الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7521
الحديث رقم 7521 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:
اجتمع ثلاث رجال عند البيت الحرام: قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم وقليلة فقه قلوبهم، وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة، فقال أحدهم: أتظنون أن الله يسمع ما نقول؟ فرد عليه الآخر أنه يسمع إذا جهرنا القول ولا يسمع إذا أسررنا، فقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أسررنا أيضًا، ووجه الملازمة فيما قال أنّه إن كان يسمَع فنسبة جميع المسموعات إلى الله تعالى على السَّواء، فأنزل الله عز وجل: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22] الآية، وهذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله سبحانه وتعالى، والمعنى: ما كنتم تستخفون وتكتمون من جلودكم الأعمال القبيحة التي كنتم تفعلونها؛ حَذرًا مِن شهادة الجوارح عليكم، ولما كان الإنسان لا يقدر علي أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا: ترك المعصية، أو أنّ الاستِتار هنا هو الاتِّقاء؛ فيكون المعنى: ما كنتم تتَّقون في الدُّنيا أن تشهد عليكم جَوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي وتمتَنِعوا عنها خوفًا مِن هذه الشَّهادة.
فهذا الحديث فيه إثبات القياس الصحيح وإبطال الفاسد، فالذي قال: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، قد أخطأ في قياسه؛ لأنه شبه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر، والذي قال: إن كان يسمع إن جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله بالمخلوقين، ونزهه عن مماثلتهم، ولكنه وُصف بقلة الفقه لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال ولم يقطع به.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالَ قَالُوا اللَّهُ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْمَالِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: وَأَكْسَابِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَاكْتِسَابِهِمْ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْكَسْبِ وَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْكَسْبُ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ يَعْنِي بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ أَيْضًا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَيْمَا أَسْأَلُ مَنْ أَرْسَلْتُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ.
قَوْلُهُ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ عِنْدَنَا) هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ، وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الْآيَةَ.
وأما حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَذَكَرْتُ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي وَائِلٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ من زَعْمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ يَكُونُ كَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ حَرَامًا.
٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَفِيهِ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (ثَقَفِيَّانِ) بالمثلَّثة القاف ثمَّ الفاء (وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ) هما صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلفٍ (١) (وَثَقَفِيٌّ) هو عبد ياليل بن عمرو بن عُمَيرٍ، وقيل: حبيب بن عمرٍو، وقيل: الأخنس بن شريقٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند ابن بشكوال: القرشيُّ الأسود بن عبد يغوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان الأخنس بن شريقٍ، والآخر لم يُسَمَّ (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة «شحم» لتاليه، وللأَصيليِّ: «شحوم» بلفظ الجمع (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بالإضافة أيضًا، وقوله: «كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم» قال الكِرمانيُّ وغيره: «بطونهم» مبتدأٌ «كثيرةٌ شحم» خبره إن كان «البطون» مرفوعًا، والكثيرة مضافةٌ إلى الشَّحم. وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضافٌ مرفوعًا بالابتداء و «كثيرةٌ» خبره مقدَّمًا، وهذا الثَّاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنَّث الشَّحم والفقه؛ لإضافتهما إلى البطون والقلوب، والتَّأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف (٢)، قال في «المصابيح»: وهذا غلطٌ؛ لأنَّ المسألة مشروطةٌ بصلاحيَّة المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلام هندٍ ذهبت، ومن ثمَّ ردَّ ابن مالكٍ في «التَّوضيح» قولَ أبي (٣) الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: (يوم لا تنفع نفسًا إيمانها) [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنَّه من «باب قُطِعت بعض أصابعه» لأنَّ المضاف هنا لو سقط لقيل: «نفسًا لا تنفع» بتقديم المفعول؛ ليرجع إليه الضَّمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعليَّة، ويلزم من ذلك تعدِّي فعل المضمر (٤) المتَّصل إلى ظاهره نحو قولك: زيدٌ (٥) أظلم،
تريد أنَّه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، وإنَّما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشَّحم والفقه، والمراد الشُّحوم والفهوم لأمن اللَّبس؛ ضرورة أنَّ البطون لا تشترك في شحمٍ واحدٍ، بل لكلِّ بطنٍ منها شحمٌ يخصُّه، وكذلك الفقه بالنِّسبة إلى القلوب. انتهى.
(فَقَالَ أَحَدُهُمْ) للآخرَين: (أَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وتُضَمُّ (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ) للآخرَين (١): (يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ) وهو أفطن أصحابه: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ (٢) يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة في قوله: «إن كان يسمع» أنَّ جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السَّواء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … الآيَةَ [فصلت: ٢٢]) قال ابن بطَّالٍ فيما نقلوه عنه: غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات السَّمع لله، وإثبات القياس الصَّحيح وإبطال القياس الفاسد؛ لأنَّ الذي قال: «يسمع إن جهرنا ولا يسمع (٣) إن أخفينا» قاس قياسًا فاسدًا؛ لأنَّه شبَّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السِّرَّ، والذي قال: «إن كان يسمع إن جهرنا فإنَّه يسمع إن أخفينا» أصاب في قياسه حيث لم يشبِّه الله تعالى بخلقه ونزَّهه عن مماثلتهم، وإنَّما وصف الجميع بقلَّة الفقه؛ لأنَّ هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال، بل شكَّ بقوله: «إن كان».
والحديث سبق في «سورة فُصِّلت» [خ¦٤٨١٧].
(٤٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي: كلَّ وقتٍ وحينٍ يحدث أمورًا ويجدِّد أحوالًا كما رُوِي (٤) ممَّا سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء قال: «﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنبًا،
ويكشف كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين» [خ¦٦٥ - ٧١٦٦]، وعن ابن (١) عيينة: الدَّهر عند الله يومان: أحدهما: اليوم الذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء، واستُشكِل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأُجيب بأنَّها شؤونٌ يبديها لا شؤونٌ يبتديها.
(وَ) قولِه تعالى: (﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد (٢) لهم الذِّكر في (٣) كلِّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السُّورة؛ ليكرّر على أسماعهم الموعظة لعلَّهم يتَّعظون، فما يزيدهم ذلك إلَّا استسخارًا، فمعنى ﴿مُّحْدَثٍ﴾ هو أنَّ يحدث الله الأمر بعد الأمر، أو مُحدَثٌ في التَّنزيل، فالإحداث بالنِّسبة للإنزال، وأمَّا المنزَّل (٤) فقديمٌ، وتعلُّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمةٌ، فالمذكور -وهو القرآن- قديمٌ، والذِّكر حادثٌ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله (٥) ﷺ وتحذيره إيَّاهم عن معاصي الله، فسُمِّي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى لأنَّه فاعله في الحقيقة، ومقدِّرٌ رسوله على اكتسابه.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وإنَّ حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) لعلَّ مراده أنَّ (٦) المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخيِّ وأتباعه، وقد تقرَّر أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّةٌ وتُسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّةٌ حقيقةً كالعلم والإرادة والقدرة وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
نِدّاً وهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إنَّ ذالِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أيِّ قَالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيّ قَالَ: ثُمَّ أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: أَن تجْعَل لله ندا وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف الساكنة منصرفاً وَغير منصرف الْهَمدَانِي أبي ميسرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب إِثْم الزناة فِي كتاب الْحُدُود.
قَوْله: أَن تقتل ولدك تخَاف أَن يطعم مَعَك وَفِي التَّوْضِيح يَعْنِي الموؤدة قلت: الموؤدة الَّتِي كَانَت تقتل لأجل الْعَار، وَالْمرَاد هُنَا من يقتل وَلَده خشيَة الْفقر، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ٨ ٩ {وَلَا تَقْتُلُو اْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} قيل: هُوَ بِدُونِ مَخَافَة الطّعْم أعظم أَيْضا. وَأجِيب بِأَن مَفْهُومه لَا اعْتِبَار لَهُ إِذْ شَرط اعْتِبَاره أَن لَا يكون خَارِجا مخرج الْأَغْلَب وَلَا بَيَانا للْوَاقِع. قَوْله: بحليلة أَي: بِزَوْجَة جَارك وَالْحَال أَنه خلق لَك زَوْجَة وتقطع بالزنى الرَّحِم. .
٤١
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وَمَا كُنْتُم} الْآيَة وَقد سَاق الْآيَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى: {سمعكم} ثمَّ قَالَ: الْآيَة. قَالَ صَاحب التَّوْضِيح غَرَض البُخَارِيّ من الْبَاب إِثْبَات السّمع لله تَعَالَى وَإِذ ثَبت أَنه سميع وَجب كَونه سَامِعًا يسمع كَمَا أَنه لما ثَبت أَنه عَالم وَجب كَونه عَالما لم يعلم خلافًا لمن أنكر صِفَات الله من الْمُعْتَزلَة، وَقَالُوا: معنى وَصفه بِأَنَّهُ سامع للمسموعات وَصفه بِأَنَّهُ عَالم بالمعلومات، وَلَا سمع لَهُ وَلَا هُوَ سامع حَقِيقَة، وَهَذَا رد لظواهر كتاب الله ولسنن رَسُول الله، قَوْله: أَي: تخافون. وَقيل: تخشون، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة يبين فِي حَدِيث الْبَاب.
٧٥٢١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدّثنا مَنْصُورٌ، عنْ مُجاهِدٍ، عنْ أبي مَعْمَرٍ، عنْ عَبْدِ الله، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وقَرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيَّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا وَلَا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا. وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذا جَهَرْنا فإنَّهُ يَسْمَعُ إِذا أخْفَيْنا، فأنْزَلَ الله تَعَالَى {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} الآيَةَ
انْظُر الحَدِيث ٤٨١٦ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَمُجاهد بن جبر بِفَتْح الْجِيم الْمُفَسّر الْمَكِّيّ يَحْكِي أَنه رأى هاروت وماروت، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ، وَعبد الله بن مَسْعُود.
والْحَدِيث قد مضى مرَّتَيْنِ فِي سُورَة حم السَّجْدَة: أَحدهمَا: عَن الْحميدِي عبد الله بن الزبير ... إِلَى آخِره مثل مَا أخرجه هُنَا.
قَوْله: كَثِيرَة شَحم بطونهم إِشَارَة إِلَى وَصفهم. فَقَوله: بطونهم، مُبْتَدأ و: كَثِيرَة شَحم، خَبره والكثيرة مُضَافَة إِلَى الشَّحْم هَذَا إِذا كَانَ بطونهم مَرْفُوعا وَإِذا كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة يكون الشَّحْم الَّذِي هُوَ مُضَاف مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ، وكثيرة مقدما خَبره. واكتسب الشَّحْم التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِن كَانَت الْكَثِيرَة غير مُضَافَة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَليلَة فقه قُلُوبهم قَوْله: أَتَرَوْنَ؟ بِالضَّمِّ أَي: أتظنون، وَوجه الْمُلَازمَة فِيمَا قَالَ إِنَّه كَانَ يسمع هُوَ أَن نِسْبَة جَمِيع المسموعات إِلَى الله تَعَالَى على السوَاء.
وَفِي الحَدِيث من الْفِقْه إِثْبَات الْقيَاس الصَّحِيح وَإِبْطَال الْفَاسِد، فَالَّذِي قَالَ: يسمع إِن جهرنا وَلَا يسمع إِن أخفينا قد أَخطَأ فِي قِيَاسه لِأَنَّهُ شبه الله تَعَالَى بخلقه الَّذين يسمعُونَ الْجَهْر وَلَا يسمعُونَ السِّرّ، وَالَّذِي قَالَ: إِن كَانَ يسمع إِن جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا أصَاب فِي قِيَاسه حَيْثُ لم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالَ قَالُوا اللَّهُ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْمَالِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: وَأَكْسَابِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَاكْتِسَابِهِمْ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْكَسْبِ وَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْكَسْبُ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ يَعْنِي بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ أَيْضًا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَيْمَا أَسْأَلُ مَنْ أَرْسَلْتُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ.
قَوْلُهُ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ عِنْدَنَا) هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ، وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الْآيَةَ.
وأما حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَذَكَرْتُ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي وَائِلٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ من زَعْمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ يَكُونُ كَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ حَرَامًا.
٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَفِيهِ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (ثَقَفِيَّانِ) بالمثلَّثة القاف ثمَّ الفاء (وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ) هما صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلفٍ (١) (وَثَقَفِيٌّ) هو عبد ياليل بن عمرو بن عُمَيرٍ، وقيل: حبيب بن عمرٍو، وقيل: الأخنس بن شريقٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند ابن بشكوال: القرشيُّ الأسود بن عبد يغوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان الأخنس بن شريقٍ، والآخر لم يُسَمَّ (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة «شحم» لتاليه، وللأَصيليِّ: «شحوم» بلفظ الجمع (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بالإضافة أيضًا، وقوله: «كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم» قال الكِرمانيُّ وغيره: «بطونهم» مبتدأٌ «كثيرةٌ شحم» خبره إن كان «البطون» مرفوعًا، والكثيرة مضافةٌ إلى الشَّحم. وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضافٌ مرفوعًا بالابتداء و «كثيرةٌ» خبره مقدَّمًا، وهذا الثَّاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنَّث الشَّحم والفقه؛ لإضافتهما إلى البطون والقلوب، والتَّأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف (٢)، قال في «المصابيح»: وهذا غلطٌ؛ لأنَّ المسألة مشروطةٌ بصلاحيَّة المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلام هندٍ ذهبت، ومن ثمَّ ردَّ ابن مالكٍ في «التَّوضيح» قولَ أبي (٣) الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: (يوم لا تنفع نفسًا إيمانها) [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنَّه من «باب قُطِعت بعض أصابعه» لأنَّ المضاف هنا لو سقط لقيل: «نفسًا لا تنفع» بتقديم المفعول؛ ليرجع إليه الضَّمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعليَّة، ويلزم من ذلك تعدِّي فعل المضمر (٤) المتَّصل إلى ظاهره نحو قولك: زيدٌ (٥) أظلم،
تريد أنَّه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، وإنَّما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشَّحم والفقه، والمراد الشُّحوم والفهوم لأمن اللَّبس؛ ضرورة أنَّ البطون لا تشترك في شحمٍ واحدٍ، بل لكلِّ بطنٍ منها شحمٌ يخصُّه، وكذلك الفقه بالنِّسبة إلى القلوب. انتهى.
(فَقَالَ أَحَدُهُمْ) للآخرَين: (أَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وتُضَمُّ (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ) للآخرَين (١): (يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ) وهو أفطن أصحابه: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ (٢) يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة في قوله: «إن كان يسمع» أنَّ جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السَّواء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … الآيَةَ [فصلت: ٢٢]) قال ابن بطَّالٍ فيما نقلوه عنه: غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات السَّمع لله، وإثبات القياس الصَّحيح وإبطال القياس الفاسد؛ لأنَّ الذي قال: «يسمع إن جهرنا ولا يسمع (٣) إن أخفينا» قاس قياسًا فاسدًا؛ لأنَّه شبَّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السِّرَّ، والذي قال: «إن كان يسمع إن جهرنا فإنَّه يسمع إن أخفينا» أصاب في قياسه حيث لم يشبِّه الله تعالى بخلقه ونزَّهه عن مماثلتهم، وإنَّما وصف الجميع بقلَّة الفقه؛ لأنَّ هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال، بل شكَّ بقوله: «إن كان».
والحديث سبق في «سورة فُصِّلت» [خ¦٤٨١٧].
(٤٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي: كلَّ وقتٍ وحينٍ يحدث أمورًا ويجدِّد أحوالًا كما رُوِي (٤) ممَّا سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء قال: «﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنبًا،
ويكشف كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين» [خ¦٦٥ - ٧١٦٦]، وعن ابن (١) عيينة: الدَّهر عند الله يومان: أحدهما: اليوم الذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء، واستُشكِل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأُجيب بأنَّها شؤونٌ يبديها لا شؤونٌ يبتديها.
(وَ) قولِه تعالى: (﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد (٢) لهم الذِّكر في (٣) كلِّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السُّورة؛ ليكرّر على أسماعهم الموعظة لعلَّهم يتَّعظون، فما يزيدهم ذلك إلَّا استسخارًا، فمعنى ﴿مُّحْدَثٍ﴾ هو أنَّ يحدث الله الأمر بعد الأمر، أو مُحدَثٌ في التَّنزيل، فالإحداث بالنِّسبة للإنزال، وأمَّا المنزَّل (٤) فقديمٌ، وتعلُّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمةٌ، فالمذكور -وهو القرآن- قديمٌ، والذِّكر حادثٌ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله (٥) ﷺ وتحذيره إيَّاهم عن معاصي الله، فسُمِّي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى لأنَّه فاعله في الحقيقة، ومقدِّرٌ رسوله على اكتسابه.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وإنَّ حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) لعلَّ مراده أنَّ (٦) المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخيِّ وأتباعه، وقد تقرَّر أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّةٌ وتُسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّةٌ حقيقةً كالعلم والإرادة والقدرة وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
نِدّاً وهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إنَّ ذالِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أيِّ قَالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيّ قَالَ: ثُمَّ أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: أَن تجْعَل لله ندا وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف الساكنة منصرفاً وَغير منصرف الْهَمدَانِي أبي ميسرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب إِثْم الزناة فِي كتاب الْحُدُود.
قَوْله: أَن تقتل ولدك تخَاف أَن يطعم مَعَك وَفِي التَّوْضِيح يَعْنِي الموؤدة قلت: الموؤدة الَّتِي كَانَت تقتل لأجل الْعَار، وَالْمرَاد هُنَا من يقتل وَلَده خشيَة الْفقر، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ٨ ٩ {وَلَا تَقْتُلُو اْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} قيل: هُوَ بِدُونِ مَخَافَة الطّعْم أعظم أَيْضا. وَأجِيب بِأَن مَفْهُومه لَا اعْتِبَار لَهُ إِذْ شَرط اعْتِبَاره أَن لَا يكون خَارِجا مخرج الْأَغْلَب وَلَا بَيَانا للْوَاقِع. قَوْله: بحليلة أَي: بِزَوْجَة جَارك وَالْحَال أَنه خلق لَك زَوْجَة وتقطع بالزنى الرَّحِم. .
٤١
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وَمَا كُنْتُم} الْآيَة وَقد سَاق الْآيَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى: {سمعكم} ثمَّ قَالَ: الْآيَة. قَالَ صَاحب التَّوْضِيح غَرَض البُخَارِيّ من الْبَاب إِثْبَات السّمع لله تَعَالَى وَإِذ ثَبت أَنه سميع وَجب كَونه سَامِعًا يسمع كَمَا أَنه لما ثَبت أَنه عَالم وَجب كَونه عَالما لم يعلم خلافًا لمن أنكر صِفَات الله من الْمُعْتَزلَة، وَقَالُوا: معنى وَصفه بِأَنَّهُ سامع للمسموعات وَصفه بِأَنَّهُ عَالم بالمعلومات، وَلَا سمع لَهُ وَلَا هُوَ سامع حَقِيقَة، وَهَذَا رد لظواهر كتاب الله ولسنن رَسُول الله، قَوْله: أَي: تخافون. وَقيل: تخشون، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة يبين فِي حَدِيث الْبَاب.
٧٥٢١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدّثنا مَنْصُورٌ، عنْ مُجاهِدٍ، عنْ أبي مَعْمَرٍ، عنْ عَبْدِ الله، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وقَرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيَّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أتُرَوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا وَلَا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا. وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذا جَهَرْنا فإنَّهُ يَسْمَعُ إِذا أخْفَيْنا، فأنْزَلَ الله تَعَالَى {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} الآيَةَ
انْظُر الحَدِيث ٤٨١٦ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَمُجاهد بن جبر بِفَتْح الْجِيم الْمُفَسّر الْمَكِّيّ يَحْكِي أَنه رأى هاروت وماروت، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ، وَعبد الله بن مَسْعُود.
والْحَدِيث قد مضى مرَّتَيْنِ فِي سُورَة حم السَّجْدَة: أَحدهمَا: عَن الْحميدِي عبد الله بن الزبير ... إِلَى آخِره مثل مَا أخرجه هُنَا.
قَوْله: كَثِيرَة شَحم بطونهم إِشَارَة إِلَى وَصفهم. فَقَوله: بطونهم، مُبْتَدأ و: كَثِيرَة شَحم، خَبره والكثيرة مُضَافَة إِلَى الشَّحْم هَذَا إِذا كَانَ بطونهم مَرْفُوعا وَإِذا كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة يكون الشَّحْم الَّذِي هُوَ مُضَاف مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ، وكثيرة مقدما خَبره. واكتسب الشَّحْم التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِن كَانَت الْكَثِيرَة غير مُضَافَة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَليلَة فقه قُلُوبهم قَوْله: أَتَرَوْنَ؟ بِالضَّمِّ أَي: أتظنون، وَوجه الْمُلَازمَة فِيمَا قَالَ إِنَّه كَانَ يسمع هُوَ أَن نِسْبَة جَمِيع المسموعات إِلَى الله تَعَالَى على السوَاء.
وَفِي الحَدِيث من الْفِقْه إِثْبَات الْقيَاس الصَّحِيح وَإِبْطَال الْفَاسِد، فَالَّذِي قَالَ: يسمع إِن جهرنا وَلَا يسمع إِن أخفينا قد أَخطَأ فِي قِيَاسه لِأَنَّهُ شبه الله تَعَالَى بخلقه الَّذين يسمعُونَ الْجَهْر وَلَا يسمعُونَ السِّرّ، وَالَّذِي قَالَ: إِن كَانَ يسمع إِن جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا أصَاب فِي قِيَاسه حَيْثُ لم
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56