الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2335
الحديث رقم 2335 من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أحيا أرضا مواتا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ:
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
من عمّر أرضًا بأن أحياها ولم تكن لأحد فهو أحق بها من غيره، قال عروة: قضى عمر رضي الله عنه بهذا الحكم في فترة خلافته، وقيل: إن ما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير إذن الإمام، وأما ما تباعد عن العمران ولم يتشاح فيه جاز أن يُعمَر بغير إذنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ مَالِكٍ عند الْإِسْمَاعِيلِيِّ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ.
قَوْلُهُ: (مَا فُتِحَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَ (قَرْيَةٌ) بِالرَّفْعِ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَنَصْبِ قَرْيَةٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا قَسَمْتُهَا) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْكُفَّارِ إِلَّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ: لَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ جِزْيَةً تَجْرِي عَلَيْهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَبَبَ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا وَلَفْظُهُ لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ الشَّامَ قَامَ إِلَيْهِ بِلَالٌ فَقَالَ: لَتَقْسِمَنَّهَا أَوْ لَنُضَارِبَنَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ فَذَكَرَهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: تَأَوَّلَ عُمَرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَرَأَى أَنَّ لِلْآخِرِينَ أُسْوَةً بِالْأَوَّلِينَ فَخَشِيَ لَوْ قَسَمَ مَا يُفْتَحُ أَنْ تَكْمُلَ الْفُتُوحُ فَلَا يَبْقَى لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ حَظٌّ فِي الْخَرَاجِ، فَرَأَى أَنْ تُوقَفَ الْأَرْضُ الْمَفْتُوحَةُ عَنْوَةً، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا يَدُومُ نَفْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً عَلَى قَوْلَيْنِ شَهِيرَيْنِ، كَذَا قَالَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أَشْهَرُهَا ثَلَاثَةٌ: فَعَنْ مَالِكٍ: تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْفَتْحِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَام بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَوَقْفِيَّتِهَا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يَلْزَمُهُ قِسْمَتُهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِوَقْفِيَّتِهَا مَنْ غَنِمَهَا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٥ - بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا. وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ
وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ
وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ الْقَزَّازُ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعْمَرْ، شُبِّهَتِ الْعِمَارَةُ بِالْحَيَاةِ، وَتَعْطِيلُهَا بِفَقْدِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ أَنْ يَعْمِدَ الشَّخْصُ لِأَرْضٍ لَا يَعْلَمُ تَقَدُّمَ ملك عَلَيْهَا لِأَحَدٍ فَيُحْيِيهَا بِالسَّقْيِ أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ فَتَصِيرُ بِذَلِكَ مِلْكَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيمَا قَرُبَ مِنَ الْعُمْرَانِ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا، وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا قَرُبَ، وَضَابِطُ الْقُرْبِ مَا بِأَهْلِ الْعُمْرَانِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيثِ الْبَابِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ وَالنَّهَرِ وَمَا يُصَادُ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ صَادَهُ يَمْلِكُهُ سَوَاءٌ قَرُبَ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: فِي أَرْضِ الْكُوفَةِ مَوَاتًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ سَبَبُ ذَلِكَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَجَّرُونَ - يَعْنِي الْأَرْضَ - عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فقَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ.
قَالَ يَحْيَى: كَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّحْجِيرِ حَتَّى يُحْيِيَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِيهِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَقُّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيِّ، وَكَثِيرٌ هَذَا ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ لِجَدِّهِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ الْآتِي حَدِيثُهُ فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا عِنْدَهُ غَيْرُهُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ عَوْفٍ (١) عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ وَعُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ; وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ عُمَرَ مُكَرَّرًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ؛ كَوْنَهُ تَعْلِيقًا بِالْجَزْمِ وَالْآخَرِ بِالتَّمْرِيضِ، وَكَوْنَهُ بِزِيَادَةٍ وَالْآخَرِ بِدُونِهَا، وَكَوْنَهُ مَرْفُوعًا وَالْأَوَّلِ مَوْقُوفٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
قُلْتُ: فَضَاعَ مَا تَكَلَّفَهُ مِنَ التَّوْجِيهِ. وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُعَلَّقِ شَاهِدٌ قَوِيٌّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ: قَالَ عُرْوَةُ: فَلَقَدْ خَبَّرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ. وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ، لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (لِعِرْقٍ ظَالِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِتَنْوِينِ عِرْقٍ، وَظَالِمٍ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَاحِبِ الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ، أَوْ إِلَى الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِعِرْقٍ ذِي ظُلْمٍ، وَيُرْوَى بِالْإِضَافَةِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْعِرْقِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَرْضُ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلَّطَ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، قَالَ رَبِيعَةُ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ يَكُونُ ظَاهِرًا وَيَكُونُ بَاطِنًا فَالْبَاطِنُ مَا احْتَفَرَهُ الرَّجُلُ مِنَ الْآبَارِ أَوِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَعَادِنِ، وَالظَّاهِرُ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّالِمُ مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى فِيهِ) أَيْ فِي الْبَابِ أَوِ الْحُكْمِ (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَصَحَّحَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَبَّادٌ هَكَذَا، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَأَبُو ضَمْرَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُرْوَةَ فَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ هِشَامٍ مَوْصُولًا، وَخَالَفَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ جَزْمِ الْبُخَارِيِّ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ): اسْتَنْبَطَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَمْلِكُ الْمَوَاتَ بِالْإِحْيَاءِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا أَجْرَ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ملك الغير بلا استحقاقٍ، وهذا التَّعليق وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: حدّثنا أبو عامرٍ العقديُّ عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ: حدَّثني أبي: أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن تكون حقَّ مسلمٍ فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، وكثيرٌ هذا ضعيفٌ، وليس لجدِّه عمرو بن عوفٍ في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وله شاهدٌ قويٌّ، أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيدٍ (وَيُرْوَى فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريّ ﵁، ممَّا أخرجه التِّرمذيُّ من وجهٍ آخر عن هشامٍ وصحَّحه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ولفظه «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له»، وإنَّما عبَّر بلفظ «يُروَى» المفيد للتَّمريض لأنَّه اختُلِف فيه على هشامٍ.
٢٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، وهو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، المخزوميُّ المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ القرشيِّ المصريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (١) الأسود، يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا) بفتح الهمزة والميم من الثُّلاثيِّ المزيد، قال عياضٌ: كذا رواه أصحاب البخاريِّ، والصَّواب: «من عَمَر» من الثُّلاثيِّ، قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] إلَّا أن يريد أنَّه جَعَلَ فيها عَمَارًا، وقال ابن بطَّالٍ: ويمكن أن يكون أصله من: اعتمر أرضًا: اتَّخذها، وسقطت التَّاء من الأصل، قال في «المصابيح»: وهذا ردٌّ لاتِّفاق الرُّواة بمُجرَّد احتمالٍ يجوز أن يكون وألَّا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى لأحدٍ أن يقع فيه. انتهى. وأُجيب بأنَّ صاحب «العين» ذكر أنَّه يُقال:
أُعْمِرَتِ الأرض، أي: وجدتُها عامرةً، ويُقال: أعمرَ اللهُ بك منزلكَ، وعَمَرَ اللهُ بك منزلك (١)، وعُورِض: بأنَّ الجوهريَّ بعد أن ذكر «عمر الله بك منزلك» و «أعمر الله بك» ذكر أنَّه لا يُقال: أعمر الرَّجل منزله؛ بالألف، وقال الزَّركشيُّ: ضمُّ الهمزة أجود من الفتح، قال في «المصابيح»: يفتقر ذلك إلى ثبوت روايةٍ فيه، وظاهر كلام القاضي أنَّ جميع رواة البخاريِّ على الفتح. انتهى. وقد ثبت في الفرع وأصله (٢) عن أبي ذرٍّ: «أُعْمِر» بضمِّ الهمزة وسكون العين وكسر الميم، أي: أعمره غيره، وكأنَّ المراد بالغير الإمام، والمعنى: من أعمر أرضًا (لَيْسَتْ لأَحَدٍ) بالإحياء (فَهْوَ أَحَقُّ) وحُذِف مُتعلَّق «أحقُّ» للعلم به، وعند الإسماعيليِّ: «فهو أحقُّ بها» أي: من غيره. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام بالإسناد المذكور إليه: (قَضَى بِهِ) أي: بالحكم المذكور (عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁ فِي خِلَافَتِهِ) وهذا مُرسَلٌ؛ لأنَّ عروة وُلِد في آخر (٣) خلافة عمر، قاله خليفة، وما سبق أوَّل الباب عن عمر هو من قوله، وهذا من فعله، قال البيضاويُّ: مفهوم هذا الحديث: أنَّ مُجرَّد التَّحجُّر والإعلام لا يملك به، بل لا بدَّ من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. انتهى. فمن شرع في الإحياء لمواتٍ من حفر أساسٍ وجمع ترابٍ ونحوهما ولم يتمَّه، أو نصب عليه علامةً للإحياء كغرز خشبةٍ فهو متحجِّرٌ لا مالكٌ؛ لأنَّ سبب الملك الإحياء، ولم يوجد، ولو تحجَّر فوق كفايته، أو ما يَعْجِز عن إحيائه فلغيره إحياء الزَّائد، فإن تحجَّر ولم يَعْمُر بلا عذرٍ أمره الإمام بالإحياء أو برفع (٤) يده عنه؛ لأنَّه ضيَّق على النَّاس في حقٍّ مشتركٍ فيُمنَع من ذلك، وأمهله مدَّةً قريبةً يستعدُّ فيها للعِمَارة بحسب ما يراه، فإن مضت مدَّة المهلة ولم يَعْمُر بطل حقُّه، ولو بادر أجنبيٌّ فأحيا مُتحجَّرًا الآخر مَلَكَه وإن لم يأذن له الإمام، وقال الحنفيَّة: ومن حَجَّر أرضًا ولم يَعْمُرها ثلاث سنين دُفِعت إلى غيره لقول عمر ﵁: ليس لمتحجِّرٍ بعد ثلاث سنين حقٌّ، ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذا المدَّة ملكها؛ لأنَّ الأوَّل كان مستحقًّا لها من جهة التَّعلُّق لا من جهة التَّملُّك، كما في السَّوم على سوم غيره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَكَذَلِكَ يكون حكم أوقاف بَقِيَّة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . الْآيَة، فَقَالَ: حَدثنَا هَارُون، حَدثنَا أَبُو سعيد مولى بني هَاشم، حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تصدق بِمَال لَهُ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله! إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس، فَأَرَدْت أَن أَتصدق بِهِ، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تصدق بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَلَكِن ينْفق ثمره) . فَتصدق بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فصدقته تِلْكَ فِي سَبِيل الله وَفِي الرّقاب وَالْمَسَاكِين والضيف وَابْن السَّبِيل وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَو يُؤْكَل صديقه غير مُتَمَوّل بِهِ. قَوْله: (تصدق بِأَصْلِهِ) ، هَذِه الْعبارَة كِنَايَة عَن الْوَقْف، وَلَفظ: تصدق، أَمر. قَوْله: (وَلَكِن ينْفق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) ، أَي: فَتصدق عمر بِهِ، وَالضَّمِير يرجع إِلَى المَال الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ المَال الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، والثمغ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ثمغ، وصرمة بن الْأَكْوَع مالان معروفان بِالْمَدِينَةِ لعمر بن الْخطاب فوقفهما. وَفِي (مُعْجم الْبكْرِيّ) : ثمغ مَوضِع تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَ فِيهِ مَال لعمر بن الْخطاب، فَخرج إِلَيْهِ يَوْمًا ففاتته صَلَاة الْعَصْر، فَقَالَ: شغلتني ثمغ عَن الصَّلَاة، أشهدكم أَنَّهَا صَدَقَة.
٤٣٣٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا كمَا قسَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْبَرَ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، بَيَان ذَلِك أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما فتح السوَاد لم يقسمها بَين أَهلهَا بل وضع على من بهم من أهل الذِّمَّة الْخراج فزارعهم وعاملهم، وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْمُزَارعَة.
وَرِجَاله سِتَّة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: مَالك بن أنس. الرَّابِع: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة، مولى عمر بن الْخطاب الْعَدوي، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ أسلم مولى عمر بن الْخطاب، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَبُو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة، كَانَ من سبي عين التَّمْر، اشْتَرَاهُ عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة لما بَعثه أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ليقيم للنَّاس الْحَج، مَاتَ قبل مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ صلى عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة. السَّادِس: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَمُحَمّد بن الْمثنى وَفِي الْجِهَاد عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَفظ أَحْمد: لَئِن عِشْت إِلَى هَذَا الْعَام الْمقبل لَا يفتح النَّاس قَرْيَة إلَاّ قسمتهَا بَيْنكُم.
قَوْله: (مَا فتحت) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (قَرْيَة) ، مَرْفُوع بِهِ وَيجوز فتحت على بِنَاء الْفَاعِل، وقرية بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (إلَاّ قسمتهَا) ، زَاد ابْن إِدْرِيس الثَّقَفِيّ فِي رِوَايَة: مَا افْتتح الْمُسلمُونَ قَرْيَة من قرى الْكفَّار إلَاّ قسمتهَا سهماناً. قَوْله: (بَين أَهلهَا) ، أَي: الْغَانِمين. قَوْله: كَمَا قسم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد ابْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته وَلَكِن أردْت أَن يكون جِزْيَة تجْرِي عَلَيْهِم، وَقد كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يعلم أَن المَال يعز، وَأَن الشُّح يغلب، وَأَن لَا ملك بعد كسْرَى يُقيم وتحرز خزائنه فيغنى بهَا فُقَرَاء الْمُسلمين، فأشفق أَن يبْقى آخر النَّاس لَا شَيْء لَهُم، فَرَأى أَن يحبس الأَرْض وَلَا يقسمها، كَمَا فعل بِأَرْض السوَاد نظرا للْمُسلمين وشفقة على آخِرهم بدوام نَفعهَا لَهُم ودر خَيرهَا عَلَيْهِم، وَبِهَذَا قَالَ مَالك فِي أشهر قوليه: إِن الأَرْض لَا تقسم.
٥١ - (بابُ منْ أحْيا أرْضاً مَوَاتاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أحيى أَرضًا مواتاً، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْوَاو، وَهُوَ الأَرْض الخراب، وَعَن الطَّحَاوِيّ هُوَ
مَا لَيْسَ بِملك لأحد وَلَا هُوَ من مرافق الْبَلَد وَكَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء قرب مِنْهُ أَو بعد فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَعَن أبي يُوسُف: أَرض الْموَات هِيَ الْبقْعَة الَّتِي لَو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بِأَعْلَى صَوته لم يسمعهُ أقرب من فِي العامر إِلَيْهِ، وَقَالَ الْقَزاز: الْموَات الأَرْض الَّتِي لم تعمر، شبهت الْعِمَارَة بِالْحَيَاةِ وتعطيلها بفقد الْحَيَاة، وإحياء الْموَات أَن يعمد الشَّخْص لأرض لَا يعلم تقدم ملك عَلَيْهَا لأحد فيحييها بالسقي أَو الزَّرْع أَو الْغَرْس أَو الْبناء، فَيصير بذلك ملكه، سَوَاء فِيمَا قرب من الْعمرَان أم بعد، وَسَوَاء أذن لَهُ الإِمَام بذلك أم لم يَأْذَن عِنْد الْجُمْهُور، وَعند أبي حنيفَة: لَا بُد من إِذن الإِمَام مُطلقًا، وَعند مَالك فِيمَا قرب، وَضَابِط الْقرب مَا بِأَهْل الْعمرَان إِلَيْهِ حَاجَة من رعي وَنَحْوه، وَعَن قريب يَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ورَأي ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ مَوَاتٌ
أَي: رأى الْإِحْيَاء عَليّ بن أبي طَالب فِي أَرض الخراب بِالْكُوفَةِ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فِي أَرض الْموَات.
وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أحْيَا أرْضاً مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وروى أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب أَن من أحيى مواتاً فَهُوَ أَحَق بِهِ، وَعَن الْعَبَّاس بن يزِيد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: من أحيى أَرضًا مواتاً لَيْسَ فِي يَد مُسلم وَلَا معاهد فَهِيَ لَهُ، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ النَّاس يتحجرون على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: من أحيى أَرضًا فَهِيَ لَهُ. قَالَ يحيى: كَأَنَّهُ لم يَجْعَلهَا لَهُ بالتحجير حَتَّى يُحْيِيهَا، وَفِي لفظ: وَذَلِكَ أَن قوما كَانُوا يتحجرون أَرضًا ثمَّ يدعونها وَلَا يحيونها، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَ: أقطع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَاسا من مزينة أَو جُهَيْنَة أَرضًا، فعطلوها، فجَاء قوم فأحيوها، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَو كَانَت قطيعة مني أَو من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرددتها، وَلَكِن من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: وَقَالَ عِنْد ذَلِك: من عطل أَرضًا ثَلَاث سِنِين لم يعمر فجَاء غَيره فعمرها فَهِيَ لَهُ، وَفِي لفظ: حَتَّى يمْضِي ثَلَاث سِنِين فأحياها غَيره فَهُوَ أَحَق بهَا. قَوْله: (ميتَة) ، قَالَ شَيخنَا: هُوَ بتَشْديد الْيَاء، وَأَصله: ميوتة، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال هُنَا: أَرضًا ميتَة، بِالتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ لَو خففت لحذف التَّأْنِيث، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنه يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، قَالَ الله تَعَالَى: {لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا} (الْفرْقَان: ٩٤) . وَلم يقل: ميتَة.
ويُرْوَى عنْ عُمَرَ وابنِ عَوْفٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: يرْوى عَن عَمْرو بن عَوْف بن يزِيد الْمُزنِيّ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله.
وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ فِيهِ حَقٌّ
أَي: قَالَ عَمْرو بن عَوْف الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه زَاده، وَقَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فِي غير حق مُسلم فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَفِي رِوَايَة لَهُ: من أحيى مواتاً من الأَرْض فِي غير حق مُسلم فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَرَوَاهُ أَيْضا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف حَدثنِي أبي أَن أَبَاهُ حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من أحيى أَرضًا مواتاً من غير أَن يكون فِيهَا حق مُسلم، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَكثير هَذَا ضَعِيف، وَلَيْسَ لجده عَمْرو بن عَوْف فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ غير عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ الْبَدِيِّ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثه فِي الْجِزْيَة وَغَيرهَا، وَقَالَ
الْكرْمَانِي عقيب قَوْله: وَقَالَ: أَي: عَمْرو، وَفِي بعض الرِّوَايَات: عمر، أَي ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَوْف، أَي: عبد الرَّحْمَن ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فَذكر عمر يكون تَكْرَارا. قلت: فِيهِ فَوَائِد. الأولى: أَنه تَعْلِيق بِصِيغَة الْقُوَّة وَهَذَا بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ بِدُونِ الزِّيَادَة، وَهَذَا مَعهَا، وَهُوَ غير مَرْفُوع إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا مَرْفُوع، انْتهى. قلت: عمر، هُنَا بِدُونِ الْوَاو يَعْنِي: عمر بن الْخطاب، قَالُوا: إِنَّه تَصْحِيف، فَلَمَّا جعلُوا عمر بِدُونِ الْوَاو جعلُوا الْوَاو وَاو عطف، وَقَالُوا: وَابْن عَوْف، وَأَرَادُوا بِهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَذكر الْكرْمَانِي مَا ذكره ثمَّ ذكر فِيهِ فَوَائِد: الأولى: الْمَذْكُورَة، فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا لِأَن مَا ذكره لَيْسَ بِصَحِيح فِي الأَصْل، وَمَعَ هَذَا هُوَ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي أَنه: عَمْرو، بِالْوَاو، وَهُوَ: ابْن عَوْف الْمُزنِيّ لَا أَنه عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق) ، روى: لعرق، بِالتَّنْوِينِ وبالإضافة أَي: من غرس فِي أَرض غَيره بِدُونِ إِذْنه فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِبْقَاء فِيهَا حق، فَإِن أضيف فَالْمُرَاد بالظالم الغارس، وَسمي ظَالِما لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِلَا اسْتِحْقَاق، وَإِن وصف بِهِ فالمغروس سمي بِهِ لِأَنَّهُ الظَّالِم أَو لِأَن الظُّلم وصل بِهِ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَقيل: مَعْنَاهُ: لعرق ذِي ظلم، قَالَ ابْن حبيب: بَلغنِي عَن ربيعَة أَنه قَالَ: الْعرق الظَّالِم عرقان ظَاهر وباطن، فالباطن مَا احتفره الرجل من الْآبَار، وَالظَّاهِر الْغَرْس، وَعنهُ: الْعُرُوق أَرْبَعَة: عرقان فَوق الأَرْض وهما: الْغَرْس والنبات، وعرقان فِي جوفها: الْمِيَاه والمعادن. وَفِي (الْمعرفَة) للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِي: جماع الْعرق الظَّالِم كل مَا حفر أَو غرس أَو بنى ظلما فِي حق امرىء بِغَيْر خُرُوجه مِنْهُ. وَفِي كتاب (الْخراج) لِابْنِ آدم: عَن الثَّوْريّ، وَسُئِلَ عَن الْعرق الظَّالِم، فَقَالَ: هُوَ المنتزى. قلت: من انتزى على أرضي إِذا أَخذهَا وَهُوَ من بَاب الافتعال من: النزو، بالنُّون وَالزَّاي، وَهُوَ: الوثبة، وَعند النَّسَائِيّ، عَن عُرْوَة بن الزبير: هُوَ الرجل يعْمل الأَرْض الخربة وَهِي للنَّاس وَقد عجزوا عَنْهَا فتركوها حَتَّى خربَتْ.
ويُرْوَى فيهِ عنْ جابِر عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: يرْوى فِي هَذَا الْبَاب عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا لم يذكر الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِهِ، بل لَيْسَ صَحِيحا عِنْده، وَلِهَذَا قَالَ: يرْوى، ممرضاً. قلت: نفس الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أَيُّوب بن إِبْرَاهِيم عَن الثَّقَفِيّ وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن عباد بن عباد عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَلَفظه: من أحيى أَرضًا ميتَة فَلهُ فِيهَا أجر، وَمَا أكلت العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن زيد عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أحَاط حَائِطا على أَرض فَهِيَ لَهُ، وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وروى ابْن عدي أَيْضا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من عمر أَرضًا خراباً فَأكل مِنْهَا سبع أَو طَائِر أَو شَيْء كَانَ لَهُ ذَلِك صَدَقَة، وَفِي إِسْنَاده سَلمَة بن سُلَيْمَان الضَّبِّيّ، قَالَ: ابْن عدي مُنكر الحَدِيث عَن الثِّقَات، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث مَرْوَان بن الحكم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْبِلَاد بِلَاد الله والعباد عباد الله. وَمن أحَاط على حَائِط فَهُوَ لَهُ. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أسمر بن مُضرس من رِوَايَة عقيلة بنت أسمر عَن أَبِيهَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من سبق إِلَى مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ.
٥٣٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحْمانِ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ أعْمرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَاسم أبي جَعْفَر: يسَار الْأمَوِي الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدما فِي الْغسْل. وَنصف الْإِسْنَاد الأول مصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أعمر) بِفَتْح الْهمزَة من بَاب الْأَفْعَال من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَقَالَ عِيَاض: كَذَا وَقع، وَالصَّوَاب عمر ثلاثياً قَالَ تَعَالَى: {وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها} (الرّوم: ٩) . وَكَذَا قَالَ فِي (الْمطَالع) وَقَالَ ابْن بطال: وَيحْتَمل أَن يكون أَصله: من اعْتَمر أَرضًا، وَسَقَطت التَّاء من الأَصْل. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْكَلَام مَعَ مَا فِيهِ من توهم الْغَلَط، لِأَن صَاحب (الْعين) ذكر: أعمرت الأَرْض، وَقَالَ غَيره: يُقَال: أعمر الله بَاب مَنْزِلك، فَالْمُرَاد من أعمر أَرضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَق، أَي: أَحَق بِهِ من غَيره، وَإِنَّمَا حذف هَذَا الَّذِي قدرناه للْعلم بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: من أعمر، على بِنَاء الْمَجْهُول أَي: من أعْمرهُ غَيره، فَالْمُرَاد من الْغَيْر الإِمَام، وَهَذَا يدل على أَن إِذن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ، وَوَقع فِي (جمع الْحميدِي) : من عمر، ثلاثياً، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر: عَن يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق) ، زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَهُوَ أَحَق بهَا) ، أَي: من غَيره، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِذن الإِمَام فِيمَا قرب وَفِيمَا بعد، وَعَن مَالك: فِيمَا قرب لَا بُد من إِذن الإِمَام وَإِن كَانَ فِي فيافي الْمُسلمين والصحارى وَحَيْثُ لَا يتشاح النَّاس فِيهِ فَهِيَ لَهُ بِغَيْر إِذْنه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ لأحد أَن يحيي مواتاً إلَاّ بِإِذن الإِمَام فِيمَا بَعدت وَقربت، فَإِن أَحْيَاهُ بِغَيْر إِذْنه لم يملكهُ، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَكْحُول وَابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ.
وَاحْتج أَبُو حنيفَة بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) فِي (الصَّحِيحَيْنِ) والحمى: مَا حمي من الأَرْض فَدلَّ أَن حكم الْأَرْضين إِلَى الْأَئِمَّة لَا إِلَى غَيرهم. فَإِن قلت: احْتج الطَّحَاوِيّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيث الْبَاب بِالْقِيَاسِ على مَاء الْبَحْر وَالنّهر، وَمَا يصاد من طير وحيوان، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن مَا أَخذه أَو صَاده ملكه، سَوَاء قرب أَو بعد، وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لم يَأْذَن. قلت: هَذَا قِيَاس بالفارق، فَإِن الإِمَام لَا يجوز لَهُ تمْلِيك مَاء نهر لأحد، وَلَو ملك رجلا أَرضًا ملكه، وَلَو احْتَاجَ الإِمَام إِلَى بيعهَا فِي نَوَائِب الْمُسلمين جَازَ بَيْعه لَهَا، وَلَا يجوز ذَلِك فِي مَائِهِمْ وَلَا صيدهم وَلَا نهرهم، وَلَيْسَ للْإِمَام بيعهَا وَلَا تمليكها لأحد، وَإِن الإِمَام فِيهَا كَسَائِر النَّاس. وَاحْتج بَعضهم لأبي حنيفَة بِحَدِيث معَاذ يرفعهُ: (إِنَّمَا للمرء مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه) . قلت: هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث بَقِيَّة عَن رجل لم يسمه عَن مَكْحُول عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين مَكْحُول وَمن فَوْقه، وَفِيه رجل مَجْهُول، وَلَا حجَّة فِي مثل هَذَا الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَمْرو بن وَاقد عَن مُوسَى بن يسَار عَن مَكْحُول عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن معَاذ؟ قلت: قَالَ: عَمْرو مَتْرُوك بِاتِّفَاق.
وَأجِيب: عَن أَحَادِيث الْبَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: من أَحْيَاهَا على شَرَائِط الْإِحْيَاء فَهِيَ لَهُ، وَمن شَرَائِطه: تحظيرها، وَإِذن لَهُ فِي ذَلِك، وتمليكه إِيَّاهَا. وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن سعيد أبي عون الثَّقَفِيّ الْأَعْوَر الْكُوفِي التَّابِعِيّ، قَالَ: خرج رجل من أهل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: أَبُو عبد الله إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن بِأَرْض الْبَصْرَة أَرضًا لَا تضر بِأحد من الْمُسلمين وَلَيْسَ بِأَرْض خراج. فَإِن شِئْت أَن تقطعنيها اتخذها قضباً وَزَيْتُونًا! فَكتب عمر إِلَى أبي مُوسَى: إِن كَانَت حمى فاقطعها إِيَّاه، أفَلَا تَرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يَجْعَل لَهُ أَخذهَا وَلَا جعل لَهُ ملكهَا إلَاّ بإقطاع خَليفَة ذَلِك الرجل إِيَّاهَا وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَقُول لَهُ: وَمَا حَاجَتك إِلَى إقطاعي إياك تحميها وتعمرها فتملكها فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِحْيَاء عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَا أذن الإِمَام فِيهِ للَّذي يَتَوَلَّاهُ ويملكه إِيَّاه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد دلّ على ذَلِك أَيْضا مَا حَدثنَا بِهِ ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لنا رِقَاب الأَرْض، فَدلَّ ذَلِك على أَن رِقَاب الْأَرْضين كلهَا إِلَى أَئِمَّة الْمُسلمين، وَأَنَّهَا لَا تخرج من أَيْديهم إلَاّ بإخراجهم إِيَّاهَا إِلَى من رَأَوْا على حسن النّظر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ مَالِكٍ عند الْإِسْمَاعِيلِيِّ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ.
قَوْلُهُ: (مَا فُتِحَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَ (قَرْيَةٌ) بِالرَّفْعِ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَنَصْبِ قَرْيَةٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا قَسَمْتُهَا) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْكُفَّارِ إِلَّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ: لَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ جِزْيَةً تَجْرِي عَلَيْهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَبَبَ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا وَلَفْظُهُ لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ الشَّامَ قَامَ إِلَيْهِ بِلَالٌ فَقَالَ: لَتَقْسِمَنَّهَا أَوْ لَنُضَارِبَنَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ فَذَكَرَهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: تَأَوَّلَ عُمَرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَرَأَى أَنَّ لِلْآخِرِينَ أُسْوَةً بِالْأَوَّلِينَ فَخَشِيَ لَوْ قَسَمَ مَا يُفْتَحُ أَنْ تَكْمُلَ الْفُتُوحُ فَلَا يَبْقَى لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ حَظٌّ فِي الْخَرَاجِ، فَرَأَى أَنْ تُوقَفَ الْأَرْضُ الْمَفْتُوحَةُ عَنْوَةً، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا يَدُومُ نَفْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً عَلَى قَوْلَيْنِ شَهِيرَيْنِ، كَذَا قَالَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أَشْهَرُهَا ثَلَاثَةٌ: فَعَنْ مَالِكٍ: تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْفَتْحِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَام بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَوَقْفِيَّتِهَا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يَلْزَمُهُ قِسْمَتُهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِوَقْفِيَّتِهَا مَنْ غَنِمَهَا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٥ - بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا. وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ
وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ
وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ الْقَزَّازُ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعْمَرْ، شُبِّهَتِ الْعِمَارَةُ بِالْحَيَاةِ، وَتَعْطِيلُهَا بِفَقْدِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ أَنْ يَعْمِدَ الشَّخْصُ لِأَرْضٍ لَا يَعْلَمُ تَقَدُّمَ ملك عَلَيْهَا لِأَحَدٍ فَيُحْيِيهَا بِالسَّقْيِ أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ فَتَصِيرُ بِذَلِكَ مِلْكَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيمَا قَرُبَ مِنَ الْعُمْرَانِ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا، وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا قَرُبَ، وَضَابِطُ الْقُرْبِ مَا بِأَهْلِ الْعُمْرَانِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيثِ الْبَابِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ وَالنَّهَرِ وَمَا يُصَادُ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ صَادَهُ يَمْلِكُهُ سَوَاءٌ قَرُبَ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: فِي أَرْضِ الْكُوفَةِ مَوَاتًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ سَبَبُ ذَلِكَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَجَّرُونَ - يَعْنِي الْأَرْضَ - عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فقَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ.
قَالَ يَحْيَى: كَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّحْجِيرِ حَتَّى يُحْيِيَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِيهِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَقُّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيِّ، وَكَثِيرٌ هَذَا ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ لِجَدِّهِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ الْآتِي حَدِيثُهُ فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا عِنْدَهُ غَيْرُهُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ عَوْفٍ (١) عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ وَعُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ; وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ عُمَرَ مُكَرَّرًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ؛ كَوْنَهُ تَعْلِيقًا بِالْجَزْمِ وَالْآخَرِ بِالتَّمْرِيضِ، وَكَوْنَهُ بِزِيَادَةٍ وَالْآخَرِ بِدُونِهَا، وَكَوْنَهُ مَرْفُوعًا وَالْأَوَّلِ مَوْقُوفٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
قُلْتُ: فَضَاعَ مَا تَكَلَّفَهُ مِنَ التَّوْجِيهِ. وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُعَلَّقِ شَاهِدٌ قَوِيٌّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ: قَالَ عُرْوَةُ: فَلَقَدْ خَبَّرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ. وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ، لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (لِعِرْقٍ ظَالِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِتَنْوِينِ عِرْقٍ، وَظَالِمٍ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَاحِبِ الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ، أَوْ إِلَى الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِعِرْقٍ ذِي ظُلْمٍ، وَيُرْوَى بِالْإِضَافَةِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْعِرْقِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَرْضُ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلَّطَ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، قَالَ رَبِيعَةُ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ يَكُونُ ظَاهِرًا وَيَكُونُ بَاطِنًا فَالْبَاطِنُ مَا احْتَفَرَهُ الرَّجُلُ مِنَ الْآبَارِ أَوِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَعَادِنِ، وَالظَّاهِرُ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّالِمُ مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى فِيهِ) أَيْ فِي الْبَابِ أَوِ الْحُكْمِ (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَصَحَّحَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَبَّادٌ هَكَذَا، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَأَبُو ضَمْرَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُرْوَةَ فَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ هِشَامٍ مَوْصُولًا، وَخَالَفَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ جَزْمِ الْبُخَارِيِّ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ): اسْتَنْبَطَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَمْلِكُ الْمَوَاتَ بِالْإِحْيَاءِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا أَجْرَ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ملك الغير بلا استحقاقٍ، وهذا التَّعليق وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: حدّثنا أبو عامرٍ العقديُّ عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ: حدَّثني أبي: أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن تكون حقَّ مسلمٍ فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، وكثيرٌ هذا ضعيفٌ، وليس لجدِّه عمرو بن عوفٍ في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وله شاهدٌ قويٌّ، أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيدٍ (وَيُرْوَى فِيهِ) أي: في هذا الباب (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريّ ﵁، ممَّا أخرجه التِّرمذيُّ من وجهٍ آخر عن هشامٍ وصحَّحه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ولفظه «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له»، وإنَّما عبَّر بلفظ «يُروَى» المفيد للتَّمريض لأنَّه اختُلِف فيه على هشامٍ.
٢٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا، وهو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، المخزوميُّ المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ القرشيِّ المصريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (١) الأسود، يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا) بفتح الهمزة والميم من الثُّلاثيِّ المزيد، قال عياضٌ: كذا رواه أصحاب البخاريِّ، والصَّواب: «من عَمَر» من الثُّلاثيِّ، قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] إلَّا أن يريد أنَّه جَعَلَ فيها عَمَارًا، وقال ابن بطَّالٍ: ويمكن أن يكون أصله من: اعتمر أرضًا: اتَّخذها، وسقطت التَّاء من الأصل، قال في «المصابيح»: وهذا ردٌّ لاتِّفاق الرُّواة بمُجرَّد احتمالٍ يجوز أن يكون وألَّا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى لأحدٍ أن يقع فيه. انتهى. وأُجيب بأنَّ صاحب «العين» ذكر أنَّه يُقال:
أُعْمِرَتِ الأرض، أي: وجدتُها عامرةً، ويُقال: أعمرَ اللهُ بك منزلكَ، وعَمَرَ اللهُ بك منزلك (١)، وعُورِض: بأنَّ الجوهريَّ بعد أن ذكر «عمر الله بك منزلك» و «أعمر الله بك» ذكر أنَّه لا يُقال: أعمر الرَّجل منزله؛ بالألف، وقال الزَّركشيُّ: ضمُّ الهمزة أجود من الفتح، قال في «المصابيح»: يفتقر ذلك إلى ثبوت روايةٍ فيه، وظاهر كلام القاضي أنَّ جميع رواة البخاريِّ على الفتح. انتهى. وقد ثبت في الفرع وأصله (٢) عن أبي ذرٍّ: «أُعْمِر» بضمِّ الهمزة وسكون العين وكسر الميم، أي: أعمره غيره، وكأنَّ المراد بالغير الإمام، والمعنى: من أعمر أرضًا (لَيْسَتْ لأَحَدٍ) بالإحياء (فَهْوَ أَحَقُّ) وحُذِف مُتعلَّق «أحقُّ» للعلم به، وعند الإسماعيليِّ: «فهو أحقُّ بها» أي: من غيره. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام بالإسناد المذكور إليه: (قَضَى بِهِ) أي: بالحكم المذكور (عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁ فِي خِلَافَتِهِ) وهذا مُرسَلٌ؛ لأنَّ عروة وُلِد في آخر (٣) خلافة عمر، قاله خليفة، وما سبق أوَّل الباب عن عمر هو من قوله، وهذا من فعله، قال البيضاويُّ: مفهوم هذا الحديث: أنَّ مُجرَّد التَّحجُّر والإعلام لا يملك به، بل لا بدَّ من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. انتهى. فمن شرع في الإحياء لمواتٍ من حفر أساسٍ وجمع ترابٍ ونحوهما ولم يتمَّه، أو نصب عليه علامةً للإحياء كغرز خشبةٍ فهو متحجِّرٌ لا مالكٌ؛ لأنَّ سبب الملك الإحياء، ولم يوجد، ولو تحجَّر فوق كفايته، أو ما يَعْجِز عن إحيائه فلغيره إحياء الزَّائد، فإن تحجَّر ولم يَعْمُر بلا عذرٍ أمره الإمام بالإحياء أو برفع (٤) يده عنه؛ لأنَّه ضيَّق على النَّاس في حقٍّ مشتركٍ فيُمنَع من ذلك، وأمهله مدَّةً قريبةً يستعدُّ فيها للعِمَارة بحسب ما يراه، فإن مضت مدَّة المهلة ولم يَعْمُر بطل حقُّه، ولو بادر أجنبيٌّ فأحيا مُتحجَّرًا الآخر مَلَكَه وإن لم يأذن له الإمام، وقال الحنفيَّة: ومن حَجَّر أرضًا ولم يَعْمُرها ثلاث سنين دُفِعت إلى غيره لقول عمر ﵁: ليس لمتحجِّرٍ بعد ثلاث سنين حقٌّ، ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذا المدَّة ملكها؛ لأنَّ الأوَّل كان مستحقًّا لها من جهة التَّعلُّق لا من جهة التَّملُّك، كما في السَّوم على سوم غيره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَكَذَلِكَ يكون حكم أوقاف بَقِيَّة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . الْآيَة، فَقَالَ: حَدثنَا هَارُون، حَدثنَا أَبُو سعيد مولى بني هَاشم، حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تصدق بِمَال لَهُ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله! إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس، فَأَرَدْت أَن أَتصدق بِهِ، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تصدق بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَلَكِن ينْفق ثمره) . فَتصدق بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فصدقته تِلْكَ فِي سَبِيل الله وَفِي الرّقاب وَالْمَسَاكِين والضيف وَابْن السَّبِيل وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَو يُؤْكَل صديقه غير مُتَمَوّل بِهِ. قَوْله: (تصدق بِأَصْلِهِ) ، هَذِه الْعبارَة كِنَايَة عَن الْوَقْف، وَلَفظ: تصدق، أَمر. قَوْله: (وَلَكِن ينْفق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) ، أَي: فَتصدق عمر بِهِ، وَالضَّمِير يرجع إِلَى المَال الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ المَال الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، والثمغ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ثمغ، وصرمة بن الْأَكْوَع مالان معروفان بِالْمَدِينَةِ لعمر بن الْخطاب فوقفهما. وَفِي (مُعْجم الْبكْرِيّ) : ثمغ مَوضِع تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَ فِيهِ مَال لعمر بن الْخطاب، فَخرج إِلَيْهِ يَوْمًا ففاتته صَلَاة الْعَصْر، فَقَالَ: شغلتني ثمغ عَن الصَّلَاة، أشهدكم أَنَّهَا صَدَقَة.
٤٣٣٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا كمَا قسَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْبَرَ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، بَيَان ذَلِك أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما فتح السوَاد لم يقسمها بَين أَهلهَا بل وضع على من بهم من أهل الذِّمَّة الْخراج فزارعهم وعاملهم، وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْمُزَارعَة.
وَرِجَاله سِتَّة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: مَالك بن أنس. الرَّابِع: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة، مولى عمر بن الْخطاب الْعَدوي، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ أسلم مولى عمر بن الْخطاب، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَبُو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة، كَانَ من سبي عين التَّمْر، اشْتَرَاهُ عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة لما بَعثه أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ليقيم للنَّاس الْحَج، مَاتَ قبل مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ صلى عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة. السَّادِس: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَمُحَمّد بن الْمثنى وَفِي الْجِهَاد عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَفظ أَحْمد: لَئِن عِشْت إِلَى هَذَا الْعَام الْمقبل لَا يفتح النَّاس قَرْيَة إلَاّ قسمتهَا بَيْنكُم.
قَوْله: (مَا فتحت) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (قَرْيَة) ، مَرْفُوع بِهِ وَيجوز فتحت على بِنَاء الْفَاعِل، وقرية بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (إلَاّ قسمتهَا) ، زَاد ابْن إِدْرِيس الثَّقَفِيّ فِي رِوَايَة: مَا افْتتح الْمُسلمُونَ قَرْيَة من قرى الْكفَّار إلَاّ قسمتهَا سهماناً. قَوْله: (بَين أَهلهَا) ، أَي: الْغَانِمين. قَوْله: كَمَا قسم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد ابْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته وَلَكِن أردْت أَن يكون جِزْيَة تجْرِي عَلَيْهِم، وَقد كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يعلم أَن المَال يعز، وَأَن الشُّح يغلب، وَأَن لَا ملك بعد كسْرَى يُقيم وتحرز خزائنه فيغنى بهَا فُقَرَاء الْمُسلمين، فأشفق أَن يبْقى آخر النَّاس لَا شَيْء لَهُم، فَرَأى أَن يحبس الأَرْض وَلَا يقسمها، كَمَا فعل بِأَرْض السوَاد نظرا للْمُسلمين وشفقة على آخِرهم بدوام نَفعهَا لَهُم ودر خَيرهَا عَلَيْهِم، وَبِهَذَا قَالَ مَالك فِي أشهر قوليه: إِن الأَرْض لَا تقسم.
٥١ - (بابُ منْ أحْيا أرْضاً مَوَاتاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أحيى أَرضًا مواتاً، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْوَاو، وَهُوَ الأَرْض الخراب، وَعَن الطَّحَاوِيّ هُوَ
مَا لَيْسَ بِملك لأحد وَلَا هُوَ من مرافق الْبَلَد وَكَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء قرب مِنْهُ أَو بعد فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَعَن أبي يُوسُف: أَرض الْموَات هِيَ الْبقْعَة الَّتِي لَو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بِأَعْلَى صَوته لم يسمعهُ أقرب من فِي العامر إِلَيْهِ، وَقَالَ الْقَزاز: الْموَات الأَرْض الَّتِي لم تعمر، شبهت الْعِمَارَة بِالْحَيَاةِ وتعطيلها بفقد الْحَيَاة، وإحياء الْموَات أَن يعمد الشَّخْص لأرض لَا يعلم تقدم ملك عَلَيْهَا لأحد فيحييها بالسقي أَو الزَّرْع أَو الْغَرْس أَو الْبناء، فَيصير بذلك ملكه، سَوَاء فِيمَا قرب من الْعمرَان أم بعد، وَسَوَاء أذن لَهُ الإِمَام بذلك أم لم يَأْذَن عِنْد الْجُمْهُور، وَعند أبي حنيفَة: لَا بُد من إِذن الإِمَام مُطلقًا، وَعند مَالك فِيمَا قرب، وَضَابِط الْقرب مَا بِأَهْل الْعمرَان إِلَيْهِ حَاجَة من رعي وَنَحْوه، وَعَن قريب يَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ورَأي ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ مَوَاتٌ
أَي: رأى الْإِحْيَاء عَليّ بن أبي طَالب فِي أَرض الخراب بِالْكُوفَةِ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فِي أَرض الْموَات.
وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أحْيَا أرْضاً مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وروى أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب أَن من أحيى مواتاً فَهُوَ أَحَق بِهِ، وَعَن الْعَبَّاس بن يزِيد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: من أحيى أَرضًا مواتاً لَيْسَ فِي يَد مُسلم وَلَا معاهد فَهِيَ لَهُ، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ النَّاس يتحجرون على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: من أحيى أَرضًا فَهِيَ لَهُ. قَالَ يحيى: كَأَنَّهُ لم يَجْعَلهَا لَهُ بالتحجير حَتَّى يُحْيِيهَا، وَفِي لفظ: وَذَلِكَ أَن قوما كَانُوا يتحجرون أَرضًا ثمَّ يدعونها وَلَا يحيونها، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَ: أقطع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَاسا من مزينة أَو جُهَيْنَة أَرضًا، فعطلوها، فجَاء قوم فأحيوها، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَو كَانَت قطيعة مني أَو من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرددتها، وَلَكِن من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: وَقَالَ عِنْد ذَلِك: من عطل أَرضًا ثَلَاث سِنِين لم يعمر فجَاء غَيره فعمرها فَهِيَ لَهُ، وَفِي لفظ: حَتَّى يمْضِي ثَلَاث سِنِين فأحياها غَيره فَهُوَ أَحَق بهَا. قَوْله: (ميتَة) ، قَالَ شَيخنَا: هُوَ بتَشْديد الْيَاء، وَأَصله: ميوتة، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال هُنَا: أَرضًا ميتَة، بِالتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ لَو خففت لحذف التَّأْنِيث، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنه يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، قَالَ الله تَعَالَى: {لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا} (الْفرْقَان: ٩٤) . وَلم يقل: ميتَة.
ويُرْوَى عنْ عُمَرَ وابنِ عَوْفٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: يرْوى عَن عَمْرو بن عَوْف بن يزِيد الْمُزنِيّ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله.
وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ فِيهِ حَقٌّ
أَي: قَالَ عَمْرو بن عَوْف الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه زَاده، وَقَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فِي غير حق مُسلم فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَفِي رِوَايَة لَهُ: من أحيى مواتاً من الأَرْض فِي غير حق مُسلم فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَرَوَاهُ أَيْضا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف حَدثنِي أبي أَن أَبَاهُ حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من أحيى أَرضًا مواتاً من غير أَن يكون فِيهَا حق مُسلم، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَكثير هَذَا ضَعِيف، وَلَيْسَ لجده عَمْرو بن عَوْف فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ غير عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ الْبَدِيِّ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثه فِي الْجِزْيَة وَغَيرهَا، وَقَالَ
الْكرْمَانِي عقيب قَوْله: وَقَالَ: أَي: عَمْرو، وَفِي بعض الرِّوَايَات: عمر، أَي ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَوْف، أَي: عبد الرَّحْمَن ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فَذكر عمر يكون تَكْرَارا. قلت: فِيهِ فَوَائِد. الأولى: أَنه تَعْلِيق بِصِيغَة الْقُوَّة وَهَذَا بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ بِدُونِ الزِّيَادَة، وَهَذَا مَعهَا، وَهُوَ غير مَرْفُوع إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا مَرْفُوع، انْتهى. قلت: عمر، هُنَا بِدُونِ الْوَاو يَعْنِي: عمر بن الْخطاب، قَالُوا: إِنَّه تَصْحِيف، فَلَمَّا جعلُوا عمر بِدُونِ الْوَاو جعلُوا الْوَاو وَاو عطف، وَقَالُوا: وَابْن عَوْف، وَأَرَادُوا بِهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَذكر الْكرْمَانِي مَا ذكره ثمَّ ذكر فِيهِ فَوَائِد: الأولى: الْمَذْكُورَة، فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا لِأَن مَا ذكره لَيْسَ بِصَحِيح فِي الأَصْل، وَمَعَ هَذَا هُوَ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي أَنه: عَمْرو، بِالْوَاو، وَهُوَ: ابْن عَوْف الْمُزنِيّ لَا أَنه عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق) ، روى: لعرق، بِالتَّنْوِينِ وبالإضافة أَي: من غرس فِي أَرض غَيره بِدُونِ إِذْنه فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِبْقَاء فِيهَا حق، فَإِن أضيف فَالْمُرَاد بالظالم الغارس، وَسمي ظَالِما لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِلَا اسْتِحْقَاق، وَإِن وصف بِهِ فالمغروس سمي بِهِ لِأَنَّهُ الظَّالِم أَو لِأَن الظُّلم وصل بِهِ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَقيل: مَعْنَاهُ: لعرق ذِي ظلم، قَالَ ابْن حبيب: بَلغنِي عَن ربيعَة أَنه قَالَ: الْعرق الظَّالِم عرقان ظَاهر وباطن، فالباطن مَا احتفره الرجل من الْآبَار، وَالظَّاهِر الْغَرْس، وَعنهُ: الْعُرُوق أَرْبَعَة: عرقان فَوق الأَرْض وهما: الْغَرْس والنبات، وعرقان فِي جوفها: الْمِيَاه والمعادن. وَفِي (الْمعرفَة) للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِي: جماع الْعرق الظَّالِم كل مَا حفر أَو غرس أَو بنى ظلما فِي حق امرىء بِغَيْر خُرُوجه مِنْهُ. وَفِي كتاب (الْخراج) لِابْنِ آدم: عَن الثَّوْريّ، وَسُئِلَ عَن الْعرق الظَّالِم، فَقَالَ: هُوَ المنتزى. قلت: من انتزى على أرضي إِذا أَخذهَا وَهُوَ من بَاب الافتعال من: النزو، بالنُّون وَالزَّاي، وَهُوَ: الوثبة، وَعند النَّسَائِيّ، عَن عُرْوَة بن الزبير: هُوَ الرجل يعْمل الأَرْض الخربة وَهِي للنَّاس وَقد عجزوا عَنْهَا فتركوها حَتَّى خربَتْ.
ويُرْوَى فيهِ عنْ جابِر عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: يرْوى فِي هَذَا الْبَاب عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا لم يذكر الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِهِ، بل لَيْسَ صَحِيحا عِنْده، وَلِهَذَا قَالَ: يرْوى، ممرضاً. قلت: نفس الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أَيُّوب بن إِبْرَاهِيم عَن الثَّقَفِيّ وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن عباد بن عباد عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَلَفظه: من أحيى أَرضًا ميتَة فَلهُ فِيهَا أجر، وَمَا أكلت العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن زيد عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أحَاط حَائِطا على أَرض فَهِيَ لَهُ، وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وروى ابْن عدي أَيْضا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من عمر أَرضًا خراباً فَأكل مِنْهَا سبع أَو طَائِر أَو شَيْء كَانَ لَهُ ذَلِك صَدَقَة، وَفِي إِسْنَاده سَلمَة بن سُلَيْمَان الضَّبِّيّ، قَالَ: ابْن عدي مُنكر الحَدِيث عَن الثِّقَات، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث مَرْوَان بن الحكم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْبِلَاد بِلَاد الله والعباد عباد الله. وَمن أحَاط على حَائِط فَهُوَ لَهُ. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أسمر بن مُضرس من رِوَايَة عقيلة بنت أسمر عَن أَبِيهَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من سبق إِلَى مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ.
٥٣٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحْمانِ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ أعْمرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَاسم أبي جَعْفَر: يسَار الْأمَوِي الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدما فِي الْغسْل. وَنصف الْإِسْنَاد الأول مصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أعمر) بِفَتْح الْهمزَة من بَاب الْأَفْعَال من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَقَالَ عِيَاض: كَذَا وَقع، وَالصَّوَاب عمر ثلاثياً قَالَ تَعَالَى: {وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها} (الرّوم: ٩) . وَكَذَا قَالَ فِي (الْمطَالع) وَقَالَ ابْن بطال: وَيحْتَمل أَن يكون أَصله: من اعْتَمر أَرضًا، وَسَقَطت التَّاء من الأَصْل. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْكَلَام مَعَ مَا فِيهِ من توهم الْغَلَط، لِأَن صَاحب (الْعين) ذكر: أعمرت الأَرْض، وَقَالَ غَيره: يُقَال: أعمر الله بَاب مَنْزِلك، فَالْمُرَاد من أعمر أَرضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَق، أَي: أَحَق بِهِ من غَيره، وَإِنَّمَا حذف هَذَا الَّذِي قدرناه للْعلم بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: من أعمر، على بِنَاء الْمَجْهُول أَي: من أعْمرهُ غَيره، فَالْمُرَاد من الْغَيْر الإِمَام، وَهَذَا يدل على أَن إِذن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ، وَوَقع فِي (جمع الْحميدِي) : من عمر، ثلاثياً، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر: عَن يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق) ، زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَهُوَ أَحَق بهَا) ، أَي: من غَيره، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِذن الإِمَام فِيمَا قرب وَفِيمَا بعد، وَعَن مَالك: فِيمَا قرب لَا بُد من إِذن الإِمَام وَإِن كَانَ فِي فيافي الْمُسلمين والصحارى وَحَيْثُ لَا يتشاح النَّاس فِيهِ فَهِيَ لَهُ بِغَيْر إِذْنه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ لأحد أَن يحيي مواتاً إلَاّ بِإِذن الإِمَام فِيمَا بَعدت وَقربت، فَإِن أَحْيَاهُ بِغَيْر إِذْنه لم يملكهُ، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَكْحُول وَابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ.
وَاحْتج أَبُو حنيفَة بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) فِي (الصَّحِيحَيْنِ) والحمى: مَا حمي من الأَرْض فَدلَّ أَن حكم الْأَرْضين إِلَى الْأَئِمَّة لَا إِلَى غَيرهم. فَإِن قلت: احْتج الطَّحَاوِيّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيث الْبَاب بِالْقِيَاسِ على مَاء الْبَحْر وَالنّهر، وَمَا يصاد من طير وحيوان، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن مَا أَخذه أَو صَاده ملكه، سَوَاء قرب أَو بعد، وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لم يَأْذَن. قلت: هَذَا قِيَاس بالفارق، فَإِن الإِمَام لَا يجوز لَهُ تمْلِيك مَاء نهر لأحد، وَلَو ملك رجلا أَرضًا ملكه، وَلَو احْتَاجَ الإِمَام إِلَى بيعهَا فِي نَوَائِب الْمُسلمين جَازَ بَيْعه لَهَا، وَلَا يجوز ذَلِك فِي مَائِهِمْ وَلَا صيدهم وَلَا نهرهم، وَلَيْسَ للْإِمَام بيعهَا وَلَا تمليكها لأحد، وَإِن الإِمَام فِيهَا كَسَائِر النَّاس. وَاحْتج بَعضهم لأبي حنيفَة بِحَدِيث معَاذ يرفعهُ: (إِنَّمَا للمرء مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه) . قلت: هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث بَقِيَّة عَن رجل لم يسمه عَن مَكْحُول عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين مَكْحُول وَمن فَوْقه، وَفِيه رجل مَجْهُول، وَلَا حجَّة فِي مثل هَذَا الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَمْرو بن وَاقد عَن مُوسَى بن يسَار عَن مَكْحُول عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن معَاذ؟ قلت: قَالَ: عَمْرو مَتْرُوك بِاتِّفَاق.
وَأجِيب: عَن أَحَادِيث الْبَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: من أَحْيَاهَا على شَرَائِط الْإِحْيَاء فَهِيَ لَهُ، وَمن شَرَائِطه: تحظيرها، وَإِذن لَهُ فِي ذَلِك، وتمليكه إِيَّاهَا. وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن سعيد أبي عون الثَّقَفِيّ الْأَعْوَر الْكُوفِي التَّابِعِيّ، قَالَ: خرج رجل من أهل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: أَبُو عبد الله إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن بِأَرْض الْبَصْرَة أَرضًا لَا تضر بِأحد من الْمُسلمين وَلَيْسَ بِأَرْض خراج. فَإِن شِئْت أَن تقطعنيها اتخذها قضباً وَزَيْتُونًا! فَكتب عمر إِلَى أبي مُوسَى: إِن كَانَت حمى فاقطعها إِيَّاه، أفَلَا تَرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يَجْعَل لَهُ أَخذهَا وَلَا جعل لَهُ ملكهَا إلَاّ بإقطاع خَليفَة ذَلِك الرجل إِيَّاهَا وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَقُول لَهُ: وَمَا حَاجَتك إِلَى إقطاعي إياك تحميها وتعمرها فتملكها فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِحْيَاء عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَا أذن الإِمَام فِيهِ للَّذي يَتَوَلَّاهُ ويملكه إِيَّاه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد دلّ على ذَلِك أَيْضا مَا حَدثنَا بِهِ ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لنا رِقَاب الأَرْض، فَدلَّ ذَلِك على أَن رِقَاب الْأَرْضين كلهَا إِلَى أَئِمَّة الْمُسلمين، وَأَنَّهَا لَا تخرج من أَيْديهم إلَاّ بإخراجهم إِيَّاهَا إِلَى من رَأَوْا على حسن النّظر
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56