«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1948

الحديث رقم 1948 من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أفطر في السفر ليراه الناس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام…

«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.»

سند حديث: ١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام…

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، في العام الثامن، في شهر رمضان، في غزوة الفتح، فصام حتى وصل إلى عسفان، فلما صام الناس قيل له: إن الصوم شق عليهم وهم ينظرون إلى فعلك، كما في حديث آخر، فدعا بماء فرفعه حتى ينظر الناس إليه، فيقتدوا به في الإفطار، وكان لا يأمن الضعف عن القتال عند لقاء عدوهم، ثم أفطر طول الطريق إلى مكة، فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، وابن عباس لم يشاهد هذه القصة؛ لأنه كان بمكة حينئذ فهو يرويها عن غيره من الصحابة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الصوم والفطر جميعًا في السفر.
  • اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فأفطر لكي لا يشق عليهم، وليبين جواز ذلك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام…

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَفِي لفظ لَهُ عَن أبي سعيد مطولا وَفِيه " فَقَالَ إِنَّكُم مصبحوا عَدوكُمْ وَالْفطر أنوى لكم فأفطروا وَكَانَت عَزِيمَة فأفطرنا ثمَّ لقد رَأَيْتنَا نَصُوم مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد ذَلِك فِي السّفر ". وَقَوله " لقد رَأَيْتنَا " أَي رَأَيْت أَنْفُسنَا وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من زعم أَن الصَّائِم فِي السّفر لَا يجْزِيه صَوْمه لِأَن تَركهم لإنكار الصَّوْم وَالْفطر يدل على أَن ذَلِك عِنْدهم من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور الَّذِي تجب الْحجَّة بِهِ -

٨٣ - (بابُ منْ أفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ الناسُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن الَّذِي أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون بفطره، وَيفهم مِنْهُ أَن أَفضَلِيَّة الْفطر لَا تخْتَص بِمن تعرض لَهُ الْمَشَقَّة إِذا صَامَ، أَو بِمن يخْشَى الْعجب، والرياء، أَو بِمن يظنّ بِهِ أَنه رغب عَن الرُّخْصَة. بل إِذا رأى من يَقْتَدِي بِهِ أفطر يفْطر هُوَ أَيْضا، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون، لِأَن الصّيام كَانَ أضرهم، فَأَرَادَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرِّفْق بهم والتيسير عَلَيْهِم أخذا بقوله تَعَالَى: {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . فَأخْبر الله تَعَالَى أَن الْإِفْطَار فِي السّفر أَرَادَهُ للتيسير على عباده، فَمن اخْتَار رخصَة الله فَأفْطر فِي سَفَره أَو مَرضه لم يكن معنفا، وَمن اخْتَار الصَّوْم وَهُوَ يسير عَلَيْهِ فَهُوَ أفضل لوُرُود الْأَخْبَار بصومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي السّفر.

٨٤٩١ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاوُوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خرَجَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فصَامَ حَتَّى بلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعا بِماءٍ فرَفَعَهُ إلَى يَدَيْهِ لِيُرِيهِ النَّاسَ فأفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وذَلِكَ فِي رَمضَانَ فَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَد صامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأفْطرَ فَمَنْ شَاءَ صامَ ومَنْ شاءَ أفْطَرَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِمَاء فرفعه إِلَى يَدَيْهِ ليريه النَّاس فَأفْطر) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عوَانَة، بِالْفَتْح: الوضاح الْيَشْكُرِي.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَربع مَوَاضِع، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن أَبَا عوَانَة واسطي وَأَن منصورا كُوفِي وَأَن مُجَاهدًا مكي وَأَن طاووسا يماني. وَفِيه: مُجَاهِد عَن طَاوُوس من رِوَايَة الأقران. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور، فَلم يذكر طاووسا فِي الْإِسْنَاد، وَكَذَا أخرجه من طَرِيق الحكم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْوَجْه فِيهِ أَن مُجَاهدًا أَخذه أَولا عَن طَاوُوس ثمَّ لَقِي ابْن عَبَّاس فَأَخذه عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عسفان) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (فرفعه إِلَى يَدَيْهِ) أَي: رفع المَاء إِلَى غَايَة طول يَدَيْهِ، وَهُوَ حَال. أَو فِيهِ تضمين أَي: انْتهى الرّفْع إِلَى أقْصَى غايتها. وَقَالَ بَعضهم: فرفعه إِلَى يَدَيْهِ كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وقفت عَلَيْهَا من البُخَارِيّ، وَهُوَ مُشكل لِأَن الرّفْع إِنَّمَا يكون بِالْيَدِ، ثمَّ نقل مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ: وَقد وَقع عِنْد أبي دَاوُد عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي البُخَارِيّ: (فرفعه إِلَى فِيهِ) . وَهَذَا أوضح، وَلَعَلَّ الْكَلِمَة تَصْحِيف. انْتهى. قلت: لَا إِشْكَال هَهُنَا أصلا وَلَا تَصْحِيف. وَهَذَا وهم فَاسد، وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد من الرّفْع هَهُنَا هُوَ أَن يرفعهُ جدا طول يَدَيْهِ حَتَّى يَعْلُو إِلَى فَوق ليراه النَّاس، وَلَيْسَ المُرَاد مُجَرّد الرّفْع بِالْيَدِ من الأَرْض، أَو من يَد الْأَكْبَر، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّد الرّفْع لَا يرَاهُ النَّاس. قَوْله: (ليراه النَّاس) ، بِرَفْع: النَّاس، لِأَنَّهُ فَاعل: يرى، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ مَفْعُوله، وَهَكَذَا هُوَ

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ليريه النَّاس) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل فِي الْوَجْهَيْنِ. و: النَّاس، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثانٍ لِأَن: ليريه، بِضَم الْيَاء من الإراءة وَهِي تستدعي مفعولين كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.

وقصة هَذَا الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام النَّاس، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم، وَإِنَّمَا ينتظرون إِلَى فعلك. فَدَعَا بقدح من مَاء، فرفعه حَتَّى ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فِي الْإِفْطَار، لِأَن الصّيام أضرّ بهم، فَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّيْسِير عَلَيْهِم، وَكَانَ لَا يُؤمن عَلَيْهِم الضعْف والوهن فِي حربهم حِين لِقَاء عدوهم.

٩٣ - (بابٌ {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية. وَقَالَ معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله {وعَلى الَّذين} وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: {طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: {طَعَام مَسَاكِين} بِالْجمعِ، وَقَالَت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.

قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي. قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . آيَة {شهر رَمَضَان} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبَاب عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .

وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله عز وَجل: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: {يطوقونه} بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: {يطيقُونَهُ} بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.

ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة

لكل يَوْم مد من طَعَام. وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.

وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (آل عمرَان: ٣٣١) . وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ. وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا. فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق. وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر. قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات، وَقَالَ ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبَاب، والأفضلية. وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ. قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر. فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.

وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره، وَقَالَ جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض. وَقَالَ زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط. وَقَالَ الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.

وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) . وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَفِي لفظ لَهُ عَن أبي سعيد مطولا وَفِيه " فَقَالَ إِنَّكُم مصبحوا عَدوكُمْ وَالْفطر أنوى لكم فأفطروا وَكَانَت عَزِيمَة فأفطرنا ثمَّ لقد رَأَيْتنَا نَصُوم مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد ذَلِك فِي السّفر ". وَقَوله " لقد رَأَيْتنَا " أَي رَأَيْت أَنْفُسنَا وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من زعم أَن الصَّائِم فِي السّفر لَا يجْزِيه صَوْمه لِأَن تَركهم لإنكار الصَّوْم وَالْفطر يدل على أَن ذَلِك عِنْدهم من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور الَّذِي تجب الْحجَّة بِهِ -

٨٣ - (بابُ منْ أفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ الناسُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن الَّذِي أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون بفطره، وَيفهم مِنْهُ أَن أَفضَلِيَّة الْفطر لَا تخْتَص بِمن تعرض لَهُ الْمَشَقَّة إِذا صَامَ، أَو بِمن يخْشَى الْعجب، والرياء، أَو بِمن يظنّ بِهِ أَنه رغب عَن الرُّخْصَة. بل إِذا رأى من يَقْتَدِي بِهِ أفطر يفْطر هُوَ أَيْضا، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون، لِأَن الصّيام كَانَ أضرهم، فَأَرَادَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرِّفْق بهم والتيسير عَلَيْهِم أخذا بقوله تَعَالَى: {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . فَأخْبر الله تَعَالَى أَن الْإِفْطَار فِي السّفر أَرَادَهُ للتيسير على عباده، فَمن اخْتَار رخصَة الله فَأفْطر فِي سَفَره أَو مَرضه لم يكن معنفا، وَمن اخْتَار الصَّوْم وَهُوَ يسير عَلَيْهِ فَهُوَ أفضل لوُرُود الْأَخْبَار بصومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي السّفر.

٨٤٩١ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاوُوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خرَجَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فصَامَ حَتَّى بلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعا بِماءٍ فرَفَعَهُ إلَى يَدَيْهِ لِيُرِيهِ النَّاسَ فأفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وذَلِكَ فِي رَمضَانَ فَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَد صامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأفْطرَ فَمَنْ شَاءَ صامَ ومَنْ شاءَ أفْطَرَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِمَاء فرفعه إِلَى يَدَيْهِ ليريه النَّاس فَأفْطر) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عوَانَة، بِالْفَتْح: الوضاح الْيَشْكُرِي.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَربع مَوَاضِع، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن أَبَا عوَانَة واسطي وَأَن منصورا كُوفِي وَأَن مُجَاهدًا مكي وَأَن طاووسا يماني. وَفِيه: مُجَاهِد عَن طَاوُوس من رِوَايَة الأقران. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور، فَلم يذكر طاووسا فِي الْإِسْنَاد، وَكَذَا أخرجه من طَرِيق الحكم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْوَجْه فِيهِ أَن مُجَاهدًا أَخذه أَولا عَن طَاوُوس ثمَّ لَقِي ابْن عَبَّاس فَأَخذه عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عسفان) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (فرفعه إِلَى يَدَيْهِ) أَي: رفع المَاء إِلَى غَايَة طول يَدَيْهِ، وَهُوَ حَال. أَو فِيهِ تضمين أَي: انْتهى الرّفْع إِلَى أقْصَى غايتها. وَقَالَ بَعضهم: فرفعه إِلَى يَدَيْهِ كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وقفت عَلَيْهَا من البُخَارِيّ، وَهُوَ مُشكل لِأَن الرّفْع إِنَّمَا يكون بِالْيَدِ، ثمَّ نقل مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ: وَقد وَقع عِنْد أبي دَاوُد عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي البُخَارِيّ: (فرفعه إِلَى فِيهِ) . وَهَذَا أوضح، وَلَعَلَّ الْكَلِمَة تَصْحِيف. انْتهى. قلت: لَا إِشْكَال هَهُنَا أصلا وَلَا تَصْحِيف. وَهَذَا وهم فَاسد، وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد من الرّفْع هَهُنَا هُوَ أَن يرفعهُ جدا طول يَدَيْهِ حَتَّى يَعْلُو إِلَى فَوق ليراه النَّاس، وَلَيْسَ المُرَاد مُجَرّد الرّفْع بِالْيَدِ من الأَرْض، أَو من يَد الْأَكْبَر، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّد الرّفْع لَا يرَاهُ النَّاس. قَوْله: (ليراه النَّاس) ، بِرَفْع: النَّاس، لِأَنَّهُ فَاعل: يرى، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ مَفْعُوله، وَهَكَذَا هُوَ

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ليريه النَّاس) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل فِي الْوَجْهَيْنِ. و: النَّاس، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثانٍ لِأَن: ليريه، بِضَم الْيَاء من الإراءة وَهِي تستدعي مفعولين كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.

وقصة هَذَا الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام النَّاس، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم، وَإِنَّمَا ينتظرون إِلَى فعلك. فَدَعَا بقدح من مَاء، فرفعه حَتَّى ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فِي الْإِفْطَار، لِأَن الصّيام أضرّ بهم، فَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّيْسِير عَلَيْهِم، وَكَانَ لَا يُؤمن عَلَيْهِم الضعْف والوهن فِي حربهم حِين لِقَاء عدوهم.

٩٣ - (بابٌ {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: {فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية. وَقَالَ معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله {وعَلى الَّذين} وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: {طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: {طَعَام مَسَاكِين} بِالْجمعِ، وَقَالَت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.

قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْبَقَرَة: ٥٨١) .

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي. قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . آيَة {شهر رَمَضَان} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبَاب عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .

وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله عز وَجل: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: {يطوقونه} بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: {يطيقُونَهُ} بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.

ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة

لكل يَوْم مد من طَعَام. وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.

وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (آل عمرَان: ٣٣١) . وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ. وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا. فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق. وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر. قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات، وَقَالَ ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبَاب، والأفضلية. وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ. قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر. فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.

وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ٤٨١) . هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره، وَقَالَ جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض. وَقَالَ زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط. وَقَالَ الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.

وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) . وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.4 / 29.5
الإضاءة 37%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56