سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1563

الحديث رقم 1563 من كتاب «كتاب الأمور المنهي عنها» في رياض الصالحين، تحت باب: باب تحريم سب المسلم بغير حق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من قذف مملوكه…

سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلَاّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». متفق عَلَيْهِ. (١)

سند حديث: ١٥٦٣ - وعنه، قَالَ:

١٥٦٣ - وعنه، قَالَ:

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من قذف مملوكه…

إذا قذف السيدُ مملوكَه فلا يقام عليه الحد في الدنيا؛ ذلك أنَّ الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، وما دام أنَّه سيلحقه العذاب في الآخرة، ويحد لذلك، فإنَّه لا يحد في الدنيا، وعدم إقامة الحد عليه في الدنيا إجماع من العلماء. ولا يُحَدُّ السيد لأنه لا يقذف مملوكه إلا عن يقين وغلبة ظن غالبا؛ لأن قيمته ستنزل مع القذف وفي هذا ضرر عليه.
وفي هذا الحديث تخصيص لقوله تعالى : (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة).

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إذا قذف السيد مملوكه، فلا يقام عليه الحد في الدنيا؛ ذلك أنَّ الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، وما دام أنَّه سيلحقه العذاب في الآخرة، ويحد لذلك، فإنَّه دليل على أنَّه لا يحد في الدنيا، وعدم إقامة الحد عليه في الدنيا إجماع العلماء.
  • يحرم على السيد أن يقذف مملوكه، وهو كاذب عليه في ذلك.
  • في الحديث صيانة للأعراض ولو كانوا أرقاء.
  • ثبوت الملكية للبشر إذا كان بسبب صحيح، وهو إجماع.
  • أن الجزاء كما يكون في الدنيا يكون في الأخرة.
  • إثبات يوم القيامة.
  • لا حد على السيد إذا كان الأمر كما قال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من قذف مملوكه…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب تحريم سب المسلم بغير حق]

قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}

١٥٥٩ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه:

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله في كتابه: رياض الصالحين باب تحريم سباب المسلم بغير حق سبه يعني عيبه ووصفه بما يكره لكن في حضوره أما إذا كان في غيبته فهو غيبة ثم ذكر المؤلف رحمه الله قول الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الذين مبتدأ فقد احتملوا خبره المعنى أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسب المؤمن والمؤمنة اللذين أوذيا فقد احتملوا بهتانا أي كذبا وإثما مبينا أي عقوبة والعياذ بالله وهذا يشمل كل أذية سواء كان في القول أو في الفعل وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثما فأذية القريب ليست كأذية البعيد وأذية الجار ليست كأذية غير الجار وأذية من له حق عليك ليست كأذية من لا حق له عليك المهم أن الأذية تتفاوت

أثمها وجرمها بحسب المؤذي والعجب أن كثيرا من المسلمين اليوم يؤذون جيرانهم بالمضايقات والاطلاع على عوراتهم وغير ذلك وهذا من أعظم ما يكون من الإثم قال النبي صلى الله عليه وسلم والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن - ثلاث مرات - قالوا من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه يعني ظلمه وغشمه وقوله تعالى: {بغير ما اكتسبوا} يفهم منها أنه إذا أوذي المؤمن بما اكتسب فليس في ذلك بأس يعني لو آذيت إنسانا ردا على فعل له آذاك فأذيته فلا بأس أو آذى إنسانا لإقامة حد لله عز وجل أو آذى لأداء حق عليه أبى أن يقوم به فلا بأس بل قد أمر الله تعالى باللذين يأتيان الفاحشة فقال: {واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما} فأمر بإيذائهما {تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} وهذا قبل أن يشرع قتل الفاعل والمفعول به في اللواط كان اللوطي في الأول لا يجلد ولا يقتل لكن يؤذى حتى يتوب ثم أمر الله تعالى بقتل الفاعل والمفعول به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأجمع الصحابة على ذلك ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وهذا يدل على أن الفسق أهون من الكفر لأنه جعل السب فسوقا وجعل القتل كفرا المقاتلة جعلها كفرا فعلى هذا إذا سب المسلم أخاه صار هذا الساب فاسقا لا تقبل شهادته ولا يجعل له ولاية ولا على بنته لا يزوج ولا ابنته لأنه صار فاسقا ولا يصح أن يكون إماما للمسلمين، ولا

يصح أن يكون مؤذنا هكذا قال كثير من العلماء رحمهم الله وفي بعض المسائل هذه خلاف لكن المهم أن من سب أخاه فإنه يفسق أما من قاتله فإنه يكفر إن استحل المقاتلة بغير حق فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن لم يستحلها ولكن لهوى في نفسه فإن يكون كافرا لكنه كفر لا يخرج من الملة والدليل على ذلك قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فجعل الله الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة وهذا يدل على أنهما لا يخرجان من الإيمان لكنه كفر دون كفر والله الموفق

١٥٦٠ - وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك رواه البخاري

١٥٦١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما حتى يعتدي المظلوم رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دعى أخاه بكفر أو فسق عاد عليه ما لم يكن صاحبه كذلك يعني إذا قلت لإنسان أنت فاسق أو يا فاسق صرت أنت الفاسق إلا إذا كان هو كذلك وهكذا من كفر أحدا وقال أنت كافر أو يا كافر وليس كذلك صار القائل هو الكافر وفي هذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم توعد هذا القائل أن يكون هو الذي يتصف بهذه الصفة وعلى هذا فلا يحل للإنسان أن يقول لأخيه المؤمن يا فاسق أو يقول فلان فاسق إلا إذا كان كذلك وأراد أن يحذر منه فلا بأس وكذلك لا يقول له يا كافر أو يقول فلان كافر فإنه لا يحل له ذلك ما لم يكن هكذا وفيه التحذير من تكفير المسلمين بغير دليل شرعي خلافا لما يتجاسر به بعض الناس والعياذ بالله يكفر على أدنى شيء يقول هذا كفر وهذا فسق وما أشبه ذلك وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما المتسابان مبتدأ ما مبتدأ ثاني فعلى البادي خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول والمعنى أن المتسابان إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادي منهما ما قالا

فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى صار عليه الإثم وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يسب صاحبه بمثل ما سبه به ولا يتعدي ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله من لعن والديه قالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فدل هذا على أن الإنسان إذا كان سببا للشر فإنه يناله من شره ما قال فعلى البادئ منه ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى فعليه وإن أخذ بحقه بدون زيادة فليس عليه شيء والله الموفق

١٥٦٢ - وعنه قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب قال: اضربوه قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال: لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

هذه بقية الأحاديث في باب تحريم سب المسلم بغير حق وقد سبق حديثان حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما في هذا الموضوع أما الحديث الثالث فهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب يعني قد شرب الخمر وذلك بعد أن نزل تحريمها والخمر كل ما أسكر فهو خمر سواء كان من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البر أو من غير ذلك كل ما أسكر فهو خمر قال النبي صلى الله عليه وسلم:

كل مسكر خمر وكل مسكر حرام والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب ليس مجرد تغطية العقل ولهذا البنج ليس مسكرا وإن كان يغطي العقل والمبنج لا يدري ماذا حصل له لكن الخمر نسأل الله العافية يجد الإنسان من السكر لذة وطربا ونشوى حتى يتصور أنه ملك من الملوك وأنه فوق الثريا وما أشبه ذلك كما قيل في هذا:

ونشربها فتتركنا ملوكا

وكما قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه لابن أخيه النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكران فتكلم معه فقال له حمزة وهو سكران هل أنتم إلا عبيد أبي وهذه كلمة بشعة لكنه سكران والسكران لا يؤاخذ بما يقول وهذا قبل أن ينزل تحريم الخمر وكان الخمر على أربع مراحل: المرحلة الأولى إباحة أن الله أباحه للعباد إباحة طيبة فقال تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا يعني تشربونه فتسكرون وتتجرون به فتحصلون رزقا المرحلة الثانية تعريض الله تعالى بتحريمه وقال تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ولم ينه عنهما

في هذه المرحلة الثانية المرحلة الثالثة قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فنهى عن قربان الصلاة في حال السكر وهذا يقتضي أنه يباح شرب الخمر في غير أوقات الصلاة المرحلة الرابعة: التحريم البائن قال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} فاجتنبه الناس لكن لما كانت النفوس تدعوا إليها إلى الخمر وشربها جعل لها رادع يردع الناس عن شربها وهو العقوبة ولم يقدر لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فعقوبة الشارب ليست حدا لكنها تعزير ولهذا جيء برجل شرب الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم اضربوه ولا قال أربعين ولا ثمانين ولا مائة ولا عشرة فقاموا يضربونه منه الضارب بثوبه ومنهم الضارب بيده ومنهم الضارب بنعله لكن ضربوه نحو أربعين جلدة فلما انصرفوا وانصرف الرجل قال رجل من القوم: أخزاه الله يعني أذله وفضحه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل هكذا لا تدع عليه بالخزي رجل شرب مسكرا وجلد وتطهر بالجلد لا تعينوا عليه الشيطان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسبوه مع أنه شارب خمر إذا ما موقفنا من شارب الخمر موقفنا أن ندعوا له بالهداية قل اللهم اهده اللهم أصلحه اللهم أبعده عن هذا وما أشبه ذلك أما أن تدعوا عليه فإنك تعين عليه الشيطان وفي هذا دليل على أن الخمر محرم وأن عليه عقوبة

لكن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتشرت الفتوحات ودخل في دين الإسلام أناس جدد وكثر شرب الخمر في عهده وكان رضي الله عنه رجلا حازما ناهيك به فأراد أن يعاقب شارب الخمر بعقوبة تكون أشد وأردع إلا أنه رضي الله عنه لورعه وتحرزه جمع الصحابة أي جمع ذوي الرأي وليس المراد كل الصحابة لأن السوقة وعامة الناس لا يصلحون لمثل هذه الأمور ولا لأمور السياسة وليس لعامة الناس أن يلوكوا ألسنتهم بسياسة ولاة الأمور السياسة لها أناس والصحون والقدور لها أناس آخرون ولو أن السياسة صارت تلاك بين ألسن عامة الناس فسدت الدنيا لأن العامي ليس عنده علم وليس عنده عقل وليس عنده تفكير وعقله وفكره لا يتجاوز قدمه ويدل لهذا قول الله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} ونشروه قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} دل هذا على أن العامة ليسوا كأولي الأمر وأولي الرأي والمشورة فليس الكلام في السياسة من المجالات العامة ومن أراد أن تكون العامة مشاركة لولاة الأمور في سياستها وفي رأيها وفكرها فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن هدي الصحابة وهدي الخلفاء الراشدين وهدي سلف الأمة فالمهم أن عمر بن الخطاب لحزمه جمع ذوي الرأي من الصحابة وقال لهم ما معناه (كثر شرب الخمر) وإذا قل الوازع الديني يجب أن يقوى الرادع السلطاني يعني إذا ضعف الأمر من الناحيتين الوازع الديني والرادع السلطاني فسدت الأمة فاستشارهم ماذا يصنع فقال عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون جلدة ارفع العقوبة إلى ثمانين جلدة ويشير رضي الله عنه أعني عبد الرحمن إلى حد القذف فإن الله تعالى قال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم

ثمانين جلده} هذا أخف الحدود فرجع عمر رضي الله عنه عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين وهذا كالنص الصريح على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدا بل هي صريح لأنه قال: أخف الحدود ثمانين ووافقه الصحابة على هذا ولم يقل عمر رضي الله عنه: أنه ليس كذلك فرفعه عمر وجعل ذلك ثمانين جلدة من أجل أن يرتدع الناس وقد جاء في السنة أن شارب الخمر إذا شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب الرابعة فإنه يجب قتله هكذا جاء في السنة وأخذ بظاهره الظاهرية وقالوا شارب الخمر إذا جلد فإنه يقتل في الرابعة لأنه أصبح عنصرا فاسدا لم ينفع فيه الإصلاح والتقويم وقال جمهور العلماء لا يقتل بل يكرر عليه الجلد كلما شرب جلد وتوسط شيخ الإسلام رحمه الله فقال: إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم ينته الناس بدون القتل فإنه يقتل في الرابعة وهذا قول وسط روعي فيه الجمع بين المصلحتين مصلحة ما يدل عليه بعض النصوص الصريحة لأن عمر لم يرفع العقوبة إلى القتل مع أنه يقول إن الناس كثر شربهم وبين هذا الحديث الذي اختلفت الناس في صحته وفي بقاء حكمه هل هو منسوخ أو غير منسوخ وهل هو صحيح أو غير صحيح فعلى كل حال فالذي اختاره شيخ الإسلام هو عين الصواب أنه إذا كثر شرب الناس والخمر ولم ينته الناس بدون قتل فإنه يقتل الشارب في الرابعة وليت ولاة الأمور يعملون هذا العمل ولو عملوا هذا العمل لحصل خير

كثير واندرأ شر كثير وقل شرب الناس للخمر الذي بدأ ينتشر والعياذ بالله وفي بعض البلاد الإسلامية انتشر كانتشار الشراب المباح كعصير الليمون وعصير البرتقال وما أشبه ذلك وهذا لا شك أنه مظهر غير مظهر المسلمين وأنه استباحة له في الواقع كونه يصبح منشورا بين الناس يفتح الإنسان الثلاجة ويشرب الخمر والعياذ بالله هكذا كأنه استباحه وهذا ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فإن الناس الآن تقاسموا هذه الأشياء الأربعة منهم من انتشر في شعوبهم الزنا واللواط والعياذ بالله وصار عندهم مباحا يذكر لنا أنه في بعض البلاد إذا نزلت الطائرة وإذا في المطار فتيات وفتيان يقالون للنازل ما تريد؟ جميلة غير جميلة شابة غير شابة؟ الحر يعني الزنا أو اللواط وفي بعض البلاد الخمر منتشر يباع في الأسواق ويشرب ليلا ونهارا وكأنه شراب حلال وفي بعض البلاد ولاسيما في المتوفين من رعيتهم نجد الرجل كالمرأة يلبس الحرير واللين من الثياب وربما يلبس حلي الذهب قلادة خاتم أو ما أشبه ذلك والمعازف الآن حدث ولا حرج المعازف منتشرة في غالب بلاد الإسلام إن لم أقل في كل بلاد الإسلام فقد انتشرت والعياذ بالله المعازف بجميع أنواعها فنسأل الله السلامة والهداية وأن يصلح ولاة الأمور ورعاياهم إنه على كل شيء قدير

١٥٦٢ - وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه.

١٥٦٣ - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق.

ساق أحاديث وقبلها آية، والحديث الأخير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال المملوك هو العبد يملكه الإنسان، والمملوك كالسلعة يباع ويشترى ويوهب، ويرهن ويوقف إلا أن أحكام الله عز وجل هو والحر عل حد سواء في غير الأمور المالية.

والسيد مالك للرقيق لعينه يعني رقبته ولمنافعه، فإذا قذف عبده بأن قال للعبد: يا زاني أو يا لوطي، أو ما أشبه ذلك من كلمات القذف فإنه لن يحد في الدنيا؛ لأنه سيد، والعبد مملوك، لكن يقام عليه في دار عذابها أشد والعياذ بالله وهي الدار الآخرة يقام عليه الحد يوم القيامة وعلى هذا فيكون قذف المملوك من كبائر الذنوب لأنه رتب عليه عقوبة في الآخرة وكل شيء رتب عليه عقوبة في الآخرة فإنه يكون من كبائر الذنوب، كما قال أهل العلم رحمهم الله في حد الكبيرة.

وأما لو زنى المملوك حقيقة وقذفه سيده بذلك فإنه لا حد عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إلا أن يكون كذلك يعني كما قال ولكن

متى يكون كما قال؟ يكون بأن يشهد عليه أربعة.

أربعة رجال عدول بأنه زنى ويصرحون بذكر حقيقة الوطء أو يقر هو بنفسه على نفسه فحينئذ يرتفع الحد عن السيد.

وأعلم أن الرقيق إذا زنى فإن عليه نصف حد الحر كما قال الله تبارك وتعالى: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة يعني الإماء {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} والذي يتنصف من عذاب المحصنات هو الجلد فيكون على الرقيق إذا زنى خمسون جلدة فقط قال العلماء ويسقط عنه التغريب، لأن الزاني الحر إذا زنى وهو غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد عاماً كاملا أما الرقيق فأنه يجلد خمسين جلدة ولا يغرب لأن التغريب إضرار بسيده فيكون من باب تحميل الإنسان ما لم يحتمله، وللسيد أن يقيم على عبده الحد إذا زنى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فأمر السيد أن يجلدها أما الحر فإنه لا يتولى جلده إلا الإمام أو نائبه حتى لو كان ابنك وزنى وهو بالغ عاقل فإنه لا يتولى إقامة الحد عليه إلا الإمام أو نائبه وكذلك لو زنى أخوك بعد بلوغه وهو عاقل فإنه لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه أما السيد فيقيمه على عبده خاصة في الجلد وأما لو سرق العبد فالسرقة فيها قطع اليد ولا يتولى قطع اليد إلا الإمام أو نائبه ولهذا قال العلماء: إن السيد لا يقيم الحد على عبده إلا إذا كان الحد جلداً والله أعلم

باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا

١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت

١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم

١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف

بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود

١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من

أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...

أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .

في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.

قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.

وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .

قال ابن عباس: يقول: لا تقل.

وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.

وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .

أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.

قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .

وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق (١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.

اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،

وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .

[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.

يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.

[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.

ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.

في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.

وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .

[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.

قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.

[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى

يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.

[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .

وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.

قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.

[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ

اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.

الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.

وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.

[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.

[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.

معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.

قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.

قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.

[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.

وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.

وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.

[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.

[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.

[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .

قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.

قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.

[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.

فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .

[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.

وَأنَّه قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَة والنَّاسِ أجْمَعينَ» ، وأنَّه قَالَ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ: عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وهذِهِ ثَلَاثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ. وأنَّه قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأنهُ «لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ» .

وَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيح؛ بعضُها في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ، وبعضها في أحَدِهِمَا، وإنما قصدت الاختِصَارَ بالإشارةِ إِلَيها، وسأذكر معظمها في أبوابها من هَذَا الكتاب، إن شاء الله تَعَالَى.

أي: وكلُّ هذه الأحاديث تدل على جواز لعن أهل المعاصي على سبيل العموم.

[٢٦٦- باب تحريم سب المسلم بغير حق]

قَالَ الله تَعَالَى: {والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً} [الأحزاب (٥٨) ] .

قال ابن كثير: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه. وهذا البهت الكبير، أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والنقص لهم.

وعن أبي هريرة: أنه قيل: يَا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما

يكره» . قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» . رواه الترمذي.

[١٥٥٩] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.

قال النووي: السبُّ في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإِنسان بما يعيبه، والظاهر أن المراد من قتاله المقاتلة المعروفة.

[١٥٦٠] وعن أَبي ذرٍ - رضي الله عنه - أنهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تفسيق من رمى غير الفاسق بالفسق، وتكفير من رمى المؤمن بالكفر، كما في الحديث الآخر: «من رمى رجلاً بالكفر أو قال عدوّ الله وليس كذلك، إلا حار عليه» .

[١٥٦١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «المُتَسَابَّانِ مَا قَالا فَعَلَى البَادِي منهُما حَتَّى يَعْتَدِي المَظْلُومُ» . رواه مسلم.

قال النووي: معناه أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادئ منهما، إلا أن يجاوز الثاني قدر الانتصار، فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله.

وفيه: جواز الانتصار ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه الكتاب والسنة، ومع ذلك فالصبر والعفو أفضل كما قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] ، وكحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا» .

[١٥٦٢] وعنه قَالَ: أُتِيَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شرِبَ قَالَ: «اضربوهُ» قَالَ أَبُو هريرةَ: فَمِنَّا الضارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ! قَالَ: «لا تَقُولُوا هَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إقامة حد الخمر بالضرب بغير السوط.

قال النووي: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال، والأصح جوازه بالسوط.

قال الحافظ: وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. انتهى.

وزاد أبو داود في رواية: ثم قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه: «بكِّتوه» فأقبلوا عليه. يقولون له: ما اتقيت الله عز وجل؟ ما خشيت الله جل ثناؤه، ما استحييت من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ثم أرسلوه.

[١٥٦٣] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلا أَنْ يَكُونَ كما قَالَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: إظهار كمال العدل.

حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.

وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.

قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.

قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.

ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.

قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.

[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]

والكعبة والملائكة والسماء والآباء

والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً

[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،

فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .

قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.

وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.

قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.

[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.

«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.

قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.

أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.

[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.

وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.

[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.

[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب تحريم سب المسلم بغير حق]

قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}

١٥٥٩ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه:

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله في كتابه: رياض الصالحين باب تحريم سباب المسلم بغير حق سبه يعني عيبه ووصفه بما يكره لكن في حضوره أما إذا كان في غيبته فهو غيبة ثم ذكر المؤلف رحمه الله قول الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الذين مبتدأ فقد احتملوا خبره المعنى أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسب المؤمن والمؤمنة اللذين أوذيا فقد احتملوا بهتانا أي كذبا وإثما مبينا أي عقوبة والعياذ بالله وهذا يشمل كل أذية سواء كان في القول أو في الفعل وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثما فأذية القريب ليست كأذية البعيد وأذية الجار ليست كأذية غير الجار وأذية من له حق عليك ليست كأذية من لا حق له عليك المهم أن الأذية تتفاوت

أثمها وجرمها بحسب المؤذي والعجب أن كثيرا من المسلمين اليوم يؤذون جيرانهم بالمضايقات والاطلاع على عوراتهم وغير ذلك وهذا من أعظم ما يكون من الإثم قال النبي صلى الله عليه وسلم والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن - ثلاث مرات - قالوا من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه يعني ظلمه وغشمه وقوله تعالى: {بغير ما اكتسبوا} يفهم منها أنه إذا أوذي المؤمن بما اكتسب فليس في ذلك بأس يعني لو آذيت إنسانا ردا على فعل له آذاك فأذيته فلا بأس أو آذى إنسانا لإقامة حد لله عز وجل أو آذى لأداء حق عليه أبى أن يقوم به فلا بأس بل قد أمر الله تعالى باللذين يأتيان الفاحشة فقال: {واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما} فأمر بإيذائهما {تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} وهذا قبل أن يشرع قتل الفاعل والمفعول به في اللواط كان اللوطي في الأول لا يجلد ولا يقتل لكن يؤذى حتى يتوب ثم أمر الله تعالى بقتل الفاعل والمفعول به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأجمع الصحابة على ذلك ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وهذا يدل على أن الفسق أهون من الكفر لأنه جعل السب فسوقا وجعل القتل كفرا المقاتلة جعلها كفرا فعلى هذا إذا سب المسلم أخاه صار هذا الساب فاسقا لا تقبل شهادته ولا يجعل له ولاية ولا على بنته لا يزوج ولا ابنته لأنه صار فاسقا ولا يصح أن يكون إماما للمسلمين، ولا

يصح أن يكون مؤذنا هكذا قال كثير من العلماء رحمهم الله وفي بعض المسائل هذه خلاف لكن المهم أن من سب أخاه فإنه يفسق أما من قاتله فإنه يكفر إن استحل المقاتلة بغير حق فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن لم يستحلها ولكن لهوى في نفسه فإن يكون كافرا لكنه كفر لا يخرج من الملة والدليل على ذلك قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فجعل الله الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة المصلحة وهذا يدل على أنهما لا يخرجان من الإيمان لكنه كفر دون كفر والله الموفق

١٥٦٠ - وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك رواه البخاري

١٥٦١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما حتى يعتدي المظلوم رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دعى أخاه بكفر أو فسق عاد عليه ما لم يكن صاحبه كذلك يعني إذا قلت لإنسان أنت فاسق أو يا فاسق صرت أنت الفاسق إلا إذا كان هو كذلك وهكذا من كفر أحدا وقال أنت كافر أو يا كافر وليس كذلك صار القائل هو الكافر وفي هذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم توعد هذا القائل أن يكون هو الذي يتصف بهذه الصفة وعلى هذا فلا يحل للإنسان أن يقول لأخيه المؤمن يا فاسق أو يقول فلان فاسق إلا إذا كان كذلك وأراد أن يحذر منه فلا بأس وكذلك لا يقول له يا كافر أو يقول فلان كافر فإنه لا يحل له ذلك ما لم يكن هكذا وفيه التحذير من تكفير المسلمين بغير دليل شرعي خلافا لما يتجاسر به بعض الناس والعياذ بالله يكفر على أدنى شيء يقول هذا كفر وهذا فسق وما أشبه ذلك وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما المتسابان مبتدأ ما مبتدأ ثاني فعلى البادي خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول والمعنى أن المتسابان إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادي منهما ما قالا

فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى صار عليه الإثم وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يسب صاحبه بمثل ما سبه به ولا يتعدي ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله من لعن والديه قالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فدل هذا على أن الإنسان إذا كان سببا للشر فإنه يناله من شره ما قال فعلى البادئ منه ما لم يعتد المظلوم فإن اعتدى فعليه وإن أخذ بحقه بدون زيادة فليس عليه شيء والله الموفق

١٥٦٢ - وعنه قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب قال: اضربوه قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال: لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

هذه بقية الأحاديث في باب تحريم سب المسلم بغير حق وقد سبق حديثان حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما في هذا الموضوع أما الحديث الثالث فهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب يعني قد شرب الخمر وذلك بعد أن نزل تحريمها والخمر كل ما أسكر فهو خمر سواء كان من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البر أو من غير ذلك كل ما أسكر فهو خمر قال النبي صلى الله عليه وسلم:

كل مسكر خمر وكل مسكر حرام والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب ليس مجرد تغطية العقل ولهذا البنج ليس مسكرا وإن كان يغطي العقل والمبنج لا يدري ماذا حصل له لكن الخمر نسأل الله العافية يجد الإنسان من السكر لذة وطربا ونشوى حتى يتصور أنه ملك من الملوك وأنه فوق الثريا وما أشبه ذلك كما قيل في هذا:

ونشربها فتتركنا ملوكا

وكما قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه لابن أخيه النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكران فتكلم معه فقال له حمزة وهو سكران هل أنتم إلا عبيد أبي وهذه كلمة بشعة لكنه سكران والسكران لا يؤاخذ بما يقول وهذا قبل أن ينزل تحريم الخمر وكان الخمر على أربع مراحل: المرحلة الأولى إباحة أن الله أباحه للعباد إباحة طيبة فقال تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا يعني تشربونه فتسكرون وتتجرون به فتحصلون رزقا المرحلة الثانية تعريض الله تعالى بتحريمه وقال تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ولم ينه عنهما

في هذه المرحلة الثانية المرحلة الثالثة قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فنهى عن قربان الصلاة في حال السكر وهذا يقتضي أنه يباح شرب الخمر في غير أوقات الصلاة المرحلة الرابعة: التحريم البائن قال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} فاجتنبه الناس لكن لما كانت النفوس تدعوا إليها إلى الخمر وشربها جعل لها رادع يردع الناس عن شربها وهو العقوبة ولم يقدر لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فعقوبة الشارب ليست حدا لكنها تعزير ولهذا جيء برجل شرب الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم اضربوه ولا قال أربعين ولا ثمانين ولا مائة ولا عشرة فقاموا يضربونه منه الضارب بثوبه ومنهم الضارب بيده ومنهم الضارب بنعله لكن ضربوه نحو أربعين جلدة فلما انصرفوا وانصرف الرجل قال رجل من القوم: أخزاه الله يعني أذله وفضحه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل هكذا لا تدع عليه بالخزي رجل شرب مسكرا وجلد وتطهر بالجلد لا تعينوا عليه الشيطان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسبوه مع أنه شارب خمر إذا ما موقفنا من شارب الخمر موقفنا أن ندعوا له بالهداية قل اللهم اهده اللهم أصلحه اللهم أبعده عن هذا وما أشبه ذلك أما أن تدعوا عليه فإنك تعين عليه الشيطان وفي هذا دليل على أن الخمر محرم وأن عليه عقوبة

لكن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتشرت الفتوحات ودخل في دين الإسلام أناس جدد وكثر شرب الخمر في عهده وكان رضي الله عنه رجلا حازما ناهيك به فأراد أن يعاقب شارب الخمر بعقوبة تكون أشد وأردع إلا أنه رضي الله عنه لورعه وتحرزه جمع الصحابة أي جمع ذوي الرأي وليس المراد كل الصحابة لأن السوقة وعامة الناس لا يصلحون لمثل هذه الأمور ولا لأمور السياسة وليس لعامة الناس أن يلوكوا ألسنتهم بسياسة ولاة الأمور السياسة لها أناس والصحون والقدور لها أناس آخرون ولو أن السياسة صارت تلاك بين ألسن عامة الناس فسدت الدنيا لأن العامي ليس عنده علم وليس عنده عقل وليس عنده تفكير وعقله وفكره لا يتجاوز قدمه ويدل لهذا قول الله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} ونشروه قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} دل هذا على أن العامة ليسوا كأولي الأمر وأولي الرأي والمشورة فليس الكلام في السياسة من المجالات العامة ومن أراد أن تكون العامة مشاركة لولاة الأمور في سياستها وفي رأيها وفكرها فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن هدي الصحابة وهدي الخلفاء الراشدين وهدي سلف الأمة فالمهم أن عمر بن الخطاب لحزمه جمع ذوي الرأي من الصحابة وقال لهم ما معناه (كثر شرب الخمر) وإذا قل الوازع الديني يجب أن يقوى الرادع السلطاني يعني إذا ضعف الأمر من الناحيتين الوازع الديني والرادع السلطاني فسدت الأمة فاستشارهم ماذا يصنع فقال عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون جلدة ارفع العقوبة إلى ثمانين جلدة ويشير رضي الله عنه أعني عبد الرحمن إلى حد القذف فإن الله تعالى قال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم

ثمانين جلده} هذا أخف الحدود فرجع عمر رضي الله عنه عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين وهذا كالنص الصريح على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدا بل هي صريح لأنه قال: أخف الحدود ثمانين ووافقه الصحابة على هذا ولم يقل عمر رضي الله عنه: أنه ليس كذلك فرفعه عمر وجعل ذلك ثمانين جلدة من أجل أن يرتدع الناس وقد جاء في السنة أن شارب الخمر إذا شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب فجلد ثم شرب الرابعة فإنه يجب قتله هكذا جاء في السنة وأخذ بظاهره الظاهرية وقالوا شارب الخمر إذا جلد فإنه يقتل في الرابعة لأنه أصبح عنصرا فاسدا لم ينفع فيه الإصلاح والتقويم وقال جمهور العلماء لا يقتل بل يكرر عليه الجلد كلما شرب جلد وتوسط شيخ الإسلام رحمه الله فقال: إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم ينته الناس بدون القتل فإنه يقتل في الرابعة وهذا قول وسط روعي فيه الجمع بين المصلحتين مصلحة ما يدل عليه بعض النصوص الصريحة لأن عمر لم يرفع العقوبة إلى القتل مع أنه يقول إن الناس كثر شربهم وبين هذا الحديث الذي اختلفت الناس في صحته وفي بقاء حكمه هل هو منسوخ أو غير منسوخ وهل هو صحيح أو غير صحيح فعلى كل حال فالذي اختاره شيخ الإسلام هو عين الصواب أنه إذا كثر شرب الناس والخمر ولم ينته الناس بدون قتل فإنه يقتل الشارب في الرابعة وليت ولاة الأمور يعملون هذا العمل ولو عملوا هذا العمل لحصل خير

كثير واندرأ شر كثير وقل شرب الناس للخمر الذي بدأ ينتشر والعياذ بالله وفي بعض البلاد الإسلامية انتشر كانتشار الشراب المباح كعصير الليمون وعصير البرتقال وما أشبه ذلك وهذا لا شك أنه مظهر غير مظهر المسلمين وأنه استباحة له في الواقع كونه يصبح منشورا بين الناس يفتح الإنسان الثلاجة ويشرب الخمر والعياذ بالله هكذا كأنه استباحه وهذا ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فإن الناس الآن تقاسموا هذه الأشياء الأربعة منهم من انتشر في شعوبهم الزنا واللواط والعياذ بالله وصار عندهم مباحا يذكر لنا أنه في بعض البلاد إذا نزلت الطائرة وإذا في المطار فتيات وفتيان يقالون للنازل ما تريد؟ جميلة غير جميلة شابة غير شابة؟ الحر يعني الزنا أو اللواط وفي بعض البلاد الخمر منتشر يباع في الأسواق ويشرب ليلا ونهارا وكأنه شراب حلال وفي بعض البلاد ولاسيما في المتوفين من رعيتهم نجد الرجل كالمرأة يلبس الحرير واللين من الثياب وربما يلبس حلي الذهب قلادة خاتم أو ما أشبه ذلك والمعازف الآن حدث ولا حرج المعازف منتشرة في غالب بلاد الإسلام إن لم أقل في كل بلاد الإسلام فقد انتشرت والعياذ بالله المعازف بجميع أنواعها فنسأل الله السلامة والهداية وأن يصلح ولاة الأمور ورعاياهم إنه على كل شيء قدير

١٥٦٢ - وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه.

١٥٦٣ - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم سباب المسلم بغير حق.

ساق أحاديث وقبلها آية، والحديث الأخير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال المملوك هو العبد يملكه الإنسان، والمملوك كالسلعة يباع ويشترى ويوهب، ويرهن ويوقف إلا أن أحكام الله عز وجل هو والحر عل حد سواء في غير الأمور المالية.

والسيد مالك للرقيق لعينه يعني رقبته ولمنافعه، فإذا قذف عبده بأن قال للعبد: يا زاني أو يا لوطي، أو ما أشبه ذلك من كلمات القذف فإنه لن يحد في الدنيا؛ لأنه سيد، والعبد مملوك، لكن يقام عليه في دار عذابها أشد والعياذ بالله وهي الدار الآخرة يقام عليه الحد يوم القيامة وعلى هذا فيكون قذف المملوك من كبائر الذنوب لأنه رتب عليه عقوبة في الآخرة وكل شيء رتب عليه عقوبة في الآخرة فإنه يكون من كبائر الذنوب، كما قال أهل العلم رحمهم الله في حد الكبيرة.

وأما لو زنى المملوك حقيقة وقذفه سيده بذلك فإنه لا حد عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إلا أن يكون كذلك يعني كما قال ولكن

متى يكون كما قال؟ يكون بأن يشهد عليه أربعة.

أربعة رجال عدول بأنه زنى ويصرحون بذكر حقيقة الوطء أو يقر هو بنفسه على نفسه فحينئذ يرتفع الحد عن السيد.

وأعلم أن الرقيق إذا زنى فإن عليه نصف حد الحر كما قال الله تبارك وتعالى: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة يعني الإماء {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} والذي يتنصف من عذاب المحصنات هو الجلد فيكون على الرقيق إذا زنى خمسون جلدة فقط قال العلماء ويسقط عنه التغريب، لأن الزاني الحر إذا زنى وهو غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد عاماً كاملا أما الرقيق فأنه يجلد خمسين جلدة ولا يغرب لأن التغريب إضرار بسيده فيكون من باب تحميل الإنسان ما لم يحتمله، وللسيد أن يقيم على عبده الحد إذا زنى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فأمر السيد أن يجلدها أما الحر فإنه لا يتولى جلده إلا الإمام أو نائبه حتى لو كان ابنك وزنى وهو بالغ عاقل فإنه لا يتولى إقامة الحد عليه إلا الإمام أو نائبه وكذلك لو زنى أخوك بعد بلوغه وهو عاقل فإنه لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه أما السيد فيقيمه على عبده خاصة في الجلد وأما لو سرق العبد فالسرقة فيها قطع اليد ولا يتولى قطع اليد إلا الإمام أو نائبه ولهذا قال العلماء: إن السيد لا يقيم الحد على عبده إلا إذا كان الحد جلداً والله أعلم

باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا

١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت

١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم

١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف

بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود

١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من

أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...

أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .

في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.

قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.

وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .

قال ابن عباس: يقول: لا تقل.

وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.

وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .

أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.

قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .

وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق (١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.

اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،

وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .

[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.

يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.

[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.

ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.

في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.

وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .

[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.

قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.

[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى

يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.

[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .

وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.

قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.

[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ

اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.

الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.

وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.

[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.

[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.

معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.

قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.

قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.

[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.

وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.

وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.

[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.

[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.

[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .

قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.

قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.

[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.

فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .

[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.

وَأنَّه قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَة والنَّاسِ أجْمَعينَ» ، وأنَّه قَالَ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ: عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وهذِهِ ثَلَاثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ. وأنَّه قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأنهُ «لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ» .

وَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيح؛ بعضُها في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ، وبعضها في أحَدِهِمَا، وإنما قصدت الاختِصَارَ بالإشارةِ إِلَيها، وسأذكر معظمها في أبوابها من هَذَا الكتاب، إن شاء الله تَعَالَى.

أي: وكلُّ هذه الأحاديث تدل على جواز لعن أهل المعاصي على سبيل العموم.

[٢٦٦- باب تحريم سب المسلم بغير حق]

قَالَ الله تَعَالَى: {والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً} [الأحزاب (٥٨) ] .

قال ابن كثير: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه. وهذا البهت الكبير، أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والنقص لهم.

وعن أبي هريرة: أنه قيل: يَا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما

يكره» . قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» . رواه الترمذي.

[١٥٥٩] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.

قال النووي: السبُّ في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإِنسان بما يعيبه، والظاهر أن المراد من قتاله المقاتلة المعروفة.

[١٥٦٠] وعن أَبي ذرٍ - رضي الله عنه - أنهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تفسيق من رمى غير الفاسق بالفسق، وتكفير من رمى المؤمن بالكفر، كما في الحديث الآخر: «من رمى رجلاً بالكفر أو قال عدوّ الله وليس كذلك، إلا حار عليه» .

[١٥٦١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «المُتَسَابَّانِ مَا قَالا فَعَلَى البَادِي منهُما حَتَّى يَعْتَدِي المَظْلُومُ» . رواه مسلم.

قال النووي: معناه أن إثم السباب الواقع بينهما يختص بالبادئ منهما، إلا أن يجاوز الثاني قدر الانتصار، فيؤذي الظالم بأكثر مما قاله.

وفيه: جواز الانتصار ولا خلاف فيه، وتظاهر عليه الكتاب والسنة، ومع ذلك فالصبر والعفو أفضل كما قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] ، وكحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا» .

[١٥٦٢] وعنه قَالَ: أُتِيَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شرِبَ قَالَ: «اضربوهُ» قَالَ أَبُو هريرةَ: فَمِنَّا الضارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ! قَالَ: «لا تَقُولُوا هَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إقامة حد الخمر بالضرب بغير السوط.

قال النووي: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال، والأصح جوازه بالسوط.

قال الحافظ: وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. انتهى.

وزاد أبو داود في رواية: ثم قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه: «بكِّتوه» فأقبلوا عليه. يقولون له: ما اتقيت الله عز وجل؟ ما خشيت الله جل ثناؤه، ما استحييت من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ثم أرسلوه.

[١٥٦٣] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلا أَنْ يَكُونَ كما قَالَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: إظهار كمال العدل.

حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.

وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.

قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.

قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.

ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.

قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.

[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]

والكعبة والملائكة والسماء والآباء

والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً

[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،

فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .

قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.

وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.

قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.

[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.

«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.

قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.

أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.

[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.

وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.

[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.

[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 29%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56