«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7415

الحديث رقم 7415 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا…

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.»

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ

سند حديث: ٧٤١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ…

٧٤١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا…

هذا الحديث يدل على عظمة الله تعالى حيث يضع السموات كلها على إصبع من أصابع يده الكريمة العظيمة، وعدَّد المخلوقات المعروفة للخلق بالكبر والعظمة، وأخبر أن كل نوع منها يضعه تعالى على إصبع، لو أراد تعالى لوضع السماوات والأرضين ومن فيهن على إصبع واحدة من أصابع يده جل وعلا .
وهذا من العلم الموروث عن الأنبياء المتلقَّى عن الوحي من الله تعالى ، ولهذا صدَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام اليهودي بل وأعجبه ذلك وسُرَّ به، ولهذا ضحك حتى بدت نواجذه، تصديقاً له، كما قال عبد الله بن مسعود في رواية أخرى عنه، وقرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} والتي فيها إثبات اليدين لله تعالى، تأكيدًا وتثبيتًا لما قاله اليهودي.
ولا التفات إلى قول من تبنَّى التعطيل، ونفى صفة الأصابع لله، زاعمًا أن إثباتها لله تشبيه له بخلقه، ولا يعلم هذا المعطِّل أن إثبات هذه الصفة لله تعالى لا يقتضي التشبيه، كما أننا نثبت له تعالى حياة وقدرة وقوة وسمعًا وبصرًا، ولا يقتضي هذا تشبيهًا له بخلقه، إذ إنه سبحانه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إثبات اليدين والأصابع والقبضة والكلام لله -تعالى- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
  • بيان عظمة الله -سبحانه وتعالى- وصغر المخلوقات بالنسبة إليه.
  • أن هذه العلوم الجليلة المتعلقة بصفات الله -تعالى- في التوراة عند اليهود في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باقية عندهم لم يحرفوها ولم ينكروها.
  • أن من أشرك به -سبحانه- لم يقدره حق قدره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الطَّعن في ثقات الرُّواة وردّ الأخبار الثَّابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الرَّاوي بالظَّنِّ لَلَزم منه تقريره ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار، وحاشَ لله من ذلك، وقد اشتدَّ إنكار ابن خزيمة على من ادَّعى أنَّ الضَّحك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في «صحيحه» في «كتاب التَّوحيد» بطرقه: قد أجلَّ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يُوصَفَ ربُّه بحضرتِه بما ليس هو مِن صفاته، فيجعل بدل الإنكار والغضب على الوصف ضحكًا، بل لا يصف النَّبيَّ ﷺ بهذا الوصف من يؤمن (١) بنبوَّته. انتهى.

٧٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) سقط لأبي ذرٍّ «بن غياثٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ) ابن قيسٍ (يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) من اليهود (فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ) أي: الذين لم يُذكَروا فيما مرَّ (عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) قالها مرَّتين، قال ابن مسعودٍ: (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ) أي: تعجُّبًا كما مرَّ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والمعجمة (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) قال القرطبيُّ في «المفهم»: ضَحِكُه ﷺ إنَّما هو للتَّعجُّب من جَهْلِ اليهوديِّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فهذه الرِّواية هي الصَّحيحة المحقَّقة، وأمَّا من زاد: «وتصديقًا له» فليست بشيءٍ؛ فإنَّها من قول الرَّاوي وهي باطلةٌ؛ لأنَّه ﷺ لا يصدِّق المُحال، وهذه الأوصاف في حقِّ الله تعالى محالٌ؛ إذ لو كان ذا يدٍ وأصابع (٢) وجوارح

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقيل: الأضراس، وَقيل: الدواخل من الأضراس الَّتِي فِي أقْصَى الْحلق، وَزَاد شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن: تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل: تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ، وَعند مُسلم: تَعَجبا مِمَّا قَالَ الحبر تَصْدِيقًا لَهُ، وَفِي رِوَايَة جرير عِنْده: وَتَصْدِيقًا لَهُ، بِزِيَادَة: وَاو، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور: حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لَهُ.

ثمَّ الْكَلَام هُنَا فِي مَوَاضِع.

الأول: فِي أَمر الإصبع، قَالَ ابْن بطال: لَا يحمل الإصبع على الْجَارِحَة بل يحمل على أَنه صفة من صِفَات الذَّات لَا يكيف وَلَا يحدد وَهَذَا ينْسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَن ابْن فورك: يجوز أَن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فَيحمل مَا يحمل الإصبع، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يَقع ذكر الإصبع فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مَقْطُوع بِهِ، وَقد تقرر أَن الْيَد لَيست جارحة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الْأَصَابِع، بل هُوَ تَوْقِيف أطلقهُ الشَّارِع فَلَا يكيف وَلَا يشبه، وَلَعَلَّ ذكر الْأَصَابِع من تَخْلِيط الْيَهُود، فَإِن الْيَهُود مشبهة وَفِيمَا يَدعُونَهُ من التَّوْرَاة أَلْفَاظ تدخل فِي بَاب التَّشْبِيه وَلَا تدخل فِي مَذَاهِب الْمُسلمين، ورد عَلَيْهِ إِنْكَاره وُرُود الإصبع لوروده فِي عدَّة أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث مُسلم: إِن قلب ابْن آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن، قيل: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْقطع، وَفِيه نظر لَا يخفى، أَقُول: لَا يمْنَع ثُبُوت الإصبع الَّذِي هُوَ غير الْجَارِحَة، فَكَمَا ثَبت الْيَد أَنَّهَا غير جارحة فَكَذَلِك الإصبع.

الْموضع الثَّانِي: فِي تَصْدِيق النَّبِي، إِيَّاه، قَالَ الْخطابِيّ: قَول الرَّاوِي تَصْدِيقًا لَهُ، ظن مِنْهُ وحسبان وروى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله فَلم يذكرُوا فِيهِ: تَصْدِيقًا لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم وَأما من زَاد: تَصْدِيقًا لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْء فَإِن هَذِه الزِّيَادَة من قَول الرَّاوِي وَهِي بَاطِلَة لِأَن النَّبِي لَا يصدق الْمحَال، وَهَذِه الْأَوْصَاف فِي حق الله تَعَالَى محَال، وَطول الْكَلَام فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَئِن سلمنَا أَن النَّبِي صرح بتصديقه لم يكن ذَلِك تَصْدِيقًا فِي الْمَعْنى بل فِي اللَّفْظ الَّذِي نَقله من كِتَابه عَن نبيه، وَيقطع بِأَن ظَاهره غير مُرَاد.

الْموضع الثَّالِث: فِي ضحك النَّبِي قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَضحك النَّبِي إِنَّمَا هُوَ للتعجب من جهل الْيَهُودِيّ، فَظن الرَّاوِي أَن ذَلِك التَّعَجُّب تَصْدِيق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: حَاصِل الْخَبَر أَنه ذكر الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله جَمِيعًا، فَضَحِك النَّبِي تَعَجبا من كَونه يستعظم ذَلِك، فِي قدرَة الله تَعَالَى.

الْموضع الرَّابِع: فِي أَن النَّبِي مَا كَانَ يضْحك إِلَّا تبسماً، وَهنا ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَهُوَ قهقهة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ التبسم هُوَ الْغَالِب، وَهَذَا كَانَ نَادرا، أَو: المُرَاد بالنواجذ الأضراس مُطلقًا.

الْموضع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فَقيل: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي قَالَه الْيَهُودِيّ يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ قدرته بِالْحَدِّ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم أَو يُحِيط بِهِ الْحَد وَالْبَصَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْآيَة مُحْتَملَة للرضاء وَالْإِنْكَار، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ضحكه تَعَجبا من جهل الْيَهُودِيّ فَلذَلِك قَرَأَ هَذِه الْآيَة: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَي: مَا عرفوه حق مَعْرفَته وَمَا عظموه حق عَظمته.

(بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ الله))

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا شخص أغير من الله وَوَقع فِي بعض النّسخ: بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا أحد أغير من الله، وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك: لَا شخص أغير من الله، وَابْن بطال غير قَوْله: لَا شخص بقوله: لَا أحد، وَعَلِيهِ شرح. وَقَالَ: اخْتلف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَلم يخْتَلف فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه بِلَفْظ: لَا أحد، فَظهر أَن لفظ: شخص، جَاءَ فِي مَوضِع: أحد، فَكَانَ من تصرف الرَّاوِي. قلت: اخْتِلَاف أَلْفَاظ الحَدِيث هُوَ أَن فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود: مَا من أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة: مَا أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أَسمَاء: لَا شَيْء أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: إِن الله تَعَالَى يغار، كل ذَلِك مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة، وَرِوَايَة ابْن مَسْعُود مبينَة أَن لفظ: الشَّخْص، مَوْضُوع مَوضِع: أحد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي قَوْله: لَا شخص أغير من الله لم يَأْتِ مُتَّصِلا وَلم تتلق الْأمة مثل هَذِه الْأَحَادِيث بِالْقبُولِ، وَهُوَ يتوقى فِي الْأَحْكَام الَّتِي لَا تلجىء الضَّرُورَة النَّاس إِلَى الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الشَّخْص فِي صِفَات الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص إِنَّمَا يكون جسماً مؤلفاً، وخليق أَن لَا تكون هَذِه اللَّفْظَة صَحِيحَة، وَأَن تكون تصحيفاً من الرَّاوِي

وَكثير من الروَاة يحدث بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كلهم فُقَهَاء، وَفِي كَلَام آحَاد الروَاة جفَاء وتعجرف. وَقَالَ بعض كبار التَّابِعين: نعم الْمَرْء رَبنَا لَو أطعناه مَا عصانا، وَلَفظ الْمَرْء إِنَّمَا يُطلق على الذُّكُور من الْآدَمِيّين، فَأرْسل الْكَلَام وَبَقِي أَن يكون لفظ الشَّخْص جرى على هَذَا السَّبِيل فاعتوره الْفساد من وُجُوه: أَحدهَا أَن اللَّفْظ لَا يثبت إلَاّ من طَرِيق السّمع. وَالثَّانِي: إِجْمَاع الْأمة على الْمَنْع مِنْهُ. وَالثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ أَن يكون جسماً مؤلفاً فَلَا يُطلق على الله، وَقد منعت الْجَهْمِية إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على مَا قُلْنَاهُ من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته، عز وَجل. قَوْله: لَا شخص، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: أغير، مَرْفُوع خَبره، و: أغير، أفعل تَفْضِيل من الْغيرَة وَهِي الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد ذَلِك مَا يكون بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله فَيَأْتِي عَن قريب. قَوْله: وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو بتصغير العَبْد وبفتح الْعين فِي عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْأَسدي مَوْلَاهُم الرقي، يروي عَن عبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر بن سُوَيْد الْكُوفِي وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ على طَرِيق سَمَرْقَنْد مَعَ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان، خرج غازياً مَعَه وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وعمره يَوْم مَاتَ مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: انْفَرد بِهِ عبيد الله عَن عبد الْملك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ، ورد بَعضهم على الْخطابِيّ بقوله: إِنَّه لم يُرَاجع صَحِيح مُسلم وَلَا غَيره من الْكتب الَّتِي وَقع فِيهَا هَذَا اللَّفْظ من غير رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو، ورد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة والطعن فِي أَئِمَّة الحَدِيث الضابطين مَعَ إِمْكَان تَوْجِيه مَا رووا من الْأُمُور الَّتِي أقدم عَلَيْهَا كثير من غير أهل الحَدِيث، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُور فهم من فعل ذَلِك مِنْهُم، وَمن ثمَّة قَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة لتخطئة الروَاة الثقاة بل حكم هَذَا حكم سَائِر المتشابهات: إِمَّا التَّفْوِيض وَإِمَّا التَّأْوِيل. انْتهى. قلت: هَذَا وَقع فِي عين مَا أنكر عَلَيْهِ، والخطابي لم يُنكر هَذِه اللَّفْظَة وَحده، وَكَذَلِكَ أنكرها الدَّاودِيّ وَابْن فورك والقرطبي، قَالَ: أصل وضع الشَّخْص فِي اللُّغَة لجرم الْإِنْسَان وجسمه، وَاسْتعْمل فِي كل شَيْء ظَاهر، يُقَال: شخص الشَّيْء إِذا ظهر، وَهَذَا الْمَعْنى محَال على الله. انْتهى. فَكَلَامه يدل على أَنه لَا يرضى بِإِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الله وَإِن كَانَ قد أوَّله، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل: إِنَّه أيد كَلَامه بِمَا قَالَه الْكرْمَانِي، مَعَ أَنه ينْسبهُ فِي مَوَاضِع إِلَى الْغَفْلَة وَإِلَى الْوَهم والغلط، وَمن أَيْن ثَبت لَهُ عدم مُرَاجعَة الْخطابِيّ إِلَى صَحِيح مُسلم وَغَيره؟ وَكَلَامه عَام فِي كل مَوضِع فِيهِ، والسهو وَالنِّسْيَان غير مرفوعين عَن كل أحد يقعان عَن الثِّقَات وَغَيرهم، وَفِي نِسْبَة الثِّقَات إِلَى قُصُور الْفَهم وَاقع هُوَ فِيهِ.

٧٤١٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ عنْ ورَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عنِ المُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأتي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْد وَالله لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ الله، ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذَرِينَ، وَلَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله، ومِنْ أجْل ذالِكَ وعَدَ الله الجَنَّةَ

انْظُر الحَدِيث ٦٨٤٦

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى ظَاهِرَة، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَقد مر الْآن، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة ومولاه، وَسعد بن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة سيد الْخَزْرَج.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة مُعَلّقا. من قَوْله: قَالَ وراد ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني، ثمَّ أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْمُحَاربين فِي: بَاب من رأى مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله، فَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني.

قَوْله: غير مصفح بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، وَقَالَ ابْن التِّين: بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الطَّعن في ثقات الرُّواة وردّ الأخبار الثَّابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الرَّاوي بالظَّنِّ لَلَزم منه تقريره ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار، وحاشَ لله من ذلك، وقد اشتدَّ إنكار ابن خزيمة على من ادَّعى أنَّ الضَّحك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في «صحيحه» في «كتاب التَّوحيد» بطرقه: قد أجلَّ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يُوصَفَ ربُّه بحضرتِه بما ليس هو مِن صفاته، فيجعل بدل الإنكار والغضب على الوصف ضحكًا، بل لا يصف النَّبيَّ ﷺ بهذا الوصف من يؤمن (١) بنبوَّته. انتهى.

٧٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) سقط لأبي ذرٍّ «بن غياثٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ) ابن قيسٍ (يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) من اليهود (فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ) أي: الذين لم يُذكَروا فيما مرَّ (عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) قالها مرَّتين، قال ابن مسعودٍ: (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ) أي: تعجُّبًا كما مرَّ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والمعجمة (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) قال القرطبيُّ في «المفهم»: ضَحِكُه ﷺ إنَّما هو للتَّعجُّب من جَهْلِ اليهوديِّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فهذه الرِّواية هي الصَّحيحة المحقَّقة، وأمَّا من زاد: «وتصديقًا له» فليست بشيءٍ؛ فإنَّها من قول الرَّاوي وهي باطلةٌ؛ لأنَّه ﷺ لا يصدِّق المُحال، وهذه الأوصاف في حقِّ الله تعالى محالٌ؛ إذ لو كان ذا يدٍ وأصابع (٢) وجوارح

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقيل: الأضراس، وَقيل: الدواخل من الأضراس الَّتِي فِي أقْصَى الْحلق، وَزَاد شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن: تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل: تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ، وَعند مُسلم: تَعَجبا مِمَّا قَالَ الحبر تَصْدِيقًا لَهُ، وَفِي رِوَايَة جرير عِنْده: وَتَصْدِيقًا لَهُ، بِزِيَادَة: وَاو، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور: حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لَهُ.

ثمَّ الْكَلَام هُنَا فِي مَوَاضِع.

الأول: فِي أَمر الإصبع، قَالَ ابْن بطال: لَا يحمل الإصبع على الْجَارِحَة بل يحمل على أَنه صفة من صِفَات الذَّات لَا يكيف وَلَا يحدد وَهَذَا ينْسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَن ابْن فورك: يجوز أَن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فَيحمل مَا يحمل الإصبع، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يَقع ذكر الإصبع فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مَقْطُوع بِهِ، وَقد تقرر أَن الْيَد لَيست جارحة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الْأَصَابِع، بل هُوَ تَوْقِيف أطلقهُ الشَّارِع فَلَا يكيف وَلَا يشبه، وَلَعَلَّ ذكر الْأَصَابِع من تَخْلِيط الْيَهُود، فَإِن الْيَهُود مشبهة وَفِيمَا يَدعُونَهُ من التَّوْرَاة أَلْفَاظ تدخل فِي بَاب التَّشْبِيه وَلَا تدخل فِي مَذَاهِب الْمُسلمين، ورد عَلَيْهِ إِنْكَاره وُرُود الإصبع لوروده فِي عدَّة أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث مُسلم: إِن قلب ابْن آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن، قيل: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْقطع، وَفِيه نظر لَا يخفى، أَقُول: لَا يمْنَع ثُبُوت الإصبع الَّذِي هُوَ غير الْجَارِحَة، فَكَمَا ثَبت الْيَد أَنَّهَا غير جارحة فَكَذَلِك الإصبع.

الْموضع الثَّانِي: فِي تَصْدِيق النَّبِي، إِيَّاه، قَالَ الْخطابِيّ: قَول الرَّاوِي تَصْدِيقًا لَهُ، ظن مِنْهُ وحسبان وروى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله فَلم يذكرُوا فِيهِ: تَصْدِيقًا لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم وَأما من زَاد: تَصْدِيقًا لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْء فَإِن هَذِه الزِّيَادَة من قَول الرَّاوِي وَهِي بَاطِلَة لِأَن النَّبِي لَا يصدق الْمحَال، وَهَذِه الْأَوْصَاف فِي حق الله تَعَالَى محَال، وَطول الْكَلَام فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَئِن سلمنَا أَن النَّبِي صرح بتصديقه لم يكن ذَلِك تَصْدِيقًا فِي الْمَعْنى بل فِي اللَّفْظ الَّذِي نَقله من كِتَابه عَن نبيه، وَيقطع بِأَن ظَاهره غير مُرَاد.

الْموضع الثَّالِث: فِي ضحك النَّبِي قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَضحك النَّبِي إِنَّمَا هُوَ للتعجب من جهل الْيَهُودِيّ، فَظن الرَّاوِي أَن ذَلِك التَّعَجُّب تَصْدِيق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: حَاصِل الْخَبَر أَنه ذكر الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله جَمِيعًا، فَضَحِك النَّبِي تَعَجبا من كَونه يستعظم ذَلِك، فِي قدرَة الله تَعَالَى.

الْموضع الرَّابِع: فِي أَن النَّبِي مَا كَانَ يضْحك إِلَّا تبسماً، وَهنا ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَهُوَ قهقهة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ التبسم هُوَ الْغَالِب، وَهَذَا كَانَ نَادرا، أَو: المُرَاد بالنواجذ الأضراس مُطلقًا.

الْموضع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فَقيل: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي قَالَه الْيَهُودِيّ يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ قدرته بِالْحَدِّ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم أَو يُحِيط بِهِ الْحَد وَالْبَصَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْآيَة مُحْتَملَة للرضاء وَالْإِنْكَار، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ضحكه تَعَجبا من جهل الْيَهُودِيّ فَلذَلِك قَرَأَ هَذِه الْآيَة: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَي: مَا عرفوه حق مَعْرفَته وَمَا عظموه حق عَظمته.

(بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ الله))

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا شخص أغير من الله وَوَقع فِي بعض النّسخ: بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا أحد أغير من الله، وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك: لَا شخص أغير من الله، وَابْن بطال غير قَوْله: لَا شخص بقوله: لَا أحد، وَعَلِيهِ شرح. وَقَالَ: اخْتلف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَلم يخْتَلف فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه بِلَفْظ: لَا أحد، فَظهر أَن لفظ: شخص، جَاءَ فِي مَوضِع: أحد، فَكَانَ من تصرف الرَّاوِي. قلت: اخْتِلَاف أَلْفَاظ الحَدِيث هُوَ أَن فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود: مَا من أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة: مَا أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أَسمَاء: لَا شَيْء أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: إِن الله تَعَالَى يغار، كل ذَلِك مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة، وَرِوَايَة ابْن مَسْعُود مبينَة أَن لفظ: الشَّخْص، مَوْضُوع مَوضِع: أحد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي قَوْله: لَا شخص أغير من الله لم يَأْتِ مُتَّصِلا وَلم تتلق الْأمة مثل هَذِه الْأَحَادِيث بِالْقبُولِ، وَهُوَ يتوقى فِي الْأَحْكَام الَّتِي لَا تلجىء الضَّرُورَة النَّاس إِلَى الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الشَّخْص فِي صِفَات الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص إِنَّمَا يكون جسماً مؤلفاً، وخليق أَن لَا تكون هَذِه اللَّفْظَة صَحِيحَة، وَأَن تكون تصحيفاً من الرَّاوِي

وَكثير من الروَاة يحدث بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كلهم فُقَهَاء، وَفِي كَلَام آحَاد الروَاة جفَاء وتعجرف. وَقَالَ بعض كبار التَّابِعين: نعم الْمَرْء رَبنَا لَو أطعناه مَا عصانا، وَلَفظ الْمَرْء إِنَّمَا يُطلق على الذُّكُور من الْآدَمِيّين، فَأرْسل الْكَلَام وَبَقِي أَن يكون لفظ الشَّخْص جرى على هَذَا السَّبِيل فاعتوره الْفساد من وُجُوه: أَحدهَا أَن اللَّفْظ لَا يثبت إلَاّ من طَرِيق السّمع. وَالثَّانِي: إِجْمَاع الْأمة على الْمَنْع مِنْهُ. وَالثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ أَن يكون جسماً مؤلفاً فَلَا يُطلق على الله، وَقد منعت الْجَهْمِية إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على مَا قُلْنَاهُ من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته، عز وَجل. قَوْله: لَا شخص، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: أغير، مَرْفُوع خَبره، و: أغير، أفعل تَفْضِيل من الْغيرَة وَهِي الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد ذَلِك مَا يكون بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله فَيَأْتِي عَن قريب. قَوْله: وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو بتصغير العَبْد وبفتح الْعين فِي عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْأَسدي مَوْلَاهُم الرقي، يروي عَن عبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر بن سُوَيْد الْكُوفِي وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ على طَرِيق سَمَرْقَنْد مَعَ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان، خرج غازياً مَعَه وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وعمره يَوْم مَاتَ مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: انْفَرد بِهِ عبيد الله عَن عبد الْملك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ، ورد بَعضهم على الْخطابِيّ بقوله: إِنَّه لم يُرَاجع صَحِيح مُسلم وَلَا غَيره من الْكتب الَّتِي وَقع فِيهَا هَذَا اللَّفْظ من غير رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو، ورد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة والطعن فِي أَئِمَّة الحَدِيث الضابطين مَعَ إِمْكَان تَوْجِيه مَا رووا من الْأُمُور الَّتِي أقدم عَلَيْهَا كثير من غير أهل الحَدِيث، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُور فهم من فعل ذَلِك مِنْهُم، وَمن ثمَّة قَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة لتخطئة الروَاة الثقاة بل حكم هَذَا حكم سَائِر المتشابهات: إِمَّا التَّفْوِيض وَإِمَّا التَّأْوِيل. انْتهى. قلت: هَذَا وَقع فِي عين مَا أنكر عَلَيْهِ، والخطابي لم يُنكر هَذِه اللَّفْظَة وَحده، وَكَذَلِكَ أنكرها الدَّاودِيّ وَابْن فورك والقرطبي، قَالَ: أصل وضع الشَّخْص فِي اللُّغَة لجرم الْإِنْسَان وجسمه، وَاسْتعْمل فِي كل شَيْء ظَاهر، يُقَال: شخص الشَّيْء إِذا ظهر، وَهَذَا الْمَعْنى محَال على الله. انْتهى. فَكَلَامه يدل على أَنه لَا يرضى بِإِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الله وَإِن كَانَ قد أوَّله، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل: إِنَّه أيد كَلَامه بِمَا قَالَه الْكرْمَانِي، مَعَ أَنه ينْسبهُ فِي مَوَاضِع إِلَى الْغَفْلَة وَإِلَى الْوَهم والغلط، وَمن أَيْن ثَبت لَهُ عدم مُرَاجعَة الْخطابِيّ إِلَى صَحِيح مُسلم وَغَيره؟ وَكَلَامه عَام فِي كل مَوضِع فِيهِ، والسهو وَالنِّسْيَان غير مرفوعين عَن كل أحد يقعان عَن الثِّقَات وَغَيرهم، وَفِي نِسْبَة الثِّقَات إِلَى قُصُور الْفَهم وَاقع هُوَ فِيهِ.

٧٤١٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ عنْ ورَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عنِ المُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأتي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْد وَالله لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ الله، ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذَرِينَ، وَلَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله، ومِنْ أجْل ذالِكَ وعَدَ الله الجَنَّةَ

انْظُر الحَدِيث ٦٨٤٦

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى ظَاهِرَة، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَقد مر الْآن، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة ومولاه، وَسعد بن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة سيد الْخَزْرَج.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة مُعَلّقا. من قَوْله: قَالَ وراد ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني، ثمَّ أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْمُحَاربين فِي: بَاب من رأى مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله، فَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني.

قَوْله: غير مصفح بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، وَقَالَ ابْن التِّين: بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56