيْمِيّ: لَا يمْتَنع إجراؤه على عُمُومه، يَعْنِي: فيسقي ثمَّ يقتل، لأَنا أمرنَا بِأَن نحسن القتلة ونهينا عَن الْمثلَة، فعلى قَول مدعي الْخُصُوص: الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ الَّذِي اسْتمرّ على ارتداده إِذا قدما للْقَتْل، وَكَانَ الْعَطش قد غلب عَلَيْهِمَا، يَنْبَغِي أَن يَأْثَم من يسقيهما لِأَنَّهُمَا غير محترمين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا يمِيل قلب شفوق فِيهِ رَحْمَة إِلَى منع السَّقْي عَنْهُمَا، يسقيان ثمَّ يقتلان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: فِيهِ: جَوَاز السّفر مُنْفَردا وَبِغير زَاد. قلت: قد ورد النَّهْي عَن سفر الرجل وَحده، والْحَدِيث لَا يدل على أَن رجلا كَانَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: (بَينا رجل يمشي) ، فَيجوز أَن يكون مَاشِيا فِي أَطْرَاف مَدِينَة أَو عمَارَة، أَو كَانَ مَاشِيا فِي مَوضِع فِي مدينته. وَكَانَ خَالِيا من السكان. فَإِن قلت: قد مضى فِي أَوَائِل الْبَاب أَن فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: يمشي بفلاة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يمشي بطرِيق مَكَّة؟ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الرجل الْمَذْكُور مُسَافِرًا، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ مُسَافِرًا لَكِن يحْتَمل أَنه كَانَ مَعَه قوم فَانْقَطع مِنْهُم فِي الفلاة لضَرُورَة عرضت لَهُ، فَجرى لَهُ مَا جرى فَلَا يفهم مِنْهُ جَوَاز السّفر وَحده فَافْهَم. وَأما السّفر بِغَيْر زَاد، فَإِن كَانَ فِي علمه أَنه يحصل لَهُ الزَّاد فِي طَرِيقه فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ يتَحَقَّق عَدمه فَلَا يجوز لَهُ بِغَيْر الزَّاد. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ إِذا حصلت الْمَغْفِرَة بِسَبَب سقِِي الْكَلْب، فسقي بني آدم أعظم أجرا. وَفِيه: أَن سقِِي المَاء من أعظم القربات. قَالَ بعض التَّابِعين: من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بسقي المَاء، فَإِذا غفرت ذنُوب الَّذِي سقى كَلْبا فَمَا ظنكم بِمن سقى مُؤمنا موحداً وأحياه بذلك؟ وَقَالَ ابْن التِّين: وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا: أَنه دخل على رجل فِي السِّيَاق، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يتأخران وأسودين يدنوان، وأري الشَّرّ ينمى وَالْخَيْر يضمحل، فأعني مِنْك بدعوة يَا نَبِي الله، فَقَالَ: أللهم أشكر لَهُ الْيَسِير، واعف عَنهُ الْكثير، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يدنوان والأسودين يتأخران، وَأرى الْخَيْر ينمي وَالشَّر يضمحل. قَالَ: فَمَا وجدت أفضل عَمَلك؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِي حَدِيث سُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ على جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْركين لعُمُوم قَوْله: أجر. وَفِيه: أَن المجازاة على الْخَيْر وَالشَّر قد يكون يَوْم الْقِيَامَة من جنس الْأَعْمَال، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من قتل نَفسه بحديدة عذب بهَا فِي نَار جَهَنَّم، وَقَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي أَن يكون مَحَله، مَا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ مُسلم، فالمسلم أَحَق. قلت: هَذَا قيد لَا يعْتَبر بِهِ، بل تجوز الصَّدَقَة على الْكَافِر، سَوَاء يُوجد هُنَاكَ مُسلم أَو لَا، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَكَذَا إِذا دَار الْأَمر بَين الْبَهِيمَة والآدمي الْمُحْتَرَم واستويا فِي الْحَاجة، فالآدمي أَحَق. قلت: إِنَّمَا يكون أَحَق فِيمَا إِذا قسم بَينهمَا، يخَاف على الْمُسلم من الْهَلَاك، إو إِذا أَخذ جُزْءا للبهيمة يخَاف على الْمُسلم، فَأَما إِذا لم يُوجد وَاحِد مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَن لَا تحرم الْبَهِيمَة أَيْضا، لِأَنَّهَا ذَات كبد رطبَة.

تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ

٤٦٣٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مرْيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ أيْ رَبِّ وأنَا مَعَهُمْ فإذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تخْدِشُها هِرَّةٌ قَالَ مَا شأْنُ هَذِهِ قَالُوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧) .

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.2 / 29.5
الإضاءة 49%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56