«إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7464

الحديث رقم 7464 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في المشيئة والإرادة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن…

«إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ.»

سند حديث: ٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا…

٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:

رواة الحديث

شرح حديث: «إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ وَنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ قَالُوا كَيْفَ وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ؟ فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الْآيَةَ فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: لَوْ كَانَ كُلُّ شَجَرَةٍ فِي الْأَرْضِ أَقْلَامًا وَالْبَحْرُ مِدادًا لَنَفِدَ الْمَاءُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللَّهِ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ يُوشِكُ أَنْ يَنْفَدَ فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَوْ كَانَ شَجَرُ الْأَرْضِ أَقْلَامًا وَمَعَ الْبَحْرِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِدَادًا لَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ وَنَفِدَ مَاءُ الْبِحَارِ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ بعض أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ الْآيَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ لَهُ قَدْرٌ وَكَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ وَلَنَفِدَ كَنَفَادِ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. سَخَّرَ: ذَلَّلَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ وَسَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ قَرِيبًا تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَكَلِمَاتٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَلِمَاتِهِ الْأَوَامِرُ الْوَارِدَةُ بِالْجِهَادِ وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا أَلْفَاظُ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِهَا يُثْبِتُ فِي نَفْسِهِ عَدَاوَةَ مَنْ كَذَّبَهُمَا وَالْحِرْصَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَوْلُهُ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ تَقَدَّمَ بَيَانُ السِّتَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ حم فُصِّلَتْ، وَقَوْلُهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أَيْ وَيُغْشِي النَّهَارَ اللَّيْلَ فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ وَالْغَرَضُ مِنَ الْآيَةِ قَوْلُهُ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَذَفَ ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا الْبَابَ وَمَا فِيهِ.

٣١ - بَاب فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الذي لا يقع؛ لأنَّه لا يريده، وقد تكرَّر ذكر الإرادة في القرآن، واتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّه لا يقع إلَّا ما يريده الله تعالى، وأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرًا بها، وقالت المعتزلة: لا يريد الشَّرَّ؛ لأنَّه لو أراده لطلبه، وشنَّعوا على أهل السُّنَّة (١) أنَّه يلزمهم أنَّ يقولوا: إن الفحشاء مرادةٌ لله تعالى وينبغي أن يُنزَّه عنها، وأجاب أهل السُّنَّة بأنَّ الله تعالى قد يريد الشَّيء ولا يرضاه؛ ليعاقب عليه، ولثبوت أنَّه خلق الجنَّة والنَّار وخلق لكلٍّ أهلًا، وألزموا المعتزلة بأنَّهم جعلوا أنَّه يقع في ملكه ما لا يريده (٢).

٧٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ) ﷿ (فَاعْزِمُوا) بهمزة وصلٍ (فِي الدُّعَاءِ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨]: «فليعزم المسألة» أي: فليقطع بالسُّؤال ويجزم به حسن ظنٍّ بكرم ربِّه تعالى (وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) بهمزة قطعٍ، أي: لا يشترط المشيئة لعطائه؛ لأنَّه أمرٌ متيقَّنٌ أنَّه لا يعطي إلَّا أن يشاء، فلا معنى لاشتراط المشيئة؛ لأنَّها إنَّما تُشتَرط فيما يصحُّ أن يفعل بدونها من إكراهٍ أو غيره ولذا أشار ﵇ بقوله: (فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ) بكسر الرَّاء، وأيضًا ففي قوله: «إن شئت» نوعٌ من الاستغناء عن عطائه كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، ولا يُستعمَل هذا غالبًا إلَّا في مقامٍ يشعر بالغنى، وأمَّا مقام الاضطرار فإنَّما فيه عزم المسألة وبتُّ الطَّلب.

والحديث سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨] ومطابقته لِمَا تُرجم به (٣) هنا في (٤) قوله: «إن شئت».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: هًهٌ هٍ أَي: مِقْدَار ذَلِك لِأَن الْيَوْم يعرف بِطُلُوع الشَّمْس، وغروبها، وَلم يكن يومئذٍ شمس وَلَا قمر، وَالْحكمَة فِي خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام مَعَ قدرته على خلقهَا فِي لَحْظَة وَاحِدَة لوجوه: الأول: أَنه أَرَادَ أَن يُوقع فِي كل يَوْم أمرا تستعظمه الْمَلَائِكَة وَمن يُشَاهِدهُ، وَهَذَا عِنْد من يَقُول: خلق الْمَلَائِكَة قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَالثَّانِي: ليعلم عباده التثبت فِي الْأُمُور فالتثبت أبلغ فِي الْحِكْمَة والتعجيل أبلغ فِي الْقُدْرَة. الثَّالِث: أَن الْإِمْهَال فِي خلق شَيْء بعد شَيْء أبعد من أَن يظنّ أَن ذَلِك وَقع بالطبع أَو بالِاتِّفَاقِ. الرَّابِع: ليعلمنا بذلك الْحساب. لِأَن أصل الْحساب من سِتَّة، وَمِنْه يتَفَرَّع سَائِر الْأَعْدَاد. قَوْله: {ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} قد ذكرنَا معنى الاسْتوَاء عَن قريب، وَخص الْعَرْش بذلك لِأَنَّهُ أعظم الْمَخْلُوقَات، وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، قَالَه الْخَلِيل. قَوْله: {يغشى اللَّيْل وَالنَّهَار} الإغشاء إلباس الشَّيْء الشَّيْء. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى أَن اللَّيْل يَأْتِي على النَّهَار فيغطيه، وَإِنَّمَا لم يقل: ويغشى النَّهَار اللَّيْل، لِأَن فِي الْكَلَام دَلِيلا، عَلَيْهِ كَقَوْلِه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} قَالَ فِي مَوضِع آخر: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لَاِجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} قَوْله: {يَطْلُبهُ حثيثاً} أَي: يطْلب اللَّيْل النَّهَار محثوثاً أَي: بالسرعة. قَوْله: {مسخرات} أَي: مذللات لما يُرَاد مِنْهُنَّ من طُلُوع وأفول وسير على حسب الْإِرَادَة. قَوْله: {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر} وَالْغَرَض من إِيرَاد الْآيَة هُنَا هُوَ أَن يعلم أَن الْأَمر غير الْخلق لِأَن بَينهمَا حرف الْعَطف، وَعَن ابْن عُيَيْنَة: فرق بَين الْخلق وَالْأَمر فَمن جمع بَينهمَا فقد كفر أَي: من جعل الْأَمر من جملَة مَا خلقه فقد كفر، وَفِيه خلاف الْمُعْتَزلَة، وَمعنى هَذَا الْبَاب إِثْبَات الْكَلَام لله تَعَالَى صفة لذاته وَلم يزل متكلماً وَلَا يزَال كمعنى الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِن كَانَ وصف الله كَلَامه بِأَنَّهُ كَلِمَات فَإِنَّهُ شَيْء وَاحِد لَا يتجزىء وَلَا يَنْقَسِم، وَكَذَلِكَ يعبر عَنهُ بعبارات مُخْتَلفَة تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة سريانية وبجميع الْأَلْسِنَة الَّتِي أنزلهَا الله على أنبيائه وَجعلهَا عبارَة عَن كَلَامه الْقَدِيم الَّذِي لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَلَو كَانَت كَلِمَاته مخلوقة لنفدت كَمَا ينْفد الْبحار وَالْأَشْجَار وَجَمِيع المحدثات، فَكَمَا لَا يحاط بوصفه تَعَالَى كَذَلِك لَا يحاط بكلماته وَجَمِيع صِفَاته.

٧٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ أبي الزِّناددِ عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، إلَاّ الجِهادُ فِي سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِما نالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وتصديق كَلمته وَفِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، كَلِمَاته، بِصِيغَة الْجمع.

والْحَدِيث مر عَن قريب بشرحه، وَأخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك.

٣١ - (بابٌ فِي المَشِيئَةِ والإرَادَةِ {وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله} )

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمَشِيئَة والإرادة، قَالَ الرَّاغِب: الْمَشِيئَة عِنْد الْأَكْثَر كالإرادة سَوَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وللإرادة تعريفات مثل: اعْتِقَاد النَّفْع فِي الْفِعْل أَو تَركه، وَالأَصَح أَنَّهَا صفة مخصصة لأحد طرفِي الْمُقدر بالوقوع، والمشيئة ترادفها، وَقيل: هِيَ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِأحد الطَّرفَيْنِ، وَفِي التَّوْضِيح معنى الْبَاب إِثْبَات الْمَشِيئَة والإرادة لله تَعَالَى، وَأَن مَشِيئَته وإرادته وَرَحمته وغضبه وَسخطه وكراهته كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد أَسمَاء مترادفة، وَهِي رَاجِعَة كلهَا إِلَى معنى الْإِرَادَة، كَمَا يُسَمِّي الشَّيْء الْوَاحِد بأسماء كَثِيرَة، وإرادته تَعَالَى صفة من صِفَات ذَاته خلافًا لمن يَقُول من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا مخلوقة من أَوْصَاف أَفعاله.

وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} {إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لَاِقْرَبَ مِنْ هَاذَا رَشَدًا} {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ وَنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ قَالُوا كَيْفَ وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ؟ فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الْآيَةَ فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: لَوْ كَانَ كُلُّ شَجَرَةٍ فِي الْأَرْضِ أَقْلَامًا وَالْبَحْرُ مِدادًا لَنَفِدَ الْمَاءُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللَّهِ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ يُوشِكُ أَنْ يَنْفَدَ فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَوْ كَانَ شَجَرُ الْأَرْضِ أَقْلَامًا وَمَعَ الْبَحْرِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِدَادًا لَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ وَنَفِدَ مَاءُ الْبِحَارِ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ بعض أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ الْآيَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ لَهُ قَدْرٌ وَكَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ وَلَنَفِدَ كَنَفَادِ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. سَخَّرَ: ذَلَّلَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ وَسَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ قَرِيبًا تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَكَلِمَاتٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَلِمَاتِهِ الْأَوَامِرُ الْوَارِدَةُ بِالْجِهَادِ وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا أَلْفَاظُ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِهَا يُثْبِتُ فِي نَفْسِهِ عَدَاوَةَ مَنْ كَذَّبَهُمَا وَالْحِرْصَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَوْلُهُ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ تَقَدَّمَ بَيَانُ السِّتَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ حم فُصِّلَتْ، وَقَوْلُهُ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أَيْ وَيُغْشِي النَّهَارَ اللَّيْلَ فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ وَالْغَرَضُ مِنَ الْآيَةِ قَوْلُهُ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَذَفَ ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا الْبَابَ وَمَا فِيهِ.

٣١ - بَاب فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الذي لا يقع؛ لأنَّه لا يريده، وقد تكرَّر ذكر الإرادة في القرآن، واتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّه لا يقع إلَّا ما يريده الله تعالى، وأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرًا بها، وقالت المعتزلة: لا يريد الشَّرَّ؛ لأنَّه لو أراده لطلبه، وشنَّعوا على أهل السُّنَّة (١) أنَّه يلزمهم أنَّ يقولوا: إن الفحشاء مرادةٌ لله تعالى وينبغي أن يُنزَّه عنها، وأجاب أهل السُّنَّة بأنَّ الله تعالى قد يريد الشَّيء ولا يرضاه؛ ليعاقب عليه، ولثبوت أنَّه خلق الجنَّة والنَّار وخلق لكلٍّ أهلًا، وألزموا المعتزلة بأنَّهم جعلوا أنَّه يقع في ملكه ما لا يريده (٢).

٧٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ) ﷿ (فَاعْزِمُوا) بهمزة وصلٍ (فِي الدُّعَاءِ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨]: «فليعزم المسألة» أي: فليقطع بالسُّؤال ويجزم به حسن ظنٍّ بكرم ربِّه تعالى (وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) بهمزة قطعٍ، أي: لا يشترط المشيئة لعطائه؛ لأنَّه أمرٌ متيقَّنٌ أنَّه لا يعطي إلَّا أن يشاء، فلا معنى لاشتراط المشيئة؛ لأنَّها إنَّما تُشتَرط فيما يصحُّ أن يفعل بدونها من إكراهٍ أو غيره ولذا أشار ﵇ بقوله: (فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ) بكسر الرَّاء، وأيضًا ففي قوله: «إن شئت» نوعٌ من الاستغناء عن عطائه كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، ولا يُستعمَل هذا غالبًا إلَّا في مقامٍ يشعر بالغنى، وأمَّا مقام الاضطرار فإنَّما فيه عزم المسألة وبتُّ الطَّلب.

والحديث سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨] ومطابقته لِمَا تُرجم به (٣) هنا في (٤) قوله: «إن شئت».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: هًهٌ هٍ أَي: مِقْدَار ذَلِك لِأَن الْيَوْم يعرف بِطُلُوع الشَّمْس، وغروبها، وَلم يكن يومئذٍ شمس وَلَا قمر، وَالْحكمَة فِي خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام مَعَ قدرته على خلقهَا فِي لَحْظَة وَاحِدَة لوجوه: الأول: أَنه أَرَادَ أَن يُوقع فِي كل يَوْم أمرا تستعظمه الْمَلَائِكَة وَمن يُشَاهِدهُ، وَهَذَا عِنْد من يَقُول: خلق الْمَلَائِكَة قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَالثَّانِي: ليعلم عباده التثبت فِي الْأُمُور فالتثبت أبلغ فِي الْحِكْمَة والتعجيل أبلغ فِي الْقُدْرَة. الثَّالِث: أَن الْإِمْهَال فِي خلق شَيْء بعد شَيْء أبعد من أَن يظنّ أَن ذَلِك وَقع بالطبع أَو بالِاتِّفَاقِ. الرَّابِع: ليعلمنا بذلك الْحساب. لِأَن أصل الْحساب من سِتَّة، وَمِنْه يتَفَرَّع سَائِر الْأَعْدَاد. قَوْله: {ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} قد ذكرنَا معنى الاسْتوَاء عَن قريب، وَخص الْعَرْش بذلك لِأَنَّهُ أعظم الْمَخْلُوقَات، وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، قَالَه الْخَلِيل. قَوْله: {يغشى اللَّيْل وَالنَّهَار} الإغشاء إلباس الشَّيْء الشَّيْء. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى أَن اللَّيْل يَأْتِي على النَّهَار فيغطيه، وَإِنَّمَا لم يقل: ويغشى النَّهَار اللَّيْل، لِأَن فِي الْكَلَام دَلِيلا، عَلَيْهِ كَقَوْلِه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} قَالَ فِي مَوضِع آخر: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لَاِجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} قَوْله: {يَطْلُبهُ حثيثاً} أَي: يطْلب اللَّيْل النَّهَار محثوثاً أَي: بالسرعة. قَوْله: {مسخرات} أَي: مذللات لما يُرَاد مِنْهُنَّ من طُلُوع وأفول وسير على حسب الْإِرَادَة. قَوْله: {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر} وَالْغَرَض من إِيرَاد الْآيَة هُنَا هُوَ أَن يعلم أَن الْأَمر غير الْخلق لِأَن بَينهمَا حرف الْعَطف، وَعَن ابْن عُيَيْنَة: فرق بَين الْخلق وَالْأَمر فَمن جمع بَينهمَا فقد كفر أَي: من جعل الْأَمر من جملَة مَا خلقه فقد كفر، وَفِيه خلاف الْمُعْتَزلَة، وَمعنى هَذَا الْبَاب إِثْبَات الْكَلَام لله تَعَالَى صفة لذاته وَلم يزل متكلماً وَلَا يزَال كمعنى الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِن كَانَ وصف الله كَلَامه بِأَنَّهُ كَلِمَات فَإِنَّهُ شَيْء وَاحِد لَا يتجزىء وَلَا يَنْقَسِم، وَكَذَلِكَ يعبر عَنهُ بعبارات مُخْتَلفَة تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة سريانية وبجميع الْأَلْسِنَة الَّتِي أنزلهَا الله على أنبيائه وَجعلهَا عبارَة عَن كَلَامه الْقَدِيم الَّذِي لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَلَو كَانَت كَلِمَاته مخلوقة لنفدت كَمَا ينْفد الْبحار وَالْأَشْجَار وَجَمِيع المحدثات، فَكَمَا لَا يحاط بوصفه تَعَالَى كَذَلِك لَا يحاط بكلماته وَجَمِيع صِفَاته.

٧٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ أبي الزِّناددِ عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، إلَاّ الجِهادُ فِي سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِما نالَ مِنْ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وتصديق كَلمته وَفِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، كَلِمَاته، بِصِيغَة الْجمع.

والْحَدِيث مر عَن قريب بشرحه، وَأخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك.

٣١ - (بابٌ فِي المَشِيئَةِ والإرَادَةِ {وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله} )

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْمَشِيئَة والإرادة، قَالَ الرَّاغِب: الْمَشِيئَة عِنْد الْأَكْثَر كالإرادة سَوَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وللإرادة تعريفات مثل: اعْتِقَاد النَّفْع فِي الْفِعْل أَو تَركه، وَالأَصَح أَنَّهَا صفة مخصصة لأحد طرفِي الْمُقدر بالوقوع، والمشيئة ترادفها، وَقيل: هِيَ الْإِرَادَة الْمُتَعَلّقَة بِأحد الطَّرفَيْنِ، وَفِي التَّوْضِيح معنى الْبَاب إِثْبَات الْمَشِيئَة والإرادة لله تَعَالَى، وَأَن مَشِيئَته وإرادته وَرَحمته وغضبه وَسخطه وكراهته كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد أَسمَاء مترادفة، وَهِي رَاجِعَة كلهَا إِلَى معنى الْإِرَادَة، كَمَا يُسَمِّي الشَّيْء الْوَاحِد بأسماء كَثِيرَة، وإرادته تَعَالَى صفة من صِفَات ذَاته خلافًا لمن يَقُول من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا مخلوقة من أَوْصَاف أَفعاله.

وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} {إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لَاِقْرَبَ مِنْ هَاذَا رَشَدًا} {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.9 / 29.5
الإضاءة 42%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56