«كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6784

الحديث رقم 6784 من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحدود كفارة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال: بايعوني على…

«كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ.»

سند حديث: ٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ…

٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال: بايعوني على…

أخبر عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان ممن شهد غزوة بدر الكبرى، وهو كبير قومه الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة التي بمنى -حين كان الرسول بمكة قبل هجرته إلى المدينة- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا بين أصحابه فطلب منهم أن يعاهدوه على أمور:

الأول: لا يشركون في عبادة الله شيئًا ولو قلّ.

الثاني: لا يسرقون.

الثالث: لا يفعلون فاحشة الزنا.

الرابع: لا يقتلون أولادهم؛ ذكورهم خشية الفقر أو أنثاهم خشية العار.

الخامس: لا يأتون بكذب يختلقونه بين أيديهم وأرجلهم حيث أن معظم الأفعال تقع بهما وإن شاركت باقي الأعضاء.

السادس: لا يعصون النبي صلى الله عليه وسلم في معروف.

فمن ثبت منهم على العهد والتزم بذلك فأجره على الله، ومن فعل شيئًا مما ذكر -غير الشرك- فعوقب به في الدنيا بإقامة الحد عليه فهو كفارة له وبه سقط الإثم، ومن فعل من ذلك شيئًا ثم ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعه كل الحاضرين على ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ما تضمنته بيعة العقبة الأولى بمكة قبل أن يفرض عليهم الجهاد.
  • قال السندي: قوله ‏‏(في معروف): لا يخفى أن ‌أمره ‌كله ‌معروف ولا يتصور منه خلافه، فقوله (في معروف) للتنبيه على علة وجوب الطاعة وعلى أنه لا طاعة للمخلوق في غير المعروف، وعلى أنه ينبغي اشتراط الطاعة في المعروف في البيعة لا مطلقًا.
  • قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعًا فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم.
  • قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ ‌لَا ‌يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، فالمرتد إذا قُتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة.
  • قال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال: بايعوني على…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ

٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ).

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِرْيَابِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفِيهِ: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْوُ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِيهِ: فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلَهُ: الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا، وَأَجَابَ بِأَنَّ سَنَدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ ثُمَّ أُعْلِمَ فَقَالَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَقَدْ أُجِيبَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ التَّرَدُّدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ مِمَّنْ بَايَعَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَبَيْعَةُ الْعَقَبَةِ كَانَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسِتِّ سِنِينَ.

وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْآيَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَقَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إِلَى آخِرهَا، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَقَرَّرْتُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بَيِّنًا.

وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَاكَ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَلْمَكْرَهِ إِلَخْ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ الْمُشْرِكُ، أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا عُوقِبَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ بَلْ زِيَادَةً فِي نَكَالِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ: وَأَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيِّ الْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ بَلْ يَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ فَيُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، وَقَدْ نَقَلْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من المالِ، يقول: إنَّ سَرِقة الشَّيء اليسير الَّذي لا قيمةَ له كالبيضَةِ المَذِرَة والحبلِ الخَلَقِ الَّذي لا قيمةَ له إذا تعاطاه (١) فاستمرَّت به العادة، لم ينشبْ أن يؤدِّيه ذلك إلى سرقةِ ما فوقها (٢) حتَّى يبلغَ قدرَ ما تُقطع فيه اليد فتقطعُ يدُه. يقول: فليحذَر هذا الفعلَ وليَتَوَقَّهُ قبل أن تملكَه العادة ويتمرَّن (٣) عليها؛ ليسلمَ من سوء عاقبتهِ. انتهى.

لكن أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ عن حاتمِ بنِ إسماعيل، عن جعفرِ بن محمَّد، عن أبيهِ، عن عليٍّ: «أنَّه قطع يدَ سارقٍ في بيضةِ حديدٍ ثمنُها ربع دينار». قال في «الفتح»: رجاله ثقاتٌ مع انقطاعه، ولعلَّ هذا مستند التَّأويل الَّذي أشار إليه الأعمش. وقال الكِرْمانيُّ: غرضُ الأعمش أنَّه لا قطعَ في الشَّيء القليل بل النِّصاب كربعِ دينارٍ.

والحديث أخرجَه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القطعِ»، وابن ماجه في «الحدود».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الحُدُودُ كَفَّارَةٌ).

٦٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) غير منسوبٍ، وجزم أبو نُعيم في «المستخرج»: أنَّه الفِريابيُّ، أو هو البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (ابْنُ عُيينة) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم بنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله؛ بالذال المعجمة (الخَوْلَانِيِّ) بالخاء المعجمة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِي) بكسر التَّحتية، أي: عاقدُوني (عَلَى) التَّوحيد: (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بظلف محرق، وَهُوَ مِمَّا لَا يتَصَدَّق بِهِ، وَمثله كثير فِي كَلَامهم. وَاحْتج الْخَوَارِج بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْقطع يجب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وكثيرها وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} (الْمَائِدَة: ٨٣) لما نزل قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ذَلِك على ظَاهر مَا نزل، ثمَّ أعلمهُ الله أَن الْقطع لَا يكون إلَاّ فِي مِقْدَار مَعْلُوم، فَكَانَ بَيَانا لما أجمل فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمِقْدَار اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٨ - (بابٌ الحُدُودُ كَفَّارَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ معنى الْحُدُود كَفَّارَة، فَقَوله: الْحُدُود مُبْتَدأ، أَو كَفَّارَة خَبره.

٤٨٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ أبي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: (بايعُونِي عَلى أنْ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئاً وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزُنُوا) وقَرَأ هاذِهِ الآيَةَ كُلَّها فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فأجْرُهُ عَلى الله ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ إنْ شاءَ غَفَرَ لهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَته) .

وَمُحَمّد بن يُوسُف جزم بِهِ أَبُو نعيم أَنه الْفرْيَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون البيكندي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَائِذ الله بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالهمزة بعد الْألف وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون فِي آخِره. يروي عَن عبَادَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن الصَّامِت.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بن عبد الله: أَن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ شهد بَدْرًا وَهُوَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة. أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَحَوله عِصَابَة من أَصْحَابه: بايعوني ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة) قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذِه الْآيَة هِيَ: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} (الممتحنة: ٢١)

الْآيَة.

قلت: قد مر فِي كتاب الْإِيمَان: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة أم لَا؟ .

قلت: قَالَ ابْن بطال: سَنَد حَدِيث عبَادَة أصح من إِسْنَاد حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قبل حَدِيث عبَادَة، ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى أَنَّهَا مطهرة على مَا فِي حَدِيث عبَادَة. فَإِن قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُتَأَخّر لِأَنَّهُ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بيعَة الْعقبَة لِأَن بيعَة الْعقبَة كَانَت قبل إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بست سِنِين.

قلت: أجابوا بِأَن الْبيعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب كَانَت متراخية عَن إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِدَلِيل أَن الْآيَة الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله: (وَقَرَأَ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا} (الممتحنة: ٢١)

إِلَى آخرهَا كَانَ نُزُولهَا فِي فتح مَكَّة، وَذَلِكَ بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِ سنتَيْن، والإشكال إِنَّمَا وَقع من قَوْله هُنَاكَ: إِن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة، قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا ... الحَدِيث، فَإِنَّهُ يُوهم أَن ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْعقبَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْبيعَة الَّتِي وَقعت فِي لَيْلَة الْعقبَة كَانَت على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره الخ. فَإِن قلت: آيَة الْمُحَاربَة تعَارض حَدِيث عبَادَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا} يَعْنِي الْحُدُود {وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم} (الْمَائِدَة: ٣٣) فدلت على أَن الْحُدُود لَيست كَفَّارَة.

قلت: الْوَعيد فِي الْمُحَاربَة عِنْد جَمِيع الْمُؤمنِينَ مُرَتّب على قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١)

الْآيَة فَتَأْوِيل الْآيَة: إِن شَاءَ الله ذَلِك لقَوْله: {لمن يَشَاء} فَهَذِهِ الْآيَة تبطل نَفاذ الْوَعيد على غير أهل الشّرك إلَاّ أَن ذكر الشّرك فِي حَدِيث عبَادَة مَعَ سَائِر الْمعاصِي لَا يُوجب أَن من عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مُشْرك كَانَ ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، لِأَن الْأمة

مجمعة على تخليد الْكفَّار فِي النَّار، وَبِذَلِك نطق الْكتاب وَالسّنة، فَحَدِيث عبَادَة مَعْنَاهُ الْخُصُوص فِيمَن أقيم عَلَيْهِ الْحَد من الْمُسلمين خَاصَّة أَن ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، وَالله أعلم.

٩ - (بابٌ ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى إلاّ فِي حَدٍّ أوْ حَقٍّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن ظهر الْمُؤمن حمى بِكَسْر الْحَاء أَي: محمي أَي: مَحْفُوظ عَن الإيذا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أحميت الْمَكَان فَهُوَ محمي إِذا جعلته حمى أَي: مَحْظُورًا لَا يقرب وحميته حماية إِذا دفعت عَنهُ ومنعت مِنْهُ من يقربهُ.

قلت: أصل حمى حمى على وزن فعل قَوْله: إلَاّ فِي حق أَي: لَا يحمي فِي حد وَجب عَلَيْهِ أَو حق أَي أَو فِي حق أحد. وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله: (ظهر الْمُؤمن حمى) يَعْنِي: أَنه لَا يحل للْمُسلمِ أَن يستبيح ظهر أَخِيه وَلَا بَشرته لنائرة تكون بَينه وَبَينه أَو عَدَاوَة كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ وتستبيحه من الْأَعْرَاض والدماء، وَإِنَّمَا يجوز اسْتِبَاحَة ذَلِك فِي حُقُوق الله أَو حُقُوق الْآدَمِيّين أَو فِي أدب لمن قصر فِي الدّين كتأديب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالدرةِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب السّرقَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن الزُّهْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ظُهُور الْمُسلمين حمى إلَاّ فِي حُدُود الله) ، وَمُحَمّد ابْن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن الْملك الخطمي بِلَفْظ: ظهر الْمُؤمن حمى إلَاّ بِحقِّهِ، وَفِي سَنَده الْفضل بن مُخْتَار وَهُوَ ضَعِيف، وَمن حَدِيث أبي أُمَامَة: (من جرد ظهر مُسلم بِغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَفِي سَنَده أَيْضا مقَال.

٥٨٧٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عنْ واقِدٍ ابنِ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أبي قَالَ، عَبْدُ الله: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَداعِ: (ألَا أيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا شَهْرُنا هاذا. قَالَ: (أَلا أيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا بَلَدُنا هَذَا. قَالَ: (أَلا أيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا يَوْمُنا هاذا. قَالَ: (فإنَّ الله تَبارَكَ وتَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ إلاّ بِحَقِّها كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هاذا فِي بَلَدِكُمْ هاذا فِي شَهْرِكُمْ هاذا ألَا هَلْ بَلَّغْتُ) ثَلَاثاً كُلُّ ذالِكَ يُجِيبُونهُ: ألَا نَعَمْ، قَالَ: (وَيْحَكُمْ أوْ وَيْلَكُمْ لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِن الله تَعَالَى قد حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ) بَيَان ذَلِك أَن دم الْمُؤمن وَمَاله وَعرضه حمى لِلْمُؤمنِ، وَلَا يحل لأحد أَن يستبيحه إلَاّ بِحَق.

وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الْحَاكِم: مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا هُوَ الذهلي.

قلت: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّوْم والطب والجنائز وَالْعِتْق وَغَيرهَا فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا. وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله ينْسبهُ إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه. قَوْله: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا، بنُون الْجمع، وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقرشِي من أهل وَاسِط وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الصَّلَاة ومواضع بِغَيْر وَاسِطَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعَاصِم الثَّانِي هُوَ ابْن مُحَمَّد ابْن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْعَدوي الْقرشِي، يروي عَن أَخِيه وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب جد الرَّاوِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يزِيد بن هَارُون عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد عَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ

٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ).

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِرْيَابِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفِيهِ: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْوُ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِيهِ: فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلَهُ: الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا، وَأَجَابَ بِأَنَّ سَنَدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ ثُمَّ أُعْلِمَ فَقَالَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَقَدْ أُجِيبَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ التَّرَدُّدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ مِمَّنْ بَايَعَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَبَيْعَةُ الْعَقَبَةِ كَانَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسِتِّ سِنِينَ.

وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْآيَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَقَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إِلَى آخِرهَا، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَقَرَّرْتُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بَيِّنًا.

وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَاكَ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَلْمَكْرَهِ إِلَخْ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ الْمُشْرِكُ، أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا عُوقِبَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ بَلْ زِيَادَةً فِي نَكَالِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ: وَأَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيِّ الْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ بَلْ يَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ فَيُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، وَقَدْ نَقَلْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من المالِ، يقول: إنَّ سَرِقة الشَّيء اليسير الَّذي لا قيمةَ له كالبيضَةِ المَذِرَة والحبلِ الخَلَقِ الَّذي لا قيمةَ له إذا تعاطاه (١) فاستمرَّت به العادة، لم ينشبْ أن يؤدِّيه ذلك إلى سرقةِ ما فوقها (٢) حتَّى يبلغَ قدرَ ما تُقطع فيه اليد فتقطعُ يدُه. يقول: فليحذَر هذا الفعلَ وليَتَوَقَّهُ قبل أن تملكَه العادة ويتمرَّن (٣) عليها؛ ليسلمَ من سوء عاقبتهِ. انتهى.

لكن أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ عن حاتمِ بنِ إسماعيل، عن جعفرِ بن محمَّد، عن أبيهِ، عن عليٍّ: «أنَّه قطع يدَ سارقٍ في بيضةِ حديدٍ ثمنُها ربع دينار». قال في «الفتح»: رجاله ثقاتٌ مع انقطاعه، ولعلَّ هذا مستند التَّأويل الَّذي أشار إليه الأعمش. وقال الكِرْمانيُّ: غرضُ الأعمش أنَّه لا قطعَ في الشَّيء القليل بل النِّصاب كربعِ دينارٍ.

والحديث أخرجَه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القطعِ»، وابن ماجه في «الحدود».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الحُدُودُ كَفَّارَةٌ).

٦٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) غير منسوبٍ، وجزم أبو نُعيم في «المستخرج»: أنَّه الفِريابيُّ، أو هو البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (ابْنُ عُيينة) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم بنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله؛ بالذال المعجمة (الخَوْلَانِيِّ) بالخاء المعجمة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِي) بكسر التَّحتية، أي: عاقدُوني (عَلَى) التَّوحيد: (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بظلف محرق، وَهُوَ مِمَّا لَا يتَصَدَّق بِهِ، وَمثله كثير فِي كَلَامهم. وَاحْتج الْخَوَارِج بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْقطع يجب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وكثيرها وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} (الْمَائِدَة: ٨٣) لما نزل قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ذَلِك على ظَاهر مَا نزل، ثمَّ أعلمهُ الله أَن الْقطع لَا يكون إلَاّ فِي مِقْدَار مَعْلُوم، فَكَانَ بَيَانا لما أجمل فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمِقْدَار اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٨ - (بابٌ الحُدُودُ كَفَّارَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ معنى الْحُدُود كَفَّارَة، فَقَوله: الْحُدُود مُبْتَدأ، أَو كَفَّارَة خَبره.

٤٨٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ أبي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: (بايعُونِي عَلى أنْ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئاً وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزُنُوا) وقَرَأ هاذِهِ الآيَةَ كُلَّها فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فأجْرُهُ عَلى الله ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ إنْ شاءَ غَفَرَ لهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَته) .

وَمُحَمّد بن يُوسُف جزم بِهِ أَبُو نعيم أَنه الْفرْيَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون البيكندي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَائِذ الله بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالهمزة بعد الْألف وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون فِي آخِره. يروي عَن عبَادَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن الصَّامِت.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بن عبد الله: أَن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ شهد بَدْرًا وَهُوَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة. أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَحَوله عِصَابَة من أَصْحَابه: بايعوني ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة) قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذِه الْآيَة هِيَ: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} (الممتحنة: ٢١)

الْآيَة.

قلت: قد مر فِي كتاب الْإِيمَان: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة أم لَا؟ .

قلت: قَالَ ابْن بطال: سَنَد حَدِيث عبَادَة أصح من إِسْنَاد حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قبل حَدِيث عبَادَة، ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى أَنَّهَا مطهرة على مَا فِي حَدِيث عبَادَة. فَإِن قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُتَأَخّر لِأَنَّهُ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بيعَة الْعقبَة لِأَن بيعَة الْعقبَة كَانَت قبل إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بست سِنِين.

قلت: أجابوا بِأَن الْبيعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب كَانَت متراخية عَن إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِدَلِيل أَن الْآيَة الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله: (وَقَرَأَ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا} (الممتحنة: ٢١)

إِلَى آخرهَا كَانَ نُزُولهَا فِي فتح مَكَّة، وَذَلِكَ بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِ سنتَيْن، والإشكال إِنَّمَا وَقع من قَوْله هُنَاكَ: إِن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة، قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا ... الحَدِيث، فَإِنَّهُ يُوهم أَن ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْعقبَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْبيعَة الَّتِي وَقعت فِي لَيْلَة الْعقبَة كَانَت على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره الخ. فَإِن قلت: آيَة الْمُحَاربَة تعَارض حَدِيث عبَادَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا} يَعْنِي الْحُدُود {وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم} (الْمَائِدَة: ٣٣) فدلت على أَن الْحُدُود لَيست كَفَّارَة.

قلت: الْوَعيد فِي الْمُحَاربَة عِنْد جَمِيع الْمُؤمنِينَ مُرَتّب على قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١)

الْآيَة فَتَأْوِيل الْآيَة: إِن شَاءَ الله ذَلِك لقَوْله: {لمن يَشَاء} فَهَذِهِ الْآيَة تبطل نَفاذ الْوَعيد على غير أهل الشّرك إلَاّ أَن ذكر الشّرك فِي حَدِيث عبَادَة مَعَ سَائِر الْمعاصِي لَا يُوجب أَن من عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مُشْرك كَانَ ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، لِأَن الْأمة

مجمعة على تخليد الْكفَّار فِي النَّار، وَبِذَلِك نطق الْكتاب وَالسّنة، فَحَدِيث عبَادَة مَعْنَاهُ الْخُصُوص فِيمَن أقيم عَلَيْهِ الْحَد من الْمُسلمين خَاصَّة أَن ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، وَالله أعلم.

٩ - (بابٌ ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى إلاّ فِي حَدٍّ أوْ حَقٍّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن ظهر الْمُؤمن حمى بِكَسْر الْحَاء أَي: محمي أَي: مَحْفُوظ عَن الإيذا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أحميت الْمَكَان فَهُوَ محمي إِذا جعلته حمى أَي: مَحْظُورًا لَا يقرب وحميته حماية إِذا دفعت عَنهُ ومنعت مِنْهُ من يقربهُ.

قلت: أصل حمى حمى على وزن فعل قَوْله: إلَاّ فِي حق أَي: لَا يحمي فِي حد وَجب عَلَيْهِ أَو حق أَي أَو فِي حق أحد. وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله: (ظهر الْمُؤمن حمى) يَعْنِي: أَنه لَا يحل للْمُسلمِ أَن يستبيح ظهر أَخِيه وَلَا بَشرته لنائرة تكون بَينه وَبَينه أَو عَدَاوَة كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ وتستبيحه من الْأَعْرَاض والدماء، وَإِنَّمَا يجوز اسْتِبَاحَة ذَلِك فِي حُقُوق الله أَو حُقُوق الْآدَمِيّين أَو فِي أدب لمن قصر فِي الدّين كتأديب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالدرةِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب السّرقَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن الزُّهْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ظُهُور الْمُسلمين حمى إلَاّ فِي حُدُود الله) ، وَمُحَمّد ابْن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن الْملك الخطمي بِلَفْظ: ظهر الْمُؤمن حمى إلَاّ بِحقِّهِ، وَفِي سَنَده الْفضل بن مُخْتَار وَهُوَ ضَعِيف، وَمن حَدِيث أبي أُمَامَة: (من جرد ظهر مُسلم بِغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَفِي سَنَده أَيْضا مقَال.

٥٨٧٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عنْ واقِدٍ ابنِ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أبي قَالَ، عَبْدُ الله: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَداعِ: (ألَا أيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا شَهْرُنا هاذا. قَالَ: (أَلا أيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا بَلَدُنا هَذَا. قَالَ: (أَلا أيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا يَوْمُنا هاذا. قَالَ: (فإنَّ الله تَبارَكَ وتَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ إلاّ بِحَقِّها كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هاذا فِي بَلَدِكُمْ هاذا فِي شَهْرِكُمْ هاذا ألَا هَلْ بَلَّغْتُ) ثَلَاثاً كُلُّ ذالِكَ يُجِيبُونهُ: ألَا نَعَمْ، قَالَ: (وَيْحَكُمْ أوْ وَيْلَكُمْ لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِن الله تَعَالَى قد حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ) بَيَان ذَلِك أَن دم الْمُؤمن وَمَاله وَعرضه حمى لِلْمُؤمنِ، وَلَا يحل لأحد أَن يستبيحه إلَاّ بِحَق.

وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الْحَاكِم: مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا هُوَ الذهلي.

قلت: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّوْم والطب والجنائز وَالْعِتْق وَغَيرهَا فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا. وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله ينْسبهُ إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه. قَوْله: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا، بنُون الْجمع، وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقرشِي من أهل وَاسِط وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الصَّلَاة ومواضع بِغَيْر وَاسِطَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعَاصِم الثَّانِي هُوَ ابْن مُحَمَّد ابْن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْعَدوي الْقرشِي، يروي عَن أَخِيه وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب جد الرَّاوِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يزِيد بن هَارُون عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد عَن

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 21 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.2 / 29.5
الإضاءة 50%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56