«أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6619

الحديث رقم 6619 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فقال: كان…

«أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ.»

سند حديث: ٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ…

٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فقال: كان…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ بِالتَّقَلُّبِ الَّذِي فِي الْخَبَرِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الرَّاغِبُ، وَقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مُرَادِهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْهُدَى.

والْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْبَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: عَنْ سَالِمٍ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَشَذَّ النُّفَيْلِيُّ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ سَالِمٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ.

والْحَدِيثُ الثَّانِي مَضَى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي مُسْتَوْعَبًا فِي الْفِتَنِ.

وَقَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَةَ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ.

وَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْهُ بِهَاءِ ضَمِيرٍ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي إِنْ لَمْ يَكُنْهُ وَوَقَعَ فِيهِمَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْفَصْلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ قَلْبِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْسِبُهُ إِنْ لَمْ يُقْدِرْهُ عَلَيْهِ، بَلْ أَقْدَرَهُ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَذَا فِي الْمُؤْمِنِ بِعَكْسِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّهُ خَالِقُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَقْلِيبُ قَلْبِ عَبْدِهِ عَنْ إِيثَارِ الْإِيمَانِ إِلَى إِيثَارِ الْكُفْرِ وَعَكْسُهُ، قَالَ: وَكُلُّ فِعْلِ اللَّهِ عَدْلٌ فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ حَقًّا وَجَبَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيَفْعَلُ فَإِنَّهُ لَا يُقْدِرُكَ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَجِيءُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ ; إِذْ لَوْ أَقْدَرَكَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ انْقِلَابُ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.

١٥ - بَاب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قَضَى

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بِمُضِلِّينَ. إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ

﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا

٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قَضَى فَسَّرَ كَتَبَ بِقَضَى وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَيُعَبَّرُ بِالْكِتَابَةِ عَنِ الْقَضَاءِ الْمُمْضَى كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَيْ فِيمَا قَدَّرَهُ، وَمِنْهُ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يَعْنِي مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال مجاهدٌ أيضًا في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي﴾ (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقَهم، وهدَاهُم لمعاشِهم إنْ كانُوا أناسًا، ولمراعيهِم إنْ كانوا وحشًا، وعن ابن عبَّاس، والسُّديِّ، ومقاتل، والكلبيِّ (١) في قولهِ: ﴿فَهَدَى﴾ قال: عرَّفَ خلقَه كيف يأتي الذَّكر الأنثى، كما قال في طه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: الذَّكر للأنثى.

وقال (٢) عطاء: جعلَ لكلِّ دابَّة ما يصلحُها وهداهَا له. وقيل: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدَّر لكلِّ حيوان ما يصلحُه فهداهُ إليه، وعرَّفه وجه الانتفاعِ به، يقال: إنَّ الأفعَى إذا أتتْ عليها ألفُ سنة عميتْ، وقد ألهمَها الله تعالى أنَّ مسحَ (٣) العينين بورقِ الرَّازيانج الغضِّ يردُّ إليها بصرَها، فربَّما كانت في برِّيَّة بينها وبين الرِّيف مسيرة أيَّامٍ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعمَاها حتَّى تهجُمَ في بعض البساتين على الرَّازيانج لا تُخطئها، فتحكُّ به عينها (٤) فترجعُ باصرةً بإذن الله تعالى، وهداياتُ الإنسانِ إلى مصالحهِ من أغذيتهِ، وأدويتهِ، وأمورِ دُنياه ودِينه، وإلهاماتُ البهائمِ، والطُّيور، وهوامِّ الأرض باب (٥) واسعٌ، فسبحان ربِّي الأعلى وبحمدِهِ.

٦٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، نسبةً إلى حنظلةَ بن مالك قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة-

قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقيَّة، المروزيُّ، ثمَّ البصريُّ، واسم أبي الفُرات عَمرو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، الأسلميِّ قاضِي مَرْوَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة، قاضِي مَرْوَ (١) أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) وهو بُثر (٢) مؤلمةٌ جدًّا تخرجُ من الآباطِ والمراق غالبًا مع اسودادٍ حواليهِ وخفقانٍ في القلبِ (فَقَالَ) ﷺ: (كَانَ) أي: الطَّاعون (عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ) ﷿ (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من عبادِه (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: سبب الرَّحمة لهم لتضمُّنه مثل أجرِ الشُّهداء (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ) بفتح اللام، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «بلدة» بسكونها وهاء تأنيثٍ آخره (يَكُونُ فِيهِ) في البلدِ أو فيها (وَيَمْكُثُ فِيهِ) أو فيها (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا» (يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِة) أو البلدِ حال كونهِ (صَابِرًا) على مَا يُصيبه (مُحْتَسِبًا) أجرَه عند (٣) الله (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) وقدَّره في الأزل (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن لم يصبْه طعْنٌ، وهذا هو المرادُ من الحديثِ هنا.

وقد سبق في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٣٤].

(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]) اللَّام في ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾ لتوكيد النَّفي، و ﴿أَنْ﴾ وما في حيِّزها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ، وجواب ﴿لَوْلا﴾ مدلولٌ عليه بقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديرُه: لولا هدايتُه لنا موجودةٌ لشقينَا، أو ما كنَّا مُهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدِي مَنْ هداهُ الله، وأنَّ من لم يهدِه الله لم يهتدِ، ومذهبُ المعتزلةِ أنَّ كلَّ ما فعل الله في حقِّ الأنبياء والأولياءِ من أنواعِ الهدايةِ والإرشاد فقد فعلهُ في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتيازُ بين المؤمن والكافرِ والمحقِّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة الدُّخان، وَقيل: أَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان، فَلم يُمكنهُ لهيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو زَجره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يسْتَطع أَن يخرج الْكَلِمَة تَامَّة. قَوْله: (اخْسَأْ) بِالْهَمْزَةِ يُقَال خسأ الْكَلْب إِذا بعد، وأخسأ أَمر مِنْهُ وَهُوَ خطاب زجر وإهانة. قَوْله: (فَلَنْ تعدو) ويروى بِحَذْف الْوَاو تَخْفِيفًا، أَو بِتَأْوِيل: لن، بِمَعْنى: لم، والجزم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكن هُوَ) ويروى: إِن يكنه، وَفِيه رد على النَّحْوِيّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ، الِانْفِصَال. قَوْله: (فَلَا تُطِيقهُ) أَي: لَا تطِيق قَتله إِذا الْمُقدر أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان خُرُوجًا يفْسد فِي الأَرْض ثمَّ يقْتله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (فَلَا خير لَك) قيل: كَانَ يَدعِي النُّبُوَّة فَلم لَا يكون قَتله خيرا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو كَانَ فِي مهادنة أَيَّام الْيَهُود وحلفائهم، وَأما امتحانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالخبء فلإظهار بطلَان حَاله للصحابة، وَأَن مرتبته لَا تتجاوز عَن الكهانة.

٥١ - (بابُ {قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا} (التَّوْبَة: ١٥) قَضَى.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل لن يصيبنا} . . إِلَى آخِره. قَوْله: قضى، تَفْسِير لقَوْله: كتب، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم عباده أَن مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا من الشدائد والمحن والضيق وَالْخصب والجدب إِن ذَلِك كُله فعل الله تَعَالَى، يفعل من ذَلِك مَا يَشَاء لِعِبَادِهِ ويبتليهم بِالْخَيرِ وَالشَّر، وَذَلِكَ كُله مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

قَالَ مُجاهِدِ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ.

أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} (الصافات: ٢٦١ ٣٦١) أَي: مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بمضلين إلَاّ من كتب الله تَعَالَى أَنه يُصَلِّي أَي: يدْخل الْجَحِيم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد بِمَعْنَاهُ من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: لَا يفتنون إلَاّ من كتب عَلَيْهِ الضَّلَالَة.

قَدَّرَ فَهَدَى. قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ وهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها.

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي قدر فهدى} (الْأَعْلَى: ٣) وَفَسرهُ بقوله: قدر الشَّقَاء والسعادة، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَوْله: الْأَنْعَام لمراتعها، لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله بل هُوَ تَفْسِير لمثل قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى} (طه: ٠٥) .

٩١٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا النَّضْرُ حدّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَاى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أخْبَرَتْهُ أنَّها سَألَتْ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ: (كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها ويَمْكُثُ فِيها لَا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لَا يُصِيبُهُ إلاّ مَا كَتَبَ الله لهُ، إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ونسبته إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمروزِي تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَعبد الله بن بُرَيْدَة مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم وبالراء القَاضِي أَيْضا بمرو، وَالرِّجَال كلهم مروزيون. وَهُوَ من الغرائب.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير وَفِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن حبَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (الطَّاعُون) الوباء قَالَه أهل اللُّغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه حب ينْبت فِي الأرفاغ، وَقيل: هُوَ بِئْر مؤلم جدا يخرج غَالِبا من الآباط مَعَ اسوداد حواليه وخفقان الْقلب. قَوْله: (رَحْمَة) قيل مَا معنى كَون الْعَذَاب رَحْمَة؟ . وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ هُوَ محنة فِي

الصُّورَة لكنه رَحْمَة من حَيْثُ أَنه يتَضَمَّن مثل أجر الشَّهِيد فَهُوَ سَبَب الرَّحْمَة لهَذِهِ الْأمة.

٦١ - (بابٌ {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} (الْأَعْرَاف: ٣٤) {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} (الزمر: ٧٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} وَقَوله تَعَالَى: {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} إِلَى آخِره هَاتَانِ آيتان، وَحَدِيث الْبَاب نَص على أَن الله تَعَالَى انْفَرد بِخلق الْهدى والضلال، وَأَنه قدر الْعباد على اكْتِسَاب مَا أَرَادَ مِنْهُم من إِيمَان وَكفر، وَأَن ذَلِك لَيْسَ بِخلق للعباد، كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة.

٠٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقلُ مَعَنا التُّرابَ وهْوَ يَقُولُ:

(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتدَيْنا ... وَلَا صُمْنا وَلَا صَلْينا)

(فأنْزلَنْ سَكِينَةً عَليْنا ... وثَبِّت الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا)

(والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَليْنا ... إِذا أرَادوا فِتْنَةً أبَيْنا)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله:

لَوْلَا الله مَا اهتدينا

وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَجَرِير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (قد بغو) أَي: ظلمُوا. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. ويروى: أَتَيْنَا، من الْإِتْيَان.

وَالله ولي التَّوْفِيق.

٣٨ - (كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور)

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَيْمَان وأنواع النذور، والأيمان جمع يَمِين وَهُوَ لُغَة الْقُوَّة، قَالَ الله عز وَجل: { (٦٩) لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة: ٥٤) أَي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة، وَهِي الْجَارِحَة أَيْضا وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْيَمين تَحْقِيق مَا يجب وجوده بِذكر الله تَعَالَى والتزام الْمُكَلف قربَة أَو صفتهَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: النّذر إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نذرا.

١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الَاْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْمَائِدَة: ٩٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَلم يَقع لفظ: بَاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَذكر الْآيَة كلهَا، إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (بِاللَّغْوِ) ، هُوَ قَول الرجل فِي الْكَلَام من غير قصد: لَا وَالله، وبلى وَالله، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقيل: هُوَ فِي الْهزْل، وَقيل: فِي الْمعْصِيَة، وَقيل: على غَلَبَة الظَّن. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد، وَقيل: الْيَمين فِي الْغَضَب، وَقيل: فِي النسْيَان. قَوْله: (بِمَا عقدتم الْأَيْمَان) أَي: بِمَا صممتم عَلَيْهِ من الْأَيْمَان وقصدتموها، قرىء بتَشْديد الْقَاف وتخفيفها، وَالْعقد فِي الأَصْل الْجمع بَين أَطْرَاف الشَّيْء، وَيسْتَعْمل فِي الْأَجْسَام ويستعار للمعاني نَحْو: عقد البيع، وَعَن عَطاء معنى: عقدتم الْأَيْمَان أكدتم. قَوْله: (مَسَاكِين) أَي: محاويج من الْفُقَرَاء وَمن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ. قَوْله: (من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم) قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: من أعدل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: من أمثل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خبز وَلبن وَسمن، وبإسناده عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم} قَالَ: الْخبز وَاللَّحم والسنم، وَالْخبْز وَاللَّبن، وَالْخبْز وَالزَّيْت، وَالْخبْز والخل. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يُطعمهُمْ. فَقَالَ ابْن

أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يغديهم ويعشيهم، وَقَالَ الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين: يَكْفِيهِ أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين أَكلَة وَاحِدَة خبْزًا وَلَحْمًا، وَزَاد الْحسن، فَإِن لم يجد فخبزاً وَسمنًا ولبناً، فَإِن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حَتَّى يشبعوا، وَقَالَ قوم: يطعم كل وَاحِد من الْعشْرَة نصف صَاع من بر أَو تمر وَنَحْوهمَا، وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَعَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَنْصُور بن مهْرَان وَمَالك وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَمَكْحُول وَأبي قلَابَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وروى ذَلِك عَن عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي كَفَّارَة الْيَمين مد بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (أَو كسوتهم) قَالَ الشَّافِعِي: لَو دفع إِلَى كل وَاحِد من الْعشْرَة مَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قيمص أَو سَرَاوِيل أَو إِزَار أَو عِمَامَة أَو مقنعة أَجزَاء ذَلِك. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي القلنسوة: هَل نجزى أم لَا؟ على وَجْهَيْن: وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي الْخُف وَجْهَيْن أَيْضا، وَالصَّحِيح عدم الْإِجْزَاء، وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا بُد أَن يدْفع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَصح أَن يُصَلِّي فِيهِ إِن كَانَ رجلا أَو امْرَأَة كل بِحَسبِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: عباءة لكل مِسْكين أَو شملة، وَقَالَ مُجَاهِد: أدناه ثوب وَأَعلاهُ مَا شِئْت، وَعَن سعيد بن الْمسيب: عباءة يلف بهَا رَأسه وعباءة يأتزر بهَا. قَوْله: (أَو تَحْرِير رَقَبَة) أَخذ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإطلاقها فجوز الْكَافِرَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ: لَا يجوز إلَاّ مُؤمنَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: فَإِن لم يقدر الْمُكَلف على وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث (فَصِيَام) أَي: فَعَلَيهِ صِيَام (ثَلَاثَة أَيَّام) . وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل يجب التَّتَابُع أَو يسْتَحبّ؟ فالمنصوص عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا يجب التَّتَابُع، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجب التَّتَابُع، ودلائلهم مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (واحفظوا أَيْمَانكُم) عَن الْحِنْث فَإِذا حنثتم فاحفظوها بِالْكَفَّارَةِ.

١٢٦٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عَنهُ، لَمْ يَكُنْ يحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حتَّى أنْزَلَ الله تَعَالَى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وَقَالَ: لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٤) .

مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَشَيْخه مروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك مروزي أَيْضا، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (أَن أَبَا بكر) الصّديق وَفِي رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بِسَنَدِهِ عَن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (لم يكن حنث) إِنَّمَا زَادَت لفظ الْكَوْن للْمُبَالَغَة فِيهِ، ولبيان أَنه لم يكن من شَأْنه ذَلِك. قَوْله: (قطّ) ، أَصله: قطط، فأدغمت الطَّاء فى الطَّاء وَمِنْهُم من يَقُول: قطّ، بِضَم الْقَاف تبعا لضم الطَّاء وَمِنْهُم من يخففه. قَوْله: (كَفَّارَة الْيَمين) أَي: آيتها وَهِي الْمَذْكُورَة فِي أول الْبَاب. قَوْله: (لَا أَحْلف على يَمِين) إِلَى آخِره قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا لما حلف أَنه لَا يبرأ مسطحًا لما تكلم فِي قصَّة الْإِفْك، وَأنزل الله تَعَالَى: {أَلا يحبونَ أَن يغْفر الله لكم} (النُّور: ٢٢) قَالَ: بلَى يَا رب {إِنَّا لنحب ذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى بره كَمَا كَانَ أَولا. قَوْله: (غَيرهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الْيَمين بِاعْتِبَار أَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة، أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لقَوْله: (لَا أَحْلف) على الْحق.

٢٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ مُحَمدُ بنُ الفَضْلِ حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ حدّثنا الحَسَنُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَمرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ} لَا تَسْألِ الإمارَةَ، فإنّكَ إنْ أوتِيتَها عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أعنْتَ عَلَيْها، وَإِذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكفر عَن يَمِينك) وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَقد شهد فتوح الْعرَاق وَكَانَ فتح سجستان على يَدَيْهِ، أرْسلهُ عبد الله بن عَامر أَمِير الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام عَن حجاج بن منهال وَفِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرج النَّسَائِيّ قصَّة الْإِمَارَة فِي الْقَضَاء وَفِي السّير عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وقصة الْيَمين فِي الْأَيْمَان عَن جمَاعَة آخَرين.

قَوْله: (الْإِمَارَة) بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَا تسْأَل أَن تعْمل أَمِيرا أَي: حَاكما. قَوْله: (أوتيتها) على صِيغَة الْمَجْهُول بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (أعنت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا.

وَفِيه: كَرَاهَة سُؤال مَا يتَعَلَّق بالحكومة نَحْو الْقَضَاء والحسبة وَنَحْوهمَا، وَإِن من سَأَلَ لَا يكون مَعَه إِعَانَة من الله تَعَالَى، فَلَا يكون لَهُ كِفَايَة لذَلِك الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن لَا يولي.

قلت: إِذا كَانَ عَن مُجَرّد السُّؤَال، فَمَا يكون حَال من يسْأَل بالرشوة ويجتهد فِيهِ؟ خُصُوصا فِي غَالب قُضَاة مصر فَلَا يتولون إلَاّ بالبراطيل والرشى؟ وَلَا يخَاف من اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة من الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش. وَفِيه: إِن من حلف على فعل أَو ترك وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، بل يجب، نظرا لظَاهِر الْأَمر. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَا يجوز عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن الْكَفَّارَة لستر الْجِنَايَة وَلَا جِنَايَة قبل الْحِنْث، فَلَا يجوز.

وَحكم الحَدِيث أَنه تعارضه رِوَايَة مُسلم أخرجه عَن أبي هُرَيْرَة: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، غير أَن البُخَارِيّ انْفَرد بِتَقْدِيم الْحِنْث قبل الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) تَقْدِيم الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وَجَاء تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ لَهما تَقْدِيم الْكَفَّارَة فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالأخذ بِرِوَايَة تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة أولى لما ذكرنَا.

٣٣٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنا مَا شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا أوْ قالَ بَعْضُنا: وَالله لَا يُبارَكَ لَنا، أتَيْنا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنُذَكِّرَهُ، فأتَيْناهُ فَقَالَ: (مَا أَنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنِّي وَالله إِن شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد كَمَا مر، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، قيل: اسْمه الْحَارِث وَقيل: عَامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه أَيْضا مطولا فِي كتاب الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين، فَلْينْظر فِيهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن خلف بن هِشَام وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أَحْمد بن عَبدة.

قَوْله: (فِي رَهْط) قد ذكرنَا غير مرّة أَن الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة

إِلَى الْأَشْعر، واسْمه: نبت بن ادد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَشْعر لِأَن أمه وَلدته أشعر قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا يحملنا من الْإِبِل وَيحمل أثقالنا، وَذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} (التَّوْبَة: ٢٩) الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (بِثَلَاث ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الْإِبِل من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَهِي مُؤَنّثَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد من لَفظهَا، وَالْكثير أذواد، وَقيل: الذود الْوَاحِد من الْإِبِل بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) ، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الذود من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ من الْإِنَاث، فَلذَلِك قَالَ: بِثَلَاث ذود، وَلم يقل: بِثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. قَوْله: (غر الذرى) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع الْأَغَر وَهُوَ الْأَبْيَض الْحسن، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسرهَا جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا الأسنمة، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخمس فِي غَزْوَة تَبُوك، أَنه سِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الثَّلَاث نفي السِّتَّة. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح اللَّام أَي: حملنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ: ثمَّ حملنَا، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (بل الله حملكم) يَعْنِي: لَا معطي إلَاّ الله، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا أَعطيتكُم من مَال الله، أَو: بِأَمْر الله لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطي بِالْوَحْي. قَوْله: (وَإِنِّي) اسْم: إِن، يَاء الْإِضَافَة، وخبرها قَوْله: (لَا أَحْلف) . . إِلَى آخِره، والجملتان معترضتان بَين اسْم إِن وخبرها. قَوْله: (أَو أتيت) إِمَّا شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم: أتيت، على تَقْدِيم: كفرت، وَالْعَكْس، وَإِمَّا تنويع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِشَارَة إِلَى جَوَاز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها.

٤٢٦٦ - حدّثنا إسْحاق بنُ إبْرَاهِيمَ أخبَرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هاذَا مَا حدّثنا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم القِيامَةِ) . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالله لأنْ يَلَجَّ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أهْلِهِ آثَمُ لهُ عِنْدَ الله مِنْ أنْ يُعْطِىَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ) . (الحَدِيث ٥٢٦٦ طرفه فِي: ٦٢٦٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يلج)

إِلَى آخِره. وَأما وَجه إِدْخَال قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة) ، فَهُوَ أَن هَذَا أول حَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ همام إِذا روى الصَّحِيفَة استفتح بِذكرِهِ ثمَّ سرد الْأَحَادِيث فَذكره الرَّاوِي أَيْضا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه ذَلِك أَنه يُمكن أَن يكون سمع أَبَا هُرَيْرَة كَذَلِك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي نسق وَاحِد فَحدث بهما جَمِيعًا كَمَا سمعهما، وَيُمكن أَن الرَّاوِي فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سمع من أبي هُرَيْرَة أَحَادِيث. أَولهَا: ذَلِك فَذكرهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذكره.

وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يحْتَمل أَن يكون ابْن رَاهَوَيْه، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن نصر لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن سُفْيَان من قَوْله: إِذا استلج.

قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: آخر الْأُمَم (السَّابِقُونَ) يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحساب وَدخُول الْجنَّة.

قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو. قَوْله: (لِأَن يلج) من الإلجاج بالجيمين يَعْنِي: أَقَامَ على يَمِينه وَلَا يكفرهَا فيحللها وَيَزْعُم أَنه صَادِق، وَقيل: هُوَ أَن يحلف وَيرى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا، فيقيم على ترك الْكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِثْم وَفِي (الصِّحَاح) : لججت، بِالْكَسْرِ يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بِالْفَتْح لُغَة. قَوْله: (بِيَمِينِهِ فِي أَهله) يَعْنِي: إِذا حلف يَمِينا يتَعَلَّق بأَهْله ويتضررون بِعَدَمِ حنثه وَلَا يكون فِي الْحِنْث مَعْصِيّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يَحْنَث وَيكفر، فَإِن قَالَ: لَا أحنث وأخاف الْإِثْم، فَهُوَ مخطىء. قَوْله: (آثم لَهُ) بِمد الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على وزن لفظ أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ خير. قَوْله: (لِأَن يلج) لِأَن: أَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام للتَّأْكِيد. تَقْدِيره: لجاجه باستمراره فِي يَمِينه أَشد إِثْمًا من أَن يعْطى ... إِلَى آخِره. وَيجوز كسر إِن. فَقَوله: (آثم) بِالْمدِّ، أَي: أَكثر إِثْمًا قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يشْعر بِأَن إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِيهِ إِثْم لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، ثمَّ أجَاب بِأَن نفس الْحِنْث فِيهِ إِثْم لِأَنَّهُ يسلتزم عدم تَعْظِيم اسْم الله تَعَالَى، وَبَين إِعْطَاء الْكَفَّارَة وَبَينه مُلَازمَة عَادَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ بِالتَّقَلُّبِ الَّذِي فِي الْخَبَرِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الرَّاغِبُ، وَقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مُرَادِهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْهُدَى.

والْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْبَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: عَنْ سَالِمٍ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَشَذَّ النُّفَيْلِيُّ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ سَالِمٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ.

والْحَدِيثُ الثَّانِي مَضَى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي مُسْتَوْعَبًا فِي الْفِتَنِ.

وَقَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَةَ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ.

وَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْهُ بِهَاءِ ضَمِيرٍ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي إِنْ لَمْ يَكُنْهُ وَوَقَعَ فِيهِمَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْفَصْلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ قَلْبِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْسِبُهُ إِنْ لَمْ يُقْدِرْهُ عَلَيْهِ، بَلْ أَقْدَرَهُ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَذَا فِي الْمُؤْمِنِ بِعَكْسِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّهُ خَالِقُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَقْلِيبُ قَلْبِ عَبْدِهِ عَنْ إِيثَارِ الْإِيمَانِ إِلَى إِيثَارِ الْكُفْرِ وَعَكْسُهُ، قَالَ: وَكُلُّ فِعْلِ اللَّهِ عَدْلٌ فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ حَقًّا وَجَبَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيَفْعَلُ فَإِنَّهُ لَا يُقْدِرُكَ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَجِيءُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ ; إِذْ لَوْ أَقْدَرَكَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ انْقِلَابُ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.

١٥ - بَاب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قَضَى

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بِمُضِلِّينَ. إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ

﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا

٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قَضَى فَسَّرَ كَتَبَ بِقَضَى وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَيُعَبَّرُ بِالْكِتَابَةِ عَنِ الْقَضَاءِ الْمُمْضَى كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَيْ فِيمَا قَدَّرَهُ، وَمِنْهُ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يَعْنِي مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال مجاهدٌ أيضًا في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي﴾ (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقَهم، وهدَاهُم لمعاشِهم إنْ كانُوا أناسًا، ولمراعيهِم إنْ كانوا وحشًا، وعن ابن عبَّاس، والسُّديِّ، ومقاتل، والكلبيِّ (١) في قولهِ: ﴿فَهَدَى﴾ قال: عرَّفَ خلقَه كيف يأتي الذَّكر الأنثى، كما قال في طه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: الذَّكر للأنثى.

وقال (٢) عطاء: جعلَ لكلِّ دابَّة ما يصلحُها وهداهَا له. وقيل: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدَّر لكلِّ حيوان ما يصلحُه فهداهُ إليه، وعرَّفه وجه الانتفاعِ به، يقال: إنَّ الأفعَى إذا أتتْ عليها ألفُ سنة عميتْ، وقد ألهمَها الله تعالى أنَّ مسحَ (٣) العينين بورقِ الرَّازيانج الغضِّ يردُّ إليها بصرَها، فربَّما كانت في برِّيَّة بينها وبين الرِّيف مسيرة أيَّامٍ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعمَاها حتَّى تهجُمَ في بعض البساتين على الرَّازيانج لا تُخطئها، فتحكُّ به عينها (٤) فترجعُ باصرةً بإذن الله تعالى، وهداياتُ الإنسانِ إلى مصالحهِ من أغذيتهِ، وأدويتهِ، وأمورِ دُنياه ودِينه، وإلهاماتُ البهائمِ، والطُّيور، وهوامِّ الأرض باب (٥) واسعٌ، فسبحان ربِّي الأعلى وبحمدِهِ.

٦٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، نسبةً إلى حنظلةَ بن مالك قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة-

قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقيَّة، المروزيُّ، ثمَّ البصريُّ، واسم أبي الفُرات عَمرو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، الأسلميِّ قاضِي مَرْوَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة، قاضِي مَرْوَ (١) أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) وهو بُثر (٢) مؤلمةٌ جدًّا تخرجُ من الآباطِ والمراق غالبًا مع اسودادٍ حواليهِ وخفقانٍ في القلبِ (فَقَالَ) ﷺ: (كَانَ) أي: الطَّاعون (عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ) ﷿ (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من عبادِه (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: سبب الرَّحمة لهم لتضمُّنه مثل أجرِ الشُّهداء (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ) بفتح اللام، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «بلدة» بسكونها وهاء تأنيثٍ آخره (يَكُونُ فِيهِ) في البلدِ أو فيها (وَيَمْكُثُ فِيهِ) أو فيها (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا» (يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِة) أو البلدِ حال كونهِ (صَابِرًا) على مَا يُصيبه (مُحْتَسِبًا) أجرَه عند (٣) الله (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) وقدَّره في الأزل (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن لم يصبْه طعْنٌ، وهذا هو المرادُ من الحديثِ هنا.

وقد سبق في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٣٤].

(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]) اللَّام في ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾ لتوكيد النَّفي، و ﴿أَنْ﴾ وما في حيِّزها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ، وجواب ﴿لَوْلا﴾ مدلولٌ عليه بقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديرُه: لولا هدايتُه لنا موجودةٌ لشقينَا، أو ما كنَّا مُهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدِي مَنْ هداهُ الله، وأنَّ من لم يهدِه الله لم يهتدِ، ومذهبُ المعتزلةِ أنَّ كلَّ ما فعل الله في حقِّ الأنبياء والأولياءِ من أنواعِ الهدايةِ والإرشاد فقد فعلهُ في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتيازُ بين المؤمن والكافرِ والمحقِّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة الدُّخان، وَقيل: أَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان، فَلم يُمكنهُ لهيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو زَجره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يسْتَطع أَن يخرج الْكَلِمَة تَامَّة. قَوْله: (اخْسَأْ) بِالْهَمْزَةِ يُقَال خسأ الْكَلْب إِذا بعد، وأخسأ أَمر مِنْهُ وَهُوَ خطاب زجر وإهانة. قَوْله: (فَلَنْ تعدو) ويروى بِحَذْف الْوَاو تَخْفِيفًا، أَو بِتَأْوِيل: لن، بِمَعْنى: لم، والجزم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكن هُوَ) ويروى: إِن يكنه، وَفِيه رد على النَّحْوِيّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ، الِانْفِصَال. قَوْله: (فَلَا تُطِيقهُ) أَي: لَا تطِيق قَتله إِذا الْمُقدر أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان خُرُوجًا يفْسد فِي الأَرْض ثمَّ يقْتله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (فَلَا خير لَك) قيل: كَانَ يَدعِي النُّبُوَّة فَلم لَا يكون قَتله خيرا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو كَانَ فِي مهادنة أَيَّام الْيَهُود وحلفائهم، وَأما امتحانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالخبء فلإظهار بطلَان حَاله للصحابة، وَأَن مرتبته لَا تتجاوز عَن الكهانة.

٥١ - (بابُ {قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا} (التَّوْبَة: ١٥) قَضَى.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل لن يصيبنا} . . إِلَى آخِره. قَوْله: قضى، تَفْسِير لقَوْله: كتب، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم عباده أَن مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا من الشدائد والمحن والضيق وَالْخصب والجدب إِن ذَلِك كُله فعل الله تَعَالَى، يفعل من ذَلِك مَا يَشَاء لِعِبَادِهِ ويبتليهم بِالْخَيرِ وَالشَّر، وَذَلِكَ كُله مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

قَالَ مُجاهِدِ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ.

أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} (الصافات: ٢٦١ ٣٦١) أَي: مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بمضلين إلَاّ من كتب الله تَعَالَى أَنه يُصَلِّي أَي: يدْخل الْجَحِيم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد بِمَعْنَاهُ من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: لَا يفتنون إلَاّ من كتب عَلَيْهِ الضَّلَالَة.

قَدَّرَ فَهَدَى. قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ وهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها.

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي قدر فهدى} (الْأَعْلَى: ٣) وَفَسرهُ بقوله: قدر الشَّقَاء والسعادة، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَوْله: الْأَنْعَام لمراتعها، لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله بل هُوَ تَفْسِير لمثل قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى} (طه: ٠٥) .

٩١٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا النَّضْرُ حدّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَاى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أخْبَرَتْهُ أنَّها سَألَتْ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ: (كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها ويَمْكُثُ فِيها لَا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لَا يُصِيبُهُ إلاّ مَا كَتَبَ الله لهُ، إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ونسبته إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمروزِي تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَعبد الله بن بُرَيْدَة مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم وبالراء القَاضِي أَيْضا بمرو، وَالرِّجَال كلهم مروزيون. وَهُوَ من الغرائب.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير وَفِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن حبَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (الطَّاعُون) الوباء قَالَه أهل اللُّغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه حب ينْبت فِي الأرفاغ، وَقيل: هُوَ بِئْر مؤلم جدا يخرج غَالِبا من الآباط مَعَ اسوداد حواليه وخفقان الْقلب. قَوْله: (رَحْمَة) قيل مَا معنى كَون الْعَذَاب رَحْمَة؟ . وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ هُوَ محنة فِي

الصُّورَة لكنه رَحْمَة من حَيْثُ أَنه يتَضَمَّن مثل أجر الشَّهِيد فَهُوَ سَبَب الرَّحْمَة لهَذِهِ الْأمة.

٦١ - (بابٌ {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} (الْأَعْرَاف: ٣٤) {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} (الزمر: ٧٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} وَقَوله تَعَالَى: {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} إِلَى آخِره هَاتَانِ آيتان، وَحَدِيث الْبَاب نَص على أَن الله تَعَالَى انْفَرد بِخلق الْهدى والضلال، وَأَنه قدر الْعباد على اكْتِسَاب مَا أَرَادَ مِنْهُم من إِيمَان وَكفر، وَأَن ذَلِك لَيْسَ بِخلق للعباد، كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة.

٠٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقلُ مَعَنا التُّرابَ وهْوَ يَقُولُ:

(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتدَيْنا ... وَلَا صُمْنا وَلَا صَلْينا)

(فأنْزلَنْ سَكِينَةً عَليْنا ... وثَبِّت الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا)

(والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَليْنا ... إِذا أرَادوا فِتْنَةً أبَيْنا)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله:

لَوْلَا الله مَا اهتدينا

وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَجَرِير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (قد بغو) أَي: ظلمُوا. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. ويروى: أَتَيْنَا، من الْإِتْيَان.

وَالله ولي التَّوْفِيق.

٣٨ - (كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور)

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَيْمَان وأنواع النذور، والأيمان جمع يَمِين وَهُوَ لُغَة الْقُوَّة، قَالَ الله عز وَجل: { (٦٩) لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة: ٥٤) أَي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة، وَهِي الْجَارِحَة أَيْضا وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْيَمين تَحْقِيق مَا يجب وجوده بِذكر الله تَعَالَى والتزام الْمُكَلف قربَة أَو صفتهَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: النّذر إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نذرا.

١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الَاْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْمَائِدَة: ٩٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَلم يَقع لفظ: بَاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَذكر الْآيَة كلهَا، إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (بِاللَّغْوِ) ، هُوَ قَول الرجل فِي الْكَلَام من غير قصد: لَا وَالله، وبلى وَالله، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقيل: هُوَ فِي الْهزْل، وَقيل: فِي الْمعْصِيَة، وَقيل: على غَلَبَة الظَّن. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد، وَقيل: الْيَمين فِي الْغَضَب، وَقيل: فِي النسْيَان. قَوْله: (بِمَا عقدتم الْأَيْمَان) أَي: بِمَا صممتم عَلَيْهِ من الْأَيْمَان وقصدتموها، قرىء بتَشْديد الْقَاف وتخفيفها، وَالْعقد فِي الأَصْل الْجمع بَين أَطْرَاف الشَّيْء، وَيسْتَعْمل فِي الْأَجْسَام ويستعار للمعاني نَحْو: عقد البيع، وَعَن عَطاء معنى: عقدتم الْأَيْمَان أكدتم. قَوْله: (مَسَاكِين) أَي: محاويج من الْفُقَرَاء وَمن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ. قَوْله: (من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم) قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: من أعدل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: من أمثل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خبز وَلبن وَسمن، وبإسناده عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم} قَالَ: الْخبز وَاللَّحم والسنم، وَالْخبْز وَاللَّبن، وَالْخبْز وَالزَّيْت، وَالْخبْز والخل. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يُطعمهُمْ. فَقَالَ ابْن

أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يغديهم ويعشيهم، وَقَالَ الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين: يَكْفِيهِ أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين أَكلَة وَاحِدَة خبْزًا وَلَحْمًا، وَزَاد الْحسن، فَإِن لم يجد فخبزاً وَسمنًا ولبناً، فَإِن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حَتَّى يشبعوا، وَقَالَ قوم: يطعم كل وَاحِد من الْعشْرَة نصف صَاع من بر أَو تمر وَنَحْوهمَا، وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَعَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَنْصُور بن مهْرَان وَمَالك وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَمَكْحُول وَأبي قلَابَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وروى ذَلِك عَن عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي كَفَّارَة الْيَمين مد بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (أَو كسوتهم) قَالَ الشَّافِعِي: لَو دفع إِلَى كل وَاحِد من الْعشْرَة مَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قيمص أَو سَرَاوِيل أَو إِزَار أَو عِمَامَة أَو مقنعة أَجزَاء ذَلِك. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي القلنسوة: هَل نجزى أم لَا؟ على وَجْهَيْن: وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي الْخُف وَجْهَيْن أَيْضا، وَالصَّحِيح عدم الْإِجْزَاء، وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا بُد أَن يدْفع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَصح أَن يُصَلِّي فِيهِ إِن كَانَ رجلا أَو امْرَأَة كل بِحَسبِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: عباءة لكل مِسْكين أَو شملة، وَقَالَ مُجَاهِد: أدناه ثوب وَأَعلاهُ مَا شِئْت، وَعَن سعيد بن الْمسيب: عباءة يلف بهَا رَأسه وعباءة يأتزر بهَا. قَوْله: (أَو تَحْرِير رَقَبَة) أَخذ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإطلاقها فجوز الْكَافِرَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ: لَا يجوز إلَاّ مُؤمنَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: فَإِن لم يقدر الْمُكَلف على وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث (فَصِيَام) أَي: فَعَلَيهِ صِيَام (ثَلَاثَة أَيَّام) . وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل يجب التَّتَابُع أَو يسْتَحبّ؟ فالمنصوص عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا يجب التَّتَابُع، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجب التَّتَابُع، ودلائلهم مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (واحفظوا أَيْمَانكُم) عَن الْحِنْث فَإِذا حنثتم فاحفظوها بِالْكَفَّارَةِ.

١٢٦٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عَنهُ، لَمْ يَكُنْ يحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حتَّى أنْزَلَ الله تَعَالَى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وَقَالَ: لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٤) .

مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَشَيْخه مروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك مروزي أَيْضا، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (أَن أَبَا بكر) الصّديق وَفِي رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بِسَنَدِهِ عَن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (لم يكن حنث) إِنَّمَا زَادَت لفظ الْكَوْن للْمُبَالَغَة فِيهِ، ولبيان أَنه لم يكن من شَأْنه ذَلِك. قَوْله: (قطّ) ، أَصله: قطط، فأدغمت الطَّاء فى الطَّاء وَمِنْهُم من يَقُول: قطّ، بِضَم الْقَاف تبعا لضم الطَّاء وَمِنْهُم من يخففه. قَوْله: (كَفَّارَة الْيَمين) أَي: آيتها وَهِي الْمَذْكُورَة فِي أول الْبَاب. قَوْله: (لَا أَحْلف على يَمِين) إِلَى آخِره قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا لما حلف أَنه لَا يبرأ مسطحًا لما تكلم فِي قصَّة الْإِفْك، وَأنزل الله تَعَالَى: {أَلا يحبونَ أَن يغْفر الله لكم} (النُّور: ٢٢) قَالَ: بلَى يَا رب {إِنَّا لنحب ذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى بره كَمَا كَانَ أَولا. قَوْله: (غَيرهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الْيَمين بِاعْتِبَار أَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة، أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لقَوْله: (لَا أَحْلف) على الْحق.

٢٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ مُحَمدُ بنُ الفَضْلِ حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ حدّثنا الحَسَنُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَمرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ} لَا تَسْألِ الإمارَةَ، فإنّكَ إنْ أوتِيتَها عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أعنْتَ عَلَيْها، وَإِذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكفر عَن يَمِينك) وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَقد شهد فتوح الْعرَاق وَكَانَ فتح سجستان على يَدَيْهِ، أرْسلهُ عبد الله بن عَامر أَمِير الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام عَن حجاج بن منهال وَفِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرج النَّسَائِيّ قصَّة الْإِمَارَة فِي الْقَضَاء وَفِي السّير عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وقصة الْيَمين فِي الْأَيْمَان عَن جمَاعَة آخَرين.

قَوْله: (الْإِمَارَة) بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَا تسْأَل أَن تعْمل أَمِيرا أَي: حَاكما. قَوْله: (أوتيتها) على صِيغَة الْمَجْهُول بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (أعنت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا.

وَفِيه: كَرَاهَة سُؤال مَا يتَعَلَّق بالحكومة نَحْو الْقَضَاء والحسبة وَنَحْوهمَا، وَإِن من سَأَلَ لَا يكون مَعَه إِعَانَة من الله تَعَالَى، فَلَا يكون لَهُ كِفَايَة لذَلِك الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن لَا يولي.

قلت: إِذا كَانَ عَن مُجَرّد السُّؤَال، فَمَا يكون حَال من يسْأَل بالرشوة ويجتهد فِيهِ؟ خُصُوصا فِي غَالب قُضَاة مصر فَلَا يتولون إلَاّ بالبراطيل والرشى؟ وَلَا يخَاف من اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة من الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش. وَفِيه: إِن من حلف على فعل أَو ترك وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، بل يجب، نظرا لظَاهِر الْأَمر. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَا يجوز عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن الْكَفَّارَة لستر الْجِنَايَة وَلَا جِنَايَة قبل الْحِنْث، فَلَا يجوز.

وَحكم الحَدِيث أَنه تعارضه رِوَايَة مُسلم أخرجه عَن أبي هُرَيْرَة: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، غير أَن البُخَارِيّ انْفَرد بِتَقْدِيم الْحِنْث قبل الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) تَقْدِيم الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وَجَاء تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ لَهما تَقْدِيم الْكَفَّارَة فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالأخذ بِرِوَايَة تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة أولى لما ذكرنَا.

٣٣٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنا مَا شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا أوْ قالَ بَعْضُنا: وَالله لَا يُبارَكَ لَنا، أتَيْنا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنُذَكِّرَهُ، فأتَيْناهُ فَقَالَ: (مَا أَنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنِّي وَالله إِن شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد كَمَا مر، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، قيل: اسْمه الْحَارِث وَقيل: عَامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه أَيْضا مطولا فِي كتاب الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين، فَلْينْظر فِيهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن خلف بن هِشَام وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أَحْمد بن عَبدة.

قَوْله: (فِي رَهْط) قد ذكرنَا غير مرّة أَن الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة

إِلَى الْأَشْعر، واسْمه: نبت بن ادد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَشْعر لِأَن أمه وَلدته أشعر قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا يحملنا من الْإِبِل وَيحمل أثقالنا، وَذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} (التَّوْبَة: ٢٩) الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (بِثَلَاث ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الْإِبِل من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَهِي مُؤَنّثَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد من لَفظهَا، وَالْكثير أذواد، وَقيل: الذود الْوَاحِد من الْإِبِل بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) ، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الذود من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ من الْإِنَاث، فَلذَلِك قَالَ: بِثَلَاث ذود، وَلم يقل: بِثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. قَوْله: (غر الذرى) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع الْأَغَر وَهُوَ الْأَبْيَض الْحسن، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسرهَا جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا الأسنمة، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخمس فِي غَزْوَة تَبُوك، أَنه سِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الثَّلَاث نفي السِّتَّة. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح اللَّام أَي: حملنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ: ثمَّ حملنَا، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (بل الله حملكم) يَعْنِي: لَا معطي إلَاّ الله، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا أَعطيتكُم من مَال الله، أَو: بِأَمْر الله لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطي بِالْوَحْي. قَوْله: (وَإِنِّي) اسْم: إِن، يَاء الْإِضَافَة، وخبرها قَوْله: (لَا أَحْلف) . . إِلَى آخِره، والجملتان معترضتان بَين اسْم إِن وخبرها. قَوْله: (أَو أتيت) إِمَّا شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم: أتيت، على تَقْدِيم: كفرت، وَالْعَكْس، وَإِمَّا تنويع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِشَارَة إِلَى جَوَاز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها.

٤٢٦٦ - حدّثنا إسْحاق بنُ إبْرَاهِيمَ أخبَرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هاذَا مَا حدّثنا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم القِيامَةِ) . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالله لأنْ يَلَجَّ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أهْلِهِ آثَمُ لهُ عِنْدَ الله مِنْ أنْ يُعْطِىَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ) . (الحَدِيث ٥٢٦٦ طرفه فِي: ٦٢٦٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يلج)

إِلَى آخِره. وَأما وَجه إِدْخَال قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة) ، فَهُوَ أَن هَذَا أول حَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ همام إِذا روى الصَّحِيفَة استفتح بِذكرِهِ ثمَّ سرد الْأَحَادِيث فَذكره الرَّاوِي أَيْضا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه ذَلِك أَنه يُمكن أَن يكون سمع أَبَا هُرَيْرَة كَذَلِك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي نسق وَاحِد فَحدث بهما جَمِيعًا كَمَا سمعهما، وَيُمكن أَن الرَّاوِي فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سمع من أبي هُرَيْرَة أَحَادِيث. أَولهَا: ذَلِك فَذكرهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذكره.

وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يحْتَمل أَن يكون ابْن رَاهَوَيْه، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن نصر لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن سُفْيَان من قَوْله: إِذا استلج.

قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: آخر الْأُمَم (السَّابِقُونَ) يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحساب وَدخُول الْجنَّة.

قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو. قَوْله: (لِأَن يلج) من الإلجاج بالجيمين يَعْنِي: أَقَامَ على يَمِينه وَلَا يكفرهَا فيحللها وَيَزْعُم أَنه صَادِق، وَقيل: هُوَ أَن يحلف وَيرى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا، فيقيم على ترك الْكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِثْم وَفِي (الصِّحَاح) : لججت، بِالْكَسْرِ يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بِالْفَتْح لُغَة. قَوْله: (بِيَمِينِهِ فِي أَهله) يَعْنِي: إِذا حلف يَمِينا يتَعَلَّق بأَهْله ويتضررون بِعَدَمِ حنثه وَلَا يكون فِي الْحِنْث مَعْصِيّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يَحْنَث وَيكفر، فَإِن قَالَ: لَا أحنث وأخاف الْإِثْم، فَهُوَ مخطىء. قَوْله: (آثم لَهُ) بِمد الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على وزن لفظ أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ خير. قَوْله: (لِأَن يلج) لِأَن: أَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام للتَّأْكِيد. تَقْدِيره: لجاجه باستمراره فِي يَمِينه أَشد إِثْمًا من أَن يعْطى ... إِلَى آخِره. وَيجوز كسر إِن. فَقَوله: (آثم) بِالْمدِّ، أَي: أَكثر إِثْمًا قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يشْعر بِأَن إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِيهِ إِثْم لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، ثمَّ أجَاب بِأَن نفس الْحِنْث فِيهِ إِثْم لِأَنَّهُ يسلتزم عدم تَعْظِيم اسْم الله تَعَالَى، وَبَين إِعْطَاء الْكَفَّارَة وَبَينه مُلَازمَة عَادَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.1 / 29.5
الإضاءة 40%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56