(م) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6773

الحديث رقم 6773 من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في ضرب شارب الخمر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (م) - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن…

(م) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ

⦗١٥٨⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.»

سند حديث: بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ…

بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (ح).

٦٧٧٣

رواة الحديث

شرح حديث: (م) - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَغْصُوبُ نِصَابًا، وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِيهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اشْتُهِرَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ سَرِقَةً مَا دُونَ النِّصَابِ حَرَامًا.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ ﷺ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَلَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى إِرَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخَمْرِ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشُّرْبِ مِنَ الْمَحْذُورِ مِنِ اخْتِلَالِ الْعَقْلِ أَفْحَشَ مِنْ شُرْبِ مَا لَا يَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْعَقْلُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِنَقْصِ الْكَمَالِ مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِانْتِهَابَ كُلَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِيمَا أَذِنَ مَالِكُهُ كَالنِّثَارِ فِي الْعُرْسِ، وَلَكِنْ صَرَّحَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ كَمَا قَالُوا، وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَبَاحَهُ وَغَرَضُهُ تَسَاوِيهِمْ أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي، فَإِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنْهُمْ يَغْلِبُ الضَّعِيفَ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَمِنَ التَّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مِنَ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لِكَوْنِ الْأَخْذِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِيهِ فَضْلُ قُوَّةٍ أَوْ قِلَّةُ حَيَاءٍ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرَظٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ فَأَمَّا الْعِرْسَانُ فَلَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي جَوَازِ أَخْذِ مَا يُنْثَرُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ قَدْ عَلِمَ اخْتِلَافَ حَالِهِمْ فِي الْأَخْذِ كَمَا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهِ فِي أَخْذِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النِّثَارِ.

قُلْتُ: بَلْ فِيهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْذُونِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا الْغَايَةَ فِي الْوَرَعِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُمْ.

٢ - بَاب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.

[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَتَعَيَّنُ الْجَلْدُ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي كَمِّيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَوَقْتِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَحَقِيقَتِهَا وَهَلْ هِيَ مُشْتَقَّةٌ وَهَلْ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا أَخْرَجَاهَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ الْحَسَنِ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَأَنَسٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَذَا ذَكَرَ طَرِيقَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ وَتَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ (١) فَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا اللَّفْظِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن».

(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة ﵁ هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم.

(٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ).

٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

النَّبيَّ ﷺ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر».

وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ ﷺ: أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه ﷺ كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ.

قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله ﷺ أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه ﷺ جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ﵁، ورآه عليٌّ ﵁ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣).

واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة:

أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِيهِ) قَوْله: (حِين يَزْنِي) قَالَ الْكرْمَانِي كلمة: حِين مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا أَو بِمَا بعْدهَا ثمَّ قَالَ: تحتملهما أَي: لَا يَزْنِي فِي أَي حِين كَانَ أَو وَهُوَ مُؤمن حِين يَزْنِي. وَفِيه: تَنْبِيه على جَمِيع أَنْوَاع الْمعاصِي لِأَنَّهَا إِمَّا بدنية كَالزِّنَا، أَو مَالِيَّة إِمَّا سرا كالسرقة أَو جَهرا كالنهب أَو عقلية كَالْخمرِ فَإِنَّهَا مزيلة لَهُ. قَوْله: (نهبة) بِضَم النُّون وَهُوَ المَال المنهوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: النهبة، بِالْفَتْح مصدر وَبِضَمِّهَا المَال المنهوب يَعْنِي: لَا يَأْخُذ الرجل مَال غَيره قهرا وظلماً وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ ويتضرعون ويبكون وَلَا يقدرُونَ على دَفعه، ثمَّ قَالَ: مَا فَائِدَة ذكر الْأَبْصَار؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ إِخْرَاج الْمَوْهُوب الْمشَاع والموائد الْعَامَّة، فَإِن رَفعهَا لَا يكون عَادَة إلاّ فِي الغارات ظلما صَرِيحًا. انْتهى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون كِنَايَة عَن عدم التستر بذلك، فَيكون صفة لَازِمَة للنهب بِخِلَاف السّرقَة والاختلاس فَإِنَّهُ يكون فِي خُفْيَة والانتهاب أَشد لما فِيهِ من مزِيد الجرأة وَعدم المبالاة.

وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَّيبِ وَأبي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمِثْلِهِ، إلَاّ النُّهْبَةَ.

هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَي: وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور إلَاّ لفظ: النهبة لَيْسَ فِيهِ، وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث بِلَفْظ: قَالَ ابْن شهَاب. وحَدثني سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمثل حَدِيث أبي بكر هَذَا إلَاّ النهبة.

٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي ضَرْبِ شارِبِ الخَمْر)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ من الْخَبَر فِي ضرب شَارِب الْخمر.

٣٧٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا هِشام عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (الحَدِيث ٤٧٧٦ طرفَة فِي: ٦٧٧٦) .

(ح) وحدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بالجَرِيده النِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِين.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين.

الأول: عَن حَفْص بن عمر عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة.

وَالثَّانِي: عَن آدم بن إِيَاس عَن شُعْبَة الخ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دادو فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا، وَلم يذكر: (وَجلد أَبُو بكر أَرْبَعِينَ) وَاحْتج الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر على أَن حد السَّكْرَان أَرْبَعُونَ سَوْطًا. وَقَالَ ابْن حزم: وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْحسن بن عَليّ وَعبد الله بن جَعْفَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأَبُو سُلَيْمَان وأصحابنا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة: ثَمَانُون سَوْطًا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وخَالِد بن الْوَلِيد وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، قَالَ أَبُو عمر: الْجُمْهُور من عُلَمَاء السّلف وَالْخلف على أَن الْحَد فِي الشّرْب ثَمَانُون، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَعبيد الله بن الْحسن وَالْحسن بن حَيّ وَإِسْحَاق وَأحمد، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَقَالَ: اتّفق إِجْمَاع الصَّحَابَة فِي زمن عمر على الثَّمَانِينَ فِي حد الْخمر وَلَا مُخَالف لَهُم مِنْهُم وعَلى ذَلِك جمَاعَة التَّابِعين وَجُمْهُور فُقَهَاء الْمُسلمين. وَالْخلاف فِي ذَلِك كالشذوذ المحجوج بالجمهور، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يحيى بن فليح عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن عِكْرِمَة عَن مَوْلَاهُ أَن الشُّرَّاب كَانُوا يضْربُونَ فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْأَيْدِي وَالنعال والعصي حَتَّى توفّي، وَكَانَ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فجلدهم أَرْبَعِينَ ثمَّ عمر كَذَلِك ... الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَقَالَ عمر: مَاذَا ترَوْنَ؟ فَقَالَ عَليّ: إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة، فَأمر عمر فجلده ثَمَانِينَ أَي: جلد السَّكْرَان ثَمَانِينَ سَوْطًا.

٣ - (بابُ مَنْ أمَرَ بِضَرْبِ الحَدِّ فِي البَيْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من أَمر بِضَرْب الْحَد فِي الْبَيْت فَكَأَنَّهُ ترْجم هَذَا الْبَاب ردا على من قَالَ: لَا يضْرب الْحَد سرا، وروى ابْن سعد عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قصَّة وَلَده أبي شحمة لما شرب بِمصْر فحده عَمْرو بن الْعَاصِ فِي الْبَيْت فَأنْكر عمر عَلَيْهِ وأحضره إِلَى الْمَدِينَة وضربه الْحَد جَهرا، وَحمل الْعلمَاء على الْمُبَالغَة فِي تَأْدِيب وَلَده لَا لِأَن إِقَامَة الْحَد لَا تصح إلَاّ جَهرا.

٤ - (بابُ الضَّربِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضَّرْب فِي شرب الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَأَشَارَ بذلك إِلَى جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي شرب الْخمر بِالضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمعو على الِاكْتِفَاء فِي الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وأطراف الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَالأَصَح جَوَازه بِالسَّوْطِ، وشذ من قَالَ: هُوَ شَرط وَهُوَ غلط منابذ للأحاديث الصَّحِيحَة.

قلت: اخْتلف فِيهِ بعض الْأَئِمَّة من الشَّافِعِيَّة فَصرحَ أَبُو الطّيب وَمن تبعه بِأَنَّهُ لَا يجوز بِالسَّوْطِ، وَصرح القَاضِي حُسَيْن بِتَعْيِين السَّوْط، وَاحْتج بِأَنَّهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة.

٥٧٧٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا وُهَيْبُ بنُ خالِدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِيَ بِنُعَيْمانَ أَو: بابنِ نُعَيْمانِ وهْوَ سَكْرَان فَشَقَّ عَلَيْهِ وأمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بالجَرِيدِ والنِّعال، وكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٣٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي الْبَاب الَّذِي قبله، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب إِلَى

آخِره، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.

٦٧٧٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ حدّثنا هِشامٌ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ، قَالَ: جَلدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٧٦) .

مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد تقدم هَذَا أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي ضرب شَارِب الْخمر. فَإِن قلت: ذكر هُنَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ضرب فِي الْخمر وَهَهُنَا قَالَ: جلد؟ .

قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَن المُرَاد هُنَا من قَوْله: (جلد ضربه) فَأصَاب جلده، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ: ضربه بِالْجلدِ، وَمُسلم شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.

٧٧٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ أنَسٌ عنْ يَزِيدَ بنِ الهادِ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: أُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: (اضْرِبُوه) قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فلمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أحْزَاكَ الله. قَالَ: لَا تَقُولُوا هكَذا، لَا تُعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطانَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء اسْمه أنس بن عِيَاض، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد نسب إِلَى جده الْأَعْلَى، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث بن خَالِد التَّيْمِيّ، وَسَلَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَيزِيد وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيون تابعيون.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن غَيره. قَوْله: (بِرَجُل) قيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا عبد الله الَّذِي كَانَ يلقب حمارا، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث عَن عمر فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَيحْتَمل أَن يكون نعيمان وَيحْتَمل أَن يكون ثَالِثا. قَوْله: (قَالَ: اضْرِبُوهُ) لم يعين فِيهِ الْعدَد لِأَنَّهُ لم يكن مؤقتاً حينئذٍ، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يقت فِي الْخمر حدا أَي لم: يُوَقت، وَيُقَال أَي: لم يقدر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهُ مِقْدَارًا، وَلم يحدده بِعَدَد مَخْصُوص. قَوْله: (أخزاك الله) أَي: لَا تدعوا عَلَيْهِ بالخزي بالمعجمتين، وَهُوَ الذل والهوان، يُقَال: خزى يخزى من بَاب علم بِعلم خزياً بِالْكَسْرِ وَأما خزي يخزى خزاية بِالْفَتْح فَمَعْنَاه اسْتَحى. قَوْله: (لَا تعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان) يَعْنِي: إِذا دعوتم عَلَيْهِ بالخزي فقد اعنتم الشَّيْطَان، فَإِنَّهُ إِذا دعِي عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ينْه عَنهُ ينفر عَنهُ، أَو لِأَنَّهُ يتَوَهَّم أَنه مُسْتَحقّ لذَلِك، فيوقع الشَّيْطَان فِي قلبه وساوس.

٨٧٧٦ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ عبْدِ الوَهَّابِ حدّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا أَبُو حَصِينٍ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيَّ بنَ أبي طالِبٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأقِيمَ حَدًّا عَلَى أحَدٍ فَيَمُوتَ فأجدَ فِي نَفْسِي إلَاّ صاحِبَ الخَمْرِ، فإنَّه لوْ ماتَ ودَيْتُهُ وذالِكَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَسُنَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَن معنى قَوْله: (لم يسنه) لم يقدر فِيهِ حدا، مضبوطاً كَذَا فسره النَّوَوِيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ لم يُعينهُ بِضَرْب السِّيَاط، وَهُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حد مَعْلُوم.

وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَعُمَيْر بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم بن سعيد بِالْيَاءِ بعد الْعين النَّخعِيّ كَذَا ضَبطه الْكرْمَانِي وَقَالَ: لم يتَقَدَّم ذكره، ويروى: سعد، بِدُونِ الْيَاء، وَهُوَ سَهْو قَالَه الغساني، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ من (الصَّحِيحَيْنِ) : وَوَقع للحميدي فِي الْجَمِيع: سعد، بِسُكُون الْعين وَهُوَ غلط، وَوَقع فِي (الْمُهَذّب) : عمر بن سعد بِحَذْف الْيَاء

مِنْهُمَا وَهُوَ غلط فَاحش، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع للنسائي والطَّحَاوِي: عمر، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم.

قلت: لم يَقع للطحاوي مَا ذكره فَإِنِّي شرحت (مَعَاني الْآثَار) : لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ عُمَيْر بن سعيد، مثل مَا وَقع للْبُخَارِيّ وَغَيره، وَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير ثِقَة مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بِهِ وَعَن غَيره.

قَوْله: (مَا كنت لأقيم) اللَّام فِيهِ مَكْسُورَة لتأكيد النَّفْي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع أَيْمَانكُم} (الْبَقَرَة: ٣٤١) وأقيم مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة فِيهِ. قَوْله: (فَيَمُوت) ، بِالنّصب. قَوْله: (فأجد) بِالرَّفْع قَالَه الْكرْمَانِي من وجد الرجل يجد إِذا حزن، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ. قَوْله: (فَيَمُوت) مسبب عَن أقيم. وَقَوله: (فأجد) مسبب عَن مَجْمُوع السَّبَب، والمسبب وَالِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: (إلَاّ صَاحب الْخمر) ، مُنْقَطع أَي: لَكِن أجد من صَاحب الْخمر إِذا مَاتَ شَيْئا وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: مَا أجد من موت أحد يُقَام عَلَيْهِ الْحَد شَيْئا، إلَاّ من موت صَاحب الْخمر فَيكون مُتَّصِلا. قَوْله: (وديته) أَي: أَعْطَيْت دِيَته وغرمتها من ودى يَدي دِيَة أَصْلهَا ودية. قَوْله: (وَذَلِكَ) إِشَارَة إِلَى مَا قَالَه: (مَا كنت لأقيم. .) إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يسنه) قد مر تَفْسِيره الْآن، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسن فِيهِ شَيْئا إِنَّمَا هُوَ شَيْء جَعَلْنَاهُ نَحن. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد بن مسرهد قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن الداناج عَن حُصَيْن بن الْمُنْذر الرقاشِي أبي ساسان عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: جلد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْخمر أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَرْبَعِينَ وكملها عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِينَ وكل سنة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد نَحوه. قَوْله: (وكل سنة) أَي: كل وَاحِد من الْأَرْبَعين والثمانين سنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: تَقول: إِن الْأَرْبَعين سنة قد عمل بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي زَمَانه، والثمانين سنة قد عمل بهَا عمر رَضِي الله عَنهُ، فِي زَمَانه.

قلت: وَلما روى الطَّحَاوِيّ هَذَا قَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن الْحَد الَّذِي يجب على شَارِب الْخمر إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعُونَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَادعوا فَسَاد هَذَا الحَدِيث، وأنكروا أَن يكون عَليّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ من ذَلِك شَيْئا، لِأَنَّهُ قد روى عَنهُ مَا يُخَالف ذَلِك، ويدفعه ثمَّ روى حَدِيث عُمَيْر بن سعيد عَنهُ الَّذِي مضى الْآن، ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام فِي دفع هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الداناج الْمَذْكُور عَن حُصَيْن عَنهُ، وَقَالَ غَيره: حَدِيث الداناج غير صَحِيح لِأَن حَدِيث البُخَارِيّ، أَعنِي: الْمَذْكُور هُنَا يردهُ وَيُخَالِفهُ، وَفِي قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ: مَا كنت لأقيم حدا ... الخ حجَّة لمن قَالَ: لَا قَود على أحد إِذا مَاتَ الْمَحْدُود فِي الضَّرْب. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا دِيَة فِيهِ على الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، لكِنهمْ اخْتلفُوا فِيمَن مَاتَ من التَّعْزِير، فَقَالَ الشَّافِعِي: عقله على عَاقِلَة الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه: لَا يجب شَيْء على أحد. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف إِذا مَاتَ فِي ضربه على أَقْوَال: فَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا ضَمَان على الإِمَام وَالْحق قَتله. وَقَالَ الشَّافِعِي إِن مَاتَ الْمَحْدُود وَكَانَ ضربه بأطراف الثِّيَاب وَالنعال لَا يضمن الإِمَام قولا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ ضربه بِالسَّوْطِ فَإِنَّهُ يضمن، وَفِي صفة مَا يضمن وَجْهَان: أَحدهمَا: يضمن جَمِيع الدِّيَة، وَالثَّانِي: لَا يضمن إلَاّ مَا زَاد على ألم النِّعَال، وَعنهُ أَيْضا إِن ضرب بالنعال وأطراف الثِّيَاب ضربا يُحِيط الْعلم أَنه لَا يبلغ الْأَرْبَعين، أَو يبلغهَا أَو لَا يتجاوزها فَمَاتَ، فَالْحق قَتله. فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا عقل وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة على الإِمَام، وَإِن ضربه أَرْبَعِينَ سَوْطًا فَمَاتَ، فديته على عَاقِلَة الإِمَام دون بَيت المَال.

٩٧٧٦ - حدّثنا مَكْيٌّ بنُ إبْراهِيمَ عنِ الجُعَيْدِ عنْ يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإمْرَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَر، فَنَقُومُ إلَيْهِ بأيْدِينا ونعالِنا وأرْدِيَتِنا حتَّى كانَ آخِرُ إمْرَةِ عُمَرَ فَجلَدَ أرْبَعِينَ، حتَّى إذَا عَتَوْا وفَسَقُوا جَلَدَ ثَمانِينَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والجعيد بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مصغر جعد بن عبد الرَّحْمَن التَّابِعِيّ من صغَار التَّابِعين وَسَنَد البُخَارِيّ هَذَا فِي غَايَة الْعُلُوّ لِأَن بَينه وَبَين التَّابِعِيّ فِيهِ وَاحِد فَهُوَ فِي حكم الثلاثيات، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء الْكُوفِي، والسائب بِالْهَمْزَةِ بعد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَغْصُوبُ نِصَابًا، وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِيهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اشْتُهِرَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ سَرِقَةً مَا دُونَ النِّصَابِ حَرَامًا.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ ﷺ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَلَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى إِرَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخَمْرِ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشُّرْبِ مِنَ الْمَحْذُورِ مِنِ اخْتِلَالِ الْعَقْلِ أَفْحَشَ مِنْ شُرْبِ مَا لَا يَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْعَقْلُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِنَقْصِ الْكَمَالِ مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِانْتِهَابَ كُلَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِيمَا أَذِنَ مَالِكُهُ كَالنِّثَارِ فِي الْعُرْسِ، وَلَكِنْ صَرَّحَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ كَمَا قَالُوا، وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَبَاحَهُ وَغَرَضُهُ تَسَاوِيهِمْ أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي، فَإِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنْهُمْ يَغْلِبُ الضَّعِيفَ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَمِنَ التَّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مِنَ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لِكَوْنِ الْأَخْذِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِيهِ فَضْلُ قُوَّةٍ أَوْ قِلَّةُ حَيَاءٍ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرَظٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ فَأَمَّا الْعِرْسَانُ فَلَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي جَوَازِ أَخْذِ مَا يُنْثَرُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ قَدْ عَلِمَ اخْتِلَافَ حَالِهِمْ فِي الْأَخْذِ كَمَا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهِ فِي أَخْذِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النِّثَارِ.

قُلْتُ: بَلْ فِيهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْذُونِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا الْغَايَةَ فِي الْوَرَعِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُمْ.

٢ - بَاب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.

[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَتَعَيَّنُ الْجَلْدُ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي كَمِّيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَوَقْتِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَحَقِيقَتِهَا وَهَلْ هِيَ مُشْتَقَّةٌ وَهَلْ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا أَخْرَجَاهَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ الْحَسَنِ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَأَنَسٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَذَا ذَكَرَ طَرِيقَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ وَتَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ (١) فَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا اللَّفْظِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن».

(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة ﵁ هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم.

(٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ).

٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

النَّبيَّ ﷺ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر».

وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ ﷺ: أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه ﷺ كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ.

قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله ﷺ أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه ﷺ جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ﵁، ورآه عليٌّ ﵁ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣).

واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة:

أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِيهِ) قَوْله: (حِين يَزْنِي) قَالَ الْكرْمَانِي كلمة: حِين مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا أَو بِمَا بعْدهَا ثمَّ قَالَ: تحتملهما أَي: لَا يَزْنِي فِي أَي حِين كَانَ أَو وَهُوَ مُؤمن حِين يَزْنِي. وَفِيه: تَنْبِيه على جَمِيع أَنْوَاع الْمعاصِي لِأَنَّهَا إِمَّا بدنية كَالزِّنَا، أَو مَالِيَّة إِمَّا سرا كالسرقة أَو جَهرا كالنهب أَو عقلية كَالْخمرِ فَإِنَّهَا مزيلة لَهُ. قَوْله: (نهبة) بِضَم النُّون وَهُوَ المَال المنهوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: النهبة، بِالْفَتْح مصدر وَبِضَمِّهَا المَال المنهوب يَعْنِي: لَا يَأْخُذ الرجل مَال غَيره قهرا وظلماً وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ ويتضرعون ويبكون وَلَا يقدرُونَ على دَفعه، ثمَّ قَالَ: مَا فَائِدَة ذكر الْأَبْصَار؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ إِخْرَاج الْمَوْهُوب الْمشَاع والموائد الْعَامَّة، فَإِن رَفعهَا لَا يكون عَادَة إلاّ فِي الغارات ظلما صَرِيحًا. انْتهى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون كِنَايَة عَن عدم التستر بذلك، فَيكون صفة لَازِمَة للنهب بِخِلَاف السّرقَة والاختلاس فَإِنَّهُ يكون فِي خُفْيَة والانتهاب أَشد لما فِيهِ من مزِيد الجرأة وَعدم المبالاة.

وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَّيبِ وَأبي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمِثْلِهِ، إلَاّ النُّهْبَةَ.

هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَي: وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور إلَاّ لفظ: النهبة لَيْسَ فِيهِ، وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث بِلَفْظ: قَالَ ابْن شهَاب. وحَدثني سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمثل حَدِيث أبي بكر هَذَا إلَاّ النهبة.

٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي ضَرْبِ شارِبِ الخَمْر)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ من الْخَبَر فِي ضرب شَارِب الْخمر.

٣٧٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا هِشام عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (الحَدِيث ٤٧٧٦ طرفَة فِي: ٦٧٧٦) .

(ح) وحدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بالجَرِيده النِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِين.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين.

الأول: عَن حَفْص بن عمر عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة.

وَالثَّانِي: عَن آدم بن إِيَاس عَن شُعْبَة الخ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دادو فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا، وَلم يذكر: (وَجلد أَبُو بكر أَرْبَعِينَ) وَاحْتج الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر على أَن حد السَّكْرَان أَرْبَعُونَ سَوْطًا. وَقَالَ ابْن حزم: وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْحسن بن عَليّ وَعبد الله بن جَعْفَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأَبُو سُلَيْمَان وأصحابنا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة: ثَمَانُون سَوْطًا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وخَالِد بن الْوَلِيد وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، قَالَ أَبُو عمر: الْجُمْهُور من عُلَمَاء السّلف وَالْخلف على أَن الْحَد فِي الشّرْب ثَمَانُون، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَعبيد الله بن الْحسن وَالْحسن بن حَيّ وَإِسْحَاق وَأحمد، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَقَالَ: اتّفق إِجْمَاع الصَّحَابَة فِي زمن عمر على الثَّمَانِينَ فِي حد الْخمر وَلَا مُخَالف لَهُم مِنْهُم وعَلى ذَلِك جمَاعَة التَّابِعين وَجُمْهُور فُقَهَاء الْمُسلمين. وَالْخلاف فِي ذَلِك كالشذوذ المحجوج بالجمهور، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يحيى بن فليح عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن عِكْرِمَة عَن مَوْلَاهُ أَن الشُّرَّاب كَانُوا يضْربُونَ فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْأَيْدِي وَالنعال والعصي حَتَّى توفّي، وَكَانَ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فجلدهم أَرْبَعِينَ ثمَّ عمر كَذَلِك ... الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَقَالَ عمر: مَاذَا ترَوْنَ؟ فَقَالَ عَليّ: إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة، فَأمر عمر فجلده ثَمَانِينَ أَي: جلد السَّكْرَان ثَمَانِينَ سَوْطًا.

٣ - (بابُ مَنْ أمَرَ بِضَرْبِ الحَدِّ فِي البَيْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من أَمر بِضَرْب الْحَد فِي الْبَيْت فَكَأَنَّهُ ترْجم هَذَا الْبَاب ردا على من قَالَ: لَا يضْرب الْحَد سرا، وروى ابْن سعد عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قصَّة وَلَده أبي شحمة لما شرب بِمصْر فحده عَمْرو بن الْعَاصِ فِي الْبَيْت فَأنْكر عمر عَلَيْهِ وأحضره إِلَى الْمَدِينَة وضربه الْحَد جَهرا، وَحمل الْعلمَاء على الْمُبَالغَة فِي تَأْدِيب وَلَده لَا لِأَن إِقَامَة الْحَد لَا تصح إلَاّ جَهرا.

٤ - (بابُ الضَّربِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضَّرْب فِي شرب الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَأَشَارَ بذلك إِلَى جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي شرب الْخمر بِالضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمعو على الِاكْتِفَاء فِي الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وأطراف الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَالأَصَح جَوَازه بِالسَّوْطِ، وشذ من قَالَ: هُوَ شَرط وَهُوَ غلط منابذ للأحاديث الصَّحِيحَة.

قلت: اخْتلف فِيهِ بعض الْأَئِمَّة من الشَّافِعِيَّة فَصرحَ أَبُو الطّيب وَمن تبعه بِأَنَّهُ لَا يجوز بِالسَّوْطِ، وَصرح القَاضِي حُسَيْن بِتَعْيِين السَّوْط، وَاحْتج بِأَنَّهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة.

٥٧٧٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا وُهَيْبُ بنُ خالِدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِيَ بِنُعَيْمانَ أَو: بابنِ نُعَيْمانِ وهْوَ سَكْرَان فَشَقَّ عَلَيْهِ وأمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بالجَرِيدِ والنِّعال، وكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٣٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي الْبَاب الَّذِي قبله، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب إِلَى

آخِره، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.

٦٧٧٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ حدّثنا هِشامٌ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ، قَالَ: جَلدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٧٦) .

مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد تقدم هَذَا أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي ضرب شَارِب الْخمر. فَإِن قلت: ذكر هُنَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ضرب فِي الْخمر وَهَهُنَا قَالَ: جلد؟ .

قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَن المُرَاد هُنَا من قَوْله: (جلد ضربه) فَأصَاب جلده، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ: ضربه بِالْجلدِ، وَمُسلم شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.

٧٧٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ أنَسٌ عنْ يَزِيدَ بنِ الهادِ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: أُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: (اضْرِبُوه) قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فلمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أحْزَاكَ الله. قَالَ: لَا تَقُولُوا هكَذا، لَا تُعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطانَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء اسْمه أنس بن عِيَاض، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد نسب إِلَى جده الْأَعْلَى، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث بن خَالِد التَّيْمِيّ، وَسَلَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَيزِيد وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيون تابعيون.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن غَيره. قَوْله: (بِرَجُل) قيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا عبد الله الَّذِي كَانَ يلقب حمارا، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث عَن عمر فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَيحْتَمل أَن يكون نعيمان وَيحْتَمل أَن يكون ثَالِثا. قَوْله: (قَالَ: اضْرِبُوهُ) لم يعين فِيهِ الْعدَد لِأَنَّهُ لم يكن مؤقتاً حينئذٍ، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يقت فِي الْخمر حدا أَي لم: يُوَقت، وَيُقَال أَي: لم يقدر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهُ مِقْدَارًا، وَلم يحدده بِعَدَد مَخْصُوص. قَوْله: (أخزاك الله) أَي: لَا تدعوا عَلَيْهِ بالخزي بالمعجمتين، وَهُوَ الذل والهوان، يُقَال: خزى يخزى من بَاب علم بِعلم خزياً بِالْكَسْرِ وَأما خزي يخزى خزاية بِالْفَتْح فَمَعْنَاه اسْتَحى. قَوْله: (لَا تعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان) يَعْنِي: إِذا دعوتم عَلَيْهِ بالخزي فقد اعنتم الشَّيْطَان، فَإِنَّهُ إِذا دعِي عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ينْه عَنهُ ينفر عَنهُ، أَو لِأَنَّهُ يتَوَهَّم أَنه مُسْتَحقّ لذَلِك، فيوقع الشَّيْطَان فِي قلبه وساوس.

٨٧٧٦ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ عبْدِ الوَهَّابِ حدّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا أَبُو حَصِينٍ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيَّ بنَ أبي طالِبٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأقِيمَ حَدًّا عَلَى أحَدٍ فَيَمُوتَ فأجدَ فِي نَفْسِي إلَاّ صاحِبَ الخَمْرِ، فإنَّه لوْ ماتَ ودَيْتُهُ وذالِكَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمْ يَسُنَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَن معنى قَوْله: (لم يسنه) لم يقدر فِيهِ حدا، مضبوطاً كَذَا فسره النَّوَوِيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ لم يُعينهُ بِضَرْب السِّيَاط، وَهُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حد مَعْلُوم.

وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَعُمَيْر بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم بن سعيد بِالْيَاءِ بعد الْعين النَّخعِيّ كَذَا ضَبطه الْكرْمَانِي وَقَالَ: لم يتَقَدَّم ذكره، ويروى: سعد، بِدُونِ الْيَاء، وَهُوَ سَهْو قَالَه الغساني، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ من (الصَّحِيحَيْنِ) : وَوَقع للحميدي فِي الْجَمِيع: سعد، بِسُكُون الْعين وَهُوَ غلط، وَوَقع فِي (الْمُهَذّب) : عمر بن سعد بِحَذْف الْيَاء

مِنْهُمَا وَهُوَ غلط فَاحش، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع للنسائي والطَّحَاوِي: عمر، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم.

قلت: لم يَقع للطحاوي مَا ذكره فَإِنِّي شرحت (مَعَاني الْآثَار) : لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ عُمَيْر بن سعيد، مثل مَا وَقع للْبُخَارِيّ وَغَيره، وَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير ثِقَة مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بِهِ وَعَن غَيره.

قَوْله: (مَا كنت لأقيم) اللَّام فِيهِ مَكْسُورَة لتأكيد النَّفْي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع أَيْمَانكُم} (الْبَقَرَة: ٣٤١) وأقيم مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة فِيهِ. قَوْله: (فَيَمُوت) ، بِالنّصب. قَوْله: (فأجد) بِالرَّفْع قَالَه الْكرْمَانِي من وجد الرجل يجد إِذا حزن، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ. قَوْله: (فَيَمُوت) مسبب عَن أقيم. وَقَوله: (فأجد) مسبب عَن مَجْمُوع السَّبَب، والمسبب وَالِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: (إلَاّ صَاحب الْخمر) ، مُنْقَطع أَي: لَكِن أجد من صَاحب الْخمر إِذا مَاتَ شَيْئا وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: مَا أجد من موت أحد يُقَام عَلَيْهِ الْحَد شَيْئا، إلَاّ من موت صَاحب الْخمر فَيكون مُتَّصِلا. قَوْله: (وديته) أَي: أَعْطَيْت دِيَته وغرمتها من ودى يَدي دِيَة أَصْلهَا ودية. قَوْله: (وَذَلِكَ) إِشَارَة إِلَى مَا قَالَه: (مَا كنت لأقيم. .) إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يسنه) قد مر تَفْسِيره الْآن، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسن فِيهِ شَيْئا إِنَّمَا هُوَ شَيْء جَعَلْنَاهُ نَحن. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد بن مسرهد قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن الداناج عَن حُصَيْن بن الْمُنْذر الرقاشِي أبي ساسان عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: جلد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْخمر أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَرْبَعِينَ وكملها عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِينَ وكل سنة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد نَحوه. قَوْله: (وكل سنة) أَي: كل وَاحِد من الْأَرْبَعين والثمانين سنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: تَقول: إِن الْأَرْبَعين سنة قد عمل بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي زَمَانه، والثمانين سنة قد عمل بهَا عمر رَضِي الله عَنهُ، فِي زَمَانه.

قلت: وَلما روى الطَّحَاوِيّ هَذَا قَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن الْحَد الَّذِي يجب على شَارِب الْخمر إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعُونَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَادعوا فَسَاد هَذَا الحَدِيث، وأنكروا أَن يكون عَليّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ من ذَلِك شَيْئا، لِأَنَّهُ قد روى عَنهُ مَا يُخَالف ذَلِك، ويدفعه ثمَّ روى حَدِيث عُمَيْر بن سعيد عَنهُ الَّذِي مضى الْآن، ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام فِي دفع هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الداناج الْمَذْكُور عَن حُصَيْن عَنهُ، وَقَالَ غَيره: حَدِيث الداناج غير صَحِيح لِأَن حَدِيث البُخَارِيّ، أَعنِي: الْمَذْكُور هُنَا يردهُ وَيُخَالِفهُ، وَفِي قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ: مَا كنت لأقيم حدا ... الخ حجَّة لمن قَالَ: لَا قَود على أحد إِذا مَاتَ الْمَحْدُود فِي الضَّرْب. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا دِيَة فِيهِ على الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، لكِنهمْ اخْتلفُوا فِيمَن مَاتَ من التَّعْزِير، فَقَالَ الشَّافِعِي: عقله على عَاقِلَة الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه: لَا يجب شَيْء على أحد. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف إِذا مَاتَ فِي ضربه على أَقْوَال: فَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا ضَمَان على الإِمَام وَالْحق قَتله. وَقَالَ الشَّافِعِي إِن مَاتَ الْمَحْدُود وَكَانَ ضربه بأطراف الثِّيَاب وَالنعال لَا يضمن الإِمَام قولا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ ضربه بِالسَّوْطِ فَإِنَّهُ يضمن، وَفِي صفة مَا يضمن وَجْهَان: أَحدهمَا: يضمن جَمِيع الدِّيَة، وَالثَّانِي: لَا يضمن إلَاّ مَا زَاد على ألم النِّعَال، وَعنهُ أَيْضا إِن ضرب بالنعال وأطراف الثِّيَاب ضربا يُحِيط الْعلم أَنه لَا يبلغ الْأَرْبَعين، أَو يبلغهَا أَو لَا يتجاوزها فَمَاتَ، فَالْحق قَتله. فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا عقل وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة على الإِمَام، وَإِن ضربه أَرْبَعِينَ سَوْطًا فَمَاتَ، فديته على عَاقِلَة الإِمَام دون بَيت المَال.

٩٧٧٦ - حدّثنا مَكْيٌّ بنُ إبْراهِيمَ عنِ الجُعَيْدِ عنْ يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإمْرَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَر، فَنَقُومُ إلَيْهِ بأيْدِينا ونعالِنا وأرْدِيَتِنا حتَّى كانَ آخِرُ إمْرَةِ عُمَرَ فَجلَدَ أرْبَعِينَ، حتَّى إذَا عَتَوْا وفَسَقُوا جَلَدَ ثَمانِينَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والجعيد بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مصغر جعد بن عبد الرَّحْمَن التَّابِعِيّ من صغَار التَّابِعين وَسَنَد البُخَارِيّ هَذَا فِي غَايَة الْعُلُوّ لِأَن بَينه وَبَين التَّابِعِيّ فِيهِ وَاحِد فَهُوَ فِي حكم الثلاثيات، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء الْكُوفِي، والسائب بِالْهَمْزَةِ بعد

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.5 / 29.5
الإضاءة 35%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56