«رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَحْلِفُ بِاللهِ: أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7355

الحديث رقم 7355 من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من رأى ترك النكير من النبي حجة لا من غير الرسول.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله: أن ابن…

«رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَحْلِفُ بِاللهِ: أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللهِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ.»

سند حديث: ٧٣٥٥ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ…

٧٣٥٥ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله: أن ابن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ زَادَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَزَادَ: سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ نَحْوُ هَذَا وَنَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رَجُلًا.

قَوْلُهُ: (أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَخْدُمُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِهَمْزَةٍ آخِرَهُ، أَيْ بِسَبَبِ شِبَعِي، أَيْ: إِنَّ السَّبَبَ الْأَصْلِيَّ الَّذِي اقْتَضَى لَهُ كَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُلَازَمَتُهُ لَهُ لِيَجِدَ مَا يَأْكُلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَلَا أَرْضٌ يَزْرَعُهَا وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا، فَكَانَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفُوتَهُ الْقُوتُ، فَيَحْصُلُ فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ مِنْ سَمَاعِ الْأَقْوَالِ وَرِوَايَةِ الْأَفْعَالِ مَا لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُلَازِمُهُ مُلَازَمَتَهُ، وَأَعَانَهُ عَلَى اسْتِمْرَارِ حِفْظِهِ لِذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ لَهُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ) فِي رواية يُونُسَ: وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرْضِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَيَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَيَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حَيْثُ يَنْسَوْنَ.

قَوْلُهُ: (فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَبْسُطُ رِدَاءَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَنْ بَسَطَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَنْسَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَنْ يَنْسَى، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَنْ يَنْسَ بِالنُّونِ وَبِالْجَزْمِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْقَزَّازَ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْزِمُ بِلَنْ قَالَ: وَمَا وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا، وَأَقَرَّهُ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ لِذَلِكَ شَاهِدًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَنْ يَخِبِ الْيَوْمَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ … حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَةَ

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ لَمْ الْجَازِمَةُ فَتَغَيَّرَتْ بِلَنْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ الشَّاعِرُ قَصَدَ لَنْ لِكَوْنِهَا أَبْلَغُ هُنَا فِي الْمَدْحِ مِنْ لَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَمْنِ مِنْ كِتَابِ التَّعْبِيرِ تَوْجِيهُ ابْنِ مَالِكٍ لِنَظِيرِ هَذَا فِي قَوْلِ: لَنْ تُرَعَ وَحِكَايَتُهُ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّ الْجَزْمَ بِلَنْ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ نَمِرَةً، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ فِي الْعِلْمِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.

٢٣ - بَاب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً، لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ

٧٣٥٥ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصياد الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً) النَّكِيرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَزْنُ عَظِيمُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْكَارِ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَارٍ دَالٍّ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ

تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ: لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ؛ فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ: لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ لِأَمْرٍ يَحْضُرُهُ الرَّسُولُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ التِّينِ إِلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، وَأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ قَالَ الْمُجْتَهِدُ قَوْلًا وَانْتَشَرَ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يَتَعَدَّدَ الْقِيلُ بِهِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ذَلِكَ الْقَوْلُ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً، فَإِنْ خَالَفَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْكُتُ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَازِ؛ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ، فَسَكَتَ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ صَوَابًا

وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) هُوَ خُرَاسَانِيٌّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ رَشِيدٍ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ، وَالْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ صَاحِبٌ لَنَا حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ فِي الْأَحْيَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ نَزِيلُ عَسْقَلَانَ رَوَى عَنْ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَبِي ضَمْرَةَ وَغَيْرِهِمَا وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ: شَيْخِي فَزَعَمَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ شَيْخٍ وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهَا بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ مِمَّا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْرَدْتُهَا فِي جُزْءٍ جَمَعْتُ مَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ بَاقٍ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ مِنْ شُيُوخِهِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا عَنْ طَبَقَتِهِ الْعَالِيَةِ بِدَرَجَتَيْنِ، مِثَالُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا رَوَى حَدِيثَ شُعْبَةَ عَالِيًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ

أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ فِيهِ ثَلَاثَةً، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَا يَرْوِي حَدِيثَ شُعْبَةَ بِأَقَلَّ مِنْ وَاسِطَتَيْنِ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي مِنَ الْأَرْبَعَةِ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّيْنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ.

وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَخْرَجَهُ فِي آخِرَ الْمَغَازِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِلَا وَاسِطَةٍ. وَالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَقَعَ فِي كِتَابِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ الْعِتْقِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ نَفْسِهِ وَهَذَا مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ طَبَقَتِهِ دَرَجَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَرْوِي حَدِيثَ ابْنِ غَسَّانَ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَهُنَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ وَسَائِطَ، وَقَدْ أَشَرْتُ لِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَمَعْتُهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَيِ ابْنُ مُعَاذِ بْنُ نَصْرِ بْنِ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنَ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُ

مِنْ طَبَقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ) أَيْ: شَاهَدْتُهُ حِينَ حَلَفَ. قَوْلُهُ (أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَلِلْبَاقِينَ: ابْنُ الصَّائِدِ بِوَزْنِ الظَّالِمِ.

(تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ؟ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ، إِلَخْ) كَأَنَّ جَابِرًا لَمَّا سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَهِمَ مِنْهُ الْمُطَابَقَةَ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالتَّقْرِيرِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَمَنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا فَأَقَرَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ افْعَلْ خِلَافَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، إِلَّا إِنْ ثَبَتَ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ دَلِيلَ جَابِرٍ: فَإِنْ قِيلَ: تَقَدَّمَ يَعْنِي كَمَا فِي الْجَنَائِزِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ ابْنِ الصَّيَّادِ: دَعْنِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطْ عَلَيْهِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي أَمْرِهِ، يَعْنِي فَلَا يَدُلُّ سُكُوتُهُ عَنْ إِنْكَارِهِ عِنْدَ حَلِفِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ، قَالَ: وَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْدِيدَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى عُمَرَ حَلِفَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّكِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ شَكٌّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَلَطُّفِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُمَرَ فِي صَرْفِهِ عَنْ قَتْلِهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا وَرَدَ عَنْ غَيْرِ جَابِرٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيتُ ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِذَا عَيْنُهُ قَدْ طَفِئَتْ وَهِيَ خَارِجَةٌ مِثْلَ عَيْنِ الْجَمَلِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا قُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ صَيَّادٍ مَتَى طَفِئَتْ عَيْنَكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَالرَّحْمَنِ. قُلْتُ: كَذَبْتَ لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكِ؟ قَالَ: فَمَسَحَهَا وَنَخَرَ ثَلَاثًا، فَزَعَمَ الْيَهُودِيُّ أَنِّي ضَرَبْتُ بِيَدَيَّ صَدْرَهُ، وَقُلْتُ لَهُ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُو قَدَرَكَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: اجْتَنِبْ هَذَا الرَّجُلَ؛ فَإِنَّمَا يُتَحَدَّثُ أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ عِنْدَ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ، فَذَكَرَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: لَقِيتُهُ لُقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَعَلَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، وَنَخَرَ كَأَشَدَّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ، فَزَعَمَ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَنَا وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبَ يَغْضَبُهُ؟ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي أَمْرِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ الدَّجَّالُ الَّذِي يَقْتُلُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَلَمْ يَقَعِ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ أَحَدُ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَنْذَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي مَضَى مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَهَى. وَمُحَصَّلُهُ عَدَمُ تَسْلِيمِ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ عَنْ جَوَابِ حَلِفِ عُمَرَ ثُمَّ جَابِرٍ عَلَى أَنَّهُ الدَّجَّالُ الْمَعْهُودُ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ حَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ، وَاللَّامُ فِي الْقِصَّةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُمَا لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ، وَوَقَعَ لِابْنِ صَيَّادٍ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدَّجَّالِ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَحِبَنِي ابْنُ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: مَاذَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِي، قَالَ: أَوَلَسْتَ سَمِعْتَهُ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ وَهَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَخَذَتْنِي مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ

دَمَامَةٌ، فَقَالَ: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ مَا لِي وَأَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ يَعْنِي الدَّجَّالَ يَهُودِيٌّ؟ وَقَدْ أَسْلَمْتَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَمِنْ طَرِيقِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، وَمَعَنَا ابْنُ صَيَّادٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ فِيهِ.

فَقُلْتُ: الْحَرُّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَ ثِيَابَكَ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَفَعَلَ، فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَمَا بِي إِلَّا أَنْ أَكْرَهَ أَنِّي أَشْرَبُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ بِهِ مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: حَتَّى كِدْتُ أَعْذُرَهُ وَفِي آخِرِ كُلٍّ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدِهِ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، لَفْظُ الْجَرِيرِيِّ وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَمْكُثُ أَبَوَا الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا، وَنَعَتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْيَهُودِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامِ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا النَّعْتُ فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ؟ قَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا الْحَدِيثَ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قُلْتُ: وَيُوهِي حَدِيثُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ لَمَّا نَزَلَ مِنَ الطَّائِفِ حِينَ حُوصِرَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ كَالْمُحْتَلِمِ، فَمَتَى يُدْرِكُ أَبُو بَكْرَةَ زَمَانَ مَوْلِدِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ لَمْ يَسْكُنِ الْمَدِينَةَ إِلَّا قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ كَالْمُحْتَلِمِ، فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَعَلَّ الْوَهْمَ وَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي تَرَاخِي مَوْلِدِ ابْنِ صَيَّادٍ أَوَّلًا، وَهْمٌ فِيهِ بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ وُلِدَ لِلْيَهُودِ مَوْلُودٌ عَلَى تَأَخُّرِ الْبَلَاغِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلِدُهُ كَانَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، بِحَيْثُ يَأْتَلِفُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحِ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَلِفِ عُمَرَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّبْتُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ قِصَّةُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَطَرِيقُهُ أَصَحُّ، وَتَكُونُ الصِّفَةُ الَّتِي فِي ابْنِ صَيَّادٍ وَافَقَتْ مَا فِي الدَّجَّالِ.

قُلْتُ: قِصَّةُ تَمِيمٍ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ، فَذَكَرَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فَلَقِيَتُهُمْ دَابَّةٌ كَثِيرَةُ الشَّعْرِ فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى رَجُلٍ فِي الدَّيْرِ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا فَدَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وَثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِالْحَدِيدِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ: هَلْ بُعِثَ، وَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ يُطِيعُوهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَعَنْ عَيْنِ زُغَرٍ وَعَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخٌ، وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ أَنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ، وَكَانَ ابْنُ صَيَّادٍ أَحَدَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ ﷺ بِخُرُوجِهِمْ، وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ لَمْ يَسْمَعُوا بِقِصَّةِ تَمِيمٍ، وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا، إِذْ كَيْفَ يَلْتَئِمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ شِبْهَ الْمُحْتَلِمِ، وَيَجْتَمِعُ

بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَسْأَلُهُ، أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهَا شَيْخًا كَبِيرًا مَسْجُونًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ، يَسْتَفْهِمُ عَنْ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، هَلْ خَرَجَ أَوْ لَا؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ الِاطِّلَاعِ، أَمَّا عُمَرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ قِصَّةَ تَمِيمٍ، ثُمَّ لَمَّا سَمِعَهَا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا جَابِرٌ فَشَهِدَ حَلِفَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَصْحَبَ مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيعٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ بِنَحْوِ قِصَّةِ تَمِيمٍ، قَالَ: قَالَ - أَيِ الْوَلِيدُ - فَقَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ فِي هَذَا شَيْئًا مَا حَفِظْتُهُ، قَالَ شَهِدَ جَابِرٌ أَنَّهُ ابْنُ صَيَّادٍ، قُلْتُ: فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: وَإِنْ مَاتَ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ أَسْلَمَ، قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ. انْتَهَى.

وَابْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ اسْمُهُ عُمَرُ، فِيهِ مَقَالٌ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ حَسَنٌ، وَيُتَعَقَّبُ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ تَمِيمٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّقْرِيرِ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ الْإِلْمَامِ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: إِذَا أَخْبَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ ﷺ دَلِيلًا عَلَى مُطَابَقَةِ مَا فِي الْوَاقِعِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ فِي حَلِفِهِ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؟ فَهَلْ يَدُلُّ عَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ كَمَا فَهِمَهُ جَابِرٌ، حَتَّى صَارَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَيَسْتَنِدُ إِلَى حَلِفِ عُمَرَ أَوْ لَا يَدُلُّ؟ فِيهِ نَظَرٌ.

قَالَ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدُلُّ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمَسْأَلَةِ وَمَنَاطَهَا هُوَ الْعِصْمَةُ مِنَ التَّقْرِيرِ عَلَى بَاطِلٍ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ، نَعَمْ التَّقْرِيرُ يُسَوِّغُ الْحَلِفَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمِ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَا يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مُسْتَوْفِي الطَّرَفَيْنِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْ قِسْمٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ كِبَرِهِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا وَجْهَهُ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، وَقِيلَ لَهُمُ: اشْهَدُوا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ مُشْكِلَةٌ، وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ.

وَكَانَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَقْطَعُ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ لِعُمَرَ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ الْحَدِيثَ، وَأَمَّا احْتِجَاجَاتُهُ هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ إِلَى سَائِرِ مَا ذَكَرَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ خُرُوجِهِ آخِرَ الزَّمَانِ، قَالَ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ يَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ، وَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَمَوْضِعَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ: وَأَمَّا إِسْلَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالشَّرِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ مَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ ابْنِ صَيَّادِ هُوَ الدَّجَّالُ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُبَيْلٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا آخِرُهُ لَامٌ، ابْنُ عَرْزَةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ ضَرْبَةَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ كَانَ بَيْنَ عَسْكَرِنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ فَرْسَخٌ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا فَنَمْتَارَ مِنْهَا، فَأَتَيْتُهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَسَأَلْتُ صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: مَلِكُنَا الَّذِي نَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ يَدْخُلُ، فَبِتُّ عِنْدَهُ عَلَى سَطْحٍ فَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا لِرَهْجٍ مِنْ قِبَلِ الْعَسْكَرِ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ

قُبَّةٌ مِنْ رَيْحَانٍ وَالْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى

السَّاعَةَ.

قُلْتُ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ مَا عَرَفْتُهُ وَالْبَاقُونَ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ. قُلْتُ: وَهَذَا يُضَعِّفُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ، وَلَا يَلْتَئِمُ خَبَرُ جَابِرٍ هَذَا مَعَ خَبَرِ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ أَصْبَهَانَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهَا، وَبَيْنَ قَتْلِ عُمَرَ وَوَقْعَةِ الْحَرَّةِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا شَاهَدَهَا وَالِدُ حَسَّانَ بَعْدَ فَتْحِ أَصْبَهَانَ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ، وَيَكُونُ جَوَابُ لَمَّا فِي قَوْلِهِ: لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: صِرْتُ أَتَعَاهَدُهَا وَأَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا فَجَرَتْ قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ، فَلَا يَتَّحِدُ زَمَانُ فَتْحِهَا وَزَمَانُ دُخُولِهَا ابْنِ صَيَّادٍ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَمِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: لَكِنَّ عِنْدَهُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ: كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ مِنْ جُمْلَةِ قُرَى أَصْبَهَانَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِسُكْنَى الْيَهُودِ، قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَصَّرَهَا أَيُّوبَ بْنَ زِيَادٍ أَمِيرِ مِصْرَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَقِيَتْ لِلْيَهُودِ مِنْهَا قِطْعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: يَتْبَعُ الدَّجَّالَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةَ أَصْبَهَانَ، يُرِيدُ الْبَلَدَ الْمَذْكُورَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَهْلِ أَصْبَهَانَ يَهُودَ، وَأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ وَخُرُوجِهِ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَظَمَتْ مِنْهَا لَهُ تَرْجَمَةٌ تَامَّةٌ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَشُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، قَالُوا جَمِيعًا: الدَّجَّالُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ مُوثَقٌ بِسَبْعِينَ حَلْقَةٍ فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْيَمَنِ، لَا يَعْلَمُ مَنْ أَوْثَقَهُ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِذَا آنَ ظُهُورُهُ فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ عَامٍ حَلْقَةً.

فَإِذَا بَرَزَ أَتَتْهُ أَتَانُ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَضَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْبَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَيَقْعُدُ عَلَيْهِ وَيَتْبَعُهُ قَبَائِلُ الْجِنِّ يُخْرِجُونَ لَهُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ كَوْنُ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالِ، وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَوْنِهِمْ ثِقَاتٍ تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الدَّجَّالَ تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوصٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، قَالَ: وَبَيْنَ مَوْلِدِهِ وَمَخْرَجِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، قَالَ: وَلَمْ يَنْزِلْ خَبَرُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، انْتَهَى. وَأَخْلِقْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنَا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ. وَكَوْنُهُ يُولَدُ قَبْلَ مَخْرَجِهِ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُخَالِفٌ لِكَوْنِهِ ابْنَ صَيَّادٍ، وَلِكَوْنِهِ مُوَثَّقًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ.

وَذَكَرَ ابْنُ وَصِيفٍ الْمُؤَرِّخُ أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْ وَلَدِ شَقِّ الْكَاهِنِ الْمَشْهُورِ، قَالَ: وَقَالَ: بَلْ هُوَ شَقَّ نَفْسَهُ أَنْظَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتْ أُمُّهُ جِنِّيَّةً عَشِقَتْ أَبَاهُ فَأَوْلَدَهَا، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَعْمَلُ لَهُ الْعَجَائِبَ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ فَحَبَسَهُ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي غَايَةِ الْوَهْيِ، وَأَقْرَبُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ مَا تَضَمَنَّهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ وَكَوْنِ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، أَنَّ الدَّجَّالَ بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي شَاهَدَهُ تَمِيمٌ مُوَثَّقًا، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ شَيْطَانٌ تَبَدَّى فِي صُورَةِ الدَّجَّالِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَاسْتَتَرَ مَعَ قَرِينِهِ إِلَى أَنْ تَجِيءَ الْمُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى خُرُوجَهُ فِيهَا، وَلِشِدَّةِ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ سَلَكَ الْبُخَارِيُّ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ، وَلَمْ يُخْرِجْ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَرُدَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ مَعَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُفعَل بحضرته أو يُقال ويطَّلع (١) عليه (حُجَّةً) لأنَّه لا يُقِرُّ أحدًا على باطلٍ، سواءٌ استبشر به مع ذلك أم لا، لكنَّ دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسَّك الشَّافعيُّ في القيافة واعتبارها في النَّسب بكِلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكارِ في قصَّة المدلجيِّ، وسواءٌ كان المسكوت عنه ممَّن يُغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً حكاه ابن السَّمعانيِّ عن المعتزلة، بناءً على أنَّه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنَّه يجب إنكاره عليه؛ ليزول توهُّم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قولُ إمام الحرمين، بناء على أنَّ الكافر غير مكلَّفٍ بالفروع، ولأنَّ المنافق كافرٌ في الباطن، والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه الماورديُّ، وهو أظهر؛ لأنَّه أهلٌ للانقياد في الجملة، وكما يدلُّ للجواز للفاعل، فكذا لغيره؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمُه على الجماعة، وذهب القاضي أبو بكر الباقلانيُّ إلى اختصاصه بمن قرَّر ولا يتعدَّى إلى غيره، فإنَّ التقرير لا صيغة له. نعم والصَّحيح أنَّه يعمُّ سائر المكلَّفين؛ لأنَّه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطابٌ للجميع (لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ) ﷺ لعدم عصمته، فسكوته لا يدلُّ على الجواز؛ لأنَّه قد لا يتبيَّن له حينئذٍ وجه الصَّواب، قال في «المصابيح»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه إذا أفتى واحدٌ في مسألةٍ تكليفيَّةٍ، وعرف به أهل الإجماع، وسكتوا عليه، ولم ينكره أحدٌ، ومضى (٢) قدر مهلة النَّظر في تلك الحادثة عادةً، وكان ذلك القول المسكوت عليه (٣) واقعًا في محلِّ الاجتهاد، فالصحيح أنَّه حجَّةٌ، وهل هو إجماعٌ أو لا؟ فيه خلافٌ، قالوا: والخلاف لفظيٌّ، وعلى الجملة قد تصوَّرنا في بعض الصُّور أنَّ ترك النَّكير من غير النَّبيِّ ﷺ حجَّةٌ.

٧٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالتَّصغير، قال في «الفتح»: هو خُراسانيٌّ فيما ذكره أبو عبد الله بن منده في «رجال البخاريِّ»، وقال محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن خلفون: حمَّاد بن

حُميد العسقلانيُّ روى عن عُبيد الله بن معاذٍ، روى عنه البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٥] وقال أبو أحمد بن عديٍّ: حمَّاد بن حُميدٍ لا يُعرف عن عُبيد الله بن معاذٍ، وقال ابن أبي حاتمٍ: حمَّاد بن حُميدٍ العسقلانيُّ روى عن ضَمْرة وبشر (١) بن بكر بن سويدٍ وروَّاد، سمع منه أَبِي (٢) ببيت المقدس في رحلته الثَّانية وروى عنه، وسُئل أبي عنه فقال: شيخٌ، قال محمَّد بن إسماعيل: روى عنه البخاريُّ في «الجامع» في «باب من رأى ترك النَّكير من النَّبيِّ ﷺ حُجَّةً» قال محمَّد بن إسماعيل: لم يَجْرِ لحمَّادٍ ذكرٌ في النُّسخة عن النَّسفيِّ، إنَّما عنده: «وقال عُبيد الله بن معاذٍ» وليس قبله حمَّاد بن حُميدٍ. انتهى. وقال الحافظ ابن حجرٍ: وقد زعم أبو الوليد الباجيُّ في «رجال البخاريِّ» أنَّه هو الذي روى عنه البخاريُّ هنا، وهو بعيدٌ، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُعَاذٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن حسَّان بن نصر بن حسَّان العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (يَحْلِفُ) أي: شاهدتُه حين حلف (٣) (بِاللهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ) بألفٍ بعد الصَّاد بوزن «الظَّالم» ولأبي ذرٍّ: «ابن الصيَّاد» واسمه صافٍ (الدَّجَّالُ) قال ابن المنكدر: (قُلْتُ) له: (تَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَالَ) جابرٌ: (إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (يَحْلِفُ) أي: بالله (عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ).

استُشكِل هذا مع ما سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٥٤] من أنَّ عمر ﵁ قال للنَّبيِّ ﷺ: دَعْني أضرب عنقه فقال: «إن يَكُنْ هو فلن تُسلَّط عليه» إذ هو صريحٌ في أنَّه تردَّد في أمره، وحينئذٍ فلا يدلُّ سكوته على إنكاره عند حلف عمر على أنَّه هو، وقد تقرَّر أنَّ شرط العمل بالتَّقرير ألَّا يعارضه التَّصريح بخلافه، فمن قال أو فعل بحضرته ﷺ شيئًا فأقره دلَّ ذلك على

الجواز، فلو (١) قال ﷺ أو فعل خلاف ذلك دلَّ على نسخ ذلك التقرير إلَّا إن ثبت دليلُ الخصوصيَّة، وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ قال: كان ابن عمر يقول: «والله ما أشكُّ أنَّ المسيح الدَّجَّال هو ابن صيَّاد» وأجاب ابن بطَّالٍ عن التردُّد: بأنَّه كان قبل أن يُعلِمه الله بأنَّه هو الدَّجَّال، فلمَّا أعلمه لم يُنكِر على (٢) عمر حلفه، وبأنَّ العرب قد تُخرِج الكلام مَخرَج الشَّكِّ وإن لم يكن في الخبر شكٌّ، فيكون ذلك من تلطُّفه ﷺ لعمر في صرفه عن قتله، وقال ابن دقيق العيد في أوائل «شرح الإلمام»: إذا أخبر شخصٌ بحضرة النَّبيِّ ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكمٌ شرعيٌ، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقة ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على أنَّ ابن صيَّادٍ هو الدَّجَّال فلم ينكر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكاره على أنَّ ابن صيَّاد هو الدجَّال كما فهمه جابرٌ حتَّى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلُّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذ المسألة ومناطَها هو العِصْمة من التَّقرير على باطلٍ، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقُّق الصّحَّة إلَّا أن يدَّعيَ مدَّعٍ أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصّحَّة، فيحتاج إلى دليلٍ وهو عاجزٌ عنه. نعم التقرير يسوِّغ الحلف على ذلك على غلبة الظن؛ لعدم توقُّف ذلك على العلم. انتهى. قال في «الفتح»: ولا يلزم من عدم تحقُّق البطلان أن يكون السُّكوت مستويَ الطَّرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأَولى، وقال في «المصابيح»: وقد يقال: هذا محمولٌ على أنَّه لم ينكره إنكارَ من نفى كونه الدجَّال؛ بدليل أنَّه أيضًا لم يسكت على ذلك، بل أشار إلى أنَّه متردِّدٌ، ففي «الصَّحيحين»: أنَّه قال لعمر: «إن يكن هو فلن تُسلَّط عليه» [خ¦١٣٥٤] فتردَّد في أمره، فلمَّا حلف عمر على ذلك صار حالفًا على غَلَبَة ظنِّه، والبيان قد تقدَّم من النَّبيِّ ﷺ، ثم هذا سكوتٌ عن حلفٍ على أمرٍ غيبٍ لا على حكمٍ شرعيٍّ، ولعلَّ مسألة السَّكوت والتقرير مختصَّةٌ بالأحكام الشرعيَّة، لا الأمور الغيبيَّة. انتهى. وقال البيهقيُّ: ليس في حديث جابرٍ أكثر من سكوت النّبيِّ ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النَّبيُّ ﷺ

كان متوقِّفًا في أمره، ثم جاءه التثبُّت من الله أنَّه (١) غيره على ما تقتضيه قصَّة تميمٍ الدَّاريِّ، وبه تمسَّك من جزم (٢) بأنَّ الدجَّال غير ابن صيادٍ (٣)، وتكون الصِّفة التي في ابن صيَّاد وافقت ما في الدجَّال، والحاصل أنَّه إن وقع الشَّكُّ في أنَّه الدّجَّال الذي يقتله عيسى ابن مريم ﵉ فلم يقع الشَّكُّ في أنَّه أحد الدّجَّالين الكذَّابين الذين أنذر بهم النَّبيُّ ﷺ في قوله: «إنَّ بين يدي السَّاعة دجَّالين كذَّابين» وقصَّة تميمٍ الدَّاريِّ أخرجها مسلمٌ من حديث فاطمة بنت قيسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب فذكر أنَّ تميمًا الداريَّ ركب في سفينةٍ مع ثلاثين رجلًا من قومه، فلعب بهم الموج شهرًا، ثمَّ نزلوا في جزيرةٍ، فلقيتهم دابَّةٌ كثيرة الشَّعر، فقالت لهم: أنا الجسَّاسة، ودلَّتهم على رجلٍ في الدَّير، قال: فانطلقنا سِراعًا، فدخلنا الدَّير فإذا فيه أعظم إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلْقًا وأشدُّه (٤) وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه بالحديد، فقلنا: ويلك! ما (٥) أنت؟ … » فذكر الحديث، وفيه: أنَّه سألهم عن نبيِّ الأمِّيين هل بُعِث؟ وأنَّه قال: إن يُطيعوه؛ فهو خيرٌ لهم، وأنَّه سألهم عن بُحيرة طبريَّة، وأنَّه قال لهم: إنِّي مُخبِركم عنِّي، أنا المسيح، وإنِّي أوشكُ أن يؤذَن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريةً إلَّا هبطتها في أربعين ليلةً غير مكَّة وطَيبة، ففيه -كما قال البيهقيُّ-: أنَّ الدّجَّال الأكبر الذي يخرج في آخر الزَّمان غير ابن صيَّادٍ، وعند (٦) مسلمٍ من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة (٧) عن أبي سعيدٍ قال: صحبني ابن صيَّادٍ إلى مكَّة، فقال لي: ما قد لقيت من النَّاس؟ يزعمون أنِّي الدّجَّال! ألستَ سمعتَ (٨) رسول الله ﷺ يقول: «إنَّه لا يولَد له»؟! قلت: بلى، قال: فإنَّه قد وُلِد لي، قال: أوَلستَ سمعتَه يقول: «لا يدخل المدينة ولا مكَّة»؟! قلت: بلى، قال: قد وُلِدت بالمدينة،

وها أنا أريد مكَّة. وقال الخطَّابيُّ اختلف السَّلف في أمر ابن صيَّادٍ بعد كِبَره، فروي عنه: أنَّه تاب عن ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا عن (١) وجهه حتَّى يراه (٢) النَّاس، وقيل لهم: اشهدوا، لكن يُعكِّر على هذا ما عند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن جابرٍ قال: «فقدنا ابن صيَّادٍ يوم الحرَّة … »، وبسندٍ حسنٍ قيل: إنَّه مات.

وفي الحديث: جواز الحلف بما يغلب (٣) على الظَّنِّ، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن» وأبو داود في «الملاحم».

(٢٤) (بابُ) بيان (الأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالدَّليل» بالإفراد، والدَّليل ما يرشد إلى المطلوب، ويلزم من العلم به العلمُ بوجود المدلول، والمراد بالأدلَّة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال، وقال إمام الحرمين والغزاليُّ: ثلاثةً فقط، فأسقطا القياس والاستدلال، فالإمام بناه على أنَّ الأدلَّة لا تتناول إلَّا القطعيَّ، والغزاليُّ خصَّ الأدلَّة بالثَّمرة للأحكام؛ فلهذا كانت ثلاثةً، وجعل القياس من طرق (٤) الاستثمار، فإنَّه دلالةٌ من حيث معقول اللَّفظ؛ كما أنَّ العموم والخصوص دلالةٌ من حيث صيغُته (٥) (وَكَيْفَ مَعْنَى الدَُِّلَالَةِ) بتثليث الدَّال، وهي في عُرْف الشَّرع الإرشاد إلى أنَّ حكم الشَّيء الخاصِّ الذي لم يَرِدْ فيه نصٌّ داخلٌ تحت حكم دليلٍ آخر بطريق العموم (وَتَفْسِيرِهَا؟) أي: تبيينها وهو تعليم المأمور كيفيَّة ما أُمر به، كتعليم عائشة ﵂ للمرأة السَّائلة التوضُّؤ بالفَُِرْصَة (وَقَدْ أَخْبَرَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْموعد جملَة مُعْتَرضَة، وَمرَاده من هَذَا يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي: يظْهر أَنكُمْ على الْحق فِي الْإِنْكَار أَو إِنِّي عَلَيْهِ فِي الْإِكْثَار. قَوْله: على ملْء بَطْني بِكَسْر الْمِيم والهمزة فِي آخِره، أَرَادَ بِهِ سد جوعته. قَوْله: على أَمْوَالهم أَي: على مَزَارِعهمْ وَالْمَال وَإِن كَانَ عَاما لكنه قد يخص بِنَوْع مِنْهُ وَلم يكن للْأَنْصَار إِلَّا الْمزَارِع. قَوْله: ثمَّ يقبضهُ بِالرَّفْع. قَوْله: فَلَنْ ينسى هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَنقل ابْن التِّين أَنه وَقع فِي الرِّوَايَة: فَلَنْ ينس، بالنُّون والجزم وروى عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: الْجَزْم بلن لُغَة لبَعض الْعَرَب، ويروى: فَلم ينس. قَوْله: سَمعه مني ويروى: يسمعهُ، بِصُورَة الْمُضَارع.

٢٣ - (بَاب مَنْ رَأى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى ترك النكير أَي الْإِنْكَار وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَكسر الْكَاف مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار غَرَضه أَن تَقْرِير الرَّسُول، حجَّة إِذْ هُوَ نوع من فعله وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا للزمه التَّغْيِير وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ، لَا يجوز لَهُ أَن يرى أحدا من أمته يَقُول قولا أَو يفعل فعلا مَحْظُورًا فيقرره عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِ النَّهْي عَن الْمُنكر. قَوْله: لَا من غير الرَّسُول، يَعْنِي: لَيْسَ بِحجَّة ترك الْإِنْكَار من غير الرَّسُول لجَوَاز أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ حينئذٍ وَجه الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بِالْإِجْمَاع السكوتي وَأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، وَقد علم ذَلِك فِي مَوْضِعه.

٧٣٥٥ - حدّثنا حَمَّادُ بنُ حُمَيْدٍ، حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ، حدّثنا أبي، حَدثنَا شعبْةُ، عنْ سَعْدِ ابنِ إبْراهِيمَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: رَأيْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَحْلِفُ بِالله أنَّ ابنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِالله؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذالِكَ عِنْدَ النبيِّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النبيُّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد بن حميد بِالضَّمِّ الْخُرَاسَانِي وَذكر الْحَافِظ الْمزي فِي التَّهْذِيب أَن فِي بعض النّسخ الْقَدِيمَة من البُخَارِيّ: حَدثنَا حَمَّاد بن حميد صَاحب لنا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث. وَعبيد الله بن معَاذ فِي الْإِحْيَاء.

وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن معَاذ بِلَا وَاسِطَة، قيل: هُوَ أحد الْأَحَادِيث الَّتِي نزل فِيهَا البُخَارِيّ عَن مُسلم، أخرجهَا مُسلم عَن شيخ وأخرجها البُخَارِيّ بِوَاسِطَة بَينه وَبَين ذَلِك الشَّيْخ. قلت: عبيد الله بن معَاذ من مَشَايِخ مُسلم روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن النَّضر وَحَمَّاد بن حميد وَأحمد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي ثَلَاث مَوَاضِع فِي كِتَابه: فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال فِي موضِعين، وَفِي آخر الِاعْتِصَام، وروى البُخَارِيّ هُنَا عَن حَمَّاد عَن عبيد الله عَن أَبِيه معَاذ بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن معَاذ، فَمُسلم أخرجه فِي الْفِتَن، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم.

قَوْله: إِن ابْن الصياد كَذَا لأبي ذَر بِصِيغَة الْمُبَالغَة، وَوَقع عِنْد ابْن بطال مثله لَكِن بِغَيْر الْألف وَاللَّام، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ابْن الصَّائِد، بِوَزْن الظَّالِم واسْمه صَاف، وَإِنَّمَا حلف عمر بِالظَّنِّ وَلَعَلَّه سَمعه من النَّبِي، أَو فهمه بالعلامات والقرائن. فَإِن قلت: جَاءَ فِي خَبره أَن عمر قَالَ لرَسُول الله، دَعْنِي أضْرب عُنُقه، فَقَالَ: إِن يكن هُوَ فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن فَلَا خير لَك فِي قَتله، فَهَذَا يدل على شكه فِيهِ، وَترك الْقطع عَلَيْهِ أَنه الدَّجَّال. قلت: يُمكن أَن يكون هَذَا الشَّك مِنْهُ كَانَ مُتَقَدما على يَمِين عمر بِأَنَّهُ الدَّجَّال، ثمَّ أعلمهُ الله أَنه الدَّجَّال، وَجَوَاب آخر أَن الْكَلَام، وَإِن خرج مخرج الشَّك، فقد يجوز، أَن يُرَاد بِهِ الْيَقِين وَالْقطع. كَقَوْلِه: لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك وَقد علم تَعَالَى أَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ فَإِنَّمَا خرج هَذَا مِنْهُ على الْمُتَعَارف عِنْد الْعَرَب فِي مخاطبتها قَالَ الشَّاعِر:

(أيا ظَبْيَة الوعساء بَين جلاجل ... وَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم؟)

فَأخْرج كَلَامه مخرج الشَّك مَعَ كَونه غير شَاك فِي أَنَّهَا لَيست بِأم سَالم، وَكَذَلِكَ كَلَامه خرج مخرج الشَّك لطفاً مِنْهُ بعمر فِي صرفه عَن عزمه على قَتله.

٢٤ - (بابُ الأحْكامِ الَّتي تُعْرَفُ بِالدّلائِلِ، وكَيْفَ مَعْنَى الدِّلالَةِ وتَفْسِيرُها)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل أَي بالملازمات الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب وَغَيره: الْمُتَّفق عَلَيْهَا خَمْسَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالِاسْتِدْلَال، وَذَلِكَ كلما علم ثُبُوت الْمَلْزُوم شرعا أَو عقلا علم ثُبُوت لَازمه عقلا أَو شرعا، قَوْله: بالدلائل، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالدَّلِيلِ، بِالْإِفْرَادِ وَالدَّلِيل مَا يرشد إِلَى الْمَطْلُوب وَيلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِوُجُود الْمَدْلُول. قَوْله: وَكَيف، معنى الدّلَالَة، بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَحكي ضمهَا أَيْضا وَالْفَتْح أَعلَى، وَمعنى الدّلَالَة هُوَ كإرشاد النَّبِي أَن الْخَاص وَهُوَ الْحمر حكمه دَاخل تَحت حكم الْعَام. وَهُوَ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} فَإِن من ربطها فِي سَبِيل الله فَهُوَ عَامل للخير يرى جزاءه خيرا، وَمن ربطها فخراً ورياء فَهُوَ عَامل للشر يرى جزاءه شرا. قَوْله: وتفسيرها يجوز بِالرَّفْع والجر، وتفسيرها يَعْنِي: تبيينها كتعليم عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، للْمَرْأَة السائلة التَّوَضُّؤ بالفرصة.

وقَدْ أخْبَرَ النبيُّ أمْرَ الخَيْلِ وغَيْرِها ثُمَّ سُئِلَ عنِ الحُمُرِ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}

قد بَينا مَعْنَاهُ الْآن.

وسُئِلَ النبيُّ عنِ الضَّبِّ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وأُكِلَ عَلى مائِدَةِ النبيِّ الضَّبُّ فاسْتَدَلَّ ابنُ عَبَّاسٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ

فِيهِ أَيْضا بَيَان تَقْرِيره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنه يُفِيد الْجَوَاز إِلَى أَن يُوجد مِنْهُ قرينَة تصرفه إِلَى غير ذَلِك. قَوْله: فاستدل ابْن عَبَّاس بِأَنَّهُ أَي: بِأَن أكل الضَّب لَيْسَ بِحرَام، وَذَلِكَ لما رأى أَنه يُؤْكَل على مائدته بِحَضْرَتِهِ وَلم يُنكره وَلَا منع مِنْهُ، وَلقَائِل أَن يَقُول: لَا آكله، قرينَة على عدم جَوَاز أكله مَعَ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالَاْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وَلَا شكّ أَن الضَّب من الْخَبَائِث لِأَن النَّفس الزكية لَا تقبله، أَلا ترى كَيفَ قَالَ إِنِّي أعافه؟ وَأما قَوْله: وَلَا أحرمهُ فَيحْتَمل أَنه يكون قبل نزُول الْآيَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ الَّذين أكلوه فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مجاعَة وَكَانَ الْوَقْت فِي ضيق شَدِيد من عدم مَا يُؤْكَل من الْحَيَوَان.

٧٣٥٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثني مالِكٌ، عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله قَالَ: الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فأمَّا الذِي لهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها فِي سَبِيلِ الله، فأطالَ فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصابَتْ فِي طِيَلِها ذالِكَ المَرْجِ أوْ الرَّوْضَةِ كانَ لهُ حَسَناتٍ، ولَوْ أنْها قَطَعَتْ طَيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَو شَرَفَيْنِ كانَت آثارُها وأرْواثُها حَسَناتٍ لهُ، ولوْ أنّها مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقِيَ بِهِ كانَ ذالِكَ حَسَناتٍ لَهُ، وهِيَ لِذالِكَ الرَّجُلِ أجْرٌ. ورَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّياً وَتَعَفُّفاً ولَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقابِها وَلَا ظُهُورِها فَهْيَ لَهُ سِتْرٌ، ورَجُلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِياءً فَهْيَ عَلَى ذالِكَ وِزْرٌ وسُئِلَ رسولُ الله عنِ الحُمُرِ قَالَ: مَا أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيها إلاّ هاذِهِ الآيَةَ الفَّاذَّةَ الجامِعَةَ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي لما بَين أُمُور الْخَيْر وَسُئِلَ عَن الْحمر عرف حكم الْحمر بِالدَّلِيلِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ٠ الزلزلة: ٧ ف الْآيَة، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْجِهَاد وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن القعْنبِي وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل وَعَن يحيى بن سُلَيْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: وزر هُوَ الِاسْم. قَوْله: فَأطَال مَفْعُوله مَحْذُوف. أَي: أَطَالَ لَهَا الَّذِي يشد بِهِ. قَوْله: فِي مرج هُوَ الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ. قَوْله: أَو رَوْضَة شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فِي طيلها بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ الْحَبل الطَّوِيل الَّذِي تشد بِهِ الدَّابَّة عِنْد الرَّعْي. قَوْله: فاستنت من الاستنان وَهُوَ الْعَدو. قَوْله: شرفاً بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الشوط، قَوْله: يسْقِي بِهِ أَي: يسْقِيه، وَالْيَاء زَائِدَة ويروى: تسقى، بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: تغَنِّيا قَالَ ابْن نَافِع: أَي يَسْتَغْنِي بهَا عَمَّا فِي أَيدي النَّاس، وانتصابها على التَّعْلِيل. قَوْله: وَتَعَفُّفًا أَي: يتعفف بهَا عَن الافتقار إِلَيْهِم بِمَا يعْمل عَلَيْهَا ويكسبه على ظهرهَا. قَوْله: فِي رقابها فِيهِ دَلِيل على أَن فِيهَا الزَّكَاة، وَاعْتمد عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي الْخَيل والخصم فسره بقوله: لَا ينسى التَّصَدُّق بِبَعْض كَسبه عَلَيْهَا الله تَعَالَى. قَوْله: وَسُئِلَ رَسُول الله قيل: يُمكن أَن يكون السَّائِل هُوَ صعصعة بن مُعَاوِيَة عَم الْأَحْنَف التَّمِيمِي لِأَن لَهُ حَدِيثا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَصَححهُ الْحَاكِم وَلَفظه: قدمت على النَّبِي فَسَمعته يَقُول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} إِلَى آخر السُّورَة، قَالَ: مَا أُبَالِي أَن لَا أسمع غَيرهَا، حسبي حسبي. قَوْله: الفاذة بتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة: المفردة فِي مَعْنَاهَا، وَمعنى الجامعة الَّتِي تجمع أَعمالهَا الْبر كلهَا دقيقها وجليلها، وَكَذَلِكَ أَعمال الْمعاصِي.

٧٣٥٧ - حدّثنا يَحَياى، حدَّثنا ابْن عُيَيْنَةَ، عنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ، عنْ أُمِّهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النبيَّ.

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: أخرجه مُخْتَصرا عَن يحيى، قَالَ الكلاباذي: هُوَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي، وَقَالَ بَعضهم: صَنِيع ابْن السكن، يَقْتَضِي أَنه يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي. قلت: تبع الكلاباذي فِي هَذَا جمَاعَة مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَمَنْصُور بن عبد الرحمان بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن أبي طَلْحَة بن عبد الدَّار الْعَبدَرِي الحَجبي يروي عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة، ولصفية ولأبيها صُحْبَة.

وَالطَّرِيق الثَّانِي: هُوَ قَوْله:

حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ عُقْبَةَ، حدّثنا الفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمانَ النُّمَيْرِيُّ البَصْرِيُّ، حدّثنا مَنْصُورُ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ بنُ شَيْبَةَ، حدَّثْتَنِي أُمِّي عنْ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النبيَّ عنِ الحَيْضِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ قَالَ: تأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِينَ بِها قالَتْ كَيْفَ أتَوَضَّأُ بِها يَا رسولَ الله؟ قَالَ النبيُّ تَوَضَّئِي قالَتْ كَيْفَ أتَوَضَّأ بِها يَا رسولَ الله؟ قَالَ النبيُّ تَوَضَّئينَ بِها قالَتْ عائِشَةُ فَعَرَفْتُ الّذِي يُرِيدُ رسولُ الله فَجَذبْتُها إلَيَّ فَعَلَّمْتُها.

انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما سَأَلته الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة عَن كَيْفيَّة الِاغْتِسَال علمهَا بِالدَّلِيلِ.

وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عقبَة الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمشهور، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ روى عَنهُ مَعَ البُخَارِيّ يَعْقُوب بن سُفْيَان، وَأَبُو كريب وَآخَرُونَ، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن عدي، وَقَالَ الكلاباذي: هُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ وَمَا لَهُ عِنْده سوى هَذَا الْموضع، ورد عَلَيْهِ بِأَن لَهُ موضعا آخر مضى فِي الْجُمُعَة وَآخر فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع وَله فِي الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة عِنْده متابع، فَمَا أخرج لَهُ شَيْئا اسْتِقْلَالا وَلكنه سَاقه الْمَتْن هُنَا بِلَفْظِهِ. وَأما لفظ ابْن عُيَيْنَة فقد مضى فِي الطَّهَارَة قَالَه بَعضهم، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ فِي كتاب

الْحيض فِي: بَاب دلك الْمَرْأَة نَفسهَا إِذا طهرت من الْحيض، أخرجه عَن يحيى الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الأول عَن ابْن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: إِن امْرَأَة هِيَ: أَسمَاء بنت شكل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف وَاللَّام. قَوْله: كَيفَ تَغْتَسِل مِنْهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: تأخذين ويروى: تأخذي، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: فرْصَة بِتَثْلِيث الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة وَهِي الْقطعَة من الْقطن أَو الخروق تتمسح بهَا الْمَرْأَة من الْحيض. قَوْله: ممسكة أَي: مطيبة بالمسك. وَقَالَ الْخطابِيّ: قد تَأَول الممسكة على معنى الْإِمْسَاك دون الطّيب، يُرِيد أَنَّهَا تمسكها بِيَدِهَا فتستعملها. قَوْله: فتوضئين بهَا أَي: تتنظفين وتتطهرين أَي: أَرَادَ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ. قَوْله: فجذبتها إِلَيّ بتَشْديد الْيَاء.

٧٣٥٨ - حدّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، عنْ أبي بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الحارثِ بنِ حَزْنٍ أهْدَتْ إِلَى النبيِّ سَمْناً وأقِطاً وأضُباً فَدَعا بِهِنَّ النبيُّ فأُكِلْنَ عَلى مائِدَتِهِ، فَتَرَكَهُنَّ النبيُّ كالمُتَقَذِّرِ لَهنَّ ولوْ كُنَّ حَراماً مَا أُكِلْنَ عَلى مائِدَتِهِ وَلَا أمَرَ بِأكْلِهِنَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما تركهن كالمتقذر لَهُنَّ رُبمَا امْتَنعُوا عَن أكلهَا ثمَّ إِنَّه لما دَعَا بِهن وأكلن على مائدته صَار ذَلِك دَلِيلا على إباحتهن.

وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية.

والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الأقط عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم.

قَوْله: أَن أم حفيد بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة وَاسْمهَا هزيلة مصغر هزلة بالزاي بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، وَهِي خَالَة ابْن عَبَّاس وَخَالَة خَالِد بن الْوَلِيد، وَاسم أم كل مِنْهُمَا لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى. قَوْله: وأضباً بِفَتْح الْهمزَة وَضم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع ضَب وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وضباً، بِالْإِفْرَادِ. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح أصل أضباً أضبباً على وزن أفلس اجْتمع مثلان متحركان وأسكن الأول ونقلت حركته إِلَى السَّاكِن الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ اسْتغْرب هَذَا وَطول الْكَلَام فِيهِ، وَمن قَرَأَ مُخْتَصرا فِي علم التصريف يعلم هَذَا، وَمَعَ هَذَا لم يكمل مَا قَالَه فِيهِ وتتمته أَنه لما اجْتمع فِيهِ حرفان مثلان نقلت حَرَكَة الأول إِلَى الضَّاد وأدغم فِي الثَّانِي. قَوْله: كالمتقذر بِالْقَافِ والذال الْمُعْجَمَة. قَوْله: لَهُنَّ أَي: لهَذِهِ الْمَذْكُورَات الثَّلَاث، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَهُ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْأَوْجه لِأَنَّهُ لم يكن يتقذر السّمن والأقط، وَكَذَا الْكَلَام فِي دَعَا بِهن وَفِي الْبَاقِي وَذكرنَا الْخلاف فِي الضَّب فِيمَا مضى.

٧٣٥٩ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ، حدّثنا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ أَخْبرنِي عَطاءُ بنُ أبي رِباحٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ مَنْ أكَلَ ثُوماً أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنا أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنا ولْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ وإنّهُ أُتِيَ بِبَدْرٍ قَالَ ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِي: طَبَقاً فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً، فَسألَ عَنْها، فأُخْبِرَ بِما فِيها مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوها فَقَرَّبُوها إِلَى بَعْضِ أصْحابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كرِهَ أكْلَهَا قَالَ: فإنِّي أُناجِي مِنْ لَا تُناجِي

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي، لما امْتنع من الخضرات الْمَذْكُورَة لأجل رِيحهَا امْتنع الرجل الَّذِي كَانَ مَعَه، فَلَمَّا رَآهُ قد امْتنع قَالَ لَهُ كل وَفسّر كَلَامه بقوله: فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي.

وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.

والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن سعيد بن عفير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: وليقعد فِي بَيته وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو ليقعد، بِزِيَادَة الْألف فِي أَوله. قَوْله: ببدر بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الطَّبَق على مَا يَأْتِي، سمي

بَدْرًا لاستدارته تَشْبِيها بالقمر، قَوْله: قَالَ ابْن وهب مَوْصُول بِسَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: فِيهِ خضرات بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه، وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الرِّوَايَات بِفَتْح الضَّاد وَضم الْخَاء. قَوْله: قربوها بِكَسْر الرَّاء أَمر للْجَمَاعَة. وَقَوله: فقربوها بِصِيغَة الْجمع للماضي. قَوْله: إِلَى بعض أَصْحَابه مَنْقُول بِالْمَعْنَى لِأَن لَفظه قربوها لأبي أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَأَن الرَّاوِي لم يحفظه، فكنى عَنهُ بذلك، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون عينه فَفِيهِ الْتِفَات، لِأَن نسق الْعبارَة أَن يَقُول: إِلَى بعض أَصْحَابِي قَوْله: كَانَ مَعَه من كَلَام الرَّاوِي، أَي: مَعَ النَّبِي قَوْله: فَلَمَّا رَآهُ كره أكلهَا فَاعل: كره، بِمُقْتَضى ظَاهر الْكَلَام هُوَ بعض أَصْحَابه وَلكنه فِي الْحَقِيقَة هُوَ أَبُو أَيُّوب. وَفِيه حذف تَقْدِيره: فَلَمَّا رَآهُ امْتنع من أكلهَا وَأمر بتقريبها إِلَيْهِ كره أكلهَا، وَيحْتَمل أَن يكون التَّقْدِير: فَلَمَّا رَآهُ لم يَأْكُل مِنْهَا كره أكلهَا. قَالَ ابْن بطال: قَوْله: قربوها نَص على جَوَاز الْأكل، وَكَذَا قَوْله: أُنَاجِي إِلَى آخِره وَقَالُوا: يدْخل فِي حكم الثوم والبصل الكراث والفجل، وَقد ورد فِي الفجل حَدِيث، وَعلل ذَلِك بِأَن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى بِهِ بَنو آدم، قيل: يُرِيد غير الحافظين.

وَقَالَ ابنُ عُفَيْرٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ: بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِراتٌ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وأبُو صَفْوانَ عنْ يُونُسَ قِصَّةَ القِدْرِ، فَلَا أدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أوْ فِي الحَدِيثِ؟ .

أَي: قَالَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء نسب لجده عَن عبد الله بن وهب: بِقدر، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال. قَوْله: وَلم يذكر اللَّيْث، أَي: ابْن سعد، وَأَبُو صَفْوَان عبد الله بن سعيد الْأمَوِي قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن لفظ: وَلم يذكر، وَكَذَا لفظ؛ فَلَا أَدْرِي، لِأَحْمَد ابْن صَالح، وَيحْتَمل أَن يكون لعبد الله بن وهب أَو لِابْنِ عفير، وللبخاري تَعْلِيقا. قَوْله: فَلَا أَدْرِي هُوَ من قَول الزُّهْرِيّ أَو فِي الحَدِيث مَعْنَاهُ أَن الزُّهْرِيّ نَقله مُرْسلا عَن رَسُول الله، وَلِهَذَا لم يروه يُونُس، وَاللَّيْث وَأَبُو صَفْوَان، أَو مُسْندًا كَمَا فِي الحَدِيث، وَلِهَذَا نَقله يُونُس لِابْنِ وهب، وَمضى الحَدِيث فِي آخر كتاب الْجَمَاعَة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الثوم.

٧٣٦٠ - حدّثني عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إبْراهِيمَ، حدّثنا أبي وَعَمِّي قَالَا: حدّثنا أبي عنْ أبِيهِ أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّ أباهُ جُبَيْرَ بنَ مُطْعِمٍ أخبرَهُ أنَّ امْرأةً مِنَ الأنْصارِ أتَتْ رسولَ الله فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيءٍ، فأمَرَها بِأمْرٍ فقالَتْ: أرَأيْتَ يَا رسولَ الله إنْ لمْ أجِدْكَ؟ قَالَ: إنْ لَمْ تَجِدِينِي فأْتِي أَبَا بَكْرٍ

انْظُر الحَدِيث ٣٦٥٩ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، قَالَ للْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِيهِ: إِنَّهَا إِن لم تَجدهُ تَأتي أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه مُنَاسبَة هذَيْن الْحَدِيثين بالترجمة؟ . قلت: أما الأول: فيستدل مِنْهُ أَن الْملك يتَأَذَّى بالرائحة الكريهة. وَأما الثَّانِي: فيستدل بِهِ على خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل لَيْسَ بَينهَا وَبَين الْحَدِيثين مُطَابقَة بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكره من استنباط الحكم من الْحَدِيثين، وَإِنَّمَا وَجه الْمُطَابقَة مَا ذكرته من الْفَيْض الرحماني.

وَشَيْخه عبيد الله بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَأَبوهُ سعد وَعَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقَالَ الدمياطي: مَاتَ يَعْقُوب سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَصْغَر من أَخِيه سعد، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ واتفقا على أَخِيه، وَجبير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مطعم اسْم فَاعل من الْإِطْعَام ابْن عدي بن نَوْفَل الْقرشِي النَّوْفَلِي.

والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْحميدِي وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: إِن امْرَأَة لم يدر اسْمهَا. قَوْله: فِي شَيْء يَعْنِي: سَأَلته فِي شَيْء يَخُصهَا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ زَادَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَزَادَ: سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ نَحْوُ هَذَا وَنَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رَجُلًا.

قَوْلُهُ: (أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَخْدُمُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِهَمْزَةٍ آخِرَهُ، أَيْ بِسَبَبِ شِبَعِي، أَيْ: إِنَّ السَّبَبَ الْأَصْلِيَّ الَّذِي اقْتَضَى لَهُ كَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُلَازَمَتُهُ لَهُ لِيَجِدَ مَا يَأْكُلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَلَا أَرْضٌ يَزْرَعُهَا وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا، فَكَانَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفُوتَهُ الْقُوتُ، فَيَحْصُلُ فِي هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ مِنْ سَمَاعِ الْأَقْوَالِ وَرِوَايَةِ الْأَفْعَالِ مَا لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُلَازِمُهُ مُلَازَمَتَهُ، وَأَعَانَهُ عَلَى اسْتِمْرَارِ حِفْظِهِ لِذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ لَهُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ) فِي رواية يُونُسَ: وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرْضِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَيَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَيَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حَيْثُ يَنْسَوْنَ.

قَوْلُهُ: (فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَبْسُطُ رِدَاءَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَنْ بَسَطَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَنْسَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَنْ يَنْسَى، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَنْ يَنْسَ بِالنُّونِ وَبِالْجَزْمِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْقَزَّازَ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْزِمُ بِلَنْ قَالَ: وَمَا وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا، وَأَقَرَّهُ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ لِذَلِكَ شَاهِدًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَنْ يَخِبِ الْيَوْمَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ … حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَةَ

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ لَمْ الْجَازِمَةُ فَتَغَيَّرَتْ بِلَنْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ الشَّاعِرُ قَصَدَ لَنْ لِكَوْنِهَا أَبْلَغُ هُنَا فِي الْمَدْحِ مِنْ لَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَمْنِ مِنْ كِتَابِ التَّعْبِيرِ تَوْجِيهُ ابْنِ مَالِكٍ لِنَظِيرِ هَذَا فِي قَوْلِ: لَنْ تُرَعَ وَحِكَايَتُهُ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّ الْجَزْمَ بِلَنْ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ نَمِرَةً، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ فِي الْعِلْمِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.

٢٣ - بَاب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً، لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ

٧٣٥٥ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصياد الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً) النَّكِيرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَزْنُ عَظِيمُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْكَارِ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَارٍ دَالٍّ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ

تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ: لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ؛ فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ: لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ لِأَمْرٍ يَحْضُرُهُ الرَّسُولُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ التِّينِ إِلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، وَأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ قَالَ الْمُجْتَهِدُ قَوْلًا وَانْتَشَرَ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يَتَعَدَّدَ الْقِيلُ بِهِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ذَلِكَ الْقَوْلُ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً، فَإِنْ خَالَفَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ ضَعِيفًا، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْكُتُ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَازِ؛ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ، فَسَكَتَ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ صَوَابًا

وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) هُوَ خُرَاسَانِيٌّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ رَشِيدٍ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ، وَالْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ صَاحِبٌ لَنَا حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ فِي الْأَحْيَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ نَزِيلُ عَسْقَلَانَ رَوَى عَنْ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَبِي ضَمْرَةَ وَغَيْرِهِمَا وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ: شَيْخِي فَزَعَمَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ شَيْخٍ وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهَا بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ مِمَّا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْرَدْتُهَا فِي جُزْءٍ جَمَعْتُ مَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ بَاقٍ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ مِنْ شُيُوخِهِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا عَنْ طَبَقَتِهِ الْعَالِيَةِ بِدَرَجَتَيْنِ، مِثَالُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا رَوَى حَدِيثَ شُعْبَةَ عَالِيًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ

أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ فِيهِ ثَلَاثَةً، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَا يَرْوِي حَدِيثَ شُعْبَةَ بِأَقَلَّ مِنْ وَاسِطَتَيْنِ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي مِنَ الْأَرْبَعَةِ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّيْنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ.

وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَخْرَجَهُ فِي آخِرَ الْمَغَازِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِلَا وَاسِطَةٍ. وَالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَقَعَ فِي كِتَابِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ الْعِتْقِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ نَفْسِهِ وَهَذَا مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ طَبَقَتِهِ دَرَجَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَرْوِي حَدِيثَ ابْنِ غَسَّانَ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَهُنَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ وَسَائِطَ، وَقَدْ أَشَرْتُ لِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَمَعْتُهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَيِ ابْنُ مُعَاذِ بْنُ نَصْرِ بْنِ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنَ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُ

مِنْ طَبَقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ) أَيْ: شَاهَدْتُهُ حِينَ حَلَفَ. قَوْلُهُ (أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَلِلْبَاقِينَ: ابْنُ الصَّائِدِ بِوَزْنِ الظَّالِمِ.

(تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ؟ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ، إِلَخْ) كَأَنَّ جَابِرًا لَمَّا سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَهِمَ مِنْهُ الْمُطَابَقَةَ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالتَّقْرِيرِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَمَنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا فَأَقَرَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ افْعَلْ خِلَافَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، إِلَّا إِنْ ثَبَتَ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ دَلِيلَ جَابِرٍ: فَإِنْ قِيلَ: تَقَدَّمَ يَعْنِي كَمَا فِي الْجَنَائِزِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ ابْنِ الصَّيَّادِ: دَعْنِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطْ عَلَيْهِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي أَمْرِهِ، يَعْنِي فَلَا يَدُلُّ سُكُوتُهُ عَنْ إِنْكَارِهِ عِنْدَ حَلِفِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ، قَالَ: وَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْدِيدَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى عُمَرَ حَلِفَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّكِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ شَكٌّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَلَطُّفِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُمَرَ فِي صَرْفِهِ عَنْ قَتْلِهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا وَرَدَ عَنْ غَيْرِ جَابِرٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيتُ ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِذَا عَيْنُهُ قَدْ طَفِئَتْ وَهِيَ خَارِجَةٌ مِثْلَ عَيْنِ الْجَمَلِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا قُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ صَيَّادٍ مَتَى طَفِئَتْ عَيْنَكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَالرَّحْمَنِ. قُلْتُ: كَذَبْتَ لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكِ؟ قَالَ: فَمَسَحَهَا وَنَخَرَ ثَلَاثًا، فَزَعَمَ الْيَهُودِيُّ أَنِّي ضَرَبْتُ بِيَدَيَّ صَدْرَهُ، وَقُلْتُ لَهُ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُو قَدَرَكَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: اجْتَنِبْ هَذَا الرَّجُلَ؛ فَإِنَّمَا يُتَحَدَّثُ أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ عِنْدَ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ، فَذَكَرَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: لَقِيتُهُ لُقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَعَلَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، وَنَخَرَ كَأَشَدَّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ، فَزَعَمَ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَنَا وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ فَحَدَّثَهَا، فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبَ يَغْضَبُهُ؟ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي أَمْرِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ الدَّجَّالُ الَّذِي يَقْتُلُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَلَمْ يَقَعِ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ أَحَدُ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَنْذَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي مَضَى مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَهَى. وَمُحَصَّلُهُ عَدَمُ تَسْلِيمِ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ عَنْ جَوَابِ حَلِفِ عُمَرَ ثُمَّ جَابِرٍ عَلَى أَنَّهُ الدَّجَّالُ الْمَعْهُودُ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ حَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ، وَاللَّامُ فِي الْقِصَّةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُمَا لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ، وَوَقَعَ لِابْنِ صَيَّادٍ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدَّجَّالِ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَحِبَنِي ابْنُ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: مَاذَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِي، قَالَ: أَوَلَسْتَ سَمِعْتَهُ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ وَهَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَخَذَتْنِي مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ

دَمَامَةٌ، فَقَالَ: هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ مَا لِي وَأَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ يَعْنِي الدَّجَّالَ يَهُودِيٌّ؟ وَقَدْ أَسْلَمْتَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَمِنْ طَرِيقِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، وَمَعَنَا ابْنُ صَيَّادٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ فِيهِ.

فَقُلْتُ: الْحَرُّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَ ثِيَابَكَ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَفَعَلَ، فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشْرَبْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَمَا بِي إِلَّا أَنْ أَكْرَهَ أَنِّي أَشْرَبُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ بِهِ مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: حَتَّى كِدْتُ أَعْذُرَهُ وَفِي آخِرِ كُلٍّ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدِهِ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، لَفْظُ الْجَرِيرِيِّ وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَمْكُثُ أَبَوَا الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا، وَنَعَتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْيَهُودِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامِ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا النَّعْتُ فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ؟ قَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا الْحَدِيثَ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قُلْتُ: وَيُوهِي حَدِيثُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ لَمَّا نَزَلَ مِنَ الطَّائِفِ حِينَ حُوصِرَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ كَالْمُحْتَلِمِ، فَمَتَى يُدْرِكُ أَبُو بَكْرَةَ زَمَانَ مَوْلِدِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ لَمْ يَسْكُنِ الْمَدِينَةَ إِلَّا قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ كَالْمُحْتَلِمِ، فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَعَلَّ الْوَهْمَ وَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي تَرَاخِي مَوْلِدِ ابْنِ صَيَّادٍ أَوَّلًا، وَهْمٌ فِيهِ بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ وُلِدَ لِلْيَهُودِ مَوْلُودٌ عَلَى تَأَخُّرِ الْبَلَاغِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلِدُهُ كَانَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، بِحَيْثُ يَأْتَلِفُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحِ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَلِفِ عُمَرَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّبْتُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ قِصَّةُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَطَرِيقُهُ أَصَحُّ، وَتَكُونُ الصِّفَةُ الَّتِي فِي ابْنِ صَيَّادٍ وَافَقَتْ مَا فِي الدَّجَّالِ.

قُلْتُ: قِصَّةُ تَمِيمٍ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ، فَذَكَرَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فَلَقِيَتُهُمْ دَابَّةٌ كَثِيرَةُ الشَّعْرِ فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى رَجُلٍ فِي الدَّيْرِ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا فَدَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وَثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِالْحَدِيدِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ: هَلْ بُعِثَ، وَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ يُطِيعُوهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَعَنْ عَيْنِ زُغَرٍ وَعَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخٌ، وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ أَنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ، وَكَانَ ابْنُ صَيَّادٍ أَحَدَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ ﷺ بِخُرُوجِهِمْ، وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ لَمْ يَسْمَعُوا بِقِصَّةِ تَمِيمٍ، وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا، إِذْ كَيْفَ يَلْتَئِمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ شِبْهَ الْمُحْتَلِمِ، وَيَجْتَمِعُ

بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَسْأَلُهُ، أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهَا شَيْخًا كَبِيرًا مَسْجُونًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ، يَسْتَفْهِمُ عَنْ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، هَلْ خَرَجَ أَوْ لَا؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ الِاطِّلَاعِ، أَمَّا عُمَرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ قِصَّةَ تَمِيمٍ، ثُمَّ لَمَّا سَمِعَهَا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا جَابِرٌ فَشَهِدَ حَلِفَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَصْحَبَ مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيعٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ بِنَحْوِ قِصَّةِ تَمِيمٍ، قَالَ: قَالَ - أَيِ الْوَلِيدُ - فَقَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ فِي هَذَا شَيْئًا مَا حَفِظْتُهُ، قَالَ شَهِدَ جَابِرٌ أَنَّهُ ابْنُ صَيَّادٍ، قُلْتُ: فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: وَإِنْ مَاتَ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ أَسْلَمَ، قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ. انْتَهَى.

وَابْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ اسْمُهُ عُمَرُ، فِيهِ مَقَالٌ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ حَسَنٌ، وَيُتَعَقَّبُ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ تَمِيمٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّقْرِيرِ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ الْإِلْمَامِ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: إِذَا أَخْبَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ ﷺ دَلِيلًا عَلَى مُطَابَقَةِ مَا فِي الْوَاقِعِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ فِي حَلِفِهِ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؟ فَهَلْ يَدُلُّ عَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ كَمَا فَهِمَهُ جَابِرٌ، حَتَّى صَارَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَيَسْتَنِدُ إِلَى حَلِفِ عُمَرَ أَوْ لَا يَدُلُّ؟ فِيهِ نَظَرٌ.

قَالَ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدُلُّ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمَسْأَلَةِ وَمَنَاطَهَا هُوَ الْعِصْمَةُ مِنَ التَّقْرِيرِ عَلَى بَاطِلٍ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ، نَعَمْ التَّقْرِيرُ يُسَوِّغُ الْحَلِفَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمِ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَا يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مُسْتَوْفِي الطَّرَفَيْنِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْ قِسْمٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ كِبَرِهِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا وَجْهَهُ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، وَقِيلَ لَهُمُ: اشْهَدُوا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ مُشْكِلَةٌ، وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ.

وَكَانَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَقْطَعُ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ لِعُمَرَ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ الْحَدِيثَ، وَأَمَّا احْتِجَاجَاتُهُ هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ إِلَى سَائِرِ مَا ذَكَرَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ خُرُوجِهِ آخِرَ الزَّمَانِ، قَالَ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ يَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ، وَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَمَوْضِعَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ، قَالَ: وَأَمَّا إِسْلَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالشَّرِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ مَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ ابْنِ صَيَّادِ هُوَ الدَّجَّالُ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُبَيْلٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا آخِرُهُ لَامٌ، ابْنُ عَرْزَةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ ضَرْبَةَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ كَانَ بَيْنَ عَسْكَرِنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ فَرْسَخٌ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا فَنَمْتَارَ مِنْهَا، فَأَتَيْتُهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَسَأَلْتُ صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: مَلِكُنَا الَّذِي نَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ يَدْخُلُ، فَبِتُّ عِنْدَهُ عَلَى سَطْحٍ فَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا لِرَهْجٍ مِنْ قِبَلِ الْعَسْكَرِ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ

قُبَّةٌ مِنْ رَيْحَانٍ وَالْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى

السَّاعَةَ.

قُلْتُ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ مَا عَرَفْتُهُ وَالْبَاقُونَ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ. قُلْتُ: وَهَذَا يُضَعِّفُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ، وَلَا يَلْتَئِمُ خَبَرُ جَابِرٍ هَذَا مَعَ خَبَرِ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ أَصْبَهَانَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهَا، وَبَيْنَ قَتْلِ عُمَرَ وَوَقْعَةِ الْحَرَّةِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا شَاهَدَهَا وَالِدُ حَسَّانَ بَعْدَ فَتْحِ أَصْبَهَانَ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ، وَيَكُونُ جَوَابُ لَمَّا فِي قَوْلِهِ: لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: صِرْتُ أَتَعَاهَدُهَا وَأَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا فَجَرَتْ قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ، فَلَا يَتَّحِدُ زَمَانُ فَتْحِهَا وَزَمَانُ دُخُولِهَا ابْنِ صَيَّادٍ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَمِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: لَكِنَّ عِنْدَهُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ: كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ مِنْ جُمْلَةِ قُرَى أَصْبَهَانَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِسُكْنَى الْيَهُودِ، قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَصَّرَهَا أَيُّوبَ بْنَ زِيَادٍ أَمِيرِ مِصْرَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَقِيَتْ لِلْيَهُودِ مِنْهَا قِطْعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: يَتْبَعُ الدَّجَّالَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةَ أَصْبَهَانَ، يُرِيدُ الْبَلَدَ الْمَذْكُورَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَهْلِ أَصْبَهَانَ يَهُودَ، وَأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ وَخُرُوجِهِ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَظَمَتْ مِنْهَا لَهُ تَرْجَمَةٌ تَامَّةٌ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَشُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، قَالُوا جَمِيعًا: الدَّجَّالُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ مُوثَقٌ بِسَبْعِينَ حَلْقَةٍ فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْيَمَنِ، لَا يَعْلَمُ مَنْ أَوْثَقَهُ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِذَا آنَ ظُهُورُهُ فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ عَامٍ حَلْقَةً.

فَإِذَا بَرَزَ أَتَتْهُ أَتَانُ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَضَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْبَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَيَقْعُدُ عَلَيْهِ وَيَتْبَعُهُ قَبَائِلُ الْجِنِّ يُخْرِجُونَ لَهُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ كَوْنُ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالِ، وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَوْنِهِمْ ثِقَاتٍ تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الدَّجَّالَ تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوصٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، قَالَ: وَبَيْنَ مَوْلِدِهِ وَمَخْرَجِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، قَالَ: وَلَمْ يَنْزِلْ خَبَرُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، انْتَهَى. وَأَخْلِقْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنَا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ. وَكَوْنُهُ يُولَدُ قَبْلَ مَخْرَجِهِ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُخَالِفٌ لِكَوْنِهِ ابْنَ صَيَّادٍ، وَلِكَوْنِهِ مُوَثَّقًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ.

وَذَكَرَ ابْنُ وَصِيفٍ الْمُؤَرِّخُ أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْ وَلَدِ شَقِّ الْكَاهِنِ الْمَشْهُورِ، قَالَ: وَقَالَ: بَلْ هُوَ شَقَّ نَفْسَهُ أَنْظَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتْ أُمُّهُ جِنِّيَّةً عَشِقَتْ أَبَاهُ فَأَوْلَدَهَا، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَعْمَلُ لَهُ الْعَجَائِبَ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ فَحَبَسَهُ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي غَايَةِ الْوَهْيِ، وَأَقْرَبُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ مَا تَضَمَنَّهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ وَكَوْنِ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، أَنَّ الدَّجَّالَ بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي شَاهَدَهُ تَمِيمٌ مُوَثَّقًا، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ شَيْطَانٌ تَبَدَّى فِي صُورَةِ الدَّجَّالِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَاسْتَتَرَ مَعَ قَرِينِهِ إِلَى أَنْ تَجِيءَ الْمُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى خُرُوجَهُ فِيهَا، وَلِشِدَّةِ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ سَلَكَ الْبُخَارِيُّ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ، وَلَمْ يُخْرِجْ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَرُدَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ مَعَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُفعَل بحضرته أو يُقال ويطَّلع (١) عليه (حُجَّةً) لأنَّه لا يُقِرُّ أحدًا على باطلٍ، سواءٌ استبشر به مع ذلك أم لا، لكنَّ دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسَّك الشَّافعيُّ في القيافة واعتبارها في النَّسب بكِلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكارِ في قصَّة المدلجيِّ، وسواءٌ كان المسكوت عنه ممَّن يُغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً حكاه ابن السَّمعانيِّ عن المعتزلة، بناءً على أنَّه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنَّه يجب إنكاره عليه؛ ليزول توهُّم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قولُ إمام الحرمين، بناء على أنَّ الكافر غير مكلَّفٍ بالفروع، ولأنَّ المنافق كافرٌ في الباطن، والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه الماورديُّ، وهو أظهر؛ لأنَّه أهلٌ للانقياد في الجملة، وكما يدلُّ للجواز للفاعل، فكذا لغيره؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمُه على الجماعة، وذهب القاضي أبو بكر الباقلانيُّ إلى اختصاصه بمن قرَّر ولا يتعدَّى إلى غيره، فإنَّ التقرير لا صيغة له. نعم والصَّحيح أنَّه يعمُّ سائر المكلَّفين؛ لأنَّه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطابٌ للجميع (لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ) ﷺ لعدم عصمته، فسكوته لا يدلُّ على الجواز؛ لأنَّه قد لا يتبيَّن له حينئذٍ وجه الصَّواب، قال في «المصابيح»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه إذا أفتى واحدٌ في مسألةٍ تكليفيَّةٍ، وعرف به أهل الإجماع، وسكتوا عليه، ولم ينكره أحدٌ، ومضى (٢) قدر مهلة النَّظر في تلك الحادثة عادةً، وكان ذلك القول المسكوت عليه (٣) واقعًا في محلِّ الاجتهاد، فالصحيح أنَّه حجَّةٌ، وهل هو إجماعٌ أو لا؟ فيه خلافٌ، قالوا: والخلاف لفظيٌّ، وعلى الجملة قد تصوَّرنا في بعض الصُّور أنَّ ترك النَّكير من غير النَّبيِّ ﷺ حجَّةٌ.

٧٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالتَّصغير، قال في «الفتح»: هو خُراسانيٌّ فيما ذكره أبو عبد الله بن منده في «رجال البخاريِّ»، وقال محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن خلفون: حمَّاد بن

حُميد العسقلانيُّ روى عن عُبيد الله بن معاذٍ، روى عنه البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٥] وقال أبو أحمد بن عديٍّ: حمَّاد بن حُميدٍ لا يُعرف عن عُبيد الله بن معاذٍ، وقال ابن أبي حاتمٍ: حمَّاد بن حُميدٍ العسقلانيُّ روى عن ضَمْرة وبشر (١) بن بكر بن سويدٍ وروَّاد، سمع منه أَبِي (٢) ببيت المقدس في رحلته الثَّانية وروى عنه، وسُئل أبي عنه فقال: شيخٌ، قال محمَّد بن إسماعيل: روى عنه البخاريُّ في «الجامع» في «باب من رأى ترك النَّكير من النَّبيِّ ﷺ حُجَّةً» قال محمَّد بن إسماعيل: لم يَجْرِ لحمَّادٍ ذكرٌ في النُّسخة عن النَّسفيِّ، إنَّما عنده: «وقال عُبيد الله بن معاذٍ» وليس قبله حمَّاد بن حُميدٍ. انتهى. وقال الحافظ ابن حجرٍ: وقد زعم أبو الوليد الباجيُّ في «رجال البخاريِّ» أنَّه هو الذي روى عنه البخاريُّ هنا، وهو بعيدٌ، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُعَاذٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن حسَّان بن نصر بن حسَّان العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (يَحْلِفُ) أي: شاهدتُه حين حلف (٣) (بِاللهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ) بألفٍ بعد الصَّاد بوزن «الظَّالم» ولأبي ذرٍّ: «ابن الصيَّاد» واسمه صافٍ (الدَّجَّالُ) قال ابن المنكدر: (قُلْتُ) له: (تَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَالَ) جابرٌ: (إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (يَحْلِفُ) أي: بالله (عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ).

استُشكِل هذا مع ما سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٥٤] من أنَّ عمر ﵁ قال للنَّبيِّ ﷺ: دَعْني أضرب عنقه فقال: «إن يَكُنْ هو فلن تُسلَّط عليه» إذ هو صريحٌ في أنَّه تردَّد في أمره، وحينئذٍ فلا يدلُّ سكوته على إنكاره عند حلف عمر على أنَّه هو، وقد تقرَّر أنَّ شرط العمل بالتَّقرير ألَّا يعارضه التَّصريح بخلافه، فمن قال أو فعل بحضرته ﷺ شيئًا فأقره دلَّ ذلك على

الجواز، فلو (١) قال ﷺ أو فعل خلاف ذلك دلَّ على نسخ ذلك التقرير إلَّا إن ثبت دليلُ الخصوصيَّة، وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ قال: كان ابن عمر يقول: «والله ما أشكُّ أنَّ المسيح الدَّجَّال هو ابن صيَّاد» وأجاب ابن بطَّالٍ عن التردُّد: بأنَّه كان قبل أن يُعلِمه الله بأنَّه هو الدَّجَّال، فلمَّا أعلمه لم يُنكِر على (٢) عمر حلفه، وبأنَّ العرب قد تُخرِج الكلام مَخرَج الشَّكِّ وإن لم يكن في الخبر شكٌّ، فيكون ذلك من تلطُّفه ﷺ لعمر في صرفه عن قتله، وقال ابن دقيق العيد في أوائل «شرح الإلمام»: إذا أخبر شخصٌ بحضرة النَّبيِّ ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكمٌ شرعيٌ، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقة ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على أنَّ ابن صيَّادٍ هو الدَّجَّال فلم ينكر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكاره على أنَّ ابن صيَّاد هو الدجَّال كما فهمه جابرٌ حتَّى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلُّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذ المسألة ومناطَها هو العِصْمة من التَّقرير على باطلٍ، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقُّق الصّحَّة إلَّا أن يدَّعيَ مدَّعٍ أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصّحَّة، فيحتاج إلى دليلٍ وهو عاجزٌ عنه. نعم التقرير يسوِّغ الحلف على ذلك على غلبة الظن؛ لعدم توقُّف ذلك على العلم. انتهى. قال في «الفتح»: ولا يلزم من عدم تحقُّق البطلان أن يكون السُّكوت مستويَ الطَّرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأَولى، وقال في «المصابيح»: وقد يقال: هذا محمولٌ على أنَّه لم ينكره إنكارَ من نفى كونه الدجَّال؛ بدليل أنَّه أيضًا لم يسكت على ذلك، بل أشار إلى أنَّه متردِّدٌ، ففي «الصَّحيحين»: أنَّه قال لعمر: «إن يكن هو فلن تُسلَّط عليه» [خ¦١٣٥٤] فتردَّد في أمره، فلمَّا حلف عمر على ذلك صار حالفًا على غَلَبَة ظنِّه، والبيان قد تقدَّم من النَّبيِّ ﷺ، ثم هذا سكوتٌ عن حلفٍ على أمرٍ غيبٍ لا على حكمٍ شرعيٍّ، ولعلَّ مسألة السَّكوت والتقرير مختصَّةٌ بالأحكام الشرعيَّة، لا الأمور الغيبيَّة. انتهى. وقال البيهقيُّ: ليس في حديث جابرٍ أكثر من سكوت النّبيِّ ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النَّبيُّ ﷺ

كان متوقِّفًا في أمره، ثم جاءه التثبُّت من الله أنَّه (١) غيره على ما تقتضيه قصَّة تميمٍ الدَّاريِّ، وبه تمسَّك من جزم (٢) بأنَّ الدجَّال غير ابن صيادٍ (٣)، وتكون الصِّفة التي في ابن صيَّاد وافقت ما في الدجَّال، والحاصل أنَّه إن وقع الشَّكُّ في أنَّه الدّجَّال الذي يقتله عيسى ابن مريم ﵉ فلم يقع الشَّكُّ في أنَّه أحد الدّجَّالين الكذَّابين الذين أنذر بهم النَّبيُّ ﷺ في قوله: «إنَّ بين يدي السَّاعة دجَّالين كذَّابين» وقصَّة تميمٍ الدَّاريِّ أخرجها مسلمٌ من حديث فاطمة بنت قيسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب فذكر أنَّ تميمًا الداريَّ ركب في سفينةٍ مع ثلاثين رجلًا من قومه، فلعب بهم الموج شهرًا، ثمَّ نزلوا في جزيرةٍ، فلقيتهم دابَّةٌ كثيرة الشَّعر، فقالت لهم: أنا الجسَّاسة، ودلَّتهم على رجلٍ في الدَّير، قال: فانطلقنا سِراعًا، فدخلنا الدَّير فإذا فيه أعظم إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلْقًا وأشدُّه (٤) وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه بالحديد، فقلنا: ويلك! ما (٥) أنت؟ … » فذكر الحديث، وفيه: أنَّه سألهم عن نبيِّ الأمِّيين هل بُعِث؟ وأنَّه قال: إن يُطيعوه؛ فهو خيرٌ لهم، وأنَّه سألهم عن بُحيرة طبريَّة، وأنَّه قال لهم: إنِّي مُخبِركم عنِّي، أنا المسيح، وإنِّي أوشكُ أن يؤذَن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريةً إلَّا هبطتها في أربعين ليلةً غير مكَّة وطَيبة، ففيه -كما قال البيهقيُّ-: أنَّ الدّجَّال الأكبر الذي يخرج في آخر الزَّمان غير ابن صيَّادٍ، وعند (٦) مسلمٍ من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة (٧) عن أبي سعيدٍ قال: صحبني ابن صيَّادٍ إلى مكَّة، فقال لي: ما قد لقيت من النَّاس؟ يزعمون أنِّي الدّجَّال! ألستَ سمعتَ (٨) رسول الله ﷺ يقول: «إنَّه لا يولَد له»؟! قلت: بلى، قال: فإنَّه قد وُلِد لي، قال: أوَلستَ سمعتَه يقول: «لا يدخل المدينة ولا مكَّة»؟! قلت: بلى، قال: قد وُلِدت بالمدينة،

وها أنا أريد مكَّة. وقال الخطَّابيُّ اختلف السَّلف في أمر ابن صيَّادٍ بعد كِبَره، فروي عنه: أنَّه تاب عن ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا عن (١) وجهه حتَّى يراه (٢) النَّاس، وقيل لهم: اشهدوا، لكن يُعكِّر على هذا ما عند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن جابرٍ قال: «فقدنا ابن صيَّادٍ يوم الحرَّة … »، وبسندٍ حسنٍ قيل: إنَّه مات.

وفي الحديث: جواز الحلف بما يغلب (٣) على الظَّنِّ، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن» وأبو داود في «الملاحم».

(٢٤) (بابُ) بيان (الأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالدَّليل» بالإفراد، والدَّليل ما يرشد إلى المطلوب، ويلزم من العلم به العلمُ بوجود المدلول، والمراد بالأدلَّة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال، وقال إمام الحرمين والغزاليُّ: ثلاثةً فقط، فأسقطا القياس والاستدلال، فالإمام بناه على أنَّ الأدلَّة لا تتناول إلَّا القطعيَّ، والغزاليُّ خصَّ الأدلَّة بالثَّمرة للأحكام؛ فلهذا كانت ثلاثةً، وجعل القياس من طرق (٤) الاستثمار، فإنَّه دلالةٌ من حيث معقول اللَّفظ؛ كما أنَّ العموم والخصوص دلالةٌ من حيث صيغُته (٥) (وَكَيْفَ مَعْنَى الدَُِّلَالَةِ) بتثليث الدَّال، وهي في عُرْف الشَّرع الإرشاد إلى أنَّ حكم الشَّيء الخاصِّ الذي لم يَرِدْ فيه نصٌّ داخلٌ تحت حكم دليلٍ آخر بطريق العموم (وَتَفْسِيرِهَا؟) أي: تبيينها وهو تعليم المأمور كيفيَّة ما أُمر به، كتعليم عائشة ﵂ للمرأة السَّائلة التوضُّؤ بالفَُِرْصَة (وَقَدْ أَخْبَرَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْموعد جملَة مُعْتَرضَة، وَمرَاده من هَذَا يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي: يظْهر أَنكُمْ على الْحق فِي الْإِنْكَار أَو إِنِّي عَلَيْهِ فِي الْإِكْثَار. قَوْله: على ملْء بَطْني بِكَسْر الْمِيم والهمزة فِي آخِره، أَرَادَ بِهِ سد جوعته. قَوْله: على أَمْوَالهم أَي: على مَزَارِعهمْ وَالْمَال وَإِن كَانَ عَاما لكنه قد يخص بِنَوْع مِنْهُ وَلم يكن للْأَنْصَار إِلَّا الْمزَارِع. قَوْله: ثمَّ يقبضهُ بِالرَّفْع. قَوْله: فَلَنْ ينسى هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَنقل ابْن التِّين أَنه وَقع فِي الرِّوَايَة: فَلَنْ ينس، بالنُّون والجزم وروى عَن الْكسَائي أَنه قَالَ: الْجَزْم بلن لُغَة لبَعض الْعَرَب، ويروى: فَلم ينس. قَوْله: سَمعه مني ويروى: يسمعهُ، بِصُورَة الْمُضَارع.

٢٣ - (بَاب مَنْ رَأى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى ترك النكير أَي الْإِنْكَار وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَكسر الْكَاف مُبَالغَة فِي الْإِنْكَار غَرَضه أَن تَقْرِير الرَّسُول، حجَّة إِذْ هُوَ نوع من فعله وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُنْكرا للزمه التَّغْيِير وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ، لَا يجوز لَهُ أَن يرى أحدا من أمته يَقُول قولا أَو يفعل فعلا مَحْظُورًا فيقرره عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِ النَّهْي عَن الْمُنكر. قَوْله: لَا من غير الرَّسُول، يَعْنِي: لَيْسَ بِحجَّة ترك الْإِنْكَار من غير الرَّسُول لجَوَاز أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ حينئذٍ وَجه الصَّوَاب. وَقَالَ ابْن التِّين: التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بِالْإِجْمَاع السكوتي وَأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، وَقد علم ذَلِك فِي مَوْضِعه.

٧٣٥٥ - حدّثنا حَمَّادُ بنُ حُمَيْدٍ، حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ، حدّثنا أبي، حَدثنَا شعبْةُ، عنْ سَعْدِ ابنِ إبْراهِيمَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: رَأيْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَحْلِفُ بِالله أنَّ ابنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِالله؟ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلى ذالِكَ عِنْدَ النبيِّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النبيُّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد بن حميد بِالضَّمِّ الْخُرَاسَانِي وَذكر الْحَافِظ الْمزي فِي التَّهْذِيب أَن فِي بعض النّسخ الْقَدِيمَة من البُخَارِيّ: حَدثنَا حَمَّاد بن حميد صَاحب لنا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث. وَعبيد الله بن معَاذ فِي الْإِحْيَاء.

وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن معَاذ بِلَا وَاسِطَة، قيل: هُوَ أحد الْأَحَادِيث الَّتِي نزل فِيهَا البُخَارِيّ عَن مُسلم، أخرجهَا مُسلم عَن شيخ وأخرجها البُخَارِيّ بِوَاسِطَة بَينه وَبَين ذَلِك الشَّيْخ. قلت: عبيد الله بن معَاذ من مَشَايِخ مُسلم روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن النَّضر وَحَمَّاد بن حميد وَأحمد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي ثَلَاث مَوَاضِع فِي كِتَابه: فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال فِي موضِعين، وَفِي آخر الِاعْتِصَام، وروى البُخَارِيّ هُنَا عَن حَمَّاد عَن عبيد الله عَن أَبِيه معَاذ بن حسان الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كِلَاهُمَا عَن عبيد الله بن معَاذ، فَمُسلم أخرجه فِي الْفِتَن، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم.

قَوْله: إِن ابْن الصياد كَذَا لأبي ذَر بِصِيغَة الْمُبَالغَة، وَوَقع عِنْد ابْن بطال مثله لَكِن بِغَيْر الْألف وَاللَّام، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ابْن الصَّائِد، بِوَزْن الظَّالِم واسْمه صَاف، وَإِنَّمَا حلف عمر بِالظَّنِّ وَلَعَلَّه سَمعه من النَّبِي، أَو فهمه بالعلامات والقرائن. فَإِن قلت: جَاءَ فِي خَبره أَن عمر قَالَ لرَسُول الله، دَعْنِي أضْرب عُنُقه، فَقَالَ: إِن يكن هُوَ فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ، وَإِن لم يكن فَلَا خير لَك فِي قَتله، فَهَذَا يدل على شكه فِيهِ، وَترك الْقطع عَلَيْهِ أَنه الدَّجَّال. قلت: يُمكن أَن يكون هَذَا الشَّك مِنْهُ كَانَ مُتَقَدما على يَمِين عمر بِأَنَّهُ الدَّجَّال، ثمَّ أعلمهُ الله أَنه الدَّجَّال، وَجَوَاب آخر أَن الْكَلَام، وَإِن خرج مخرج الشَّك، فقد يجوز، أَن يُرَاد بِهِ الْيَقِين وَالْقطع. كَقَوْلِه: لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك وَقد علم تَعَالَى أَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ فَإِنَّمَا خرج هَذَا مِنْهُ على الْمُتَعَارف عِنْد الْعَرَب فِي مخاطبتها قَالَ الشَّاعِر:

(أيا ظَبْيَة الوعساء بَين جلاجل ... وَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم؟)

فَأخْرج كَلَامه مخرج الشَّك مَعَ كَونه غير شَاك فِي أَنَّهَا لَيست بِأم سَالم، وَكَذَلِكَ كَلَامه خرج مخرج الشَّك لطفاً مِنْهُ بعمر فِي صرفه عَن عزمه على قَتله.

٢٤ - (بابُ الأحْكامِ الَّتي تُعْرَفُ بِالدّلائِلِ، وكَيْفَ مَعْنَى الدِّلالَةِ وتَفْسِيرُها)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل أَي بالملازمات الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب وَغَيره: الْمُتَّفق عَلَيْهَا خَمْسَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالِاسْتِدْلَال، وَذَلِكَ كلما علم ثُبُوت الْمَلْزُوم شرعا أَو عقلا علم ثُبُوت لَازمه عقلا أَو شرعا، قَوْله: بالدلائل، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالدَّلِيلِ، بِالْإِفْرَادِ وَالدَّلِيل مَا يرشد إِلَى الْمَطْلُوب وَيلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِوُجُود الْمَدْلُول. قَوْله: وَكَيف، معنى الدّلَالَة، بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَحكي ضمهَا أَيْضا وَالْفَتْح أَعلَى، وَمعنى الدّلَالَة هُوَ كإرشاد النَّبِي أَن الْخَاص وَهُوَ الْحمر حكمه دَاخل تَحت حكم الْعَام. وَهُوَ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} فَإِن من ربطها فِي سَبِيل الله فَهُوَ عَامل للخير يرى جزاءه خيرا، وَمن ربطها فخراً ورياء فَهُوَ عَامل للشر يرى جزاءه شرا. قَوْله: وتفسيرها يجوز بِالرَّفْع والجر، وتفسيرها يَعْنِي: تبيينها كتعليم عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، للْمَرْأَة السائلة التَّوَضُّؤ بالفرصة.

وقَدْ أخْبَرَ النبيُّ أمْرَ الخَيْلِ وغَيْرِها ثُمَّ سُئِلَ عنِ الحُمُرِ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}

قد بَينا مَعْنَاهُ الْآن.

وسُئِلَ النبيُّ عنِ الضَّبِّ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وأُكِلَ عَلى مائِدَةِ النبيِّ الضَّبُّ فاسْتَدَلَّ ابنُ عَبَّاسٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ

فِيهِ أَيْضا بَيَان تَقْرِيره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنه يُفِيد الْجَوَاز إِلَى أَن يُوجد مِنْهُ قرينَة تصرفه إِلَى غير ذَلِك. قَوْله: فاستدل ابْن عَبَّاس بِأَنَّهُ أَي: بِأَن أكل الضَّب لَيْسَ بِحرَام، وَذَلِكَ لما رأى أَنه يُؤْكَل على مائدته بِحَضْرَتِهِ وَلم يُنكره وَلَا منع مِنْهُ، وَلقَائِل أَن يَقُول: لَا آكله، قرينَة على عدم جَوَاز أكله مَعَ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالَاْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وَلَا شكّ أَن الضَّب من الْخَبَائِث لِأَن النَّفس الزكية لَا تقبله، أَلا ترى كَيفَ قَالَ إِنِّي أعافه؟ وَأما قَوْله: وَلَا أحرمهُ فَيحْتَمل أَنه يكون قبل نزُول الْآيَة، وَيحْتَمل أَنه كَانَ الَّذين أكلوه فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مجاعَة وَكَانَ الْوَقْت فِي ضيق شَدِيد من عدم مَا يُؤْكَل من الْحَيَوَان.

٧٣٥٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثني مالِكٌ، عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله قَالَ: الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فأمَّا الذِي لهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها فِي سَبِيلِ الله، فأطالَ فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصابَتْ فِي طِيَلِها ذالِكَ المَرْجِ أوْ الرَّوْضَةِ كانَ لهُ حَسَناتٍ، ولَوْ أنْها قَطَعَتْ طَيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَو شَرَفَيْنِ كانَت آثارُها وأرْواثُها حَسَناتٍ لهُ، ولوْ أنّها مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقِيَ بِهِ كانَ ذالِكَ حَسَناتٍ لَهُ، وهِيَ لِذالِكَ الرَّجُلِ أجْرٌ. ورَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّياً وَتَعَفُّفاً ولَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقابِها وَلَا ظُهُورِها فَهْيَ لَهُ سِتْرٌ، ورَجُلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِياءً فَهْيَ عَلَى ذالِكَ وِزْرٌ وسُئِلَ رسولُ الله عنِ الحُمُرِ قَالَ: مَا أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيها إلاّ هاذِهِ الآيَةَ الفَّاذَّةَ الجامِعَةَ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي لما بَين أُمُور الْخَيْر وَسُئِلَ عَن الْحمر عرف حكم الْحمر بِالدَّلِيلِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ٠ الزلزلة: ٧ ف الْآيَة، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن.

وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْجِهَاد وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن القعْنبِي وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل وَعَن يحيى بن سُلَيْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: وزر هُوَ الِاسْم. قَوْله: فَأطَال مَفْعُوله مَحْذُوف. أَي: أَطَالَ لَهَا الَّذِي يشد بِهِ. قَوْله: فِي مرج هُوَ الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ. قَوْله: أَو رَوْضَة شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فِي طيلها بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ الْحَبل الطَّوِيل الَّذِي تشد بِهِ الدَّابَّة عِنْد الرَّعْي. قَوْله: فاستنت من الاستنان وَهُوَ الْعَدو. قَوْله: شرفاً بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الشوط، قَوْله: يسْقِي بِهِ أَي: يسْقِيه، وَالْيَاء زَائِدَة ويروى: تسقى، بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: تغَنِّيا قَالَ ابْن نَافِع: أَي يَسْتَغْنِي بهَا عَمَّا فِي أَيدي النَّاس، وانتصابها على التَّعْلِيل. قَوْله: وَتَعَفُّفًا أَي: يتعفف بهَا عَن الافتقار إِلَيْهِم بِمَا يعْمل عَلَيْهَا ويكسبه على ظهرهَا. قَوْله: فِي رقابها فِيهِ دَلِيل على أَن فِيهَا الزَّكَاة، وَاعْتمد عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي الْخَيل والخصم فسره بقوله: لَا ينسى التَّصَدُّق بِبَعْض كَسبه عَلَيْهَا الله تَعَالَى. قَوْله: وَسُئِلَ رَسُول الله قيل: يُمكن أَن يكون السَّائِل هُوَ صعصعة بن مُعَاوِيَة عَم الْأَحْنَف التَّمِيمِي لِأَن لَهُ حَدِيثا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَصَححهُ الْحَاكِم وَلَفظه: قدمت على النَّبِي فَسَمعته يَقُول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} إِلَى آخر السُّورَة، قَالَ: مَا أُبَالِي أَن لَا أسمع غَيرهَا، حسبي حسبي. قَوْله: الفاذة بتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة: المفردة فِي مَعْنَاهَا، وَمعنى الجامعة الَّتِي تجمع أَعمالهَا الْبر كلهَا دقيقها وجليلها، وَكَذَلِكَ أَعمال الْمعاصِي.

٧٣٥٧ - حدّثنا يَحَياى، حدَّثنا ابْن عُيَيْنَةَ، عنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ، عنْ أُمِّهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النبيَّ.

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: أخرجه مُخْتَصرا عَن يحيى، قَالَ الكلاباذي: هُوَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي، وَقَالَ بَعضهم: صَنِيع ابْن السكن، يَقْتَضِي أَنه يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي. قلت: تبع الكلاباذي فِي هَذَا جمَاعَة مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَمَنْصُور بن عبد الرحمان بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن أبي طَلْحَة بن عبد الدَّار الْعَبدَرِي الحَجبي يروي عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة، ولصفية ولأبيها صُحْبَة.

وَالطَّرِيق الثَّانِي: هُوَ قَوْله:

حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ عُقْبَةَ، حدّثنا الفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمانَ النُّمَيْرِيُّ البَصْرِيُّ، حدّثنا مَنْصُورُ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ بنُ شَيْبَةَ، حدَّثْتَنِي أُمِّي عنْ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النبيَّ عنِ الحَيْضِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ قَالَ: تأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِينَ بِها قالَتْ كَيْفَ أتَوَضَّأُ بِها يَا رسولَ الله؟ قَالَ النبيُّ تَوَضَّئِي قالَتْ كَيْفَ أتَوَضَّأ بِها يَا رسولَ الله؟ قَالَ النبيُّ تَوَضَّئينَ بِها قالَتْ عائِشَةُ فَعَرَفْتُ الّذِي يُرِيدُ رسولُ الله فَجَذبْتُها إلَيَّ فَعَلَّمْتُها.

انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما سَأَلته الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة عَن كَيْفيَّة الِاغْتِسَال علمهَا بِالدَّلِيلِ.

وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عقبَة الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمشهور، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ روى عَنهُ مَعَ البُخَارِيّ يَعْقُوب بن سُفْيَان، وَأَبُو كريب وَآخَرُونَ، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن عدي، وَقَالَ الكلاباذي: هُوَ من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ وَمَا لَهُ عِنْده سوى هَذَا الْموضع، ورد عَلَيْهِ بِأَن لَهُ موضعا آخر مضى فِي الْجُمُعَة وَآخر فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع وَله فِي الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة عِنْده متابع، فَمَا أخرج لَهُ شَيْئا اسْتِقْلَالا وَلكنه سَاقه الْمَتْن هُنَا بِلَفْظِهِ. وَأما لفظ ابْن عُيَيْنَة فقد مضى فِي الطَّهَارَة قَالَه بَعضهم، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ فِي كتاب

الْحيض فِي: بَاب دلك الْمَرْأَة نَفسهَا إِذا طهرت من الْحيض، أخرجه عَن يحيى الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الأول عَن ابْن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: إِن امْرَأَة هِيَ: أَسمَاء بنت شكل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف وَاللَّام. قَوْله: كَيفَ تَغْتَسِل مِنْهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: تأخذين ويروى: تأخذي، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: فرْصَة بِتَثْلِيث الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة وَهِي الْقطعَة من الْقطن أَو الخروق تتمسح بهَا الْمَرْأَة من الْحيض. قَوْله: ممسكة أَي: مطيبة بالمسك. وَقَالَ الْخطابِيّ: قد تَأَول الممسكة على معنى الْإِمْسَاك دون الطّيب، يُرِيد أَنَّهَا تمسكها بِيَدِهَا فتستعملها. قَوْله: فتوضئين بهَا أَي: تتنظفين وتتطهرين أَي: أَرَادَ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ. قَوْله: فجذبتها إِلَيّ بتَشْديد الْيَاء.

٧٣٥٨ - حدّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، عنْ أبي بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الحارثِ بنِ حَزْنٍ أهْدَتْ إِلَى النبيِّ سَمْناً وأقِطاً وأضُباً فَدَعا بِهِنَّ النبيُّ فأُكِلْنَ عَلى مائِدَتِهِ، فَتَرَكَهُنَّ النبيُّ كالمُتَقَذِّرِ لَهنَّ ولوْ كُنَّ حَراماً مَا أُكِلْنَ عَلى مائِدَتِهِ وَلَا أمَرَ بِأكْلِهِنَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما تركهن كالمتقذر لَهُنَّ رُبمَا امْتَنعُوا عَن أكلهَا ثمَّ إِنَّه لما دَعَا بِهن وأكلن على مائدته صَار ذَلِك دَلِيلا على إباحتهن.

وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية.

والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الأقط عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم.

قَوْله: أَن أم حفيد بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة وَاسْمهَا هزيلة مصغر هزلة بالزاي بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، وَهِي خَالَة ابْن عَبَّاس وَخَالَة خَالِد بن الْوَلِيد، وَاسم أم كل مِنْهُمَا لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى. قَوْله: وأضباً بِفَتْح الْهمزَة وَضم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع ضَب وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وضباً، بِالْإِفْرَادِ. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح أصل أضباً أضبباً على وزن أفلس اجْتمع مثلان متحركان وأسكن الأول ونقلت حركته إِلَى السَّاكِن الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ اسْتغْرب هَذَا وَطول الْكَلَام فِيهِ، وَمن قَرَأَ مُخْتَصرا فِي علم التصريف يعلم هَذَا، وَمَعَ هَذَا لم يكمل مَا قَالَه فِيهِ وتتمته أَنه لما اجْتمع فِيهِ حرفان مثلان نقلت حَرَكَة الأول إِلَى الضَّاد وأدغم فِي الثَّانِي. قَوْله: كالمتقذر بِالْقَافِ والذال الْمُعْجَمَة. قَوْله: لَهُنَّ أَي: لهَذِهِ الْمَذْكُورَات الثَّلَاث، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَهُ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْأَوْجه لِأَنَّهُ لم يكن يتقذر السّمن والأقط، وَكَذَا الْكَلَام فِي دَعَا بِهن وَفِي الْبَاقِي وَذكرنَا الْخلاف فِي الضَّب فِيمَا مضى.

٧٣٥٩ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ، حدّثنا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ أَخْبرنِي عَطاءُ بنُ أبي رِباحٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ مَنْ أكَلَ ثُوماً أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنا أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنا ولْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ وإنّهُ أُتِيَ بِبَدْرٍ قَالَ ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِي: طَبَقاً فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً، فَسألَ عَنْها، فأُخْبِرَ بِما فِيها مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوها فَقَرَّبُوها إِلَى بَعْضِ أصْحابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كرِهَ أكْلَهَا قَالَ: فإنِّي أُناجِي مِنْ لَا تُناجِي

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي، لما امْتنع من الخضرات الْمَذْكُورَة لأجل رِيحهَا امْتنع الرجل الَّذِي كَانَ مَعَه، فَلَمَّا رَآهُ قد امْتنع قَالَ لَهُ كل وَفسّر كَلَامه بقوله: فَإِنِّي أُنَاجِي من لَا تناجي.

وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.

والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن سعيد بن عفير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: وليقعد فِي بَيته وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو ليقعد، بِزِيَادَة الْألف فِي أَوله. قَوْله: ببدر بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الطَّبَق على مَا يَأْتِي، سمي

بَدْرًا لاستدارته تَشْبِيها بالقمر، قَوْله: قَالَ ابْن وهب مَوْصُول بِسَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: فِيهِ خضرات بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه، وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الرِّوَايَات بِفَتْح الضَّاد وَضم الْخَاء. قَوْله: قربوها بِكَسْر الرَّاء أَمر للْجَمَاعَة. وَقَوله: فقربوها بِصِيغَة الْجمع للماضي. قَوْله: إِلَى بعض أَصْحَابه مَنْقُول بِالْمَعْنَى لِأَن لَفظه قربوها لأبي أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَأَن الرَّاوِي لم يحفظه، فكنى عَنهُ بذلك، وعَلى تَقْدِير أَن لَا يكون عينه فَفِيهِ الْتِفَات، لِأَن نسق الْعبارَة أَن يَقُول: إِلَى بعض أَصْحَابِي قَوْله: كَانَ مَعَه من كَلَام الرَّاوِي، أَي: مَعَ النَّبِي قَوْله: فَلَمَّا رَآهُ كره أكلهَا فَاعل: كره، بِمُقْتَضى ظَاهر الْكَلَام هُوَ بعض أَصْحَابه وَلكنه فِي الْحَقِيقَة هُوَ أَبُو أَيُّوب. وَفِيه حذف تَقْدِيره: فَلَمَّا رَآهُ امْتنع من أكلهَا وَأمر بتقريبها إِلَيْهِ كره أكلهَا، وَيحْتَمل أَن يكون التَّقْدِير: فَلَمَّا رَآهُ لم يَأْكُل مِنْهَا كره أكلهَا. قَالَ ابْن بطال: قَوْله: قربوها نَص على جَوَاز الْأكل، وَكَذَا قَوْله: أُنَاجِي إِلَى آخِره وَقَالُوا: يدْخل فِي حكم الثوم والبصل الكراث والفجل، وَقد ورد فِي الفجل حَدِيث، وَعلل ذَلِك بِأَن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى بِهِ بَنو آدم، قيل: يُرِيد غير الحافظين.

وَقَالَ ابنُ عُفَيْرٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ: بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِراتٌ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وأبُو صَفْوانَ عنْ يُونُسَ قِصَّةَ القِدْرِ، فَلَا أدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أوْ فِي الحَدِيثِ؟ .

أَي: قَالَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء نسب لجده عَن عبد الله بن وهب: بِقدر، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال. قَوْله: وَلم يذكر اللَّيْث، أَي: ابْن سعد، وَأَبُو صَفْوَان عبد الله بن سعيد الْأمَوِي قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن لفظ: وَلم يذكر، وَكَذَا لفظ؛ فَلَا أَدْرِي، لِأَحْمَد ابْن صَالح، وَيحْتَمل أَن يكون لعبد الله بن وهب أَو لِابْنِ عفير، وللبخاري تَعْلِيقا. قَوْله: فَلَا أَدْرِي هُوَ من قَول الزُّهْرِيّ أَو فِي الحَدِيث مَعْنَاهُ أَن الزُّهْرِيّ نَقله مُرْسلا عَن رَسُول الله، وَلِهَذَا لم يروه يُونُس، وَاللَّيْث وَأَبُو صَفْوَان، أَو مُسْندًا كَمَا فِي الحَدِيث، وَلِهَذَا نَقله يُونُس لِابْنِ وهب، وَمضى الحَدِيث فِي آخر كتاب الْجَمَاعَة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الثوم.

٧٣٦٠ - حدّثني عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إبْراهِيمَ، حدّثنا أبي وَعَمِّي قَالَا: حدّثنا أبي عنْ أبِيهِ أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّ أباهُ جُبَيْرَ بنَ مُطْعِمٍ أخبرَهُ أنَّ امْرأةً مِنَ الأنْصارِ أتَتْ رسولَ الله فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيءٍ، فأمَرَها بِأمْرٍ فقالَتْ: أرَأيْتَ يَا رسولَ الله إنْ لمْ أجِدْكَ؟ قَالَ: إنْ لَمْ تَجِدِينِي فأْتِي أَبَا بَكْرٍ

انْظُر الحَدِيث ٣٦٥٩ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، قَالَ للْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِيهِ: إِنَّهَا إِن لم تَجدهُ تَأتي أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه مُنَاسبَة هذَيْن الْحَدِيثين بالترجمة؟ . قلت: أما الأول: فيستدل مِنْهُ أَن الْملك يتَأَذَّى بالرائحة الكريهة. وَأما الثَّانِي: فيستدل بِهِ على خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل لَيْسَ بَينهَا وَبَين الْحَدِيثين مُطَابقَة بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكره من استنباط الحكم من الْحَدِيثين، وَإِنَّمَا وَجه الْمُطَابقَة مَا ذكرته من الْفَيْض الرحماني.

وَشَيْخه عبيد الله بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَأَبوهُ سعد وَعَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقَالَ الدمياطي: مَاتَ يَعْقُوب سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَصْغَر من أَخِيه سعد، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ واتفقا على أَخِيه، وَجبير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مطعم اسْم فَاعل من الْإِطْعَام ابْن عدي بن نَوْفَل الْقرشِي النَّوْفَلِي.

والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْحميدِي وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: إِن امْرَأَة لم يدر اسْمهَا. قَوْله: فِي شَيْء يَعْنِي: سَأَلته فِي شَيْء يَخُصهَا.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56