«فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7524

الحديث رقم 7524 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى لا تحرك به لسانك.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «في قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ قال: كان…

«فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا لَكَ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا، كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ.»

سند حديث: ٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

رواة الحديث

شرح حديث: «في قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ قال: كان…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا، فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ وَأَصْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنْ قَالَ فِيهَا إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا وَقَدْ مَضَى فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ وَفِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ، ثم ذكر حديث ابن عباس موقوفا من وجهين.

قَوْلُهُ (كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ) هَذِهِ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُتْبَةَ عَنْهُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ (وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ) هَذِهِ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ أَيْ أَقْرَبُهَا نُزُولًا إِلَيْكُمْ وَأَخْبَارًا مِنَ اللَّهِ ﷾ وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى اللَّفْظِ الَّذِي يُرِيدُهُ وَإِيرَادِهِ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ أَقْرَبُ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِلَفْظِ أَحْدَثُ وَهُوَ أَلْيَقُ بِمُرَادِهِ هُنَا وَقَدْ جَاءَ نَظِيرُ هَذَا الْوَصْفِ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّهِ ﷾ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ قَالَ كَعْبٌ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ أَحْدَثُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِالرَّحْمَنِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ كَعْبٍ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا مُوسَى إِنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْرَاةً حَدِيثَةً أَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا.

قَوْلُهُ (تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ) هَذَا آخِرُ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ وَقَوْلُهُ لَمْ يُشَبْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يُخَالِطْهُ غَيْرُهُ، وَزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ - إِلَى - ﴿يَكْسِبُونَ﴾ وَقَوْلُهُ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِيَشْتَرُوا بِهِ وَقَوْلُهُ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي إِلَيْكُمْ وَقَوْلُهُ جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَى الْعِلْمِ كَإِسْنَادِ النَّهْيِ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ (فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ) فِيهِ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِالْقَسَمِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَسْأَلُونَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ كِتَابَكُمْ لَا تَحْرِيفَ فِيهِ، فَكَيْفَ تَسْأَلُونَهُمْ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ كِتَابَهُمْ مُحَرَّفٌ.

٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إذا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ.

٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يَعْنِي إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذا (١)» (مَا ذَكَرَنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع عبدي ما (٢) ذكرني» (وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) هذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه أحمد والمؤلِّف في «خلق أفعال العباد» وكذا أخرجه غيرهما، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، وقوله: «تحرَّكت بي شفتاه» أي: باسمي لا أنَّ شفته ولسانه يتحرَّكان بذاته تعالى.

٧٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) بالهمز، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ (٣) لثقله عليه (شِدَّةً، وَكَانَ) ﵊ (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) قال سعيد بن جُبَيرٍ: (فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا) (٤)، ولأبي ذرٍّ: «فأنا أحرِّكهما» (لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ) أي: ابن جبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ (٥): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾) قبل أن يتمَّ وحيه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) لتأخذه على عجلةٍ خوف أن يتفلَّت منك (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول.

(قَالَ) ابن عبَّاسٍ مفسِّرًا لقوله: ﴿جَمْعَهُ﴾ أي: (جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ) بفتح الجيم وسكون الميم (ثُمَّ تَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] قَالَ) ابن عبَّاسٍ: أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر الصَّاد، أي: لتكن (١) حال قراءته ساكتًا (ثُمَّ (٢) إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦٥]: «﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثمَّ إنَّ علينا أن تقرأه» (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ) قراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «كما أقرأه جبريل» ففي هذا الحديث أنَّ القرآن يُطلَق ويُراد بقوله: ﴿قُرْآنَهُ﴾ القراءة، لا نفس القرآن، وأنَّ تحريك اللِّسان والشَّفتين بقراءة القرآن عملٌ للقارئ يُؤجَر عليه، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى، والفاعل له من يأمره بفعله، فإنَّ القارئ لكلامه تعالى على النَّبيِّ ﷺ هو جبريل، ففيه بيانٌ لكلِّ ما أشكل من فعلٍ يُنسَب إلى الله تعالى ممَّا لا يليق به فعله من المجيء والنُّزول ونحو ذلك، قاله ابن بطَّالٍ.

قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي يظهر أنَّ مراد البخاريِّ بهذين الحديثين الموصول والمعلَّق الرَّدُّ على من زعم أنَّ قراءة القارئ قديمةٌ، فأبان أنَّ حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء، فإنَّه كلام الله القديم كما أنَّ حركة لسان ذاكر الله حادثةٌ من فعله، والمذكور هو الله تعالى.

وهذا (٣) الحديث سبق في «بدء الخلق» [خ¦٥].

(٤٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى (٤): ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾) ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار، ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما (﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]) أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلَّم به! (﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ ابنُ مسْعُودٍ عَن النبيِّ إنَّ الله يُحْدِث مِنْ أمْرِهِ مَا يَشاءُ وإنَّ مِمَّا أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصّلاةِ

أَرَادَ يُرَاد هَذَا الْمُعَلق جَوَاز الْإِطْلَاق على الله بِأَنَّهُ مُحدث بِكَسْر الدَّال لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء وَلَكِن إحداثه لَا يشبه إِحْدَاث المخلوقين. وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي وَائِل عَن عبد الله قَالَ: كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة ونأمر بحاجتنا، فَقدمت على رَسُول الله، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عليّ السَّلَام، فأخذني مَا قدم وَمَا حدث. فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ: إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء، وَإِن الله قد أحدث أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَفِي رِوَايَته: وَإِن مِمَّا أحدث ... وَرَوَاهُ أَيْضا أَحْمد وَابْن حبَان وَصَححهُ.

٧٥٢٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله، حدّثنا حاتِمُ بنُ ورْدَانَ، حَدثنَا أيُّوبُ، عنْ عِكْرِمَةَ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عنْ كُتُبِهِمْ وعِنْدَكُمْ كِتابُ الله أقْرَبُ الكُتُبِ عَهْداً بِاللَّه تَقْرَأُونَهُ مَحْضاً لَمْ يُشَبْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: أقرب الْكتب وَقد رُوِيَ فِيهِ: أحدث الْكتب.

أخرجه مَوْقُوفا عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن حَاتِم بن وردان الْبَصْرِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عِكْرِمَة إِلَى آخِره.

قَوْله: لم يشب بِضَم الْيَاء أَي: لم يخلط بِالْغَيْر كَمَا خلط الْيَهُود حَيْثُ حرفوا التَّوْرَاة.

٧٥٢٣ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعْيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ عبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كَيْف تَسألُونَ أهْلَ الكِتابِ عنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الّذِي أنْزَلَ الله عَلى نَبِيِّكُمْ أحْدَثُ الأخْبارِ بِاللَّه مَحْضاً لَمْ يُشَبْ؟ وقَدْ حَدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ الله وغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بأيْدِيهِمْ قالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَناً قَلِيلاً، أوَ لَا يَنْهاكُمْ مَا جاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ، عنْ مَسْألِتِهمْ؟ فَلَا وَالله مَا رَأيْنا رَجُلاً مِنْهُمْ يَسْألُكُمْ عنِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمْ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور.

وَهُوَ أَيْضا مَوْقُوف أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن عَبَّاس.

قَوْله: أحدث الْأَخْبَار أَي: لفظا إِذا الْقَدِيم هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِهِ عز وَجل، أَو نزولاً. أَو إِخْبَارًا من الله تَعَالَى. قَوْله: وَقد حَدثكُمْ الله حَيْثُ قَالَ: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} قَوْله: ليشتروا بذلك وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ليشتروا بِهِ. قَوْله: مَا جَاءَكُم من الْعلم إِسْنَاد الْمَجِيء إِلَى الْعلم مجَاز كإسناد النَّهْي إِلَيْهِ. قَوْله: فَلَا وَالله أَي: مَا يسألكم رجل مِنْهُم مَعَ أَن كِتَابهمْ محرف فَلم تسْأَلُون أَنْتُم مِنْهُم؟ وَقد مر فِي آخر الِاعْتِصَام بِالْكتاب فِي: بَاب قَول النَّبِي لَا تسألوا أهل الْكتاب عَن شَيْء. قَوْله: عَن الَّذِي أنزل عَلَيْكُم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: إِلَيْكُم.

٤٣ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} وفِعْلِ النبيِّ حَيْثُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {لَا تحرّك لسَانك} أَي بِالْقُرْآنِ: لتعجل بِهِ وغرض البُخَارِيّ أَن قِرَاءَة الْإِنْسَان

وتحريك شفيته وَلسَانه عمل لَهُ يُؤجر عَلَيْهِ، وَكَانَ يُحَرك بِهِ لِسَانه عِنْد قِرَاءَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، مبادرة مِنْهُ مَا يسمعهُ، فَنَهَاهُ الله تَعَالَى عَن ذَلِك وَرفع عَنهُ الكلفة وَالْمَشَقَّة الَّتِي كَانَت تناله فِي ذَلِك مَعَ ضَمَانه تَعَالَى تسهيل الْحِفْظ عَلَيْهِ وَجمعه لَهُ فِي صَدره، كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ قَالَ الله تَعَالَى: أَنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ

هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي علقها البُخَارِيّ وَلم يصلها فِي مَوضِع آخر فِي كِتَابه. وَأخرجه أَحْمد بأتم مِنْهُ وَلَفظه: إِذا ذَكرنِي، ويروى: مَا إِذا ذَكرنِي. قَوْله: أَنا مَعَ عَبدِي هَذِه الْمَعِيَّة معية الرَّحْمَة، وَأما فِي قَوْله: وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم فَهِيَ معية الْعلم. وَحَاصِل الْكَلَام أَنا مَعَ عَبدِي زمَان ذكره لي بِالْحِفْظِ والكلاءة لَا على أَنه مَعَه بِذَاتِهِ، وَمعنى قَوْله: وتحركت بِي شفتاه تحركت باسمي وَذكره لي إِذْ محَال حُلُوله فِي الْأَمَاكِن ووجوده فِي الأفواه وتعاقب الحركات عَلَيْهِ.

٧٥٢٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كانَ النبيُّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وكانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُما لَكَ كَمَا كانَ رسولُ الله يُحَرِّكُهُما؟ فَقَالَ سَعيدٌ: أَنا أُحَرِّكُهُما كَمَا كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} قَالَ: فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ: {ثمَّ إِن علينا} أَن تَقْرَأهُ. قَالَ: فَكانَ رسولُ الله إذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، عليْهِ السَّلَامُ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النبيُّ كَما أقْرَأهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، ومُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو بكر الْهَمدَانِي.

والْحَدِيث تقدم مشروحاً فِي أول الْكتاب، وَالْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان كَيْفيَّة تلقي النَّبِي كَلَام الله من جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقيل: مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين الْمُعَلق والموصول الرَّد على من زعم أَن قِرَاءَة القارىء قديمَة، فأبان أَن حَرَكَة اللِّسَان بِالْقُرْآنِ فعل القارىء بِخِلَاف المقروء فَإِنَّهُ كَلَام الله الْقَدِيم، كَمَا أَن حَرَكَة لِسَان ذكر الله حَادِثَة من فعله، وَالْمَذْكُور وَهُوَ الله تَعَالَى قديم، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بالتراجم الَّتِي تَأتي بعد هَذَا.

٤٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} يَتَخَافَتُونَ يَتسارُّونَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ} يَعْنِي: أَن الله عَالم بالسر من أقوالكم والجهر بِهِ فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: مُرَاده بِهَذَا الْبَاب إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى صفة ذاتية لِاسْتِوَاء علمه بالجهر من القَوْل والسر، وَقد بَينه فِي آيَة أُخْرَى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} وَأَن اكْتِسَاب العَبْد من القَوْل وَالْفِعْل لله تَعَالَى لقَوْله: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ثمَّ قَالَ عقيب ذَلِك: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فَدلَّ على أَنه عَالم بِمَا أسروه وَمَا جهروا بِهِ وَأَنه خَالق لذَلِك فيهم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ظن الشَّارِح أَنه قصد بالترجمة إِثْبَات الْعلم وَلَيْسَ كَمَا ظن وإلَاّ لتعاطفت الْمَقَاصِد مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْعلم وَبَين حَدِيث: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قصد البُخَارِيّ الْإِشَارَة إِلَى النُّكْتَة الَّتِي كَانَت سَبَب محنته بِمَسْأَلَة اللَّفْظ، فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى أَن تلاوات الْخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أَن تكون مخلوقة، وَسِيَاق الْكَلَام يَأْبَى ذَلِك، فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد بعد أَن ذكر عدَّة أَحَادِيث دَالَّة على ذَلِك: فَبين النَّبِي، أَن أصوات الْخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مُخْتَلفَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا، فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ وَأَصْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنْ قَالَ فِيهَا إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا وَقَدْ مَضَى فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ وَفِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ، ثم ذكر حديث ابن عباس موقوفا من وجهين.

قَوْلُهُ (كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ) هَذِهِ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُتْبَةَ عَنْهُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ (وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ) هَذِهِ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ أَيْ أَقْرَبُهَا نُزُولًا إِلَيْكُمْ وَأَخْبَارًا مِنَ اللَّهِ ﷾ وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى اللَّفْظِ الَّذِي يُرِيدُهُ وَإِيرَادِهِ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ أَقْرَبُ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِلَفْظِ أَحْدَثُ وَهُوَ أَلْيَقُ بِمُرَادِهِ هُنَا وَقَدْ جَاءَ نَظِيرُ هَذَا الْوَصْفِ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّهِ ﷾ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ قَالَ كَعْبٌ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ أَحْدَثُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِالرَّحْمَنِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ كَعْبٍ: وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا مُوسَى إِنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْرَاةً حَدِيثَةً أَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا.

قَوْلُهُ (تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ) هَذَا آخِرُ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ وَقَوْلُهُ لَمْ يُشَبْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ لَمْ يُخَالِطْهُ غَيْرُهُ، وَزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ - إِلَى - ﴿يَكْسِبُونَ﴾ وَقَوْلُهُ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِيَشْتَرُوا بِهِ وَقَوْلُهُ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي إِلَيْكُمْ وَقَوْلُهُ جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَى الْعِلْمِ كَإِسْنَادِ النَّهْيِ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ (فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ) فِيهِ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِالْقَسَمِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَسْأَلُونَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ كِتَابَكُمْ لَا تَحْرِيفَ فِيهِ، فَكَيْفَ تَسْأَلُونَهُمْ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ كِتَابَهُمْ مُحَرَّفٌ.

٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي إذا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ.

٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يَعْنِي إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذا (١)» (مَا ذَكَرَنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع عبدي ما (٢) ذكرني» (وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) هذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه أحمد والمؤلِّف في «خلق أفعال العباد» وكذا أخرجه غيرهما، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، وقوله: «تحرَّكت بي شفتاه» أي: باسمي لا أنَّ شفته ولسانه يتحرَّكان بذاته تعالى.

٧٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) بالهمز، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ (٣) لثقله عليه (شِدَّةً، وَكَانَ) ﵊ (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) قال سعيد بن جُبَيرٍ: (فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا) (٤)، ولأبي ذرٍّ: «فأنا أحرِّكهما» (لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ) أي: ابن جبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ (٥): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾) قبل أن يتمَّ وحيه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) لتأخذه على عجلةٍ خوف أن يتفلَّت منك (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول.

(قَالَ) ابن عبَّاسٍ مفسِّرًا لقوله: ﴿جَمْعَهُ﴾ أي: (جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ) بفتح الجيم وسكون الميم (ثُمَّ تَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] قَالَ) ابن عبَّاسٍ: أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر الصَّاد، أي: لتكن (١) حال قراءته ساكتًا (ثُمَّ (٢) إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦٥]: «﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثمَّ إنَّ علينا أن تقرأه» (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ) قراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «كما أقرأه جبريل» ففي هذا الحديث أنَّ القرآن يُطلَق ويُراد بقوله: ﴿قُرْآنَهُ﴾ القراءة، لا نفس القرآن، وأنَّ تحريك اللِّسان والشَّفتين بقراءة القرآن عملٌ للقارئ يُؤجَر عليه، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى، والفاعل له من يأمره بفعله، فإنَّ القارئ لكلامه تعالى على النَّبيِّ ﷺ هو جبريل، ففيه بيانٌ لكلِّ ما أشكل من فعلٍ يُنسَب إلى الله تعالى ممَّا لا يليق به فعله من المجيء والنُّزول ونحو ذلك، قاله ابن بطَّالٍ.

قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي يظهر أنَّ مراد البخاريِّ بهذين الحديثين الموصول والمعلَّق الرَّدُّ على من زعم أنَّ قراءة القارئ قديمةٌ، فأبان أنَّ حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء، فإنَّه كلام الله القديم كما أنَّ حركة لسان ذاكر الله حادثةٌ من فعله، والمذكور هو الله تعالى.

وهذا (٣) الحديث سبق في «بدء الخلق» [خ¦٥].

(٤٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى (٤): ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾) ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار، ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما (﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]) أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلَّم به! (﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ ابنُ مسْعُودٍ عَن النبيِّ إنَّ الله يُحْدِث مِنْ أمْرِهِ مَا يَشاءُ وإنَّ مِمَّا أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصّلاةِ

أَرَادَ يُرَاد هَذَا الْمُعَلق جَوَاز الْإِطْلَاق على الله بِأَنَّهُ مُحدث بِكَسْر الدَّال لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء وَلَكِن إحداثه لَا يشبه إِحْدَاث المخلوقين. وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي وَائِل عَن عبد الله قَالَ: كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة ونأمر بحاجتنا، فَقدمت على رَسُول الله، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عليّ السَّلَام، فأخذني مَا قدم وَمَا حدث. فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ: إِن الله يحدث من أمره مَا يَشَاء، وَإِن الله قد أحدث أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَفِي رِوَايَته: وَإِن مِمَّا أحدث ... وَرَوَاهُ أَيْضا أَحْمد وَابْن حبَان وَصَححهُ.

٧٥٢٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله، حدّثنا حاتِمُ بنُ ورْدَانَ، حَدثنَا أيُّوبُ، عنْ عِكْرِمَةَ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عنْ كُتُبِهِمْ وعِنْدَكُمْ كِتابُ الله أقْرَبُ الكُتُبِ عَهْداً بِاللَّه تَقْرَأُونَهُ مَحْضاً لَمْ يُشَبْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: أقرب الْكتب وَقد رُوِيَ فِيهِ: أحدث الْكتب.

أخرجه مَوْقُوفا عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن حَاتِم بن وردان الْبَصْرِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عِكْرِمَة إِلَى آخِره.

قَوْله: لم يشب بِضَم الْيَاء أَي: لم يخلط بِالْغَيْر كَمَا خلط الْيَهُود حَيْثُ حرفوا التَّوْرَاة.

٧٥٢٣ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعْيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ عبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كَيْف تَسألُونَ أهْلَ الكِتابِ عنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الّذِي أنْزَلَ الله عَلى نَبِيِّكُمْ أحْدَثُ الأخْبارِ بِاللَّه مَحْضاً لَمْ يُشَبْ؟ وقَدْ حَدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ الله وغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بأيْدِيهِمْ قالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَناً قَلِيلاً، أوَ لَا يَنْهاكُمْ مَا جاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ، عنْ مَسْألِتِهمْ؟ فَلَا وَالله مَا رَأيْنا رَجُلاً مِنْهُمْ يَسْألُكُمْ عنِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمْ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور.

وَهُوَ أَيْضا مَوْقُوف أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن عَبَّاس.

قَوْله: أحدث الْأَخْبَار أَي: لفظا إِذا الْقَدِيم هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِهِ عز وَجل، أَو نزولاً. أَو إِخْبَارًا من الله تَعَالَى. قَوْله: وَقد حَدثكُمْ الله حَيْثُ قَالَ: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} قَوْله: ليشتروا بذلك وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ليشتروا بِهِ. قَوْله: مَا جَاءَكُم من الْعلم إِسْنَاد الْمَجِيء إِلَى الْعلم مجَاز كإسناد النَّهْي إِلَيْهِ. قَوْله: فَلَا وَالله أَي: مَا يسألكم رجل مِنْهُم مَعَ أَن كِتَابهمْ محرف فَلم تسْأَلُون أَنْتُم مِنْهُم؟ وَقد مر فِي آخر الِاعْتِصَام بِالْكتاب فِي: بَاب قَول النَّبِي لَا تسألوا أهل الْكتاب عَن شَيْء. قَوْله: عَن الَّذِي أنزل عَلَيْكُم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: إِلَيْكُم.

٤٣ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} وفِعْلِ النبيِّ حَيْثُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {لَا تحرّك لسَانك} أَي بِالْقُرْآنِ: لتعجل بِهِ وغرض البُخَارِيّ أَن قِرَاءَة الْإِنْسَان

وتحريك شفيته وَلسَانه عمل لَهُ يُؤجر عَلَيْهِ، وَكَانَ يُحَرك بِهِ لِسَانه عِنْد قِرَاءَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، مبادرة مِنْهُ مَا يسمعهُ، فَنَهَاهُ الله تَعَالَى عَن ذَلِك وَرفع عَنهُ الكلفة وَالْمَشَقَّة الَّتِي كَانَت تناله فِي ذَلِك مَعَ ضَمَانه تَعَالَى تسهيل الْحِفْظ عَلَيْهِ وَجمعه لَهُ فِي صَدره، كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ قَالَ الله تَعَالَى: أَنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ

هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي علقها البُخَارِيّ وَلم يصلها فِي مَوضِع آخر فِي كِتَابه. وَأخرجه أَحْمد بأتم مِنْهُ وَلَفظه: إِذا ذَكرنِي، ويروى: مَا إِذا ذَكرنِي. قَوْله: أَنا مَعَ عَبدِي هَذِه الْمَعِيَّة معية الرَّحْمَة، وَأما فِي قَوْله: وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم فَهِيَ معية الْعلم. وَحَاصِل الْكَلَام أَنا مَعَ عَبدِي زمَان ذكره لي بِالْحِفْظِ والكلاءة لَا على أَنه مَعَه بِذَاتِهِ، وَمعنى قَوْله: وتحركت بِي شفتاه تحركت باسمي وَذكره لي إِذْ محَال حُلُوله فِي الْأَمَاكِن ووجوده فِي الأفواه وتعاقب الحركات عَلَيْهِ.

٧٥٢٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كانَ النبيُّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وكانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُما لَكَ كَمَا كانَ رسولُ الله يُحَرِّكُهُما؟ فَقَالَ سَعيدٌ: أَنا أُحَرِّكُهُما كَمَا كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} قَالَ: فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ: {ثمَّ إِن علينا} أَن تَقْرَأهُ. قَالَ: فَكانَ رسولُ الله إذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، عليْهِ السَّلَامُ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النبيُّ كَما أقْرَأهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، ومُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو بكر الْهَمدَانِي.

والْحَدِيث تقدم مشروحاً فِي أول الْكتاب، وَالْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان كَيْفيَّة تلقي النَّبِي كَلَام الله من جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقيل: مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين الْمُعَلق والموصول الرَّد على من زعم أَن قِرَاءَة القارىء قديمَة، فأبان أَن حَرَكَة اللِّسَان بِالْقُرْآنِ فعل القارىء بِخِلَاف المقروء فَإِنَّهُ كَلَام الله الْقَدِيم، كَمَا أَن حَرَكَة لِسَان ذكر الله حَادِثَة من فعله، وَالْمَذْكُور وَهُوَ الله تَعَالَى قديم، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بالتراجم الَّتِي تَأتي بعد هَذَا.

٤٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} يَتَخَافَتُونَ يَتسارُّونَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ} يَعْنِي: أَن الله عَالم بالسر من أقوالكم والجهر بِهِ فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: مُرَاده بِهَذَا الْبَاب إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى صفة ذاتية لِاسْتِوَاء علمه بالجهر من القَوْل والسر، وَقد بَينه فِي آيَة أُخْرَى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} وَأَن اكْتِسَاب العَبْد من القَوْل وَالْفِعْل لله تَعَالَى لقَوْله: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ثمَّ قَالَ عقيب ذَلِك: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فَدلَّ على أَنه عَالم بِمَا أسروه وَمَا جهروا بِهِ وَأَنه خَالق لذَلِك فيهم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ظن الشَّارِح أَنه قصد بالترجمة إِثْبَات الْعلم وَلَيْسَ كَمَا ظن وإلَاّ لتعاطفت الْمَقَاصِد مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْعلم وَبَين حَدِيث: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قصد البُخَارِيّ الْإِشَارَة إِلَى النُّكْتَة الَّتِي كَانَت سَبَب محنته بِمَسْأَلَة اللَّفْظ، فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى أَن تلاوات الْخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أَن تكون مخلوقة، وَسِيَاق الْكَلَام يَأْبَى ذَلِك، فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد بعد أَن ذكر عدَّة أَحَادِيث دَالَّة على ذَلِك: فَبين النَّبِي، أَن أصوات الْخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مُخْتَلفَة

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56