الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2320
الحديث رقم 2320 من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الحرث والمزارعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ .
(ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
معنى هذا الحديث أنه ما من أحد من المسلمين يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه حي من أحياء المخلوقات، إلا أثيب على ذلك، حتى بعد مماته فيجري له عمله ما بقي زرعه وغراسه.
ففي حديث الباب الحث على الزرع، وعلى الغرس، وأن الزرع والغرس فيه الخير الكثير، فيه مصلحة في الدين، ومصلحة في الدنيا.
وأنه إذا أكل منه صار له صدقة، وأعجب من ذلك لو سرق منه سارق، كما لو جاء شخص مثلًا إلى نخل وسرق منه تمرًا، فإن لصاحبه في ذلك أجرًا، مع أنه لو علم بهذا السارق لرفعه إلى المحكمة، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له بهذه السرقة صدقة إلى يوم القيامة.
كذلك أيضًا: إذا أكل من هذا الزرع دواب الأرض وهوامها كان لصاحبه صدقة.
وخص الحديث بالمسلم؛ لأنه الذي ينتفع بثواب الصدقة في الدنيا والآخرة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤١ - كِتَاب الحرث والْمُزَارَعَةِ
١ - بَاب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا من مُسْلِمٍ يغرس غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢]
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ - بَابُ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، إِلَّا أَنَّهُمَا أَخَّرَا الْبَسْمَلَةَ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَرْثِ وَالْمُزَارَعَةِ وَفَضْلِ الزَّرْعِ إِلَخْ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَمِثْلُهُ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَّا أَنَّهُمَا حَذَفَا لَفْظَ: كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَلِلْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْحَرْثِ وَقَدَّمَ الْحَمَوِيُّ الْبَسْمَلَةَ وَقَالَ: فِي الْحَرْثِ بَدَلَ كِتَابِ الْحَرْثِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الِامْتِنَانِ بِهِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ، وَأَنَّ مَنْ نَهَى عَنْهُ كَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فَمَحَلُّهُ مَا إِذَا شَغَلَ الْحَرْثُ عَنِ الْحَرْبِ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَالْمُزَارَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّرْعِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا بَعْدَ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ إِلَخْ) أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَمْ أَرَ فِي سِيَاقِهِمَا اخْتِلَافًا، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْهُمَا.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ) أَخْرَجَ الْكَافِرَ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنَ مَا أُكِلَ مِنْهُ يَكُونُ لَهُ صَدَقَةً، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ، نَعَمْ مَا أُكِلَ مِنْ زَرْعِ الْكَافِرِ يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُرْزَقْ فِي الدُّنْيَا وَفَقَدَ الْعَافِيَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَزْرَعُ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ غَيْرُ الْغَرْسِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسْلِمٌ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا، وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا، وَنَظِيرُهُ عِنْدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي الرِّقَاقِ.
قَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ:، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ وَهِيَ: قَالَ لَنَا يَسْتَعْمِلُهَا الْبُخَارِيُّ - عَلَى مَا اسْتُقْرِئَ مِنْ كِتَابِهِ - فِي الِاسْتِشْهَادَاتِ غَالِبًا، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِي الْمَوْقُوفَاتِ. ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا إِسْنَادَ أَبَانَ وَلَمْ يَسُقْ مَتْنَهُ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحرث والمزارعة»، وقوله: «باب» وما بعده ثابتٌ عنده، وحينئذٍ فيكون قوله: «فضلُ الزَّرع» (١) مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله (٢)، وفي «فتح الباري»: عن النَّسفيِّ كالكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب فضل الزَّرع والغرس إذا أُكِل منه، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وزاد النَّسفيُّ (٣) فقال (٤): «باب ما جاء في الحرث والمزارعة (٥) وفضل الزرع»، ومثله للأَصيليِّ وكريمة إلَّا أنَّهما حذفا لفظ «كتاب المزارعة»، وللمُستملي: «كتاب الحرث»، وقدَّم الحَمُّويي البسملة، وقال: «في الحرث» بدل «كتاب الحرث» (وَقَولِهِ تَعَالى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقولُ الله تعالى» بالرَّفع على الاستئناف: (﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾) تبذرون حَبَّه (﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾) تُنبِتونه (﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾) المُنبِتون (﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]) هشيمًا، وإنَّما نسب ﷾ الحرث إلينا والزَّرع إليه ﷻ وإن كانت الأفعال كلُّها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك؛ لأنَّ المراد بالزَّرع هنا: الإنبات لا البذر، وذلك من خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث: أنَّ الله تعالى امتنَّ علينا بإنبات ما نحرثه، فدلَّ على أنَّ الحرث جائزٌ إذ لا يمتنُّ بممنوعٍ.
٢٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ. (ح) مهملةٌ، ويُنطَق بها كذلك علامةً لتحويل السَّند. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) بن عبد الله العَيشيُّ -بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فشينٍ معجمةٍ- منسوبٌ إلى بني عائشٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ)
ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالكٍ» (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ ﷺ»: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا) بمعنى: المغروس، أي: شجرًا (أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا) مزروعًا، و «أو» للتَّنويع؛ لأنَّ الزَّرع غير الغرس (فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) بالرَّفع اسم «كان»، والتَّعبير بالمسلم يُخرِج الكافر، فيختصُّ الثَّواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر؛ لأنَّ القُرَب إنَّما تصحُّ من المسلم، فإن تصدَّق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البرِّ لم يكن له أجرٌ في الآخرة، نعم ما أُكِل من زرع الكافر يُثاب عليه في الدُّنيا كما ثبت دليله (١)، وأمَّا من قال: يُخفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليلٍ، وفي حديث عائشة عند مسلمٍ قلت: يا رسول الله، ابنُ جُدْعان كان في الجاهليَّة يصل الرَّحم ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنَّه (٢) لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين» يعني: لم يكن مصدِّقًا بالبعث، ومن لم يصدِّق به كافرٌ ولا ينفعه عملٌ، ونقل عياضٌ الإجماعَ على أنَّ الكفَّار لا تنفعهم أعمالهم (٣)، ولا يُثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ، لكنَّ بعضهم أشدُّ عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم، وأمَّا حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ عند أحمد مرفوعًا: «ما من رجلٍ يغرس غرسًا (٤)»، وحديث: «ما من عبدٍ» فظاهرهما يتناول المسلم والكافر، لكن يُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والمراد بالمسلم: الجنس، فتدخل المرأة المسلمة. (وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ، قال العينيُّ كابن حجرٍ: كذا بإثبات: «لنا» للأَصيليِّ وكريمة وأبي ذرٍّ، وفي رواية النَّسفيِّ وآخرين: «وقال مسلمٌ» بدون لفظة: «لنا»: (حَدَّثَنَا أَبَانُ) بن يزيد العطَّار قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) لم يسق متن هذا السَّند؛ لأنَّ غرضه منه التَّصريح بالتَّحديث من (٥) قتادة عن أنسٍ، وقد أخرجه مسلمٌ عن عَبْدِ (٦) بن حُمَيدٍ عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أنَّ نبيَّ الله (٧) ﷺ
رأى نخلًا لأمِّ مُبَشِّرٍ (١) -امرأة من الأنصار- فقال: «من غرس هذا النَّخل أمسلمٌ أم كافرٌ؟» قالوا: مسلمٌ. بنحو حديثهم كذا عند مسلمٍ، فأحال به على ما قبله، وقد بيَّنه أبو نُعيمٍ في «المستخرج» من وجهٍ آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: «لا يغرس مسلمٌ غرسًا، فيأكل (٢) منه إنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ إلَّا كان له صدقةً»، وقد أخرج مسلمٌ هذا الحديث من طرقٍ عن جابرٍ. قال في بعضها: «فيأكل (٣) منه سَبُعٌ أو طائرٌ أو شيءٌ إلَّا كان له فيه أجرٌ» (٤)، وفي أخرى: «فيأكل منه إنسانٌ ولا دابَّةٌ ولا طيرٌ (٥)، إلَّا كان له صدقةً إلى يوم القيامة»، ومقتضاه: أنَّ ثواب ذلك مستمرٌّ ما دام الغرس أو الزَّرع مأكولًا منه، ولو مات غارسه أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى غيره، قال ابن العربيِّ: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة، وذلك في ستَّةٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو غرسٍ، أو زرعٍ، أو رباطٍ (٦)، فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة. انتهى. ونقل الطِّيبيُّ عن محيي السُّنّة: أنَّه روى: أنَّ رجلًا مرَّ بأبي الدَّرداء وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخٌ كبيرٌ؟ وهذه لا تطعم إلَّا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليَّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغداديُّ أنَّه مرَّ أنوشروان على رجلٍ يغرس شجر الزَّيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزَّيتون، وهو شجرٌ
بطيء الإثمار، فأجابه: غَرَسَ مَنْ قبلنا فأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: زِهْ، أي: أحسنت، وكان إذا قال: زِهْ؛ يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهمٍ، فقال: أيُّها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره؟ فما أسرع ما أثمر؟ فقال: زِهْ، فزِيد أربعة آلاف درهمٍ أخرى، فقال: كلُّ شجرٍ يثمر في العام مرَّةً، وقد أثمرت شجرتي في ساعةٍ مرَّتين، فقال: زِهْ، فزِيدَ مثلها، فمضى أنوشروان فقال: إن وقفنا عليه؛ لم يكفه ما في خزائننا، ثمَّ إنَّ حصول هذه الصَّدقة المذكورة يتناول حتَّى مَنْ غرسه لعياله أو لنفقته؛ لأنَّ الإنسان يُثاب على ما سُرِق له وإن لم ينوِ ثوابه، ولا يختصُّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزِّراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصَّدقة حاصلةٌ حتَّى فيما عجز عن جمعه؛ كالسُّنبل المعجوز عنه بالحصيدة، فيأكل منه حيوانٌ، فإنَّه مندرجٌ تحت مدلول الحديث، واستُدلَّ به: على أنَّ الزِّراعة أفضل المكاسب، وقال به كثيرون، وقيل: الكسب باليد، وقيل: التِّجارة، وقد يُقال: كسب اليد أفضل من حيث الحلُّ، والزَّرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال، فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزِّراعة أفضل للتَّوسعة على النَّاس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطُّرق تكون التِّجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصَّنائع تكون أفضلَ، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠١٢]، والتِّرمذيُّ في «الأحكام».
(٢) (باب) بيان (مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ) «يُحْذَر» بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مُخفَّفًا، ولأبي ذرٍّ: «يُحذَّر» بالتَّشديد (أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا للأَصيليِّ وكريمة ولابن شبُّويه: «أو يجاوز» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بدل الميم، ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «جاوز الحدَّ» وفي روايةٍ بالفرع: «أو جاز الحدَّ» (١) (الَّذِي أُمِرَ بِهِ) سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن مَا يُولد من الْغِرَاس وَالزَّرْع كَذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: إِن أجر فَاعل ذَلِك مُسْتَمر مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع وَمَا يُولد مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: أَن الْغَرْس وَالزَّرْع واتخاذ الصَّنَائِع مُبَاح وَغير قَادِح فِي الزّهْد، وَقد فعله كثير من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ذهلب قوم من المتزهدة إِلَى أَن ذَلِك مَكْرُوه وقادح فِي الزّهْد، ولعلهم تمسكوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فتركنوا إِلَى الدُّنْيَا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) . وَأجِيب بِأَن هَذَا النَّهْي مَحْمُول على الاستكثار من الضّيَاع والانصراف إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الركون إِلَى الدُّنْيَا. وَأما إِذا اتخذها غير مستكثر وقلل مِنْهَا، وَكَانَت لَهُ كفافاً وعفافاً، فَهِيَ مُبَاحَة غير قادحة فِي الزّهْد، وسبيلها كسبيل المَال الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (إلَاّ من أَخذه بِحقِّهِ وَوَضعه فِي حَقه) . وَفِيه: الحض على عمَارَة الأَرْض لنَفسِهِ وَلمن يَأْتِي بعده. . وَفِيه: جَوَاز نِسْبَة الزَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ، والْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ الْمَنْع غير قوي، وَفِيه: قَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر مُسلما فاوقعه فِي سِيَاق النَّفْي، وَزَاد: من، الاستغراقية، وَعم الْحَيَوَان ليدل على سَبِيل الْكِنَايَة، على أَن أَي مُسلم كَانَ حرا أَو عبدا مُطيعًا أَو عَاصِيا يعْمل أَي عمل من الْمُبَاح ينْتَفع بِمَا عمله أَي حَيَوَان كَانَ، يرجع نَفعه إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبانُ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
كَذَا وَقع: قَالَ لنا مُسلم، فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وكريمة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَآخَرين: وَقَالَ وَلمُسلم، بِدُونِ لفظ: لنا، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبَان بن يزِيد الْعَطَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه مُسلم بِغَيْر لفظ التحديث حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه مُعَلّق، وأبى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو نعيم، فَزعم أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث. وأتى بِهِ لتصريح قَتَادَة فِيهِ بِسَمَاعِهِ من أنس ليسلم من تَدْلِيس قَتَادَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد بن حميد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبان بن يزِيد الْعَطَّار حَدثنَا قَتَادَة (حَدثنَا أنس بن مَالك: أَن نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل نخلا لأم مُبشر امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من غرس هَذَا النّخل؟ مُسلم أَو كَافِر؟ قَالُوا: مُسلم) . بنحوهم، يَعْنِي: بِنَحْوِ حَدِيث جَابر وَأنس وَأم معبد، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقيل: إِن البُخَارِيّ لَا يخرج لأَبَان إلَاّ اسْتِشْهَادًا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ ذكر هُنَا إِسْنَاده وَلم يسق مَتنه، لِأَن غَرَضه بَيَان أَنه صرح بِالتَّحْدِيثِ عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٢ - (بابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاشْتِغَالِ بآلَةِ الزَّرْعِ أوْ مُجَاوزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحذر ... إِلَى آخِره، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. قَوْله: (أَو مُجَاوزَة الْحَد) ، أَي: فِي بَيَان مُجَاوزَة الْحَد الَّذِي أَمر بِهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: أَو يُجَاوز الْحَد، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر: أَو جَاوز الْحَد، وَالْمرَاد بِالْحَدِّ الَّذِي شرع سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو سنة أَو ندبا.
١٢٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ سالِمٍ الحِمْصِيِّ قَالَ حدَّثنا محَمَّدُابنُ زِيادٍ الألْهانِيُّ عنْ أبِي امَامَةَ الباهِليِّ قَالَ ورَأى سِكةً وشَيْئا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ فَقَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ لَا يَدْخُلُ هَذا بَيْتَ قَوْمٍ إلَاّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يدْخل هَذَا بَيت قوم إلَاّ أدخلهُ الذل) ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي الحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِهِ، لِأَن كل مَا كَانَ عاقبته ذلاً يحذر عَنهُ، وَلما ذكر فضل الزَّرْع وَالْغَرْس فِي الْبَاب السَّابِق أَرَادَ الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث هَذَا الْبَاب، لِأَن بَينهمَا مُنَافَاة بِحَسب الظَّاهِر. وَأَشَارَ إِلَى كَيْفيَّة الْجمع بشيئين أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: مَا يحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِآلَة الزَّرْع، وَذَلِكَ إِذا اشْتغل بِهِ فضيع بِسَبَبِهِ مَا أَمر بِهِ. وَالْآخر: هُوَ قَوْله: أَو مُجَاوزَة الْحَد، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا لم يضيع، وَلكنه جَاوز الْحَد فِيهِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا لمن يقرب من الْعَدو فَإِنَّهُ إِذا اشْتغل بالحرث لَا يشْتَغل بالفروسية ويتأسد عَلَيْهِ الْعَدو، وَأما غَيرهم فالحرث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤١ - كِتَاب الحرث والْمُزَارَعَةِ
١ - بَاب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا من مُسْلِمٍ يغرس غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢]
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ - بَابُ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، إِلَّا أَنَّهُمَا أَخَّرَا الْبَسْمَلَةَ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَرْثِ وَالْمُزَارَعَةِ وَفَضْلِ الزَّرْعِ إِلَخْ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَمِثْلُهُ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَّا أَنَّهُمَا حَذَفَا لَفْظَ: كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَلِلْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْحَرْثِ وَقَدَّمَ الْحَمَوِيُّ الْبَسْمَلَةَ وَقَالَ: فِي الْحَرْثِ بَدَلَ كِتَابِ الْحَرْثِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الِامْتِنَانِ بِهِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ، وَأَنَّ مَنْ نَهَى عَنْهُ كَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فَمَحَلُّهُ مَا إِذَا شَغَلَ الْحَرْثُ عَنِ الْحَرْبِ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَالْمُزَارَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّرْعِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا بَعْدَ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ إِلَخْ) أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَمْ أَرَ فِي سِيَاقِهِمَا اخْتِلَافًا، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْهُمَا.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ) أَخْرَجَ الْكَافِرَ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنَ مَا أُكِلَ مِنْهُ يَكُونُ لَهُ صَدَقَةً، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ، نَعَمْ مَا أُكِلَ مِنْ زَرْعِ الْكَافِرِ يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُرْزَقْ فِي الدُّنْيَا وَفَقَدَ الْعَافِيَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَزْرَعُ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ غَيْرُ الْغَرْسِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسْلِمٌ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا، وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا، وَنَظِيرُهُ عِنْدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي الرِّقَاقِ.
قَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ:، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ وَهِيَ: قَالَ لَنَا يَسْتَعْمِلُهَا الْبُخَارِيُّ - عَلَى مَا اسْتُقْرِئَ مِنْ كِتَابِهِ - فِي الِاسْتِشْهَادَاتِ غَالِبًا، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِي الْمَوْقُوفَاتِ. ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا إِسْنَادَ أَبَانَ وَلَمْ يَسُقْ مَتْنَهُ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحرث والمزارعة»، وقوله: «باب» وما بعده ثابتٌ عنده، وحينئذٍ فيكون قوله: «فضلُ الزَّرع» (١) مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله (٢)، وفي «فتح الباري»: عن النَّسفيِّ كالكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب فضل الزَّرع والغرس إذا أُكِل منه، بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وزاد النَّسفيُّ (٣) فقال (٤): «باب ما جاء في الحرث والمزارعة (٥) وفضل الزرع»، ومثله للأَصيليِّ وكريمة إلَّا أنَّهما حذفا لفظ «كتاب المزارعة»، وللمُستملي: «كتاب الحرث»، وقدَّم الحَمُّويي البسملة، وقال: «في الحرث» بدل «كتاب الحرث» (وَقَولِهِ تَعَالى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقولُ الله تعالى» بالرَّفع على الاستئناف: (﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾) تبذرون حَبَّه (﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾) تُنبِتونه (﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾) المُنبِتون (﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]) هشيمًا، وإنَّما نسب ﷾ الحرث إلينا والزَّرع إليه ﷻ وإن كانت الأفعال كلُّها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك؛ لأنَّ المراد بالزَّرع هنا: الإنبات لا البذر، وذلك من خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث: أنَّ الله تعالى امتنَّ علينا بإنبات ما نحرثه، فدلَّ على أنَّ الحرث جائزٌ إذ لا يمتنُّ بممنوعٍ.
٢٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ. (ح) مهملةٌ، ويُنطَق بها كذلك علامةً لتحويل السَّند. قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) بن عبد الله العَيشيُّ -بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فشينٍ معجمةٍ- منسوبٌ إلى بني عائشٍ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ)
ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالكٍ» (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ ﷺ»: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا) بمعنى: المغروس، أي: شجرًا (أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا) مزروعًا، و «أو» للتَّنويع؛ لأنَّ الزَّرع غير الغرس (فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) بالرَّفع اسم «كان»، والتَّعبير بالمسلم يُخرِج الكافر، فيختصُّ الثَّواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر؛ لأنَّ القُرَب إنَّما تصحُّ من المسلم، فإن تصدَّق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البرِّ لم يكن له أجرٌ في الآخرة، نعم ما أُكِل من زرع الكافر يُثاب عليه في الدُّنيا كما ثبت دليله (١)، وأمَّا من قال: يُخفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليلٍ، وفي حديث عائشة عند مسلمٍ قلت: يا رسول الله، ابنُ جُدْعان كان في الجاهليَّة يصل الرَّحم ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنَّه (٢) لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين» يعني: لم يكن مصدِّقًا بالبعث، ومن لم يصدِّق به كافرٌ ولا ينفعه عملٌ، ونقل عياضٌ الإجماعَ على أنَّ الكفَّار لا تنفعهم أعمالهم (٣)، ولا يُثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ، لكنَّ بعضهم أشدُّ عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم، وأمَّا حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ عند أحمد مرفوعًا: «ما من رجلٍ يغرس غرسًا (٤)»، وحديث: «ما من عبدٍ» فظاهرهما يتناول المسلم والكافر، لكن يُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والمراد بالمسلم: الجنس، فتدخل المرأة المسلمة. (وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ، قال العينيُّ كابن حجرٍ: كذا بإثبات: «لنا» للأَصيليِّ وكريمة وأبي ذرٍّ، وفي رواية النَّسفيِّ وآخرين: «وقال مسلمٌ» بدون لفظة: «لنا»: (حَدَّثَنَا أَبَانُ) بن يزيد العطَّار قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) لم يسق متن هذا السَّند؛ لأنَّ غرضه منه التَّصريح بالتَّحديث من (٥) قتادة عن أنسٍ، وقد أخرجه مسلمٌ عن عَبْدِ (٦) بن حُمَيدٍ عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أنَّ نبيَّ الله (٧) ﷺ
رأى نخلًا لأمِّ مُبَشِّرٍ (١) -امرأة من الأنصار- فقال: «من غرس هذا النَّخل أمسلمٌ أم كافرٌ؟» قالوا: مسلمٌ. بنحو حديثهم كذا عند مسلمٍ، فأحال به على ما قبله، وقد بيَّنه أبو نُعيمٍ في «المستخرج» من وجهٍ آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: «لا يغرس مسلمٌ غرسًا، فيأكل (٢) منه إنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ إلَّا كان له صدقةً»، وقد أخرج مسلمٌ هذا الحديث من طرقٍ عن جابرٍ. قال في بعضها: «فيأكل (٣) منه سَبُعٌ أو طائرٌ أو شيءٌ إلَّا كان له فيه أجرٌ» (٤)، وفي أخرى: «فيأكل منه إنسانٌ ولا دابَّةٌ ولا طيرٌ (٥)، إلَّا كان له صدقةً إلى يوم القيامة»، ومقتضاه: أنَّ ثواب ذلك مستمرٌّ ما دام الغرس أو الزَّرع مأكولًا منه، ولو مات غارسه أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى غيره، قال ابن العربيِّ: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة، وذلك في ستَّةٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو غرسٍ، أو زرعٍ، أو رباطٍ (٦)، فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة. انتهى. ونقل الطِّيبيُّ عن محيي السُّنّة: أنَّه روى: أنَّ رجلًا مرَّ بأبي الدَّرداء وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخٌ كبيرٌ؟ وهذه لا تطعم إلَّا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليَّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغداديُّ أنَّه مرَّ أنوشروان على رجلٍ يغرس شجر الزَّيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزَّيتون، وهو شجرٌ
بطيء الإثمار، فأجابه: غَرَسَ مَنْ قبلنا فأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: زِهْ، أي: أحسنت، وكان إذا قال: زِهْ؛ يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهمٍ، فقال: أيُّها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره؟ فما أسرع ما أثمر؟ فقال: زِهْ، فزِيد أربعة آلاف درهمٍ أخرى، فقال: كلُّ شجرٍ يثمر في العام مرَّةً، وقد أثمرت شجرتي في ساعةٍ مرَّتين، فقال: زِهْ، فزِيدَ مثلها، فمضى أنوشروان فقال: إن وقفنا عليه؛ لم يكفه ما في خزائننا، ثمَّ إنَّ حصول هذه الصَّدقة المذكورة يتناول حتَّى مَنْ غرسه لعياله أو لنفقته؛ لأنَّ الإنسان يُثاب على ما سُرِق له وإن لم ينوِ ثوابه، ولا يختصُّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزِّراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصَّدقة حاصلةٌ حتَّى فيما عجز عن جمعه؛ كالسُّنبل المعجوز عنه بالحصيدة، فيأكل منه حيوانٌ، فإنَّه مندرجٌ تحت مدلول الحديث، واستُدلَّ به: على أنَّ الزِّراعة أفضل المكاسب، وقال به كثيرون، وقيل: الكسب باليد، وقيل: التِّجارة، وقد يُقال: كسب اليد أفضل من حيث الحلُّ، والزَّرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال، فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزِّراعة أفضل للتَّوسعة على النَّاس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطُّرق تكون التِّجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصَّنائع تكون أفضلَ، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠١٢]، والتِّرمذيُّ في «الأحكام».
(٢) (باب) بيان (مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ) «يُحْذَر» بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مُخفَّفًا، ولأبي ذرٍّ: «يُحذَّر» بالتَّشديد (أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا للأَصيليِّ وكريمة ولابن شبُّويه: «أو يجاوز» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بدل الميم، ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «جاوز الحدَّ» وفي روايةٍ بالفرع: «أو جاز الحدَّ» (١) (الَّذِي أُمِرَ بِهِ) سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن مَا يُولد من الْغِرَاس وَالزَّرْع كَذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: إِن أجر فَاعل ذَلِك مُسْتَمر مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع وَمَا يُولد مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: أَن الْغَرْس وَالزَّرْع واتخاذ الصَّنَائِع مُبَاح وَغير قَادِح فِي الزّهْد، وَقد فعله كثير من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ذهلب قوم من المتزهدة إِلَى أَن ذَلِك مَكْرُوه وقادح فِي الزّهْد، ولعلهم تمسكوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فتركنوا إِلَى الدُّنْيَا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) . وَأجِيب بِأَن هَذَا النَّهْي مَحْمُول على الاستكثار من الضّيَاع والانصراف إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الركون إِلَى الدُّنْيَا. وَأما إِذا اتخذها غير مستكثر وقلل مِنْهَا، وَكَانَت لَهُ كفافاً وعفافاً، فَهِيَ مُبَاحَة غير قادحة فِي الزّهْد، وسبيلها كسبيل المَال الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (إلَاّ من أَخذه بِحقِّهِ وَوَضعه فِي حَقه) . وَفِيه: الحض على عمَارَة الأَرْض لنَفسِهِ وَلمن يَأْتِي بعده. . وَفِيه: جَوَاز نِسْبَة الزَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ، والْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ الْمَنْع غير قوي، وَفِيه: قَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر مُسلما فاوقعه فِي سِيَاق النَّفْي، وَزَاد: من، الاستغراقية، وَعم الْحَيَوَان ليدل على سَبِيل الْكِنَايَة، على أَن أَي مُسلم كَانَ حرا أَو عبدا مُطيعًا أَو عَاصِيا يعْمل أَي عمل من الْمُبَاح ينْتَفع بِمَا عمله أَي حَيَوَان كَانَ، يرجع نَفعه إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبانُ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
كَذَا وَقع: قَالَ لنا مُسلم، فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وكريمة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَآخَرين: وَقَالَ وَلمُسلم، بِدُونِ لفظ: لنا، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبَان بن يزِيد الْعَطَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه مُسلم بِغَيْر لفظ التحديث حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه مُعَلّق، وأبى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو نعيم، فَزعم أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث. وأتى بِهِ لتصريح قَتَادَة فِيهِ بِسَمَاعِهِ من أنس ليسلم من تَدْلِيس قَتَادَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد بن حميد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبان بن يزِيد الْعَطَّار حَدثنَا قَتَادَة (حَدثنَا أنس بن مَالك: أَن نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل نخلا لأم مُبشر امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من غرس هَذَا النّخل؟ مُسلم أَو كَافِر؟ قَالُوا: مُسلم) . بنحوهم، يَعْنِي: بِنَحْوِ حَدِيث جَابر وَأنس وَأم معبد، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقيل: إِن البُخَارِيّ لَا يخرج لأَبَان إلَاّ اسْتِشْهَادًا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ ذكر هُنَا إِسْنَاده وَلم يسق مَتنه، لِأَن غَرَضه بَيَان أَنه صرح بِالتَّحْدِيثِ عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٢ - (بابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاشْتِغَالِ بآلَةِ الزَّرْعِ أوْ مُجَاوزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحذر ... إِلَى آخِره، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. قَوْله: (أَو مُجَاوزَة الْحَد) ، أَي: فِي بَيَان مُجَاوزَة الْحَد الَّذِي أَمر بِهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: أَو يُجَاوز الْحَد، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر: أَو جَاوز الْحَد، وَالْمرَاد بِالْحَدِّ الَّذِي شرع سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو سنة أَو ندبا.
١٢٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ سالِمٍ الحِمْصِيِّ قَالَ حدَّثنا محَمَّدُابنُ زِيادٍ الألْهانِيُّ عنْ أبِي امَامَةَ الباهِليِّ قَالَ ورَأى سِكةً وشَيْئا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ فَقَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ لَا يَدْخُلُ هَذا بَيْتَ قَوْمٍ إلَاّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يدْخل هَذَا بَيت قوم إلَاّ أدخلهُ الذل) ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي الحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِهِ، لِأَن كل مَا كَانَ عاقبته ذلاً يحذر عَنهُ، وَلما ذكر فضل الزَّرْع وَالْغَرْس فِي الْبَاب السَّابِق أَرَادَ الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث هَذَا الْبَاب، لِأَن بَينهمَا مُنَافَاة بِحَسب الظَّاهِر. وَأَشَارَ إِلَى كَيْفيَّة الْجمع بشيئين أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: مَا يحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِآلَة الزَّرْع، وَذَلِكَ إِذا اشْتغل بِهِ فضيع بِسَبَبِهِ مَا أَمر بِهِ. وَالْآخر: هُوَ قَوْله: أَو مُجَاوزَة الْحَد، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا لم يضيع، وَلكنه جَاوز الْحَد فِيهِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا لمن يقرب من الْعَدو فَإِنَّهُ إِذا اشْتغل بالحرث لَا يشْتَغل بالفروسية ويتأسد عَلَيْهِ الْعَدو، وَأما غَيرهم فالحرث
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56