«حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2352

الحديث رقم 2352 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الشرب والمساقاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن، وهي في دار أنس…

«حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ.»

سند حديث: ٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا

رواة الحديث

شرح حديث: «حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن، وهي في دار أنس…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

[الحديث ٢٣٥١ - أطرافه في: ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠]

٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ - وَهِوَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ عنْ فِيهِ وَعَن يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ - وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ - أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ"

[الحديث ٢٣٥٢ - أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَمَنْ رَأَى إِلَخْ جَعَلَهُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِغَيْرِهِمَا بَابٌ فِي الشِّرْبِ وَمَنْ رَأَى وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ) أَيِ ابْنُ عَفَّانَ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حَيْثُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِغَيْرِ هَذَا السِّيَاقِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الدَّلْوِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ إِذَا شَرَطَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَوْ حَبَسَ بِئْرًا عَلَى مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَشْرَبُ. ثُمَّ فَرَّقَ بِفَرْقٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْ سَهْلٍ، وَأَنَسٍ فِي شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْدِيمِهِ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ. وَمُنَاسَبَتُهُمَا لِمَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ جِهَةِ مَشْرُوعِيَّةِ قِسْمَةِ الْمَاءِ، لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ بِالْبَدَاءَةِ به دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُهُ أَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ، وَلِهَذَا اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ، وَرَتَّبَ قِسْمَتَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إِبَاحَتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ مِلْكٌ، لَكِنْ حَدِيثُ سَهْلٍ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْقَدَحَ كَانَ فِيهِ مَاءٌ، بَلْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ بِأَنَّهُ كَانَ لَبَنًا، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْأَمْرَ جَرَى فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ الَّذِي شِيبَ بِهِ اللَّبَنُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَجْرَى اللَّبَنِ الْخَالِصِ الَّذِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ.

وَقَوْلُهُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا) أي: القصَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنَّه»، أي: الشَّأن (١) (حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ) هي التي تألف البيوت وتقيم بها، ولم يقل: «داجنةٌ» اعتبارًا بتأنيث الموصوف؛ لأنَّ الشَّاة تُذكَّر وتُؤنَّث، وفي «النِّهاية»: هي التي تُعلَف في المنزل (وَهْيَ) أي: الدَّاجن، والواو للحال، ولأبي ذرٍّ: «وهو» أي: النَّبيُّ ﷺ (فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَشِيبَ لَبَنُهَا) بكسر الشِّين المعجمة، مبنيًّا للمفعول، و «لبنُها» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: خُلِط (بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ (٢)، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ ﷺ القَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ) ﵊ (حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ) أي: قلعه (عنْ فِيهِ) وللمُستملي والحَمُّويي: «من فيه» (وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) قيل: إنَّه خالد بن الوليد، ورُدَّ: بأنَّه لا يُقال له: أعرابيٌّ، وعبَّر بقوله: «وعلى» في الأولى، وبـ «عن» في الثَّانية، فقال الكِرمانيُّ: لعلَّ يساره كان موضعًا مرتفعًا، فاعتُبِر استعلاؤه، أو كان الأعرابيُّ بعيدًا عن الرَّسول ﷺ (فَقَالَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب ﵁ (وَخَافَ) أي: والحال أنَّ عمر خاف (أَنْ يُعْطِيَهُ) أي: يعطي النَّبيُّ ﷺ القدح (الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ) -بهمزةٍ مفتوحةٍ- القدحَ (أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ) قاله تذكيرًا للرَّسول ﵊، وإعلامًا للأعرابيِّ بجلالة الصِّدِّيق (فَأَعْطَاهُ) ﵊ (الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى (٣) يَمِينِهِ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ وصُحِّح عليها في الفرع وأصله (٤): «عن» بالنُّون بدل «على» باللَّام (ثُمَّ قَالَ)

﵊: قدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) قال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ وغيره: «الأيمنَ» ضُبِط بالنَّصب على تقدير: أعطِ الأيمنَ، وبالرَّفع على تقدير: الأيمنُ أحقُّ، واستدلَّ العينيُّ لترجيح الرَّفع بقوله: في بعض طرق الحديث [خ¦٢٥٧١]: «الأيمنون الأيمنون الأيمنون»، قال أنسٌ: فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ (١)، أي: تقدمة الأيمن، وإن كان مفضولًا لا خلاف في ذلك، نعم خالف ابن حزمٍ فقال: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلَّا بإذن الأيمن، وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ عند أبي يعلى الموصليِّ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُقِي قال «ابدؤوا بالكبراء»، أو قال: «بالأكابر»، فمحمولٌ على ما إذا لم يكن على جهة يمينه أحدٌ (٢)، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلًا، وإنَّما استأذن ﵊ الغلام في الحديث السَّابق [خ¦٢٣٥١] ولم يستأذن الأعرابيَّ هنا ائتلافًا (٣) لقلب الأعرابيِّ وتطييبًا لنفسه وشفقةً أن يسبق إلى قلبه شيءٌ يهلك به لقرب عهده بالجاهليَّة، ولم يجعل للغلام ذلك لأنَّه قرابتُه، وسنُّه دون المشيخة فاستأذنه عليهم تأدُّبًا، ولئلَّا يوحشهم بتقديمه عليهم، وتعليمًا بأنَّه لا يدفع إلى غير الأيمن إلَّا بإذنه.

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٢]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.

(٢) (باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى) بفتح أوَّله وثالثه، من الرِّيِّ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) الآتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا [خ¦٢٣٥٣]: (لا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مرفوعًا، نفيٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يُمْنَعْ» بالجزم على النَّهي (فَضْلُ المَاءِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل؛ لأنَّ مفهومه: أنَّه أحقُّ بمائه عند عدم الفضل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الأسئلة والأجوبة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب:

الأول: مَا الْحِكْمَة فِي كَون ابْن عَبَّاس لم يُوَافق اسْتِئْذَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ فِي أَن يقدم فِي الشّرْب من هُوَ أولى مِنْهُ بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمُرهُ بذلك بقوله: أترك لَهُ حَقك، وَلَو أمره لأطاعه، فَلَمَّا لم يَقع مِنْهُ إلَاّ اسْتِئْذَانه لَهُ فِي ذَلِك فَقَط لم يفوت نَفسه حَظه من سُؤْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي كَونه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اسْتَأْذن ابْن عَبَّاس أَن يُعْطي خَالِد بن الْوَلِيد، قبله، وَلم يسْتَأْذن الْأَعرَابِي فِي أَن يُعْطي أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبله؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْذن الْغُلَام دون الْأَعرَابِي إدلالاً على الْغُلَام، وَهُوَ ابْن عَبَّاس، ثِقَة بِطيب نَفسه بِأَصْل الأستئذان، والأشياخ أَقَاربه، وَأما الْأَعرَابِي فَلم يَسْتَأْذِنهُ مَخَافَة من إيحاشه فِي اسْتِئْذَانه فِي صرفه إِلَى أَصْحَابه، وَرُبمَا سبق إِلَى قلب ذَلِك الْأَعرَابِي شَيْء يأنف بِهِ لقرب عَهده بالجاهلية.

الثَّالِث: هَل من سبق إِلَى مجْلِس عَالم أَو كَبِير أَو إِلَى مَوضِع من الْمَسْجِد إو إِلَى مَوضِع مُبَاح فَهُوَ أَحَق بِهِ مِمَّن يَجِيء بعده أم لَا؟ أُجِيب: بِأَن الْحِكْمَة حكم الشّرْب، فِي أَن الْقَاعِد على الْيَمين أَحَق، كَائِنا من كَانَ، فَكَذَلِك هُنَا السَّابِق أَحَق كَائِنا من كَانَ، وَلَا يُقَام أحد من مجْلِس جلسه.

٢ - (بابُ منْ قالَ إنَّ صاحِبَ المَاءِ أحَقُّ بالمَاءِ حتَّى يَرْوَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يرْوى) ، بِفَتْح الْوَاو: من الرّيّ، وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِالْمَاءِ حَتَّى يَروى.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة، وَوَجهه أَن منع فضل المَاء إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا فضل عَن حَاجَة صَاحبه، فَهَذَا يدل على أَنه أَحَق بمائه عِنْد عدم الْفضل، وَالْمرَاد من: حَاجَة صَاحبه، حَاجَة نَفسه وَعِيَاله وزرعه وماشيته، وَهَذَا فِي غير المَاء المحرز فِي الْإِنَاء، فَإِن المحرز فِيهِ لَا يجب بذل فَضله إلَاّ للْمُضْطَر، وَهُوَ الصَّحِيح. ثمَّ قَوْله: (لَا يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول، وبالرفع لِأَنَّهُ نفي بِمَعْنى النَّهْي، وَذكر عِيَاض أَنه فِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْجَزْمِ بِلَفْظ النَّهْي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ عَقِيبه، كَمَا يجيىء الْآن.

٣٥٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن منع فضل المَاء يدل على أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ عِنْد عدم الْفضل، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي إحْيَاء الْموَات عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، أربعتهم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ البُخَارِيّ، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: لَا يمْنَع أحدكُم فضل المَاء يمْنَع بِهِ الْكلأ. وَفِي لفظ بِهَذَا الْإِسْنَاد: ثَلَاث لَا يمنعن: المَاء والكلأ وَالنَّار. وَأخرج ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة حَارِث عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يمْنَع فضل المَاء وَلَا يمْنَع نفع الْبِئْر. وَأخرج أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من منع فضل مَائه أَو فضل كلائه مَنعه الله عز وَجل فَضله. وَأخرج أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من منع فضل مَائه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تمنعوا عباد الله فضل المَاء وَلَا كلأ وَلَا نَارا فَإِن الله جعلهَا مَتَاعا للموقين وَقُوَّة للمستضعفين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يمْنَع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ليمنع بِهِ) ، اللَّام هَذِه، وَإِن كَانَ النُّحَاة يَقُولُونَ إِنَّهَا لَام كي

فَهِيَ لبَيَان الْعَاقِبَة والمآل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزناً} (الْقَصَص: ٨) . قَوْله: (الْكلأ) ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وبالهمزة: العشب، سَوَاء كَانَ يَابسا أَو رطبا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ اسْم للنوع وَلَا وَاحِد لَهُ، وَمعنى هَذَا الْكَلَام مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وبقرب الْبِئْر موَات فِيهِ كلأ ترعاه الْمَاشِيَة، وَلَا يكون لَهُم مقَام إِذا منعُوا المَاء، فَأمر صَاحب المَاء أَن لَا يمْنَع الْمَاشِيَة فضل مائَة لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. قلت: توضيح ذَلِك الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَن يكون حول بِئْر رجل كلأ لَيْسَ عِنْده مَاء غَيره، وَلَا يُمكن أَصْحَاب الْمَوَاشِي رعيه إِلَّا إِذا مكنوا من سقِِي بهائمهم من تِلْكَ الْبِئْر لِئَلَّا يتضرروا بالعطش بعد الرَّعْي، فيستلزم مَنعهم من المَاء مَنعهم من الرَّعْي، وعَلى هَذَا يخْتَص الْبَذْل بِمن لَهُ مَاشِيَة، وَيلْحق بِهِ الرُّعَاة إِذا احتاجوا إِلَى الشّرْب لأَنهم إِذا منعُوا مِنْهُ امْتَنعُوا من الرَّعْي هُنَاكَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: منع المَاء بعد الرّيّ من الْكَبَائِر، ذكره يحيى فِي (خراجه) .

٤٥٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ وأبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، ويروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة هِلَال بن أُسَامَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يمْنَع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه؟ فَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وبنوا ذَلِك على أَن المَاء يملك أم لَا؟ فَالْأولى حمله على الْكَرَاهَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالنَّهْي فِيهِ على التَّحْرِيم عِنْد مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ، وَنَقله الْخطابِيّ وَابْن التِّين عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واستحبه بَعضهم وَحمله على النّدب، وَالأَصَح عندنَا أَنه يجب بذله للماشية لَا للزَّرْع. قلت: كَذَلِك مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: الِاخْتِصَاص بالماشية، وَفرق الشَّافِعِي فِيمَا حَكَاهُ الْمُزنِيّ عَنهُ بَين الْمَوَاشِي وَالزَّرْع بِأَن الْمَاشِيَة ذَات أَرْوَاح يخْشَى من عطشها مَوتهَا بِخِلَاف الزَّرْع.

وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ حَتَّى يُروى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع فضل المَاء، فَأَما من لَا يفضل لَهُ فَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي، لِأَن صَاحب الشَّيْء أولى بِهِ. وَتَأْويل الْمَنْع عِنْد مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَغَيره: مَعْنَاهُ فِي آبار الْمَاشِيَة فِي الصَّحرَاء يحفرها الْمَرْء وبقربها كلأ مُبَاح، فَإِذا منع المَاء اخْتصَّ بالكلأ، فَأمر أَن لَا يمْنَع فضل المَاء لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. وَقَالَ القَاضِي فِي (إشرافه) فِي حافر الْبِئْر فِي الْموَات: لَا يجوز لَهُ منع مَا زَاد على قدر حَاجته لغيره بِغَيْر عوض، وَقَالَ قوم: يلْزمه بِالْعِوَضِ، أما حافرها فِي ملكه فَلهُ منع مَا عمل من ذَلِك، وَيكون أَحَق بِمَائِهَا حَتَّى يرْوى، وَيكون للنَّاس مَا فضل إلَاّ من مر بهم لشفاههم ودوابهم فَإِنَّهُم لَا يمْنَعُونَ كَمَا يمْنَع من سواهُم. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَهُ أَن يمْنَع من دُخُول أرضه وَأخذ مَائه لَا أَن لَا يكون لشفاههم ودوابهم مَاء فيسقيهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سقِِي زرعهم. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، نَاقِلا عَن القَاضِي بعلامة (قض) : اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث فروى البُخَارِيّ: لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ فضل الْكلأ، مَعْنَاهُ: من كَانَ لَهُ بِئْر فِي موَات من الأَرْض لَا يمْنَع مَاشِيَة غَيره أَن ترد فضل مَائه الَّذِي زَاد على مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ليمنعها بذلك عَن فضل الْكلأ، فَإِنَّهُ إِذا مَنعهم عَن فضل مَاء من الأَرْض لَا مَاء بهَا (مَا شيته) ، سواهُ لم يُمكن لَهُم الرَّعْي بهَا، فَيصير الْكلأ مَمْنُوعًا بِمَنْع المَاء. وروى مُسلم: لَا يُبَاع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَالْمعْنَى: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ، أَي: لَا يُبَاع فضل المَاء ليصير بِهِ البَائِع لَهُ كالبائع للكلأ، فَإِن من أَرَادَ الرَّعْي فِي حوالي مَائه إِذا مَنعه من الْوُرُود على مَائه، إلَاّ بعوض اضْطر إِلَى شِرَائِهِ، فَيكون بَيْعه للْمَاء بيعا للكلأ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يجب على صَاحب الْبِئْر بذل الْفَاضِل عَن حَاجته لزرع غَيره فِيمَا يملكهُ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

[الحديث ٢٣٥١ - أطرافه في: ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠]

٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ - وَهِوَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ عنْ فِيهِ وَعَن يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ - وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ - أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ"

[الحديث ٢٣٥٢ - أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَمَنْ رَأَى إِلَخْ جَعَلَهُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِغَيْرِهِمَا بَابٌ فِي الشِّرْبِ وَمَنْ رَأَى وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ) أَيِ ابْنُ عَفَّانَ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حَيْثُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِغَيْرِ هَذَا السِّيَاقِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الدَّلْوِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ إِذَا شَرَطَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَوْ حَبَسَ بِئْرًا عَلَى مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَشْرَبُ. ثُمَّ فَرَّقَ بِفَرْقٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْ سَهْلٍ، وَأَنَسٍ فِي شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْدِيمِهِ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ. وَمُنَاسَبَتُهُمَا لِمَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ جِهَةِ مَشْرُوعِيَّةِ قِسْمَةِ الْمَاءِ، لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ بِالْبَدَاءَةِ به دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُهُ أَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ، وَلِهَذَا اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ، وَرَتَّبَ قِسْمَتَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إِبَاحَتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ مِلْكٌ، لَكِنْ حَدِيثُ سَهْلٍ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْقَدَحَ كَانَ فِيهِ مَاءٌ، بَلْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ بِأَنَّهُ كَانَ لَبَنًا، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْأَمْرَ جَرَى فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ الَّذِي شِيبَ بِهِ اللَّبَنُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَجْرَى اللَّبَنِ الْخَالِصِ الَّذِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ.

وَقَوْلُهُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا) أي: القصَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنَّه»، أي: الشَّأن (١) (حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ) هي التي تألف البيوت وتقيم بها، ولم يقل: «داجنةٌ» اعتبارًا بتأنيث الموصوف؛ لأنَّ الشَّاة تُذكَّر وتُؤنَّث، وفي «النِّهاية»: هي التي تُعلَف في المنزل (وَهْيَ) أي: الدَّاجن، والواو للحال، ولأبي ذرٍّ: «وهو» أي: النَّبيُّ ﷺ (فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَشِيبَ لَبَنُهَا) بكسر الشِّين المعجمة، مبنيًّا للمفعول، و «لبنُها» رفع نائبٍ عن الفاعل، أي: خُلِط (بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ (٢)، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ ﷺ القَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ) ﵊ (حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ) أي: قلعه (عنْ فِيهِ) وللمُستملي والحَمُّويي: «من فيه» (وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) قيل: إنَّه خالد بن الوليد، ورُدَّ: بأنَّه لا يُقال له: أعرابيٌّ، وعبَّر بقوله: «وعلى» في الأولى، وبـ «عن» في الثَّانية، فقال الكِرمانيُّ: لعلَّ يساره كان موضعًا مرتفعًا، فاعتُبِر استعلاؤه، أو كان الأعرابيُّ بعيدًا عن الرَّسول ﷺ (فَقَالَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب ﵁ (وَخَافَ) أي: والحال أنَّ عمر خاف (أَنْ يُعْطِيَهُ) أي: يعطي النَّبيُّ ﷺ القدح (الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ) -بهمزةٍ مفتوحةٍ- القدحَ (أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ) قاله تذكيرًا للرَّسول ﵊، وإعلامًا للأعرابيِّ بجلالة الصِّدِّيق (فَأَعْطَاهُ) ﵊ (الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى (٣) يَمِينِهِ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ وصُحِّح عليها في الفرع وأصله (٤): «عن» بالنُّون بدل «على» باللَّام (ثُمَّ قَالَ)

﵊: قدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) قال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ وغيره: «الأيمنَ» ضُبِط بالنَّصب على تقدير: أعطِ الأيمنَ، وبالرَّفع على تقدير: الأيمنُ أحقُّ، واستدلَّ العينيُّ لترجيح الرَّفع بقوله: في بعض طرق الحديث [خ¦٢٥٧١]: «الأيمنون الأيمنون الأيمنون»، قال أنسٌ: فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ، فهي سنَّةٌ (١)، أي: تقدمة الأيمن، وإن كان مفضولًا لا خلاف في ذلك، نعم خالف ابن حزمٍ فقال: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلَّا بإذن الأيمن، وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ عند أبي يعلى الموصليِّ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُقِي قال «ابدؤوا بالكبراء»، أو قال: «بالأكابر»، فمحمولٌ على ما إذا لم يكن على جهة يمينه أحدٌ (٢)، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلًا، وإنَّما استأذن ﵊ الغلام في الحديث السَّابق [خ¦٢٣٥١] ولم يستأذن الأعرابيَّ هنا ائتلافًا (٣) لقلب الأعرابيِّ وتطييبًا لنفسه وشفقةً أن يسبق إلى قلبه شيءٌ يهلك به لقرب عهده بالجاهليَّة، ولم يجعل للغلام ذلك لأنَّه قرابتُه، وسنُّه دون المشيخة فاستأذنه عليهم تأدُّبًا، ولئلَّا يوحشهم بتقديمه عليهم، وتعليمًا بأنَّه لا يدفع إلى غير الأيمن إلَّا بإذنه.

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٢]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.

(٢) (باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى) بفتح أوَّله وثالثه، من الرِّيِّ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) الآتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا [خ¦٢٣٥٣]: (لا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مرفوعًا، نفيٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يُمْنَعْ» بالجزم على النَّهي (فَضْلُ المَاءِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل؛ لأنَّ مفهومه: أنَّه أحقُّ بمائه عند عدم الفضل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الأسئلة والأجوبة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب:

الأول: مَا الْحِكْمَة فِي كَون ابْن عَبَّاس لم يُوَافق اسْتِئْذَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ فِي أَن يقدم فِي الشّرْب من هُوَ أولى مِنْهُ بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمُرهُ بذلك بقوله: أترك لَهُ حَقك، وَلَو أمره لأطاعه، فَلَمَّا لم يَقع مِنْهُ إلَاّ اسْتِئْذَانه لَهُ فِي ذَلِك فَقَط لم يفوت نَفسه حَظه من سُؤْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي كَونه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اسْتَأْذن ابْن عَبَّاس أَن يُعْطي خَالِد بن الْوَلِيد، قبله، وَلم يسْتَأْذن الْأَعرَابِي فِي أَن يُعْطي أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبله؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْذن الْغُلَام دون الْأَعرَابِي إدلالاً على الْغُلَام، وَهُوَ ابْن عَبَّاس، ثِقَة بِطيب نَفسه بِأَصْل الأستئذان، والأشياخ أَقَاربه، وَأما الْأَعرَابِي فَلم يَسْتَأْذِنهُ مَخَافَة من إيحاشه فِي اسْتِئْذَانه فِي صرفه إِلَى أَصْحَابه، وَرُبمَا سبق إِلَى قلب ذَلِك الْأَعرَابِي شَيْء يأنف بِهِ لقرب عَهده بالجاهلية.

الثَّالِث: هَل من سبق إِلَى مجْلِس عَالم أَو كَبِير أَو إِلَى مَوضِع من الْمَسْجِد إو إِلَى مَوضِع مُبَاح فَهُوَ أَحَق بِهِ مِمَّن يَجِيء بعده أم لَا؟ أُجِيب: بِأَن الْحِكْمَة حكم الشّرْب، فِي أَن الْقَاعِد على الْيَمين أَحَق، كَائِنا من كَانَ، فَكَذَلِك هُنَا السَّابِق أَحَق كَائِنا من كَانَ، وَلَا يُقَام أحد من مجْلِس جلسه.

٢ - (بابُ منْ قالَ إنَّ صاحِبَ المَاءِ أحَقُّ بالمَاءِ حتَّى يَرْوَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يرْوى) ، بِفَتْح الْوَاو: من الرّيّ، وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِالْمَاءِ حَتَّى يَروى.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة، وَوَجهه أَن منع فضل المَاء إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا فضل عَن حَاجَة صَاحبه، فَهَذَا يدل على أَنه أَحَق بمائه عِنْد عدم الْفضل، وَالْمرَاد من: حَاجَة صَاحبه، حَاجَة نَفسه وَعِيَاله وزرعه وماشيته، وَهَذَا فِي غير المَاء المحرز فِي الْإِنَاء، فَإِن المحرز فِيهِ لَا يجب بذل فَضله إلَاّ للْمُضْطَر، وَهُوَ الصَّحِيح. ثمَّ قَوْله: (لَا يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول، وبالرفع لِأَنَّهُ نفي بِمَعْنى النَّهْي، وَذكر عِيَاض أَنه فِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْجَزْمِ بِلَفْظ النَّهْي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ عَقِيبه، كَمَا يجيىء الْآن.

٣٥٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن منع فضل المَاء يدل على أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ عِنْد عدم الْفضل، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي إحْيَاء الْموَات عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، أربعتهم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ البُخَارِيّ، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: لَا يمْنَع أحدكُم فضل المَاء يمْنَع بِهِ الْكلأ. وَفِي لفظ بِهَذَا الْإِسْنَاد: ثَلَاث لَا يمنعن: المَاء والكلأ وَالنَّار. وَأخرج ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة حَارِث عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يمْنَع فضل المَاء وَلَا يمْنَع نفع الْبِئْر. وَأخرج أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من منع فضل مَائه أَو فضل كلائه مَنعه الله عز وَجل فَضله. وَأخرج أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من منع فضل مَائه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تمنعوا عباد الله فضل المَاء وَلَا كلأ وَلَا نَارا فَإِن الله جعلهَا مَتَاعا للموقين وَقُوَّة للمستضعفين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يمْنَع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ليمنع بِهِ) ، اللَّام هَذِه، وَإِن كَانَ النُّحَاة يَقُولُونَ إِنَّهَا لَام كي

فَهِيَ لبَيَان الْعَاقِبَة والمآل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزناً} (الْقَصَص: ٨) . قَوْله: (الْكلأ) ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وبالهمزة: العشب، سَوَاء كَانَ يَابسا أَو رطبا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ اسْم للنوع وَلَا وَاحِد لَهُ، وَمعنى هَذَا الْكَلَام مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وبقرب الْبِئْر موَات فِيهِ كلأ ترعاه الْمَاشِيَة، وَلَا يكون لَهُم مقَام إِذا منعُوا المَاء، فَأمر صَاحب المَاء أَن لَا يمْنَع الْمَاشِيَة فضل مائَة لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. قلت: توضيح ذَلِك الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَن يكون حول بِئْر رجل كلأ لَيْسَ عِنْده مَاء غَيره، وَلَا يُمكن أَصْحَاب الْمَوَاشِي رعيه إِلَّا إِذا مكنوا من سقِِي بهائمهم من تِلْكَ الْبِئْر لِئَلَّا يتضرروا بالعطش بعد الرَّعْي، فيستلزم مَنعهم من المَاء مَنعهم من الرَّعْي، وعَلى هَذَا يخْتَص الْبَذْل بِمن لَهُ مَاشِيَة، وَيلْحق بِهِ الرُّعَاة إِذا احتاجوا إِلَى الشّرْب لأَنهم إِذا منعُوا مِنْهُ امْتَنعُوا من الرَّعْي هُنَاكَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: منع المَاء بعد الرّيّ من الْكَبَائِر، ذكره يحيى فِي (خراجه) .

٤٥٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ وأبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، ويروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة هِلَال بن أُسَامَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يمْنَع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه؟ فَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وبنوا ذَلِك على أَن المَاء يملك أم لَا؟ فَالْأولى حمله على الْكَرَاهَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالنَّهْي فِيهِ على التَّحْرِيم عِنْد مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ، وَنَقله الْخطابِيّ وَابْن التِّين عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واستحبه بَعضهم وَحمله على النّدب، وَالأَصَح عندنَا أَنه يجب بذله للماشية لَا للزَّرْع. قلت: كَذَلِك مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: الِاخْتِصَاص بالماشية، وَفرق الشَّافِعِي فِيمَا حَكَاهُ الْمُزنِيّ عَنهُ بَين الْمَوَاشِي وَالزَّرْع بِأَن الْمَاشِيَة ذَات أَرْوَاح يخْشَى من عطشها مَوتهَا بِخِلَاف الزَّرْع.

وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ حَتَّى يُروى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع فضل المَاء، فَأَما من لَا يفضل لَهُ فَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي، لِأَن صَاحب الشَّيْء أولى بِهِ. وَتَأْويل الْمَنْع عِنْد مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَغَيره: مَعْنَاهُ فِي آبار الْمَاشِيَة فِي الصَّحرَاء يحفرها الْمَرْء وبقربها كلأ مُبَاح، فَإِذا منع المَاء اخْتصَّ بالكلأ، فَأمر أَن لَا يمْنَع فضل المَاء لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. وَقَالَ القَاضِي فِي (إشرافه) فِي حافر الْبِئْر فِي الْموَات: لَا يجوز لَهُ منع مَا زَاد على قدر حَاجته لغيره بِغَيْر عوض، وَقَالَ قوم: يلْزمه بِالْعِوَضِ، أما حافرها فِي ملكه فَلهُ منع مَا عمل من ذَلِك، وَيكون أَحَق بِمَائِهَا حَتَّى يرْوى، وَيكون للنَّاس مَا فضل إلَاّ من مر بهم لشفاههم ودوابهم فَإِنَّهُم لَا يمْنَعُونَ كَمَا يمْنَع من سواهُم. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَهُ أَن يمْنَع من دُخُول أرضه وَأخذ مَائه لَا أَن لَا يكون لشفاههم ودوابهم مَاء فيسقيهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سقِِي زرعهم. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، نَاقِلا عَن القَاضِي بعلامة (قض) : اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث فروى البُخَارِيّ: لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ فضل الْكلأ، مَعْنَاهُ: من كَانَ لَهُ بِئْر فِي موَات من الأَرْض لَا يمْنَع مَاشِيَة غَيره أَن ترد فضل مَائه الَّذِي زَاد على مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ليمنعها بذلك عَن فضل الْكلأ، فَإِنَّهُ إِذا مَنعهم عَن فضل مَاء من الأَرْض لَا مَاء بهَا (مَا شيته) ، سواهُ لم يُمكن لَهُم الرَّعْي بهَا، فَيصير الْكلأ مَمْنُوعًا بِمَنْع المَاء. وروى مُسلم: لَا يُبَاع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَالْمعْنَى: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ، أَي: لَا يُبَاع فضل المَاء ليصير بِهِ البَائِع لَهُ كالبائع للكلأ، فَإِن من أَرَادَ الرَّعْي فِي حوالي مَائه إِذا مَنعه من الْوُرُود على مَائه، إلَاّ بعوض اضْطر إِلَى شِرَائِهِ، فَيكون بَيْعه للْمَاء بيعا للكلأ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يجب على صَاحب الْبِئْر بذل الْفَاضِل عَن حَاجته لزرع غَيره فِيمَا يملكهُ من

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.4 / 29.5
الإضاءة 48%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56