الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2328
الحديث رقم 2328 من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المزارعة بالشطر ونحوه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ
⦗١٠٥⦘
عُبَيْدِ اللهِ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
بلدة خيبر بلدة زراعية، كان يسكنها طائفة من اليهود.
فلما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة، وقسم أراضيها ومزارعها بين الغانمين، وكانوا مشتغلين عن الحراثة والزراعة بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى ، وكان يهود "خيبر" أبصر منهم بأمور الفلاحة أيضاً، لطول معاناتهم وخبرتهم فيها، لهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أهلها السابقين على زراعة الأرض وسقْي الشجر، ويكون لهم النصف، مما يخرج من ثمرها وزرعها، مقابل عملهم، وللمسلمين النصف الآخر، لكونهم أصحاب الأصل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّجَرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ الْجَائِزَ هُوَ الْمُسَيَّبُ لِلْمَصْلَحَةِ كَنِكَايَةِ الْكُفَّارِ أَوْ الِانْتِفَاعِ بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوِهِ، وَالْمُنْكَرَ هُوَ الَّذِي عَنِ الْعَبَثِ وَالْإِفْسَادِ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنِ الْمُخَاطَرَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ إِبْقَاءً عَلَى مَنْفَعَتِهَا مِنَ الضَّيَاعِ مَجَّانًا فِي عَوَاقِبِ الْمُخَاطَرَةِ، فَإِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ وَلَا مُشَخَّصَةٍ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ عَيْنِهَا بِقَطْعِ أَشْجَارِهَا عَبَثًا أَجْدَرُ وَأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (نُكْرِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَقَوْلُهُ: (لِسَيِّدِ الْأَرْضِ) أَيْ مَالِكُهَا. وَقَوْلُهُ: (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) ذَكَرَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْبَعْضِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الزَّرْعِ. وَقَوْلُهُ: (فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمِ الْأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَمَهْمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَمَعْنَاهُ فَكَثِيرًا مَا يُصَابُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ. وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا بِمَعْنَى رُبَّمَا لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ وَلَا سِيَّمَا مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ تُنَاسِبُ رُبَّ التَّقْلِيلِيَّةَ، وَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ لَفْظَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْفِضَّةُ بَدَلَ الْوَرِقِ. وَقَوْلُهُ: (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) أَيْ يُكْرَى بِهِما، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ وُجُودِهِمَا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨ - بَاب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكرى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ. وقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ؟ فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ) رَاعَى الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الشَّطْرِ لِوُرُودِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْلَا مُرَاعَاةُ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَكَانَ قَوْلُهُ: الْمُزَارَعَةُ بِالْجُزْءِ أَخْصَرَ وَأَبْيَنَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَاقِرُ.
قَوْلُهُ: (مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى الْفِعْلِ لَا عَلَى الْمَجْرُورِ، أَيْ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَيَزْرَعُونَ عَلَى الرُّبُعِ، أَوِ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ بِهِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْقَابِسِيَّ أَنْكَرَ هَذَا وَقَالَ: كَيْفَ يَرْوِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَيْسٌ كُوفِيٌّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مَدَنِيٌّ وَلَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحَدٌ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ؟ وَهُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَكَمْ مِنْ ثِقَةٍ تَفَرَّدَ بِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ ثِقَةٌ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ الثِّقَةُ حَافِظًا لَمْ يَضُرُّهُ الِانْفِرَادُ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ثُمَّ حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الْقَابِسِيِّ أَغْرَبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْآثَارَ فِي هَذَا الْبَابِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْجُزْءِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ آخِرِ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَمَدُ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِسِيَاقِ هَذِهِ الْآثَارِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ خِلَافٌ فِي الْجَوَازِ خُصُوصًا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ يُقَدِّمُ عَمَلَهُمْ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمَرْفُوعَةِ أَنْ يَقُولُوا بِالْجَوَازِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ)، أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو ابْنِ صُلَيْعٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدِ ومَالِكٍ - وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - فَوَصَلَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يُزَارَعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْطَعَ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَخَبَّابًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ جَارَيَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَسَعْدًا يُعْطِيَانِ أَرْضَيْهِمَا بِالثُّلُثِ.
وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ أَنْ يُزَارِعَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: انْظُرْ مَا قِبَلَكُمْ مِنْ أَرْضٍ فَأَعْطُوهَا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ وَإِلَّا فَعَلَى الثُّلُثِ حَتَّى تَبْلُغَ الْعُشْرَ. فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا أَحَدٌ فَامْنَحْهَا، وَإِلَّا فَأَنْفِقْ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُبِيرَنَّ قِبَلَكَ أَرْضًا.
وَأَمَّا أَثَرُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِيَسْأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اعْمَلْ فِي حَائِطِي هَذَا وَلَكَ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، قَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مَا يُصْنَعُ فِي الْأَرْضِ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ: الْأَرْضُ عِنْدِي مِثْلُ الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَمَا صَلَحَ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ صَلَحَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَصْلُحْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الْأَكَّارِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَعْوَانِهِ وَبَقَرِهِ وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَأَمَّا أَثَرُ عُرْوَةَ وَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: إِنِّي إِنْ نَظَرْتُ فِي آلِ أَبِي بَكْرٍ وَآلِ عُمَرَ وَآلِ عَلِيٍّ وَجَدْتُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ فَتَقَدَّمَ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ
مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طَائِفَةً مِنْ زَرْعِهِ أَوْ حَرْثِهِ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَتَهَا وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ فِيهِ: وَأَحْمِلُهُ إِلَى عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، فَلَوْ رَأَيَا بِهِ بَأْسًا لَنَهَيَانِي عَنْهُ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ عَمَّايَ يُزَارِعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَنَا شَرِيكُهُمَا، وَعَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يَعْلَمَانِ فَلَا يُغَيِّرَانِ.
قَوْلُهُ: (وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَاشْتَرَى بَيَاضَ أَرْضِهِمْ وَكُرُومَهُمْ، فَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ إِنْ هُمْ جَاءُوا بِالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ مِنْ عِنْدِهِمْ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرَ الثُّلُثُ، وَإِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَعَامَلَهُمْ فِي النَّخْلِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْخُمُسَ وَلَهُ الْبَاقِيَ، وَعَامَلَهُمْ فِي الْكَرْمِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الثُّلُثَ وَلَهُ الثُّلُثَانِ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَأَهْلَ فَدَكَ وَتَيْمَاءَ وَأَهْلَ خَيْبَرَ، وَاشْتَرَى عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ فَأَعْطَى الْبَيَاضَ - يَعْنِي بَيَاضَ الْأَرْضِ - عَلَى إِنْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ وَالْحَدِيدُ مِنْ عُمَرَ فَلَهُمُ الثُّلُثُ وَلِعُمَرَ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَلَهُمُ الشَّطْرُ وَلَهُ الشَّطْرُ، وَأَعْطَى النَّخْلَ وَالْعِنَبَ عَلَى أَنَّ لِعُمَرَ الثُّلُثَيْنِ وَلَهُمُ الثُّلُثُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا فَيَتَقَوَّى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ أَبْهَمَ الْمِقْدَارَ بِقَوْلِهِ: فَلَهُمْ كَذَا لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَجَازَ الْمُعَامَلَةَ بِالْجُزْءِ.
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الصَّنِيعُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ التَّنْوِيعُ وَالتَّخْيِيرُ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ جَعَالَةً فَلَا يَضُرُّهُ. نَعَمْ فِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْأَثَرَ وَغَيْرَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْمَعْنَى: فَالْمُزَارَعَةُ الْعَمَلُ فِي الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ، وَالْمُخَابَرَةُ مِثْلُهَا لَكِنِ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ.
وَقَدْ أَجَازَهُمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ، وَعَكْسُهُ الْجُورِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَحَمَلُوا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيَنْتَفِعَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ). أَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِنَحْوِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْحَسَنِ فِي الْقُطْنِ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ، وَأَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: مَا جَنَيْتُ فَلَكَ نِصْفُهُ، وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ. أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ أَرَادَ أَنَّهُ جَعَالَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أَيْ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى لِلنَّسَّاجِ الْغَزْلُ بِنَسْجِهِ وَيَكُونَ ثُلُثُ الْمَنْسُوجِ لَهُ وَالْبَاقِي لِمَالِكِ الْغَزْلِ، وَأَطْلَقَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَوَّاكِ يُعْطَى الثَّوْبَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ سَأَلَتُ مُحَمَّدًا هُوَ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى النَّسَّاجِ الثَّوْبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الأصل، وكذلك (١) كلُّ ما أشار إليه في المواضع المعلم عليها، فاعلم ذلك وأمعن النَّظر فيه.
٢٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄: أَخْبَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (ﷺ: عَامَلَ) أهل (خَيْبَرَ بِشَطْرِ) بنصف (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ) بالمُثلثَّة إشارةً إلى المساقاة (أَوْ زَرْعٍ) إشارةً إلى المزارعة (فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ) ﵅ (مِئَةَ وَِسْقٍ) بفتح الواو وكسرها -كما في التَّاليين في الفرع وأصله (٢) - والوسق: ستُّون صاعًا بصاع النَّبيِّ ﷺ، منها: (ثَمَانُونَ وَِسْقَ تَمْرٍ وَ) منها: (عِشْرُونَ وَِسْقَ شَعِيرٍ) «وسقَ»: نُصِب على التَّمييز في الموضعين، مضافٌ فيهما للاحقه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمانين» و «عشرين» بالنَّصب فيهما (فَقَسَمَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقسم» (عُمَرُ خَيْبَرَ) كذا بإثبات «خيبر» في الفرع وغيره ممَّا وقفت عليه من الأصول، وقول الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «وقسم عمر» أي: خيبر، وصرَّح بذلك أحمد في روايته عن ابن نُمَيرٍ عن عبيد الله (٣) بن عمر. مقتضاه: أنَّ رواية البخاريِّ بحذفه ليس إلَّا. فليُنظَر (فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ) بضمِّ الياء وسكون القاف، من الإقطاع (مِنَ المَاءِ وَالأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ) أي: يجري لهنَّ قسمتهنَّ على ما كان في حياة رسول الله ﷺ، كما كان من التَّمر والشَّعير (فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (اخْتَارَتِ الأَرْضَ).
وفي هذا الحديث جوازُ المزارعة والمخابرة؛ لتقرير النَّبيِّ ﷺ لذلك، واستمراره في عهد أبي بكرٍ إلى أن أجلاهم عمر ﵄، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطَّابيُّ، وصنَّف فيهما ابن خزيمة جزءًا بيَّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنَّهي عنهما، وجمع بين أحاديث الباب، ثمَّ تابعه الخطَّابيُّ وقال: ضعَّف أحمد ابن حنبل حديث النَّهي، وقال: هو مضطربٌ، وقال الخطَّابيُّ (١): وأبطلها مالكٌ وأبو حنيفة والشَّافعيُّ لأنَّهم لم يقفوا على علَّته (٢)، قال: فالمزارعة جائزةٌ وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار، لا يبطل العمل بها أحدٌ، هذا كلام الخطَّابيِّ، والمختار جواز المزارعة والمخابرة، وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط لواحدٍ زرع قطعةٍ مُعيَّنةٍ ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما، فمتى أُفرِدت الأرض بمخابرةٍ أو مزارعةٍ بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلَّة لصاحب البذر؛ لأنَّها نماء ماله، فإن كان البذر للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها، أو المالكِ فللعامل عليه أجرةُ مثلِ عملهِ وعمل ما يتعلَّق به من آلاته (٣) كالبقر إن حصل من الزَّرع شيءٌ، أو لهما فعلى كلٍّ منهما أجرةُ مثلِ عملِ الآخر بنفسه وآلاته في حصَّته؛ لذلك فإن أراد أن يكون الزَّرع بينهما على وجهٍ مشروعٍ بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيءٍ فليستأجر العامل من المالك نصفَ الأرض بنصفِ منافعه ومنافع آلاته (٤) ونصفِ البذر إن كان منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالكُ العاملَ بنصف البذر؛ ليزرعَ له نصفَ الأرض، ويُعيره (٥) نصفَ الأرض الآخر، وإن شاء استأجره بنصفِ البذر ونصفِ منفعةِ تلك الأرض؛ ليزرع له باقِيَه في باقيها، وإن كان البذر لهما أَجَرَه نصفَ الأرض بنصفِ منفعته ومنفعة آلاته (٦)، أو أعاره نصفَ الأرض وتبرَّع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخصُّ المالك، أو أَكْرَاهُ نصفها بدينارٍ مثلًا، واكترى العاملَ ليعمل على نصيبه بنفسِه وآلتِه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(لسَيِّد الأَرْض) ، أَي: مَالِكهَا، جعل الأَرْض كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوك وَأطلق السَّيِّد عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: رَافع بن خديج. قَوْله: (فمما يصاب ذَلِك) ، أَي: فكثيراً مَا يصاب ذَلِك الْبَعْض، أَي: يَقع لَهُ مُصِيبَة وَيصير مؤوفاً فيتلف ذَلِك وَيسلم بَاقِي الأَرْض، وَبِالْعَكْسِ تَارَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَمِمَّا يصاب الأَرْض وَيسلم ذَلِك أَي: الْبَعْض، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فمهما، فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَرِوَايَة الْأَكْثَرين أولى لِأَن: مهما، يسْتَعْمل لأحد معَان ثَلَاثَة: أَحدهَا: يتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِيمَا لَا يعقل غير الزَّمَان. وَالثَّانِي: الزَّمَان وَالشّرط، والزمخشري يُنكر ذَلِك. وَالثَّالِث: الِاسْتِفْهَام، وَلَا يُنَاسب مهما هُنَا إلَاّ بالتعسف، يعلم ذَلِك من يتَأَمَّل فِيهِ، وَأما من لَا عَرَبِيَّة لَهُ فَلَا يفهم من ذَلِك شَيْئا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون: مهما، بِمَعْنى: رُبمَا، لِأَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض، سِيمَا، وَمن، التبعضية تناسب: رب، التقليلية، وعَلى هَذَا الِاحْتِمَال لَا يحْتَاج أَن يُقَال: إِن لفظ ذَلِك من بَاب وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر. قَوْله: (فنهينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: نهينَا عَن هَذَا الإكراء على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ مُوجب لحرمان أحد الطَّرفَيْنِ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْأكل بِالْبَاطِلِ. قَوْله: (وَالْوَرق) ، بِكَسْر الرَّاء هُوَ الْفضة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْفضة عوض الورث. قَوْله: (فَلم يكن يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: فَلم يكن الذَّهَب وَالْفِضَّة يكرى بهما، لَا أَن مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الذَّهَب وَالْفِضَّة موجودين.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن إكراء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، أَي: بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا مَنْهِيّ عَنهُ، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَمُجاهد ومسروق وَالشعْبِيّ وطاووس وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَزفر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث رَافع ابْن خديج الْمَذْكُور. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا أخرجه الطَّحَاوِيّ. حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي جرير بن حَازِم عَن يعلى بن حَكِيم عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن رَافع بن خديج، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يكريها بِالثُّلثِ وَلَا بِالربعِ وَلَا بِطَعَام مُسَمّى) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي بعد عشرَة أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب، قَالَ: سَأَلت عبد الله ابْن مُغفل عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أَخْبرنِي ثَابت بن الضَّحَّاك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الْمُزَارعَة، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر بن عبد الله، وَسَيَأْتِي أَيْضا هَذَا بعد أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث سَالم: أَن عبد الله ابْن عمر، قَالَ: كنت أعلم فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الأَرْض تكرى ... الحَدِيث، وَسَيَأْتِي هَذَا أَيْضا بعد أَبْوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَلما كَانَت أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة مُخْتَلفَة الْأَلْفَاظ ومتباينة الْمعَانِي كثرت فِيهِ مَذَاهِب النَّاس وأقوال الْعلمَاء. قَالَ أَبُو عمر: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء من الطَّعَام مَأْكُولا كَانَ أَو مشروباً على حَال، لِأَن ذَلِك فِي معنى بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة، وَكَذَلِكَ: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء مِمَّا يخرج مِنْهَا وَإِن لم يكن طَعَاما وَلَا مشروباً سوى الْخشب والقصب والحطب، لِأَنَّهُ فِي معنى المراقبة، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَن مَالك وَأَصْحَابه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف النَّاس فِي منع كِرَاء الأَرْض على الْإِطْلَاق، فَقَالَ بِهِ طَاوُوس وَالْحسن أخذا بِظَاهِر النَّهْي عَن المحاقلة، وفسرها الرَّاوِي بكرَاء الأَرْض، فَأطلق. وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِنَّمَا يمْنَع على التَّقْيِيد دون الْإِطْلَاق، وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك، فعندهما أَن كراءها بالجزء لَا يجوز من غير خلاف، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ بعض الصَّحَابَة وَبَعض الْفُقَهَاء بِجَوَازِهِ تَشْبِيها بالقراض، وَأما إكراءها بِالطَّعَامِ مَضْمُونا فِي الذِّمَّة فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن حزم: وَمِمَّنْ أجَاز إِعْطَاء الأَرْض بِجُزْء مُسَمّى مِمَّا يخرج مِنْهَا: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَسعد وَابْن مَسْعُود وخباب وَحُذَيْفَة ومعاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن مُوسَى وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف فِيهَا عَن اللَّيْث، وأجازها أَحْمد وَإِسْحَاق، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا إِن الْبذر يكون من عِنْد صَاحب الأَرْض، وَإِنَّمَا على الْعَامِل الْبَقر والآلة وَالْعَمَل، وَأَجَازَهُ بعض أَصْحَاب الحَدِيث، وَلم يبال مِمَّن جعل الْبذر مِنْهُمَا.
٨ - (بابُ المُزَارَعَةِ بالشَّطْرِ ونَحْوِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُزَارعَة بالشطر، أَي: بِالنِّصْفِ، قَالَ بَعضهم: رَاعى المُصَنّف لفظ: الشّطْر، لوروده فِي الحَدِيث،
وَألْحق غَيره لتساويهما فِي الْمَعْنى، وَلَوْلَا مُرَاعَاة لفظ الحَدِيث لَكَانَ قَوْله: الْمُزَارعَة بالجزء أخصر. قلت: قد يُطلق الشّطْر وَيُرَاد بِهِ الْبَعْض، فَاخْتَارَ لفظ الشّطْر لمراعاة لفظ الحَدِيث، ولكونه يُطلق على الْبَعْض وَالْبَعْض هُوَ الْجُزْء. فَإِن قلت: فعلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: وَنَحْوه؟ قلت: إِذا أُرِيد بِلَفْظ الشّطْر الْبَعْض يكون المُرَاد بِنَحْوِهِ الْجُزْء، فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى التعسف بالإلحاق. فَافْهَم.
وَقل قيْسُ بنُ مُسْلِمً عَن أبِي جَعْفَرٍ قَالَ مَا بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَاّ يَزْرَعُونَ علَى الثُّلْثِ والرُّبْعِ
قيس بن مُسلم الجدلي أَبُو عَمْرو الْكُوفِي، مر فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الباقر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ، قَالَ: أَخْبرنِي قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر بِهِ. قَوْله: (أهل بَيت هِجْرَة) ، أَرَادَ بِهِ الْمُهَاجِرين. قَوْله: (وَالرّبع) ، الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى أَو، وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو عاطفة على الْفِعْل لَا على الْمَجْرُور، أَي: يزرعون على الثُّلُث ويزرعون على الرّبع. قلت: لَا يُقَال الْحَرْف يعْطف على الْفِعْل، وَإِنَّمَا الْوَاو هُنَا بِمَعْنى: أَو، كَمَا قُلْنَا، فَإِذا خليناها على أَصْلهَا يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: وإلَاّ يزرعون على الرّبع، وَنقل ابْن التِّين عَن الْقَابِسِيّ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه أنكر رِوَايَة قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر، وَعلل بِأَن قيسا كُوفِي وَأَبا جَعْفَر مدنِي، وَلم يروه عَن قيس أحد من الْمَدَنِيين، ورد هَذَا بِأَن انْفِرَاد الثِّقَة الْحَافِظ لَا يضر. وَالْآخر: ذكر أَن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب ليعلم أَنه لم يَصح فِي الْمُزَارعَة على الْجُزْء حَدِيث مُسْند، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ذهل عَن حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِي آخر الْبَاب، وَهُوَ الَّذِي احْتج بِهِ من قَالَ بِالْجَوَازِ.
وَزَارَعَ عَلِيٌّ وسَعْد بنُ مَالِكٍ وعَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ والْقَاسِمُ وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وآلُ أبِي بَكْرٍ وآلِ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وابنُ سِيرينَ
وصل تَعْلِيق عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن صليعٍ عَنهُ أَنه: لم ير بَأْسا بالمزارعة على النّصْف. وَوصل تَعْلِيق سعد بن مَالك، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، وَتَعْلِيق عبد الله بن مَسْعُود، الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا فَهد حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد أخبرنَا شريك عَن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، قَالَ: سَأَلت مُوسَى بن طَلْحَة عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أقطع عُثْمَان عبد الله أَرضًا، وأقطع سَعْدا أَرضًا، وأقطع خباباً أَرضًا وأقطع صهيباً أَرضًا فَكل جاري، فَكَانَا يزرعان بِالثُّلثِ وَالرّبع. انْتهى وَفِيه: خباب وصهيب أَيْضا. وَوصل تَعْلِيق عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن أبي شيبَة من طَرِيق خَالِد الْحذاء: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة أَن يزارع بِالثُّلثِ أَو الرّبع. وَوصل تَعْلِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عبد الرَّزَّاق، قَالَ: سَمِعت هشاماً يحدث أَن ابْن سِيرِين أرْسلهُ إِلَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد يسْأَله عَن رجل قَالَ لآخر: إعمل فِي حائطي هَذَا وَلَك الثُّلُث أَو الرّبع، قَالَ: لَا بَأْس. قَالَ: فَرَجَعت إِلَى ابْن سِيرِين فَأَخْبَرته، فَقَالَ: هَذَا أحسن مَا يصنع فِي الأَرْض، وَوصل تَعْلِيق عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام ابْن أبي شيبَة، قَالَه بَعضهم وَلم أَجِدهُ. وَوصل تَعْلِيق آل أبي بكر وَآل عمر فوصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ إِلَى أبي شيبَة، بِسَنَدِهِ إِلَى أبي جَعْفَر الباقر: أَنه سُئِلَ عَن الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع؟ فَقَالَ: إِن نظرت فِي آل أبي بكر وَآل عمر وَجَدتهمْ يَفْعَلُونَ ذَلِك، قلت آل الرجل أهل بَيته، لِأَن الْآل الْقَبِيلَة ينْسب إِلَيْهَا فَيدْخل كل من ينْسب إِلَيْهِ من قبل آبَائِهِ إِلَى أقْصَى أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام الْأَقْرَب والأبعد. وَوصل تَعْلِيق مُحَمَّد بن سِيرِين بن سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ عَنهُ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَجْعَل الرجل للرجل طَائِفَة من زرعه أَو حرثه، على أَن يَكْفِيهِ مؤونتها وَالْقِيَام عَلَيْهَا.
وَقَالَ عبدُ الرَّحْمانُ بنُ الأسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عبدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ
عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ أَبُو بكر الْكُوفِي، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي هُوَ أَخُو الْأسود بن يزِيد، وَابْن أخي عَلْقَمَة بن قيس، وَهُوَ أَيْضا أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة، وَزَاد فِيهِ، واحمله إِلَى عَلْقَمَة وَالْأسود، فَلَو رَأيا بِهِ بَأْسا لنهياني عَنهُ.
وعامَلَ عُمَرُ الناسَ علَى إنْ جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فلَهُ الشَّطْرُ وإنْ جاؤُا بالبَذْرِ فلَهُمْ كذَا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل نَجْرَان وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَاشْترى بَيَاض أَرضهم وكرومهم، فعامل عمر النَّاس: إِن هم جاؤا بالبقر وَالْحَدِيد من عِنْدهم فَلهم الثُّلُثَانِ ولعمر الثُّلُث، وَإِن جَاءَ عمر بالبذر من عِنْده فَلهُ الشّطْر، وعاملهم فِي النّخل على أَن لَهُم الْخمس، وَله الْبَاقِي وعاملهم فِي الْكَرم على أَن لَهُم الثُّلُث وَله الثُّلثَيْنِ.
وَقَالَ الحسَنُ لَا بَأْسَ أنْ تَكُونَ الأرضُ لِأَحَدِهِمَا فيُنْفِقَانِ جَمِيعاً فَما خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَالَ بَعضهم: أما قَول الْحسن فوصله سعيد بن مَنْصُور نَحوه. قلت: لم أَقف على ذَلِك بعد الْكَشْف.
ورَأى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ
أَي: رأى مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ مَا قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، يَعْنِي: يذهب إِلَيْهِ فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أما قَول الزُّهْرِيّ فوصله عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة نَحوه. قلت: لم أَجِدهُ عِنْدهمَا.
وقالَ الحَسَنُ لَا بَأْسَ أنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ علَى النِّصْفِ
أَن يجتنى من: جنيت الثَّمَرَة إِذا أَخَذتهَا من الشَّجَرَة. وَقَالَ ابْن بطال: أما اجتناء الْقطن والعصفر ولقاط الزَّيْتُون والحصاد، كل ذَلِك غير مَعْلُوم، فَأَجَازَهُ جمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل قاسوه على الْقَرَاض، لِأَنَّهُ يعْمل بِالْمَالِ على جُزْء مِنْهُ مَعْلُوم لَا يدْرِي مبلغه، وَمنع من ذَلِك مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، لِأَنَّهَا عِنْدهم إِجَارَة بِثمن مَجْهُول لَا يعرف.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وابنُ سِيرينَ وعطَاءٌ والحَكَمُ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ لَا بأسَ أنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بالثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ ونَحْوَهُ
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم وَقَتَادَة هُوَ ابْن دعامة، قَالُوا: لَا بَأْس أَن يعْطى للنساج الْغَزل لينسجه وَيكون ثلث المنسوج لَهُ وَالْبَاقِي لمَالِك الْغَزل، وَأطلق الثَّوْب على الْغَزل مجَازًا. أما قَول إِبْرَاهِيم فوصله أَبُو بكر الْأَثْرَم من طَرِيق الحكم أَنه: سَأَلَ إِبْرَاهِيم عَن الحواك يُعْطي الثَّوْب على الثُّلُث وَالرّبع، فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك، وَأما قَول ابْن سِيرِين فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن عون: سَأَلت مُحَمَّدًا هُوَ ابْن سِيرِين عَن الرجل يدْفع إِلَى النساج الثَّوْب بِالثُّلثِ أَو بِالربعِ أَو بِمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ فَقَالَ لَا أعلم بِهِ بَأْسا وَقَالَ بَعضهم وَأما قَول عَطاء وَالْحكم فوصلهما ابْن أبي شيبَة. قلت: لم أجد ذَلِك عِنْده. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فَلم أَقف عَلَيْهِ. وَأما قَول قَتَادَة فوصله ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يدْفع الثَّوْب إِلَى النساج بِالثُّلثِ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: من دفع إِلَى حائك غزلاً لينسجه بِالنِّصْفِ فَهَذَا فَاسد، فللحائك أجر مثله. وَفِي (الْمَبْسُوط) : حكى الْحلْوانِي عَن أستاذه أبي عَليّ أَنه كَانَ يُفْتِي بِجَوَاز ذَلِك فِي دياره بنسف، لِأَن فِيهِ عرفا ظَاهرا، وَكَذَا مَشَايِخ بَلخ يفتون بِجَوَاز ذَلِك فِي الثِّيَاب للتعامل، وَكَذَا قَالُوا: لَا يجوز إِذا اسْتَأْجر حمارا يحمل طَعَاما بقفيز مِنْهُ، لِأَنَّهُ جعل الْأجر بعض مَا يخرج من عمله، فَيصير فِي معنى قفيز الطَّحَّان وَقد نهى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل وَعَن قفيز الطَّحَّان، وَتَفْسِير: قفيز الطَّحَّان: أَن يسْتَأْجر ثوراً ليطحن لَهُ حِنْطَة بقفيز من دقيقه، وَكَذَا إِذا اسْتَأْجر أَن يعصر لَهُ سمسماً بِمن من دهنه أَو اسْتَأْجر امْرَأَة لغزل هَذَا الْقطن أَو هَذَا الصُّوف برطل من الْغَزل، وَكَذَا اجتناء الْقطن بِالنِّصْفِ، ودياس الدخن بِالنِّصْفِ، وحصاد الْحِنْطَة بِالنِّصْفِ، وَنَحْو ذَلِك، وكل ذَلِك لَا يجوز.
وَقَالَ مَعْمَرٌ لَا بأسَ أَن تكُونَ المَاشِيَةُ علَى الثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ إلَى أجَلٍ مُسَمًّى
معمر، بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. قَوْله: (أَن تكون الْمَاشِيَة) ، ويروى: أَن يكْرِي الْمَاشِيَة، وَذَلِكَ: أَن يكْرِي دَابَّة تحمل لَهُ طَعَاما مثلا إِلَى مُدَّة مُعينَة، على أَن يكون ذَلِك بَينهمَا أَثلَاثًا أَو أَربَاعًا، فَإِنَّهُ لَا بَأْس. وَعِنْدنَا: لَا يجوز ذَلِك، وَعَلِيهِ أُجْرَة الْمثل لصَاحب الدَّابَّة.
٨٢٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ أنَّ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخْبَرَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ فَكانَ يُعْطِي أزْوَاجَهُ مِائَةَ وسْقٍ ثَمانُونَ وسْقَ تَمْرٍ وعِشْرُونَ وسْقَ شَعِيرٍ فقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أزْوَاجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَاءِ والأرْضِ أوْ يُمْضِي لَهُنَّ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأرْضَ ومِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ وكانَتْ عائِشَةُ اخْتَارَتِ الأرْضَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَامل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من تمر أَو زرع) ، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أخبرهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، ويروى: أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عَامل خَيْبَر) أَي: أهل خَيْبَر، نَحْو: {واسأل الْقرْيَة} (يُوسُف: ٢٨) . أَي: أهل الْقرْيَة. قَوْله: (بِشَطْر) ، أَي: بِنصْف مَا يخرج مِنْهَا. قَوْله: (من ثَمَر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة إِشَارَة إِلَى الْمُسَاقَاة. قَوْله: (أَو زرع) ، إِشَارَة إِلَى الْمُزَارعَة. قَوْله: (فَكَانَ يُعْطي أَزوَاجه مائَة وسق) ، الوسق سِتُّونَ صَاعا بِصَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي كتاب الْخراج ضَبطه ابْن التِّين: الوسق، بِضَم الْوَاو، وَقَالَ غَيره: هُوَ بِالْفَتْح. قَوْله: (ثَمَانُون وسق تمر وَعِشْرُونَ وسق شعير) ، كذاا هُوَ: ثَمَانُون وَعِشْرُونَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثَمَانِينَ وَعشْرين، وَجه الرّفْع على تَقْدِير: مِنْهَا ثَمَانُون وسق تمر، فَيكون ارْتِفَاع: ثَمَانُون، على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما لفظ: مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: وَعِشْرُونَ، أَي: وَمِنْهَا عشرُون، وَوجه النصب على تَقْدِير: أَعنِي ثَمَانِينَ وسق تمر وَعشْرين وسق شعير، وَقَالَ بَعضهم: الرّفْع على الْقطع، وَثَمَانِينَ على الْبَدَل، وَلَا يَصح شَيْء من ذَلِك يعرف بِالتَّأَمُّلِ، وَلَفظ: وسق، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَكِلَاهُمَا بِالْإِضَافَة. قَوْله: (فقسم عمر) ، ويروى: وَقسم بِالْوَاو. وَقَالَ بَعضهم: وَقسم عمر أَي: خَيْبَر وَصرح بذلك أَحْمد فِي رِوَايَته عَن ابْن نمير عَن عبيد الله بن عمر. قلت: فِي كثير من النّسخ قلت: خَيْبَر، مَوْجُود فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير إلَاّ فِي نُسْخَة سقط مِنْهَا هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (أَن يقطع) ، بِضَم الْيَاء من الإقطاع بِكَسْر الْهمزَة، يُقَال: أقطع السُّلْطَان فلَانا أَرض كَذَا، إِذا أعطَاهُ وَجعله قطيعة لَهُ. قَوْله: (ويمضي لَهُنَّ) أَي: أَو يجْرِي لَهُنَّ قِسْمَتهنَّ على مَا كَانَ فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا كَانَ من التَّمْر وَالشعِير.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: هَذَا الحَدِيث عُمْدَة من أجَاز الْمُزَارعَة. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي كِرَاء الأَرْض بِالشّرطِ وَالثلث وَالرّبع، فَأجَاز ذَلِك عَليّ وَابْن مَسْعُود وَسعد وَالزُّبَيْر وَأُسَامَة وَابْن عمر ومعاذ وخباب، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وطاووس وَابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد، وَهَؤُلَاء أَجَازُوا الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة. وكرهت ذَلِك طَائِفَة، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعِكْرِمَة وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، قَالُوا: لَا تجوز الْمُزَارعَة، وَهُوَ كِرَاء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، وَيجوز عِنْدهم الْمُسَاقَاة، ومنعها أَبُو حنيفَة وَزفر فَقَالَا: لَا تجوز الْمُزَارعَة وَلَا الْمُسَاقَاة بِوَجْه من الْوُجُوه، وَقَالُوا: الْمُزَارعَة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج، وَهِي إِجَارَة مَجْهُولَة، لِأَنَّهُ قد لَا تخرج الأَرْض شَيْئا. وأدعوا أَن الْمُسَاقَاة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن الْمُزَابَنَة، وَذكر الطَّحَاوِيّ حَدِيث رَافع: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمُزَارعَة، وَحَدِيث ابْن عمر: كُنَّا لَا نرى بَأْسا حَتَّى زعم رَافع أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن المخابرة، وَمثله: نهى عَن كِرَاء الأَرْض، وَحَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الْمُزَارعَة. وَحَدِيث جَابر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يؤاجرها) . وَفِي لفظ: (من لم يدع المخابرة فليؤذن
بِحَرب من الله عز وَجل) .
وَأجَاب أَبُو حنيفَة عَن حَدِيث الْبَاب بِأَن مُعَاملَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل خَيْبَر لم كن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة، بل كَانَت بطرِيق الْخراج على وَجه الْمَنّ عَلَيْهِم وَالصُّلْح، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ملكهَا غنيمَة، فَلَو كَانَ أَخذ كلهَا جَازَ وَتركهَا فِي أَيْديهم بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا فضلا، وَكَانَ ذَلِك خراج مقاسمة وَهُوَ جَائِز كخراج التوظيف، وَلَا نزاع فِيهِ، وَإِنَّمَا النزاع فِي جَوَاز الْمُزَارعَة والمعاملة، وخراج الْمُقَاسَمَة أَن يوظف الإِمَام فِي الْخَارِج شَيْئا مُقَدرا عشرا أَو ثلثا أَو ربعا وَيتْرك الْأَرَاضِي على ملكهم منا عَلَيْهِم، فَإِن لم تخرج الأَرْض شَيْئا فَلَا شَيْء عَلَيْهِم، وَهَذَا تَأْوِيل صَحِيح، فَإِنَّهُ لم ينْقل عَن أحد من الروَاة أَنه تصرف فِي رقابهم أَو رِقَاب أَوْلَادهم. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي (شَرحه لمختصر الطَّحَاوِيّ) : وَمِمَّا يدل على أَن مَا شَرط من نصف الثَّمر وَالزَّرْع كَانَ على وَجه الْجِزْيَة، أَنه لم يرو فِي شَيْء من الْأَخْبَار أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ مِنْهُم الْجِزْيَة إِلَى أَن مَاتَ، وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى أَن أجلاهم، وَلَو لم يكن ذَلِك لأخذ مِنْهُم الْجِزْيَة حِين نزلت آيَة الْجِزْيَة، وَالْخَرَاج الموظف أَن يَجْعَل الإِمَام فِي ذمتهم بِمُقَابلَة الأَرْض شَيْئا من كل جريب يصلح للزِّرَاعَة صَاعا ودرهماً. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسم أَرَاضِي خَيْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ سَهْما، وَهَذَا على أَنَّهَا مَا كَانَت خراج مقاسمة؟ قلت: يجوز أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسم خراج الْأَرَاضِي بِأَن جعل خراج هَذِه الأَرْض لفُلَان وخراج هَذِه لفُلَان. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل خَيْبَر وَلم يعطهم قيمَة الْأَرَاضِي، فَدلَّ ذَلِك على عدم الْملك. قلت: يجوز أَنه مَا أَعْطَاهُم زمَان الإجلاء، وَأَعْطَاهُمْ بعد ذَلِك.
وَفِيه: تَخْيِير عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أَن يقطع لَهُنَّ من الأَرْض وَبَين إجرائهن على مَا كن عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير أَن يملكهن، لِأَن الأَرْض لم تكن موروثة عَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِذا توفين عَادَتْ الأَرْض وَالنَّخْل على أَصْلهَا وَقفا مسبلاً، وَكَانَ عمر يعطيهن ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا تركت بعد نَفَقَة نسَائِي فَهُوَ صَدَقَة) ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يقطعهن سوى هَذِه الأوسق اثْنَي عشر ألفا لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وَمَا يجْرِي عَلَيْهِم فِي سَائِر السّنة.
٩ - (بابٌ إِذا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنينَ فِي المُزَارَعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يشْتَرط رب الأَرْض سنيناً مَعْلُومَة فِي عقد الْمُزَارعَة، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، الَّذِي هُوَ: يجوز أَو لَا يجوز لَكَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ، قَالَ ابْن بطال: قد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمُزَارعَة من غير أجل، فكرهها مَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا لم يسم سِنِين مَعْلُومَة فَهُوَ على سنة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَحكى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: أُجِيز ذَلِك اسْتِحْسَانًا، وَادّعى الْقيَاس لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نقركم مَا شِئْنَا) . قَالَ: فَيكون لصَاحب النّخل وَالْأَرْض أَن يخرج المساقي والمزارع من الأَرْض مَتى شَاءَ، وَفِي ذَلِك دلَالَة أَن الْمُزَارعَة تخَالف الْكِرَاء، لَا يجوز فِي الْكِرَاء أَن يَقُول: أخرجك عَن أرضي مَتى شِئْت، وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن الْكِرَاء فِي الدّور وَالْأَرضين لَا يجوز إلَاّ وقتا مَعْلُوما. قلت: لصِحَّة الْمُزَارعَة على قَول من يجيزها شُرُوط، مِنْهَا بَيَان الْمدَّة بِأَن يُقَال: إِلَى سنة أَو سنتَيْن، وَمَا أشبهه، وَلَو بَين وقتا لَا يدْرك الزَّرْع فِيهَا تفْسد الْمُزَارعَة، وَكَذَا لَو بَين مُدَّة لَا يعِيش أَحدهمَا إِلَيْهَا غَالِبا تفْسد أَيْضا، وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة: أَن الْمُزَارعَة تصح بِلَا بَيَان الْمدَّة، وَتَقَع على زرع وَاحِد، وَاخْتَارَهُ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَعَن أَحْمد: يجوز بِلَا بَيَان الْمدَّة لِأَنَّهَا عقد جَائِز غير لَازم، وَعند أَكثر الْفُقَهَاء: لَازم.
٩٢٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ عامَلَ النَّبِي (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ. .
هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله عَن نَافِع، وَهنا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع، وَأَعَادَهُ مُخْتَصرا لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، والمطابقة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى بَيَان الْمدَّة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّجَرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ الْجَائِزَ هُوَ الْمُسَيَّبُ لِلْمَصْلَحَةِ كَنِكَايَةِ الْكُفَّارِ أَوْ الِانْتِفَاعِ بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوِهِ، وَالْمُنْكَرَ هُوَ الَّذِي عَنِ الْعَبَثِ وَالْإِفْسَادِ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنِ الْمُخَاطَرَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ إِبْقَاءً عَلَى مَنْفَعَتِهَا مِنَ الضَّيَاعِ مَجَّانًا فِي عَوَاقِبِ الْمُخَاطَرَةِ، فَإِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ وَلَا مُشَخَّصَةٍ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ عَيْنِهَا بِقَطْعِ أَشْجَارِهَا عَبَثًا أَجْدَرُ وَأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (نُكْرِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَقَوْلُهُ: (لِسَيِّدِ الْأَرْضِ) أَيْ مَالِكُهَا. وَقَوْلُهُ: (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) ذَكَرَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْبَعْضِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الزَّرْعِ. وَقَوْلُهُ: (فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمِ الْأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَمَهْمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَمَعْنَاهُ فَكَثِيرًا مَا يُصَابُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ. وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا بِمَعْنَى رُبَّمَا لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ وَلَا سِيَّمَا مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ تُنَاسِبُ رُبَّ التَّقْلِيلِيَّةَ، وَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ لَفْظَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْفِضَّةُ بَدَلَ الْوَرِقِ. وَقَوْلُهُ: (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) أَيْ يُكْرَى بِهِما، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ وُجُودِهِمَا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨ - بَاب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكرى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ. وقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ؟ فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ) رَاعَى الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الشَّطْرِ لِوُرُودِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْلَا مُرَاعَاةُ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَكَانَ قَوْلُهُ: الْمُزَارَعَةُ بِالْجُزْءِ أَخْصَرَ وَأَبْيَنَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَاقِرُ.
قَوْلُهُ: (مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى الْفِعْلِ لَا عَلَى الْمَجْرُورِ، أَيْ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَيَزْرَعُونَ عَلَى الرُّبُعِ، أَوِ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ بِهِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْقَابِسِيَّ أَنْكَرَ هَذَا وَقَالَ: كَيْفَ يَرْوِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَيْسٌ كُوفِيٌّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مَدَنِيٌّ وَلَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحَدٌ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ؟ وَهُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَكَمْ مِنْ ثِقَةٍ تَفَرَّدَ بِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ ثِقَةٌ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ الثِّقَةُ حَافِظًا لَمْ يَضُرُّهُ الِانْفِرَادُ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ثُمَّ حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الْقَابِسِيِّ أَغْرَبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْآثَارَ فِي هَذَا الْبَابِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْجُزْءِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ آخِرِ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَمَدُ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِسِيَاقِ هَذِهِ الْآثَارِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ خِلَافٌ فِي الْجَوَازِ خُصُوصًا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ يُقَدِّمُ عَمَلَهُمْ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمَرْفُوعَةِ أَنْ يَقُولُوا بِالْجَوَازِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ)، أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو ابْنِ صُلَيْعٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدِ ومَالِكٍ - وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - فَوَصَلَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يُزَارَعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْطَعَ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَخَبَّابًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ جَارَيَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَسَعْدًا يُعْطِيَانِ أَرْضَيْهِمَا بِالثُّلُثِ.
وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ أَنْ يُزَارِعَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: انْظُرْ مَا قِبَلَكُمْ مِنْ أَرْضٍ فَأَعْطُوهَا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ وَإِلَّا فَعَلَى الثُّلُثِ حَتَّى تَبْلُغَ الْعُشْرَ. فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا أَحَدٌ فَامْنَحْهَا، وَإِلَّا فَأَنْفِقْ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُبِيرَنَّ قِبَلَكَ أَرْضًا.
وَأَمَّا أَثَرُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِيَسْأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اعْمَلْ فِي حَائِطِي هَذَا وَلَكَ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، قَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مَا يُصْنَعُ فِي الْأَرْضِ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ: الْأَرْضُ عِنْدِي مِثْلُ الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَمَا صَلَحَ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ صَلَحَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَصْلُحْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الْأَكَّارِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَعْوَانِهِ وَبَقَرِهِ وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَأَمَّا أَثَرُ عُرْوَةَ وَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: إِنِّي إِنْ نَظَرْتُ فِي آلِ أَبِي بَكْرٍ وَآلِ عُمَرَ وَآلِ عَلِيٍّ وَجَدْتُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ فَتَقَدَّمَ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ
مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طَائِفَةً مِنْ زَرْعِهِ أَوْ حَرْثِهِ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَتَهَا وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ فِيهِ: وَأَحْمِلُهُ إِلَى عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، فَلَوْ رَأَيَا بِهِ بَأْسًا لَنَهَيَانِي عَنْهُ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ عَمَّايَ يُزَارِعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَنَا شَرِيكُهُمَا، وَعَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يَعْلَمَانِ فَلَا يُغَيِّرَانِ.
قَوْلُهُ: (وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَاشْتَرَى بَيَاضَ أَرْضِهِمْ وَكُرُومَهُمْ، فَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ إِنْ هُمْ جَاءُوا بِالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ مِنْ عِنْدِهِمْ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرَ الثُّلُثُ، وَإِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَعَامَلَهُمْ فِي النَّخْلِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْخُمُسَ وَلَهُ الْبَاقِيَ، وَعَامَلَهُمْ فِي الْكَرْمِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الثُّلُثَ وَلَهُ الثُّلُثَانِ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَأَهْلَ فَدَكَ وَتَيْمَاءَ وَأَهْلَ خَيْبَرَ، وَاشْتَرَى عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ فَأَعْطَى الْبَيَاضَ - يَعْنِي بَيَاضَ الْأَرْضِ - عَلَى إِنْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ وَالْحَدِيدُ مِنْ عُمَرَ فَلَهُمُ الثُّلُثُ وَلِعُمَرَ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَلَهُمُ الشَّطْرُ وَلَهُ الشَّطْرُ، وَأَعْطَى النَّخْلَ وَالْعِنَبَ عَلَى أَنَّ لِعُمَرَ الثُّلُثَيْنِ وَلَهُمُ الثُّلُثُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا فَيَتَقَوَّى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ أَبْهَمَ الْمِقْدَارَ بِقَوْلِهِ: فَلَهُمْ كَذَا لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَجَازَ الْمُعَامَلَةَ بِالْجُزْءِ.
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الصَّنِيعُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ التَّنْوِيعُ وَالتَّخْيِيرُ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ جَعَالَةً فَلَا يَضُرُّهُ. نَعَمْ فِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْأَثَرَ وَغَيْرَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْمَعْنَى: فَالْمُزَارَعَةُ الْعَمَلُ فِي الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ، وَالْمُخَابَرَةُ مِثْلُهَا لَكِنِ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ.
وَقَدْ أَجَازَهُمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ، وَعَكْسُهُ الْجُورِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَحَمَلُوا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيَنْتَفِعَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ). أَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِنَحْوِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْحَسَنِ فِي الْقُطْنِ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ، وَأَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: مَا جَنَيْتُ فَلَكَ نِصْفُهُ، وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ. أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ أَرَادَ أَنَّهُ جَعَالَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أَيْ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى لِلنَّسَّاجِ الْغَزْلُ بِنَسْجِهِ وَيَكُونَ ثُلُثُ الْمَنْسُوجِ لَهُ وَالْبَاقِي لِمَالِكِ الْغَزْلِ، وَأَطْلَقَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَوَّاكِ يُعْطَى الثَّوْبَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ سَأَلَتُ مُحَمَّدًا هُوَ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى النَّسَّاجِ الثَّوْبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الأصل، وكذلك (١) كلُّ ما أشار إليه في المواضع المعلم عليها، فاعلم ذلك وأمعن النَّظر فيه.
٢٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄: أَخْبَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (ﷺ: عَامَلَ) أهل (خَيْبَرَ بِشَطْرِ) بنصف (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ) بالمُثلثَّة إشارةً إلى المساقاة (أَوْ زَرْعٍ) إشارةً إلى المزارعة (فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ) ﵅ (مِئَةَ وَِسْقٍ) بفتح الواو وكسرها -كما في التَّاليين في الفرع وأصله (٢) - والوسق: ستُّون صاعًا بصاع النَّبيِّ ﷺ، منها: (ثَمَانُونَ وَِسْقَ تَمْرٍ وَ) منها: (عِشْرُونَ وَِسْقَ شَعِيرٍ) «وسقَ»: نُصِب على التَّمييز في الموضعين، مضافٌ فيهما للاحقه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمانين» و «عشرين» بالنَّصب فيهما (فَقَسَمَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقسم» (عُمَرُ خَيْبَرَ) كذا بإثبات «خيبر» في الفرع وغيره ممَّا وقفت عليه من الأصول، وقول الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «وقسم عمر» أي: خيبر، وصرَّح بذلك أحمد في روايته عن ابن نُمَيرٍ عن عبيد الله (٣) بن عمر. مقتضاه: أنَّ رواية البخاريِّ بحذفه ليس إلَّا. فليُنظَر (فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ) بضمِّ الياء وسكون القاف، من الإقطاع (مِنَ المَاءِ وَالأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ) أي: يجري لهنَّ قسمتهنَّ على ما كان في حياة رسول الله ﷺ، كما كان من التَّمر والشَّعير (فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (اخْتَارَتِ الأَرْضَ).
وفي هذا الحديث جوازُ المزارعة والمخابرة؛ لتقرير النَّبيِّ ﷺ لذلك، واستمراره في عهد أبي بكرٍ إلى أن أجلاهم عمر ﵄، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطَّابيُّ، وصنَّف فيهما ابن خزيمة جزءًا بيَّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنَّهي عنهما، وجمع بين أحاديث الباب، ثمَّ تابعه الخطَّابيُّ وقال: ضعَّف أحمد ابن حنبل حديث النَّهي، وقال: هو مضطربٌ، وقال الخطَّابيُّ (١): وأبطلها مالكٌ وأبو حنيفة والشَّافعيُّ لأنَّهم لم يقفوا على علَّته (٢)، قال: فالمزارعة جائزةٌ وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار، لا يبطل العمل بها أحدٌ، هذا كلام الخطَّابيِّ، والمختار جواز المزارعة والمخابرة، وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط لواحدٍ زرع قطعةٍ مُعيَّنةٍ ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما، فمتى أُفرِدت الأرض بمخابرةٍ أو مزارعةٍ بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلَّة لصاحب البذر؛ لأنَّها نماء ماله، فإن كان البذر للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها، أو المالكِ فللعامل عليه أجرةُ مثلِ عملهِ وعمل ما يتعلَّق به من آلاته (٣) كالبقر إن حصل من الزَّرع شيءٌ، أو لهما فعلى كلٍّ منهما أجرةُ مثلِ عملِ الآخر بنفسه وآلاته في حصَّته؛ لذلك فإن أراد أن يكون الزَّرع بينهما على وجهٍ مشروعٍ بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيءٍ فليستأجر العامل من المالك نصفَ الأرض بنصفِ منافعه ومنافع آلاته (٤) ونصفِ البذر إن كان منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالكُ العاملَ بنصف البذر؛ ليزرعَ له نصفَ الأرض، ويُعيره (٥) نصفَ الأرض الآخر، وإن شاء استأجره بنصفِ البذر ونصفِ منفعةِ تلك الأرض؛ ليزرع له باقِيَه في باقيها، وإن كان البذر لهما أَجَرَه نصفَ الأرض بنصفِ منفعته ومنفعة آلاته (٦)، أو أعاره نصفَ الأرض وتبرَّع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخصُّ المالك، أو أَكْرَاهُ نصفها بدينارٍ مثلًا، واكترى العاملَ ليعمل على نصيبه بنفسِه وآلتِه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(لسَيِّد الأَرْض) ، أَي: مَالِكهَا، جعل الأَرْض كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوك وَأطلق السَّيِّد عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: رَافع بن خديج. قَوْله: (فمما يصاب ذَلِك) ، أَي: فكثيراً مَا يصاب ذَلِك الْبَعْض، أَي: يَقع لَهُ مُصِيبَة وَيصير مؤوفاً فيتلف ذَلِك وَيسلم بَاقِي الأَرْض، وَبِالْعَكْسِ تَارَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَمِمَّا يصاب الأَرْض وَيسلم ذَلِك أَي: الْبَعْض، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فمهما، فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَرِوَايَة الْأَكْثَرين أولى لِأَن: مهما، يسْتَعْمل لأحد معَان ثَلَاثَة: أَحدهَا: يتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِيمَا لَا يعقل غير الزَّمَان. وَالثَّانِي: الزَّمَان وَالشّرط، والزمخشري يُنكر ذَلِك. وَالثَّالِث: الِاسْتِفْهَام، وَلَا يُنَاسب مهما هُنَا إلَاّ بالتعسف، يعلم ذَلِك من يتَأَمَّل فِيهِ، وَأما من لَا عَرَبِيَّة لَهُ فَلَا يفهم من ذَلِك شَيْئا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون: مهما، بِمَعْنى: رُبمَا، لِأَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض، سِيمَا، وَمن، التبعضية تناسب: رب، التقليلية، وعَلى هَذَا الِاحْتِمَال لَا يحْتَاج أَن يُقَال: إِن لفظ ذَلِك من بَاب وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر. قَوْله: (فنهينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: نهينَا عَن هَذَا الإكراء على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ مُوجب لحرمان أحد الطَّرفَيْنِ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْأكل بِالْبَاطِلِ. قَوْله: (وَالْوَرق) ، بِكَسْر الرَّاء هُوَ الْفضة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْفضة عوض الورث. قَوْله: (فَلم يكن يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: فَلم يكن الذَّهَب وَالْفِضَّة يكرى بهما، لَا أَن مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الذَّهَب وَالْفِضَّة موجودين.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن إكراء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، أَي: بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا مَنْهِيّ عَنهُ، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَمُجاهد ومسروق وَالشعْبِيّ وطاووس وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَزفر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث رَافع ابْن خديج الْمَذْكُور. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا أخرجه الطَّحَاوِيّ. حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي جرير بن حَازِم عَن يعلى بن حَكِيم عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن رَافع بن خديج، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يكريها بِالثُّلثِ وَلَا بِالربعِ وَلَا بِطَعَام مُسَمّى) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي بعد عشرَة أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب، قَالَ: سَأَلت عبد الله ابْن مُغفل عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أَخْبرنِي ثَابت بن الضَّحَّاك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الْمُزَارعَة، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر بن عبد الله، وَسَيَأْتِي أَيْضا هَذَا بعد أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث سَالم: أَن عبد الله ابْن عمر، قَالَ: كنت أعلم فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الأَرْض تكرى ... الحَدِيث، وَسَيَأْتِي هَذَا أَيْضا بعد أَبْوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَلما كَانَت أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة مُخْتَلفَة الْأَلْفَاظ ومتباينة الْمعَانِي كثرت فِيهِ مَذَاهِب النَّاس وأقوال الْعلمَاء. قَالَ أَبُو عمر: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء من الطَّعَام مَأْكُولا كَانَ أَو مشروباً على حَال، لِأَن ذَلِك فِي معنى بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة، وَكَذَلِكَ: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء مِمَّا يخرج مِنْهَا وَإِن لم يكن طَعَاما وَلَا مشروباً سوى الْخشب والقصب والحطب، لِأَنَّهُ فِي معنى المراقبة، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَن مَالك وَأَصْحَابه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف النَّاس فِي منع كِرَاء الأَرْض على الْإِطْلَاق، فَقَالَ بِهِ طَاوُوس وَالْحسن أخذا بِظَاهِر النَّهْي عَن المحاقلة، وفسرها الرَّاوِي بكرَاء الأَرْض، فَأطلق. وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِنَّمَا يمْنَع على التَّقْيِيد دون الْإِطْلَاق، وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك، فعندهما أَن كراءها بالجزء لَا يجوز من غير خلاف، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ بعض الصَّحَابَة وَبَعض الْفُقَهَاء بِجَوَازِهِ تَشْبِيها بالقراض، وَأما إكراءها بِالطَّعَامِ مَضْمُونا فِي الذِّمَّة فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن حزم: وَمِمَّنْ أجَاز إِعْطَاء الأَرْض بِجُزْء مُسَمّى مِمَّا يخرج مِنْهَا: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَسعد وَابْن مَسْعُود وخباب وَحُذَيْفَة ومعاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن مُوسَى وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف فِيهَا عَن اللَّيْث، وأجازها أَحْمد وَإِسْحَاق، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا إِن الْبذر يكون من عِنْد صَاحب الأَرْض، وَإِنَّمَا على الْعَامِل الْبَقر والآلة وَالْعَمَل، وَأَجَازَهُ بعض أَصْحَاب الحَدِيث، وَلم يبال مِمَّن جعل الْبذر مِنْهُمَا.
٨ - (بابُ المُزَارَعَةِ بالشَّطْرِ ونَحْوِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُزَارعَة بالشطر، أَي: بِالنِّصْفِ، قَالَ بَعضهم: رَاعى المُصَنّف لفظ: الشّطْر، لوروده فِي الحَدِيث،
وَألْحق غَيره لتساويهما فِي الْمَعْنى، وَلَوْلَا مُرَاعَاة لفظ الحَدِيث لَكَانَ قَوْله: الْمُزَارعَة بالجزء أخصر. قلت: قد يُطلق الشّطْر وَيُرَاد بِهِ الْبَعْض، فَاخْتَارَ لفظ الشّطْر لمراعاة لفظ الحَدِيث، ولكونه يُطلق على الْبَعْض وَالْبَعْض هُوَ الْجُزْء. فَإِن قلت: فعلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: وَنَحْوه؟ قلت: إِذا أُرِيد بِلَفْظ الشّطْر الْبَعْض يكون المُرَاد بِنَحْوِهِ الْجُزْء، فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى التعسف بالإلحاق. فَافْهَم.
وَقل قيْسُ بنُ مُسْلِمً عَن أبِي جَعْفَرٍ قَالَ مَا بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَاّ يَزْرَعُونَ علَى الثُّلْثِ والرُّبْعِ
قيس بن مُسلم الجدلي أَبُو عَمْرو الْكُوفِي، مر فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الباقر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ، قَالَ: أَخْبرنِي قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر بِهِ. قَوْله: (أهل بَيت هِجْرَة) ، أَرَادَ بِهِ الْمُهَاجِرين. قَوْله: (وَالرّبع) ، الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى أَو، وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو عاطفة على الْفِعْل لَا على الْمَجْرُور، أَي: يزرعون على الثُّلُث ويزرعون على الرّبع. قلت: لَا يُقَال الْحَرْف يعْطف على الْفِعْل، وَإِنَّمَا الْوَاو هُنَا بِمَعْنى: أَو، كَمَا قُلْنَا، فَإِذا خليناها على أَصْلهَا يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: وإلَاّ يزرعون على الرّبع، وَنقل ابْن التِّين عَن الْقَابِسِيّ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه أنكر رِوَايَة قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر، وَعلل بِأَن قيسا كُوفِي وَأَبا جَعْفَر مدنِي، وَلم يروه عَن قيس أحد من الْمَدَنِيين، ورد هَذَا بِأَن انْفِرَاد الثِّقَة الْحَافِظ لَا يضر. وَالْآخر: ذكر أَن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب ليعلم أَنه لم يَصح فِي الْمُزَارعَة على الْجُزْء حَدِيث مُسْند، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ذهل عَن حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِي آخر الْبَاب، وَهُوَ الَّذِي احْتج بِهِ من قَالَ بِالْجَوَازِ.
وَزَارَعَ عَلِيٌّ وسَعْد بنُ مَالِكٍ وعَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ والْقَاسِمُ وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وآلُ أبِي بَكْرٍ وآلِ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وابنُ سِيرينَ
وصل تَعْلِيق عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن صليعٍ عَنهُ أَنه: لم ير بَأْسا بالمزارعة على النّصْف. وَوصل تَعْلِيق سعد بن مَالك، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، وَتَعْلِيق عبد الله بن مَسْعُود، الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا فَهد حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد أخبرنَا شريك عَن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، قَالَ: سَأَلت مُوسَى بن طَلْحَة عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أقطع عُثْمَان عبد الله أَرضًا، وأقطع سَعْدا أَرضًا، وأقطع خباباً أَرضًا وأقطع صهيباً أَرضًا فَكل جاري، فَكَانَا يزرعان بِالثُّلثِ وَالرّبع. انْتهى وَفِيه: خباب وصهيب أَيْضا. وَوصل تَعْلِيق عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن أبي شيبَة من طَرِيق خَالِد الْحذاء: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة أَن يزارع بِالثُّلثِ أَو الرّبع. وَوصل تَعْلِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عبد الرَّزَّاق، قَالَ: سَمِعت هشاماً يحدث أَن ابْن سِيرِين أرْسلهُ إِلَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد يسْأَله عَن رجل قَالَ لآخر: إعمل فِي حائطي هَذَا وَلَك الثُّلُث أَو الرّبع، قَالَ: لَا بَأْس. قَالَ: فَرَجَعت إِلَى ابْن سِيرِين فَأَخْبَرته، فَقَالَ: هَذَا أحسن مَا يصنع فِي الأَرْض، وَوصل تَعْلِيق عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام ابْن أبي شيبَة، قَالَه بَعضهم وَلم أَجِدهُ. وَوصل تَعْلِيق آل أبي بكر وَآل عمر فوصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ إِلَى أبي شيبَة، بِسَنَدِهِ إِلَى أبي جَعْفَر الباقر: أَنه سُئِلَ عَن الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع؟ فَقَالَ: إِن نظرت فِي آل أبي بكر وَآل عمر وَجَدتهمْ يَفْعَلُونَ ذَلِك، قلت آل الرجل أهل بَيته، لِأَن الْآل الْقَبِيلَة ينْسب إِلَيْهَا فَيدْخل كل من ينْسب إِلَيْهِ من قبل آبَائِهِ إِلَى أقْصَى أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام الْأَقْرَب والأبعد. وَوصل تَعْلِيق مُحَمَّد بن سِيرِين بن سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ عَنهُ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَجْعَل الرجل للرجل طَائِفَة من زرعه أَو حرثه، على أَن يَكْفِيهِ مؤونتها وَالْقِيَام عَلَيْهَا.
وَقَالَ عبدُ الرَّحْمانُ بنُ الأسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عبدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ
عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ أَبُو بكر الْكُوفِي، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي هُوَ أَخُو الْأسود بن يزِيد، وَابْن أخي عَلْقَمَة بن قيس، وَهُوَ أَيْضا أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة، وَزَاد فِيهِ، واحمله إِلَى عَلْقَمَة وَالْأسود، فَلَو رَأيا بِهِ بَأْسا لنهياني عَنهُ.
وعامَلَ عُمَرُ الناسَ علَى إنْ جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فلَهُ الشَّطْرُ وإنْ جاؤُا بالبَذْرِ فلَهُمْ كذَا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل نَجْرَان وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَاشْترى بَيَاض أَرضهم وكرومهم، فعامل عمر النَّاس: إِن هم جاؤا بالبقر وَالْحَدِيد من عِنْدهم فَلهم الثُّلُثَانِ ولعمر الثُّلُث، وَإِن جَاءَ عمر بالبذر من عِنْده فَلهُ الشّطْر، وعاملهم فِي النّخل على أَن لَهُم الْخمس، وَله الْبَاقِي وعاملهم فِي الْكَرم على أَن لَهُم الثُّلُث وَله الثُّلثَيْنِ.
وَقَالَ الحسَنُ لَا بَأْسَ أنْ تَكُونَ الأرضُ لِأَحَدِهِمَا فيُنْفِقَانِ جَمِيعاً فَما خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَالَ بَعضهم: أما قَول الْحسن فوصله سعيد بن مَنْصُور نَحوه. قلت: لم أَقف على ذَلِك بعد الْكَشْف.
ورَأى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ
أَي: رأى مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ مَا قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، يَعْنِي: يذهب إِلَيْهِ فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أما قَول الزُّهْرِيّ فوصله عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة نَحوه. قلت: لم أَجِدهُ عِنْدهمَا.
وقالَ الحَسَنُ لَا بَأْسَ أنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ علَى النِّصْفِ
أَن يجتنى من: جنيت الثَّمَرَة إِذا أَخَذتهَا من الشَّجَرَة. وَقَالَ ابْن بطال: أما اجتناء الْقطن والعصفر ولقاط الزَّيْتُون والحصاد، كل ذَلِك غير مَعْلُوم، فَأَجَازَهُ جمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل قاسوه على الْقَرَاض، لِأَنَّهُ يعْمل بِالْمَالِ على جُزْء مِنْهُ مَعْلُوم لَا يدْرِي مبلغه، وَمنع من ذَلِك مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، لِأَنَّهَا عِنْدهم إِجَارَة بِثمن مَجْهُول لَا يعرف.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وابنُ سِيرينَ وعطَاءٌ والحَكَمُ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ لَا بأسَ أنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بالثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ ونَحْوَهُ
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم وَقَتَادَة هُوَ ابْن دعامة، قَالُوا: لَا بَأْس أَن يعْطى للنساج الْغَزل لينسجه وَيكون ثلث المنسوج لَهُ وَالْبَاقِي لمَالِك الْغَزل، وَأطلق الثَّوْب على الْغَزل مجَازًا. أما قَول إِبْرَاهِيم فوصله أَبُو بكر الْأَثْرَم من طَرِيق الحكم أَنه: سَأَلَ إِبْرَاهِيم عَن الحواك يُعْطي الثَّوْب على الثُّلُث وَالرّبع، فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك، وَأما قَول ابْن سِيرِين فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن عون: سَأَلت مُحَمَّدًا هُوَ ابْن سِيرِين عَن الرجل يدْفع إِلَى النساج الثَّوْب بِالثُّلثِ أَو بِالربعِ أَو بِمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ فَقَالَ لَا أعلم بِهِ بَأْسا وَقَالَ بَعضهم وَأما قَول عَطاء وَالْحكم فوصلهما ابْن أبي شيبَة. قلت: لم أجد ذَلِك عِنْده. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فَلم أَقف عَلَيْهِ. وَأما قَول قَتَادَة فوصله ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يدْفع الثَّوْب إِلَى النساج بِالثُّلثِ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: من دفع إِلَى حائك غزلاً لينسجه بِالنِّصْفِ فَهَذَا فَاسد، فللحائك أجر مثله. وَفِي (الْمَبْسُوط) : حكى الْحلْوانِي عَن أستاذه أبي عَليّ أَنه كَانَ يُفْتِي بِجَوَاز ذَلِك فِي دياره بنسف، لِأَن فِيهِ عرفا ظَاهرا، وَكَذَا مَشَايِخ بَلخ يفتون بِجَوَاز ذَلِك فِي الثِّيَاب للتعامل، وَكَذَا قَالُوا: لَا يجوز إِذا اسْتَأْجر حمارا يحمل طَعَاما بقفيز مِنْهُ، لِأَنَّهُ جعل الْأجر بعض مَا يخرج من عمله، فَيصير فِي معنى قفيز الطَّحَّان وَقد نهى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل وَعَن قفيز الطَّحَّان، وَتَفْسِير: قفيز الطَّحَّان: أَن يسْتَأْجر ثوراً ليطحن لَهُ حِنْطَة بقفيز من دقيقه، وَكَذَا إِذا اسْتَأْجر أَن يعصر لَهُ سمسماً بِمن من دهنه أَو اسْتَأْجر امْرَأَة لغزل هَذَا الْقطن أَو هَذَا الصُّوف برطل من الْغَزل، وَكَذَا اجتناء الْقطن بِالنِّصْفِ، ودياس الدخن بِالنِّصْفِ، وحصاد الْحِنْطَة بِالنِّصْفِ، وَنَحْو ذَلِك، وكل ذَلِك لَا يجوز.
وَقَالَ مَعْمَرٌ لَا بأسَ أَن تكُونَ المَاشِيَةُ علَى الثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ إلَى أجَلٍ مُسَمًّى
معمر، بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. قَوْله: (أَن تكون الْمَاشِيَة) ، ويروى: أَن يكْرِي الْمَاشِيَة، وَذَلِكَ: أَن يكْرِي دَابَّة تحمل لَهُ طَعَاما مثلا إِلَى مُدَّة مُعينَة، على أَن يكون ذَلِك بَينهمَا أَثلَاثًا أَو أَربَاعًا، فَإِنَّهُ لَا بَأْس. وَعِنْدنَا: لَا يجوز ذَلِك، وَعَلِيهِ أُجْرَة الْمثل لصَاحب الدَّابَّة.
٨٢٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ أنَّ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخْبَرَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ فَكانَ يُعْطِي أزْوَاجَهُ مِائَةَ وسْقٍ ثَمانُونَ وسْقَ تَمْرٍ وعِشْرُونَ وسْقَ شَعِيرٍ فقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أزْوَاجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَاءِ والأرْضِ أوْ يُمْضِي لَهُنَّ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأرْضَ ومِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ وكانَتْ عائِشَةُ اخْتَارَتِ الأرْضَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَامل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من تمر أَو زرع) ، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أخبرهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، ويروى: أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عَامل خَيْبَر) أَي: أهل خَيْبَر، نَحْو: {واسأل الْقرْيَة} (يُوسُف: ٢٨) . أَي: أهل الْقرْيَة. قَوْله: (بِشَطْر) ، أَي: بِنصْف مَا يخرج مِنْهَا. قَوْله: (من ثَمَر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة إِشَارَة إِلَى الْمُسَاقَاة. قَوْله: (أَو زرع) ، إِشَارَة إِلَى الْمُزَارعَة. قَوْله: (فَكَانَ يُعْطي أَزوَاجه مائَة وسق) ، الوسق سِتُّونَ صَاعا بِصَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي كتاب الْخراج ضَبطه ابْن التِّين: الوسق، بِضَم الْوَاو، وَقَالَ غَيره: هُوَ بِالْفَتْح. قَوْله: (ثَمَانُون وسق تمر وَعِشْرُونَ وسق شعير) ، كذاا هُوَ: ثَمَانُون وَعِشْرُونَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثَمَانِينَ وَعشْرين، وَجه الرّفْع على تَقْدِير: مِنْهَا ثَمَانُون وسق تمر، فَيكون ارْتِفَاع: ثَمَانُون، على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما لفظ: مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: وَعِشْرُونَ، أَي: وَمِنْهَا عشرُون، وَوجه النصب على تَقْدِير: أَعنِي ثَمَانِينَ وسق تمر وَعشْرين وسق شعير، وَقَالَ بَعضهم: الرّفْع على الْقطع، وَثَمَانِينَ على الْبَدَل، وَلَا يَصح شَيْء من ذَلِك يعرف بِالتَّأَمُّلِ، وَلَفظ: وسق، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَكِلَاهُمَا بِالْإِضَافَة. قَوْله: (فقسم عمر) ، ويروى: وَقسم بِالْوَاو. وَقَالَ بَعضهم: وَقسم عمر أَي: خَيْبَر وَصرح بذلك أَحْمد فِي رِوَايَته عَن ابْن نمير عَن عبيد الله بن عمر. قلت: فِي كثير من النّسخ قلت: خَيْبَر، مَوْجُود فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير إلَاّ فِي نُسْخَة سقط مِنْهَا هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (أَن يقطع) ، بِضَم الْيَاء من الإقطاع بِكَسْر الْهمزَة، يُقَال: أقطع السُّلْطَان فلَانا أَرض كَذَا، إِذا أعطَاهُ وَجعله قطيعة لَهُ. قَوْله: (ويمضي لَهُنَّ) أَي: أَو يجْرِي لَهُنَّ قِسْمَتهنَّ على مَا كَانَ فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا كَانَ من التَّمْر وَالشعِير.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: هَذَا الحَدِيث عُمْدَة من أجَاز الْمُزَارعَة. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي كِرَاء الأَرْض بِالشّرطِ وَالثلث وَالرّبع، فَأجَاز ذَلِك عَليّ وَابْن مَسْعُود وَسعد وَالزُّبَيْر وَأُسَامَة وَابْن عمر ومعاذ وخباب، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وطاووس وَابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد، وَهَؤُلَاء أَجَازُوا الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة. وكرهت ذَلِك طَائِفَة، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعِكْرِمَة وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، قَالُوا: لَا تجوز الْمُزَارعَة، وَهُوَ كِرَاء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، وَيجوز عِنْدهم الْمُسَاقَاة، ومنعها أَبُو حنيفَة وَزفر فَقَالَا: لَا تجوز الْمُزَارعَة وَلَا الْمُسَاقَاة بِوَجْه من الْوُجُوه، وَقَالُوا: الْمُزَارعَة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج، وَهِي إِجَارَة مَجْهُولَة، لِأَنَّهُ قد لَا تخرج الأَرْض شَيْئا. وأدعوا أَن الْمُسَاقَاة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن الْمُزَابَنَة، وَذكر الطَّحَاوِيّ حَدِيث رَافع: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمُزَارعَة، وَحَدِيث ابْن عمر: كُنَّا لَا نرى بَأْسا حَتَّى زعم رَافع أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن المخابرة، وَمثله: نهى عَن كِرَاء الأَرْض، وَحَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الْمُزَارعَة. وَحَدِيث جَابر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يؤاجرها) . وَفِي لفظ: (من لم يدع المخابرة فليؤذن
بِحَرب من الله عز وَجل) .
وَأجَاب أَبُو حنيفَة عَن حَدِيث الْبَاب بِأَن مُعَاملَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل خَيْبَر لم كن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة، بل كَانَت بطرِيق الْخراج على وَجه الْمَنّ عَلَيْهِم وَالصُّلْح، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ملكهَا غنيمَة، فَلَو كَانَ أَخذ كلهَا جَازَ وَتركهَا فِي أَيْديهم بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا فضلا، وَكَانَ ذَلِك خراج مقاسمة وَهُوَ جَائِز كخراج التوظيف، وَلَا نزاع فِيهِ، وَإِنَّمَا النزاع فِي جَوَاز الْمُزَارعَة والمعاملة، وخراج الْمُقَاسَمَة أَن يوظف الإِمَام فِي الْخَارِج شَيْئا مُقَدرا عشرا أَو ثلثا أَو ربعا وَيتْرك الْأَرَاضِي على ملكهم منا عَلَيْهِم، فَإِن لم تخرج الأَرْض شَيْئا فَلَا شَيْء عَلَيْهِم، وَهَذَا تَأْوِيل صَحِيح، فَإِنَّهُ لم ينْقل عَن أحد من الروَاة أَنه تصرف فِي رقابهم أَو رِقَاب أَوْلَادهم. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي (شَرحه لمختصر الطَّحَاوِيّ) : وَمِمَّا يدل على أَن مَا شَرط من نصف الثَّمر وَالزَّرْع كَانَ على وَجه الْجِزْيَة، أَنه لم يرو فِي شَيْء من الْأَخْبَار أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ مِنْهُم الْجِزْيَة إِلَى أَن مَاتَ، وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى أَن أجلاهم، وَلَو لم يكن ذَلِك لأخذ مِنْهُم الْجِزْيَة حِين نزلت آيَة الْجِزْيَة، وَالْخَرَاج الموظف أَن يَجْعَل الإِمَام فِي ذمتهم بِمُقَابلَة الأَرْض شَيْئا من كل جريب يصلح للزِّرَاعَة صَاعا ودرهماً. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسم أَرَاضِي خَيْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ سَهْما، وَهَذَا على أَنَّهَا مَا كَانَت خراج مقاسمة؟ قلت: يجوز أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قسم خراج الْأَرَاضِي بِأَن جعل خراج هَذِه الأَرْض لفُلَان وخراج هَذِه لفُلَان. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل خَيْبَر وَلم يعطهم قيمَة الْأَرَاضِي، فَدلَّ ذَلِك على عدم الْملك. قلت: يجوز أَنه مَا أَعْطَاهُم زمَان الإجلاء، وَأَعْطَاهُمْ بعد ذَلِك.
وَفِيه: تَخْيِير عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أَن يقطع لَهُنَّ من الأَرْض وَبَين إجرائهن على مَا كن عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير أَن يملكهن، لِأَن الأَرْض لم تكن موروثة عَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِذا توفين عَادَتْ الأَرْض وَالنَّخْل على أَصْلهَا وَقفا مسبلاً، وَكَانَ عمر يعطيهن ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا تركت بعد نَفَقَة نسَائِي فَهُوَ صَدَقَة) ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يقطعهن سوى هَذِه الأوسق اثْنَي عشر ألفا لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وَمَا يجْرِي عَلَيْهِم فِي سَائِر السّنة.
٩ - (بابٌ إِذا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنينَ فِي المُزَارَعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يشْتَرط رب الأَرْض سنيناً مَعْلُومَة فِي عقد الْمُزَارعَة، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، الَّذِي هُوَ: يجوز أَو لَا يجوز لَكَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ، قَالَ ابْن بطال: قد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمُزَارعَة من غير أجل، فكرهها مَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا لم يسم سِنِين مَعْلُومَة فَهُوَ على سنة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَحكى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: أُجِيز ذَلِك اسْتِحْسَانًا، وَادّعى الْقيَاس لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نقركم مَا شِئْنَا) . قَالَ: فَيكون لصَاحب النّخل وَالْأَرْض أَن يخرج المساقي والمزارع من الأَرْض مَتى شَاءَ، وَفِي ذَلِك دلَالَة أَن الْمُزَارعَة تخَالف الْكِرَاء، لَا يجوز فِي الْكِرَاء أَن يَقُول: أخرجك عَن أرضي مَتى شِئْت، وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن الْكِرَاء فِي الدّور وَالْأَرضين لَا يجوز إلَاّ وقتا مَعْلُوما. قلت: لصِحَّة الْمُزَارعَة على قَول من يجيزها شُرُوط، مِنْهَا بَيَان الْمدَّة بِأَن يُقَال: إِلَى سنة أَو سنتَيْن، وَمَا أشبهه، وَلَو بَين وقتا لَا يدْرك الزَّرْع فِيهَا تفْسد الْمُزَارعَة، وَكَذَا لَو بَين مُدَّة لَا يعِيش أَحدهمَا إِلَيْهَا غَالِبا تفْسد أَيْضا، وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة: أَن الْمُزَارعَة تصح بِلَا بَيَان الْمدَّة، وَتَقَع على زرع وَاحِد، وَاخْتَارَهُ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَعَن أَحْمد: يجوز بِلَا بَيَان الْمدَّة لِأَنَّهَا عقد جَائِز غير لَازم، وَعند أَكثر الْفُقَهَاء: لَازم.
٩٢٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ عامَلَ النَّبِي (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ. .
هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله عَن نَافِع، وَهنا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع، وَأَعَادَهُ مُخْتَصرا لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، والمطابقة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى بَيَان الْمدَّة.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56