الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4963
الحديث رقم 4963 من كتاب «سورة إذا زلزلت الأرض زلزالها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَنُودُ الْكَفُورُ. يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا، ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ، ﴿لَشَدِيدٌ﴾ لَبَخِيلٌ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ شَدِيدٌ، ﴿حُصِّلَ﴾ مُيِّزَ.
﴿الْقَارِعَةُ﴾
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ، يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، ﴿كَالْعِهْنِ﴾ كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ (كَالصُّوفِ.)
﴿أَلْهَاكُمُ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ التَّكَاثُرُ﴾ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.
﴿وَالْعَصْرِ﴾
وَقَالَ يَحْيَى: الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾
﴿الحُطَمَةُ﴾ اسْمُ النَّارِ مِثْلُ ﴿سَقَرَ﴾ وَ ﴿لَظَى﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ هِيَ سَنْكِ وَكِلْ.
﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لإِيلافِ﴾ أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، ﴿وَآمَنَهُمْ﴾ مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ.
أَرَأَيْتَ
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿لإِيلافِ﴾ لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَدُعُّ﴾ يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، ﴿يُدَعُّونَ﴾ يُدْفَعُونَ، ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ، وَ ﴿الْمَاعُونَ﴾ الْمَعْرُوفَ كُلُّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: الْمَاعُونُ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلَاهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شَانِئَكَ﴾ عَدُوَّكَ
٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
جاء صعصعة بن معاوية رضي الله عنه، وهو عم الأحنف على الصحيح، ولكن جعله بعض الرواة عم الفرزدق، والفرزدق غالب بن همام بن صعصعة بن ناجية، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره}، فقال صعصعة: حسبي، لا أبالي ألا أسمع غيرها، أي تكفيني هذه الآية، ولو لم أسمع غيرها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
٢ - بَاب ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِذَا زُلْزِلَتْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إِلَخْ) سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ يُقَالُ: أَوْحَى لَهَا وَأَوْحَى إِلَيْهَا وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قَالَ الْعَجَّاجُ: أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتْ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ وَالْمُوحَى إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَوْحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ أَجْلِ الْأَرْضِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْحَى لَهَا أَوْحَى إِلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَفِي آخِرِهِ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ الْحَدِيثَ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْقِصَّةِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
١٠٠ - سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ، وَالْقَارِعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَنُودُ الْكَفُورُ. يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ رَفَعْنَا بِهِ غُبَارًا. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ. ﴿لَشَدِيدٌ﴾ لَبَخِيلٌ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ﴿يَصِلُ﴾ مُيِّزَ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَادِيَاتِ وَالْقَارِعَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَالْعَادِيَاتِ حَسْبُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَادِيَاتِ الْخَيْلُ، وَقِيلَ: الْإِبِلُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَنُودُ: الْكَفُورُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ الْكَفُورُ وَبِلِسَانِ كِنَانَةَ الْبَخِيلُ وَبِلِسَانِ كِنْدَةَ الْعَاصِي، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ الْكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَيْلَ الَّتِي أَغَارَتْ صَبَاحًا أَثَرْنَ بِهِ غُبَارًا، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ لِلصُّبْحِ، أَيْ أَثَرْنَ بِهِ وَقْتَ الصُّبْحِ. وَقِيلَ لِلْمَكَانِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لَكِنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْإِثَارَةُ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَدْوِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادِيَاتُ. وَعِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا فَلَبِثَتْ شَهْرًا لَا يَأْتِيهِ خَبَرُهَا، فَنَزَلَتْ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِأَرْجُلِهَا ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتِ الْحِجَارَةَ فَأَوْرَتْ بِحَوَافِرِهَا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ الْقَوْمَ بِغَارَةٍ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ التُّرَابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ صَبَّحَتِ الْقَوْمَ جَمِيعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَنِي رَجُلٌ عَنِ الْعَادِيَاتِ فَقُلْتُ: الْخَيْلُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى عَلِيٍّ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قُلْتُ، فَدَعَانِي فَقَالَ لِي: إِنَّمَا الْعَادِيَاتُ الْإِبِلُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ:
كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هِيَ الْإِبِلُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هِيَ الْخَيْلُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُمَا نَحْوَهُ بِلَفْظِ: الْإِبِلُ فِي الْحَجِّ وَالْخَيْلُ فِي الْجِهَادِ وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هِيَ الْإِبِلُ. وَبِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا ضَبَحَتْ دَابَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَلْبٌ أَوْ فَرَسٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ، لَشَدِيدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا فَسَّرَ اللَّامَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ، أَيْ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ حُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ لَقَوِيٌّ مُطِيقٌ لِحُبِّ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصِلُ﴾: مُيِّزَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: مُيِّزَ، وَقِيلَ: جُمِعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصِلُ﴾ أَيْ أُخْرِجَ.
١٠١ - سُورَةُ الْقَارِعَةِ
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ كَغَوْغَاءَ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. كَالْعِهْنِ: كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: كَالصُّوفِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْقَارِعَةِ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿كَالْفَرَاشِ﴾ يُرِيدُ كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ إِلَخْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَرَاشُ طَيْرٌ لَا ذُبَابَ وَلَا بَعُوضَ، وَالْمَبْثُوثُ الْمُتَفَرِّقُ، وَحَمْلُ الْفَرَاشِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ بِالْفَرَاشِ كَثِيرًا كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
إِنَّ الْفَرَزْدَقَ مَا عَلِمْتُ وَقَوْمَهُ … مِثْلَ الْفَرَاشِ غَشِينَ نَارَ الْمُصْطَلِي
وَصَفَهُمْ بِالْحِرْصِ وَالتَّهَافُتِ، وَفِي تَشْبِيهِ النَّاسِ يَوْمَ الْبَعْثِ بِالْفَرَاشِ مُنَاسَبَاتٌ كَثِيرَةٌ بَلِيغَةٌ، كَالطَّيْشِ وَالِانْتِشَارِ وَالْكَثْرَةِ، وَالضَّعْفِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَجِيءِ بِغَيْرِ رُجُوعٍ، وَالْقَصْدِ إِلَى الدَّاعِي وَالْإِسْرَاعِ، وَرُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالتَّطَايُرِ إِلَى النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَالْعِهْنِ﴾ كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ: كَالْعِهْنِ لِأَنَّ أَلْوَانَهَا مُخْتَلِفَةٌ كَالْعِهْنِ وَهُوَ الصُّوفِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَالْعِهْنِ كَالصُّوفِ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ كَالصُّوفِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَهُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ.
١٠٢ - سُورَةُ أَلْهَاكُمْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّكَاثُرُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلْهَاكُمْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ التَّكَاثُرِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَهَا الْمَقْبَرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّكَاثُرُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا يَدْخُلُ فِيهَا.
١٠٣ - سُورَةُ وَالْعَصْرِ
وَقَالَ يَحْيَى: الْعَصْرُ الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْعَصْرِ) الْعَصْرُ: الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَنْ يَلْبَثَ الْعَصْرَانِ يَوْمًا وَلَيْلَةً … إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ الْحَسَنُ: الْعَصْرُ: الْعَشِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى الْعَصْرُ: الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ) سَقَطَ يَحْيَى لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ، فَهَذَا كَلَامُهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ ضَلَالٌ. ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا مَنْ آمَنَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمُسْنَدَةِ إِلَّا هَكَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، قَالَ: إِلَّا مَنْ آمَنَ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَرَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مَشْرُوحًا.
١٠٤ - سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحُطَمَةُ اسْمُ النَّارِ، مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْهُمَزَةِ، وَالْمُرَادُ الْكَثِيرُ الْهَمْزِ، وَكَذَا اللَّمْزُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْهُمَزَةِ قَالَ: الْمَشَّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ.
قَوْلُهُ: (الْحُطَمَةُ: اسْمُ النَّارِ، مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: لَيُنْبَذَنَّ أَيِ: الرَّجُلُ وَمَالُهُ، فِي الْحُطَمَةِ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، كَقَوْلِهِ جَهَنَّمُ وَسَقَرُ وَلَظَى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْأَكُولِ حُطَمَةٌ أَيِ: الْكَثِيرُ الْحَطْمِ.
١٠٥ - سُورَةُ أَلَمْ تَرَ
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ هِيَ سَنْكِ وَكِلْ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلَمْ تَرَ) كَذَا لَهُمْ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْفِيلِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ أَلَمْ تَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَلَمْ تُخْبَرْ عَنِ الْحَبَشَةِ وَالْفِيلِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُدْرِكْ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْفِيلِ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
قَوْلُهُ: (أَبَابِيلَ: مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَبَابِيلَ قَالَ: شَتَّى مُتَتَابِعَةً، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهَا. وَقِيلَ: وَاحِدُهَا أَبَالَةٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ: أُبُولٌ كَعُجُولٍ وَعَجَاجِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ سِجِّيلٍ هِيَ سَنْك وَكِل) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَنْك وَكِل: طِينٌ وَحِجَارَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: هِيَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ سَنْك وَكِل. وَمِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مَعَهَا نَارٌ، قَالَ: فَإِذَا أَصَابَتْ أَحَدَهُمْ خَرَجَ بِهِ الْجُدَرِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ رُئِيَ فِيهِ الْجُدَرِيُّ.
١٠٦ - سُورَةُ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لإِيلافِ﴾ أَلِفُوا ذَلِكَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، ﴿وَآمَنَهُمْ﴾ مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ لِإِيلَافِ) قِيلَ: اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمَا فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَعْجَبُ لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِإِيلَافِ أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ قَالَ: مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ فِي حَرَمِهِمْ) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ وَالصَّيْفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لِإِيلَافِ: لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: لِإِيلَافِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ إِلَّا ابْنَ عَامِرٍ فَحَذَفَهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي قَوْلِهِ: إِيلَافِهِمْ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فَكَالْأَوَّلِ، وَفِي أُخْرَى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِحَذْفِ الْأُولَى الَّتِي بَعْدَ اللَّامِ أَيْضًا. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَعْبُدُوا لِمَا فِي السِّيَاقِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ فَإِنْ لَمْ يَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لِنِعْمَتِهِ السَّالِفَةِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِلِائْتِلَافِ الْمَذْكُورِ. الثَّانِي لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَلَا الَّتِي قَبْلَهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، فَأَمَّا سُورَةُ الْهُمَزَةِ فَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يَعْنِي بِفَتْحِ السِّينِ وَأَمَّا سُورَةُ الْفِيلِ فَفِيهَا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ الطَّوِيلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الشُّرُوطِ، وَفِيهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا.
١٠٧ - سُورَةُ أَرَأَيْتَ
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لِإِيلَافِ لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَدُعُّ﴾ يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ يُدْفَعُونَ، ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ، وَالْمَاعُونَ الْمَعْرُوفَ كُلُّهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: الْمَاعُونُ الْمَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلَاهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَرَأَيْتَ) كَذَا لَهُمْ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْمَاعُونِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَرَأَيْتُكَ الَّذِي يُكَذِّبُ قَالَ: وَالْكَافُ صِلَةٌ، وَالْمَعْنَى فِي إِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا لَا يَخْتَلِفُ، كَذَا قَالَ، لَكِنِ الَّتِي بِإِثْبَاتِ الْكَافِ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَخْبَرَنِي، وَالَّتِي بِحَذْفِهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَدُعُّ يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُدَعُّونَ أَيْ يُدْفَعُونَ، يُقَالُ: دَعَعْتُ فِي قَفَاهُ أَيْ دَفَعْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدُعُ الْيَتِيمَ مُخَفَّفَةٌ، قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، وَأَبِي رَجَاءٍ وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَدُعُّ: يَدْفَعُ الْيَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ قَالَ: يُدْفَعُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قَالَ: لَاهُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) ثبتَ لفظُ: «باب» لأبي ذرٍّ.
٤٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، سكنَ مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ اللهِ المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه قال: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقةِ الحُمُر (فَقَالَ: لَمْ يُنْزَلْ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ) أي: المنفردةُ في معناها، فذَّ الرَّجل عن أصحابهِ إذا شذَّ عنهم (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]). قال ابنُ عبَّاس ﵄: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عملَ خيرًا أو شرًّا (١) في الدُّنيا إلَّا أراهُ الله إيَّاه يوم القيامةِ، فأمَّا المؤمنُ فيرى حسناتهِ وسيئاتهِ، فيغفرُ الله له (٢) سيئاته ويثيبهُ بحسناتهِ، وأمَّا الكافرُ فتردُّ حسناته (٣)، ويعذَّب بسيئاتهِ. قال في «فتوح الغيب»: وهذا يساعدهُ النَّظم والمعنَى والأسلوب؛ أمَّا النَّظم فإنَّ قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ تفصيلٌ لما عقب بهِ من قوله: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] فيجبُ التَّوافق، والأعمالُ جمع مضاف يفيد (٤) الشُّمول والاستغراق، و ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ مقيَّد بقوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ فيفيدُ أنَّهم على طرائق شتَّى؛ للنُّزول في منازلهم من الجنَّة والنَّار بحسبِ أعمالهم المختلفة، ومن ثمَّ (٥) كانت الجنَّة ذات درجاتٍ، والنَّار ذات دركاتٍ، وأمَّا المعنى فإنَّها وردت لبيانِ الاستقصاءِ في عرضِ الأعمالِ والجزاءِ عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ﴾ الاية [الأنبياء: ٤٧] وأمَّا الأسلوبُ فإنَّها من الجوامع الحاوية لفوائدِ الدِّين أصلًا وفرعًا.
(((١٠٠))) (﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (١) [العاديات: ١]) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها إحدى عشرة، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ جمع: عادية؛ وهي الجاريةُ بسرعةٍ، والمراد: الخيل، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾» وله (٢) زيادة: «و ﴿الْقَارِعَةُ﴾».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (الكَنُودُ) هو (الكَفُورُ) من كند النِّعمة كنودًا.
(يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]) قال أبو عُبيدة: أي: (رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا) وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ عطف الفعل على الاسم؛ لأنَّ الاسم في تأويلِ الفعلِ؛ لوقوعهِ غير صلةٍ لـ «أل»، والضَّمير في ﴿بِهِ﴾ للصُّبح (٤)، أي: فأثرنَ في وقتِ الصُّبح غبارًا، أو للمكان وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّ الإثارةَ لا بدَّ لها من مكانٍ، وروى البزَّار والحاكم عن ابنِ عبَّاس ﵄ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خيلًا فلبث شهرًا لا يأتيهِ خبرهَا، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ضبحَتْ بأرجلها ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قدحَت الحجارة فأورت بحوافرهَا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ صبَّحت القومَ بغارةٍ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ التُّراب ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ١ - ٥] صبَّحت القوم جميعًا. وفي إسنادهِ ضعفٌ.
(﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾) أي: (مِنْ أَجْلِ حُبِّ الخَيْرِ) فاللام تعليلية، أي: لأجلِ حبِّ المالِ (﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]) أي: (لَبَخِيلٌ) وقيل: لقويٌّ مبالغٌ فيه (وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ) وزاد في «الكشَّاف»: متشدِّد، قال طرفة:
أَرَى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي … عَقِيلَةَ مالِ (١) الفَاحِشِ المُتَشدِّدِ
وقوله: يعتامُ؛ أي (٢): يختارُ، وعقيلةُ كلِّ شيءٍ أكرمهُ، والفاحش: البخيل الَّذي جاوزَ الحدَّ في البخلِ؛ يقول: أرَى (٣) الموتَ يختارُ كرامَ النَّاس وكرائِم الأموالِ الَّتي يضنُّ بها.
(﴿وَحُصِّلَ﴾ [العاديات: ١٠]) أي: (مُيِّزَ) وقيل: جُمعَ في الصُّحف، أي: أظهرَ محصِّلًا مجموعًا؛ كإظهارِ اللُّب من القشرِ.
(((١٠١))) (سورة القَارِعَةِ) مكِّيَّة، وآيُها عشر (٤)، وسقطت لأبي ذرٍّ.
(﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾) أي: (كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ) يومَ القيامةِ (يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) وإنَّما شبَّه النَّاس بذلك عند البعثِ؛ لأنَّ الفراشَ إذا ثارَ لم يتَّجه لجهةٍ واحدةٍ، بل كلُّ واحدةٍ تذهبُ إلى غير جهةِ الأخرى، فدلَّ بهذا التَّشبيه على أنَّ النَّاس في البعثِ يفزعونَ، فيذهبُ كلُّ واحدٍ إلى غيرِ جهةِ الآخر. وقال في «الدُّرِّ»: وفي تشبيهِ النَّاس بالفراشِ مبالغات شتَّى؛ منها: الطَّيش الَّذي يلحقهُم، وانتشارُهم في الأرضِ، وركوب
بعضهم بعضًا، والكثرةُ، والضَّعفُ، والذِّلة، والمجيءُ من غيرِ ذهابٍ، والقصدُ إلى الدَّاعي من كلِّ جهةٍ، والتَّطايرُ إلى النَّار.
(﴿كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: ٥]) أي: (كَأَلْوَانِ العِهْنِ) أي: المختلفة. قاله الفرَّاء.
(وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ ﵁: ((كَالصُّوفِ)) يعني: أنَّ (١) الجبالَ تتفرَّق أجزاؤهَا في ذلك اليوم حتَّى تصيرَ كالصُّوف المتطايرِ عند النَّدف، وإذا كان هذا تأثيرُ القارعة في الجبالِ العظيمةِ الصَّلدةِ، فكيف حال الإنسان الضَّعيفِ عند سماعِ صوتِ القارعة؟ وسقط لأبي ذرٍّ «﴿كَالْعِهْنِ﴾ … » إلى آخره (٢).
(((١٠٢))) (سورة ﴿أَلْهَاكُمُ (٣)﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة وآيُها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٤). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلهُ ابنُ المنذرِ: (﴿التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ) أي: شغلكُم ذلك عن طاعةِ الله.
(((١٠٣))) (سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاث.
(وَقَالَ يَحْيَى) بن زيادٍ الفرَّاء: (العَصْر) (٥) هو (الدَّهْرُ، أَقْسَمَ بِهِ) تعالى، أي: بالدَّهر؛
لاشتمالهِ على الأعاجيبِ (١) والعِبَر، وقيل: التَّقدير: وربِّ العصرِ. وثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كـ «العصر» الثَّاني، وسقط له «وقال يحيَى» (٢).
(((١٠٤))) (سورة (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع.
والهمزةُ واللُّمزة -فيما قاله ابن عبَّاس- المشَّاؤون بالنَّميمة المفرِّقون بينَ الأحبَّة، وقيل: الهمزةُ: الَّذي يعيبكَ في الغيبِ. واللُّمزة: الَّذي يعيبكَ في الوجهِ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٣). (الحُطَمَةُ اسْمُ النَّارِ؛ مِثْلُ: سَقَرَ وَلَظَى) وقيل: اسم للدَّركة الثَّانية (٤) منها، وسمِّيت حطمةٌ؛ لأنَّها تحطمُ العظامَ وتكسرها، والمعنى: يا أيُّها الهمزة اللُّمزة الَّذي يأكلُ لحومَ النَّاس ويكسر من أعراضِهم؛ إن وراءكَ الحُطمة الَّتي تأكل لحومَ النَّاس (٥) وتكسرُ العِظام.
(((١٠٥))) (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٦).
(قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفيل: ١]) أي (أَلَمْ تَعْلَمْ) يا محمَّد، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّه ﷺ لم
يدرِك قصَّة أصحابِ الفيلِ، لأنَّ مولده ﵊ في تلكَ السَّنة، وهو وإن لم يشهدهَا فقد شاهدَ آثارهَا وسمعَ بالتَّواتر أخبارهَا فكأنَّه رآها، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وليس هذا من تفسيرِ مجاهدٍ، فالصَّواب إسقاط قوله: قال مجاهدٌ.
(قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ (٢) (﴿أَبَابِيلَ﴾) أي: (مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً) نعتٌ لـ: طير؛ لأنَّه اسمُ جمعٍ. قال ابنُ عبَّاس ﵄: كانت طيرًا لها خراطيم وأكف كأكفِّ الكلاب، وقيل غير ذلك. و ﴿أَبَابِيلَ﴾ قيل: لا واحد لهُ كأساطير، وقيل: واحدهُ إبَّول كعِجَّول وعجاجِيل (٣)، وقيل: إِبَّال.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصلهُ الطَّبري في قوله تعالى: (﴿مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] هيَ سَنْكِ) بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة: الحجر (وَكِلْ) بكسر الكاف وبعدها لام، الطِّين، فارسيٌّ معرَّب، وقيل: السِّجيل الدِّيوان الَّذي (٤) كتبَ فيهِ عذاب الكفَّار، والمعنى: ترميهِم بحجارةٍ من جملةِ العذابِ المكتوبِ المدوَّن ممَّا (٥) كتبَ الله في ذلك الكتاب.
(((١٠٦))) (﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾» وسقط لهُ لفظ «﴿قُرَيْشٍ﴾».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] أَلِفُوا ذَلِكَ) الارتحالَ (فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ) إلى اليمنِ (وَ) لا (١) في (الصَّيْفِ) إلى الشَّام في كلِّ عامٍ، فيستعينونَ بالرِّحلتين للتِّجارة على المقامِ بمكَّة لخدمةِ البيتِ الَّذي هو فخرهُم، وفي متعلَّق هذه اللام أوجهٌ: فقيل: بسابقها (٢)؛ لأنَّ الله تعالى ذكَّر أهلَ مكَّة عظيمَ نعمتهِ عليهم فيما صنعَ بالحبشةِ فجعلهُم كعصفٍ مأكولٍ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: أهلكَ أصحابَ الفيل لتبقَى قريش وما (٣) ألفوا، ويؤيِّده أنَّهما (٤) في مصحفِ أُبيٍّ سورة واحدة، وقيل: متعلِّقة بمقدَّر، أي: أعجبُ لنعمتِي على قريشٍ، وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ وإنَّما دخلَتِ الفاءُ لما في الكلامِ من معنَى الشَّرط، أي: فإن لم يعبدوهُ لسائرِ نعمهِ؛ فليعبدوهُ لإيلافهم؛ فإنَّها أظهرُ نعمة عليهم (﴿وَآمَنَهُم﴾ [قريش: ٤]) أي: (مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ) وقيل: آمنهُم من الجذامِ فلا يصيبهُم ببلدهم، وقيل: بمحمَّد ﷺ.
(((١٠٧))) (أَرَأَيْتَ) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها سبع، ولأبي ذرٍّ: «سورة أَرَأَيْتَ».
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكر في تفسيرِ (٥) (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ) وعند أبي ذرٍّ هذا مقدَّم على «سورةِ أَرَأَيْتَ»، وهو الصَّواب إن شاء الله تعالى.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَدُعُّ﴾ [الماعون: ٢] يَدْفَعُ) أي: اليتيم (عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، ﴿يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]) أي: (يُدْفَعُونَ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢ - (بَابٌ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ} (الزلزلة: ٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَمن يعْمل} إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب.
٣٦٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثَنِي ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّنَّانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ سُئِلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِ الحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلَاّ هاذِهِ الآيَ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ} (الزلزلة: ٧، ٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره} وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي سكن مصر يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَهَذَا وَجه آخر عَن مَالك مُقْتَصرا فِي الْقِصَّة الْأَخِيرَة.
٠٠١ - (سُورَةُ: {وَالَعادِيَاتِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: وَالْعَادِيات، كَذَا لغير أبي ذَر، فَإِن عِنْده سُورَة العاديات وَالْقَارِعَة، وَسورَة العاديات مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ حرفا، وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَالْحسن وَعِكْرِمَة والكلبي وَأبي الْعَالِيَة وَأبي الرّبيع وعطية وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَابْن كيسَان: العاديات هِيَ الْخَيل الَّتِي تعدو فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ضَبْحًا) ، أَي: يضبحن ضَبْحًا، وهوصوت أنفاسها إِذا جهدت فِي الجري.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الكَنُودُ: الكَفُورُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود} (العاديات: ٦) أَي: لكفور، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالربيع، أَي: لكفور جحود لنعم الله تَعَالَى؟ قَالَ الْكَلْبِيّ: هِيَ بِلِسَان كِنْدَة وَحضر موت، وبلسان معد كلهم العَاصِي، وبلسان مُضر وَرَبِيعَة وقضاعة: الكفور، بِلِسَان بني مَالك الْبَخِيل.
يُقَالُ: {فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعا} (العاديات: ٤) رَفَعْنَ بِهِ غُبارا
الْقَائِل بذلك أَبُو عُبَيْدَة، وَالْمعْنَى: أَن الْخَيل الَّتِي أغارت صباحا أثرن بِهِ غبارا، وَالضَّمِير فِيهِ بِهِ للصبح أَي: أثرن وَقت الصُّبْح، وَقيل للمكان دلّت عَلَيْهِ الْإِشَارَة وَإِن لم يجر لَهُ ذكر، وَقيل: يرجع إِلَى الْعَدو الَّذِي يدل عَلَيْهِ العاديات.
لِحُبِّ الخَيْرِ مِنْ أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ: لَشَدِيدٌ لَبَخِيلٌ وَيُقالُ لِلْبَخُيلِ شَدِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد} وَفَسرهُ بقوله: {من أجل حب الْخَيْر لشديد} وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، جعل اللَّام للتَّعْلِيل، وَقيل: للتعدية بِمَعْنى أَنه لقوي مطيق لحب الْخَيْر وَهُوَ المَال، وَعَن ابْن زيد: سمى الله تَعَالَى المَال خيرا وَعَسَى أَن يكون خبيثا وحراما، وَلَكِن النَّاس يعدونه خيرا، فَسَماهُ الله خيرا. وَكَانَ مُقْتَضى الْكَلَام، وَإنَّهُ لشديد الْحبّ للخير، وَلَكِن أخر الشَّديد لرعاية الفواصل.
حُصِّلَ: مُيِّزَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَحصل مَا فِي الصُّدُور} (العاديات: ١) وَفَسرهُ بقوله: (ميز) وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، وَقيل: جمع وَقيل: أخرج، وَقيل: أظهر.
١٠١ - (سُورَةُ: {القَارِعَةِ} )
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سُورَة القارعة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَاثْنَانِ حرفا وست وَثَلَاثُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَلم يذكر هَذَا لأبي ذَر لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ العاديات كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْقَارِعَة: الْقِيَامَة لِأَنَّهَا تقرع الْقُلُوب.
كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضا كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَالْعِهْنِ كألْوَانِ الْعِهْنِ: وَقَرَأَ عَبْدُ الله: كالصُّوفِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {يَوْم يكون النَّاس كالفراش المبثوث وَتَكون الْجبَال كالعهن المنفوش} (القارعة: ٤، ٥) وَفسّر الْفراش المبثوث بقوله: (كغوغاء الْجَرَاد) إِلَى آخِره، وَعَن أبي عُبَيْدَة: الْفراش طير ذياب وَلَا بعوض، والمبثوث المتفرق. وَقيل: الْفراش الطير الَّتِي تتساقط فِي النَّار، والغوغاء الصَّوْت والجلية، وَفِي الأَصْل: الغوغاء الْجَرَاد حِين يخف للطيران. قَوْله: (كألوان العهن) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَتَكون الْجبَال كالعهن} وَهُوَ الصُّوف وَكَذَلِكَ قَرَأَ عبد الله بدل العهن ذكره ابْن أبي دَاوُد عَنهُ؟ والمنقوش: المندوف، وَالله أعلم.
٢٠١ - (سُورَةُ: {ألْهَاكُمْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَلْهَاكُم، وَتسَمى: سُورَة التكاثر أَيْضا. وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَعِشْرُونَ حرفا، وثمان وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: التكاثُرُ مِنَ الأمْوَالِ وَالأوْلادِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله عز وَجل: {أَلْهَاكُم التكاثر} (التكاثر: ١) أَي: شغلكم التكاثر من الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: نزلت فِي الْيَهُود حِين قَالُوا: نَحن أَكثر من بني فلَان وَبَنُو فلَان أَكثر من بني فلَان أَلْهَاكُم ذَلِك حَتَّى مَاتُوا ضلالا وَعَن ابْن بُرَيْدَة: نزلت فِي فخذين من الْأَنْصَار تفاخرا، وَعَن مقَاتل والكلبي: نزلت فِي حيين من قُرَيْش بني عبد منَاف وَبني سهم بن عَمْرو، وَالله أعلم.
٣٠١ - (سُورَةُ: {وَالْعَصْرِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سور وَالْعصر، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ حرفا وَأَرْبع عشرَة كلمة، وَثَلَاثَة آيَات.
وَقَالَ يَحْيَى: الدَّهْرُ: أقْسَمَ بِهِ
يحيى هُوَ يحيى بن زِيَاد الْفراء، أَي: قَالَ يحيى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَالْعصر} أَي: الدَّهْر أقسم الله بِهِ، وَلَفظ يحيى لم يذكر فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن الْحسن: الْعَصْر الْعشي، وَعَن قَتَادَة: سَاعَة من سَاعَات النَّهَار، وَعَن ابْن كيسَان: اللَّيْل وَالنَّهَار، وَعَن مقَاتل: صَلَاة الْعَصْر هِيَ الْوُسْطَى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ ضَلالُ: ثُمَّ اسْتَثْنَى إلَاّ مَنْ آمَنَ
لم يثبت هَذَا إلَاّ للنسفي وَحده، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْإِنْسَان لفي خسر} (الْعَصْر: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ضلال) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: خسران، ونقصان. وَعَن الْأَخْفَش: هلكة، وَعَن الْفراء عُقُوبَة. قَوْله: (ثمَّ اسْتثْنى) ، أَي: قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذين آمنُوا} (الْعَصْر: ٣) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَإِنَّهُم لَيْسُوا فِي خسر، وَالله أعلم.
٤٠١ - (سُورَةُ: {الْهَمْزَةِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة الْهمزَة، وَفِي بعض النّسخ سُورَة: {ويل لكل همزَة} (الْهمزَة: ١) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع آيَات وَعَن ابْن عَبَّاس الْهمزَة المشاؤن بالنميمة المفرقون بَين الْأَحِبَّة، وَعَن قَتَادَة: الْهمزَة الَّذِي يَأْكُل لُحُوم النَّاس ويغتابهم، واللمزة: الطعان.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
ثبتَتْ البسلمة لأبي ذَر.
الحَطَمَةُ: اسْمُ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلا لينبذن فِي الحطمة} (الْهمزَة: ٤) وفسرها بقوله: {اسْم النَّار مثل سقر ولظى} وَسميت بالحطمة لِأَنَّهَا تحطم، أَي: تكسر.
٥٠١ - (سورَةُ: {ألَمْ تَرَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: ألم تَرَ، وَتسَمى سُورَة الْفِيل، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سِتَّة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وَخمْس آيَات.
ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ
كَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ألم تَرَ، وَفسّر: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) وَعَن الْفراء: ألم تَرَ ألم تخبر عَن الْحَبَشَة والفيل، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدْرك قصَّة أَصْحَاب الْفِيل، لِأَنَّهُ ولد فِي تِلْكَ السّنة.
أبَابِيلَ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أبابيل} (الْفِيل: ٣) وَفسّر: (الأبابيل) بقوله: (متتابعة مجتمعة) رُوِيَ هَذَا عَن مُجَاهِد، وَقَالَ
٧٠١ - (سورَةُ أرَأيْتَ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَرَأَيْت، وَتسَمى سُورَة الماعون أَيْضا وَهِي مَكِّيَّة وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة، وَسبع آيَات. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ مقَاتل والكلبي نزلت فِي الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي. وَعَن السّديّ وَابْن كيسَان: فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَعَن الضَّحَّاك فِي عَمْرو بن عَائِذ، وَقيل: فِي هُبَيْرَة بن وهب المَخْزُومِي، وَقَالَ الْفراء، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: أرأيتك الَّذِي يكذب، قَالَ: وَالْكَاف صلَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أَرَأَيْت؟ هَل عرفت الَّذِي يكذب بِالدّينِ بالجزاء من هُوَ؟ إِن لم تعرفه فَذَلِك الَّذِي يكذب بالجزاء، هُوَ الَّذِي يدع الْيَتِيم أَي: يَقْهَرهُ ويزجره.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَدُعُّ، يَدْفَعُ عنْ حقِّه ويُقالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم} (الماعون: ٢) أَي: يَدْفَعهُ عَن حَقه، من دع يدع دَعَا، وَعَن أبي رَجَاء: يدع الْيَتِيم أَي يتْركهُ وَيقصر فِي حَقه. قَوْله: (وَيُقَال: هُوَ من دععت) أَشَارَ بِهِ إِلَى اشتقاقه وَأَن ماضيه: دععت لِأَن عِنْد اتِّصَال الضَّمِير لَا يدغم قَوْله: (يدعونَ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {يَوْم يدعونَ} (الطّور: ٣١) أَي: يدْفَعُونَ، وَقَرَأَ الْحسن وَأَبُو رَجَاء بِالتَّخْفِيفِ، وَنقل عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا.
ساهُونَ لاهُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون} وَفسّر بقوله: (لاهون) وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد كَذَلِك، وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يؤخرونها عَن وَقتهَا، وَقَالَ غير وَاحِد: هُوَ التّرْك، وَعَن ابْن عَبَّاس: هم المُنَافِقُونَ يتركون الصَّلَاة فِي السِّرّ إِذا غَابَ النَّاس ويصلونها فِي الْعَلَانِيَة إِذا حَضَرُوا، وَعَن قَتَادَة: ساه لَا يُبَالِي صلى أم لم يصلِّ.
والماعُونُ المَعْرُوف كلهُ. وَقَالَ بَعْضُ العَرَبِ الماعُونُ الماءُ؛ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أعْلَاها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وأدْناها عارِيَّةُ المَتاعِ
ذكر فِي تَفْسِير الماعون ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: الْمَعْرُوف كُله: وَهُوَ الَّذِي يتعاطاه النَّاس بَينهم: كالدلو والفأس وَالْقدر والقداحة وَنَحْوهَا، وَهُوَ قَول الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب. الثَّانِي: الماعون: المَاء وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَمُقَاتِل، قَالُوا: الماعون المَاء بلغَة قُرَيْش. الثَّالِث: قَول عِكْرِمَة، وَهُوَ (أَعْلَاهَا الزَّكَاة) إِلَى آخِره، وَهُوَ قَول ابْن عَمْرو وَالْحسن وَقَتَادَة قَوْله: (عَارِية الْمَتَاع) أَي: الماعون اسْم جَامع لمتاع الْبَيْت كالمنخل والغربال والدلو وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يسْتَعْمل فِي الْبيُوت، وَقيل: الماعون مَا لَا يحمل مَنعه مثل المَاء
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
٢ - بَاب ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِذَا زُلْزِلَتْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إِلَخْ) سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ يُقَالُ: أَوْحَى لَهَا وَأَوْحَى إِلَيْهَا وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قَالَ الْعَجَّاجُ: أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتْ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ وَالْمُوحَى إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَوْحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ أَجْلِ الْأَرْضِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْحَى لَهَا أَوْحَى إِلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَفِي آخِرِهِ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ الْحَدِيثَ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْقِصَّةِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
١٠٠ - سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ، وَالْقَارِعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَنُودُ الْكَفُورُ. يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ رَفَعْنَا بِهِ غُبَارًا. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ. ﴿لَشَدِيدٌ﴾ لَبَخِيلٌ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ﴿يَصِلُ﴾ مُيِّزَ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَادِيَاتِ وَالْقَارِعَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَالْعَادِيَاتِ حَسْبُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَادِيَاتِ الْخَيْلُ، وَقِيلَ: الْإِبِلُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَنُودُ: الْكَفُورُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ الْكَفُورُ وَبِلِسَانِ كِنَانَةَ الْبَخِيلُ وَبِلِسَانِ كِنْدَةَ الْعَاصِي، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ الْكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَيْلَ الَّتِي أَغَارَتْ صَبَاحًا أَثَرْنَ بِهِ غُبَارًا، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ لِلصُّبْحِ، أَيْ أَثَرْنَ بِهِ وَقْتَ الصُّبْحِ. وَقِيلَ لِلْمَكَانِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لَكِنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْإِثَارَةُ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَدْوِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادِيَاتُ. وَعِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا فَلَبِثَتْ شَهْرًا لَا يَأْتِيهِ خَبَرُهَا، فَنَزَلَتْ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ضَبَحَتْ بِأَرْجُلِهَا ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قَدَحَتِ الْحِجَارَةَ فَأَوْرَتْ بِحَوَافِرِهَا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ صَبَّحَتِ الْقَوْمَ بِغَارَةٍ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ التُّرَابَ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ صَبَّحَتِ الْقَوْمَ جَمِيعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَنِي رَجُلٌ عَنِ الْعَادِيَاتِ فَقُلْتُ: الْخَيْلُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى عَلِيٍّ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قُلْتُ، فَدَعَانِي فَقَالَ لِي: إِنَّمَا الْعَادِيَاتُ الْإِبِلُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ:
كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هِيَ الْإِبِلُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هِيَ الْخَيْلُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُمَا نَحْوَهُ بِلَفْظِ: الْإِبِلُ فِي الْحَجِّ وَالْخَيْلُ فِي الْجِهَادِ وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هِيَ الْإِبِلُ. وَبِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا ضَبَحَتْ دَابَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَلْبٌ أَوْ فَرَسٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ، لَشَدِيدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا فَسَّرَ اللَّامَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ، أَيْ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ حُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ لَقَوِيٌّ مُطِيقٌ لِحُبِّ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصِلُ﴾: مُيِّزَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: مُيِّزَ، وَقِيلَ: جُمِعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصِلُ﴾ أَيْ أُخْرِجَ.
١٠١ - سُورَةُ الْقَارِعَةِ
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ كَغَوْغَاءَ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. كَالْعِهْنِ: كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: كَالصُّوفِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْقَارِعَةِ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿كَالْفَرَاشِ﴾ يُرِيدُ كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ إِلَخْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَرَاشُ طَيْرٌ لَا ذُبَابَ وَلَا بَعُوضَ، وَالْمَبْثُوثُ الْمُتَفَرِّقُ، وَحَمْلُ الْفَرَاشِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ بِالْفَرَاشِ كَثِيرًا كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
إِنَّ الْفَرَزْدَقَ مَا عَلِمْتُ وَقَوْمَهُ … مِثْلَ الْفَرَاشِ غَشِينَ نَارَ الْمُصْطَلِي
وَصَفَهُمْ بِالْحِرْصِ وَالتَّهَافُتِ، وَفِي تَشْبِيهِ النَّاسِ يَوْمَ الْبَعْثِ بِالْفَرَاشِ مُنَاسَبَاتٌ كَثِيرَةٌ بَلِيغَةٌ، كَالطَّيْشِ وَالِانْتِشَارِ وَالْكَثْرَةِ، وَالضَّعْفِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَجِيءِ بِغَيْرِ رُجُوعٍ، وَالْقَصْدِ إِلَى الدَّاعِي وَالْإِسْرَاعِ، وَرُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالتَّطَايُرِ إِلَى النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَالْعِهْنِ﴾ كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ: كَالْعِهْنِ لِأَنَّ أَلْوَانَهَا مُخْتَلِفَةٌ كَالْعِهْنِ وَهُوَ الصُّوفِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَالْعِهْنِ كَالصُّوفِ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ كَالصُّوفِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَهُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ.
١٠٢ - سُورَةُ أَلْهَاكُمْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّكَاثُرُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلْهَاكُمْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ التَّكَاثُرِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَهَا الْمَقْبَرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّكَاثُرُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا يَدْخُلُ فِيهَا.
١٠٣ - سُورَةُ وَالْعَصْرِ
وَقَالَ يَحْيَى: الْعَصْرُ الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْعَصْرِ) الْعَصْرُ: الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَنْ يَلْبَثَ الْعَصْرَانِ يَوْمًا وَلَيْلَةً … إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ الْحَسَنُ: الْعَصْرُ: الْعَشِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى الْعَصْرُ: الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ) سَقَطَ يَحْيَى لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ، فَهَذَا كَلَامُهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ ضَلَالٌ. ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا مَنْ آمَنَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمُسْنَدَةِ إِلَّا هَكَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، قَالَ: إِلَّا مَنْ آمَنَ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَرَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مَشْرُوحًا.
١٠٤ - سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحُطَمَةُ اسْمُ النَّارِ، مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْهُمَزَةِ، وَالْمُرَادُ الْكَثِيرُ الْهَمْزِ، وَكَذَا اللَّمْزُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْهُمَزَةِ قَالَ: الْمَشَّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ.
قَوْلُهُ: (الْحُطَمَةُ: اسْمُ النَّارِ، مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: لَيُنْبَذَنَّ أَيِ: الرَّجُلُ وَمَالُهُ، فِي الْحُطَمَةِ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، كَقَوْلِهِ جَهَنَّمُ وَسَقَرُ وَلَظَى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْأَكُولِ حُطَمَةٌ أَيِ: الْكَثِيرُ الْحَطْمِ.
١٠٥ - سُورَةُ أَلَمْ تَرَ
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ هِيَ سَنْكِ وَكِلْ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلَمْ تَرَ) كَذَا لَهُمْ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْفِيلِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ أَلَمْ تَرَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَلَمْ تُخْبَرْ عَنِ الْحَبَشَةِ وَالْفِيلِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُدْرِكْ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْفِيلِ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
قَوْلُهُ: (أَبَابِيلَ: مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَبَابِيلَ قَالَ: شَتَّى مُتَتَابِعَةً، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهَا. وَقِيلَ: وَاحِدُهَا أَبَالَةٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ: أُبُولٌ كَعُجُولٍ وَعَجَاجِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ سِجِّيلٍ هِيَ سَنْك وَكِل) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَنْك وَكِل: طِينٌ وَحِجَارَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: هِيَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ سَنْك وَكِل. وَمِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَتْ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مَعَهَا نَارٌ، قَالَ: فَإِذَا أَصَابَتْ أَحَدَهُمْ خَرَجَ بِهِ الْجُدَرِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ رُئِيَ فِيهِ الْجُدَرِيُّ.
١٠٦ - سُورَةُ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لإِيلافِ﴾ أَلِفُوا ذَلِكَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، ﴿وَآمَنَهُمْ﴾ مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ لِإِيلَافِ) قِيلَ: اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمَا فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَعْجَبُ لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِإِيلَافِ أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ قَالَ: مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ فِي حَرَمِهِمْ) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ وَالصَّيْفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لِإِيلَافِ: لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: لِإِيلَافِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ إِلَّا ابْنَ عَامِرٍ فَحَذَفَهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي قَوْلِهِ: إِيلَافِهِمْ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فَكَالْأَوَّلِ، وَفِي أُخْرَى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِحَذْفِ الْأُولَى الَّتِي بَعْدَ اللَّامِ أَيْضًا. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَعْبُدُوا لِمَا فِي السِّيَاقِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْ فَإِنْ لَمْ يَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لِنِعْمَتِهِ السَّالِفَةِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِلِائْتِلَافِ الْمَذْكُورِ. الثَّانِي لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَلَا الَّتِي قَبْلَهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، فَأَمَّا سُورَةُ الْهُمَزَةِ فَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يَعْنِي بِفَتْحِ السِّينِ وَأَمَّا سُورَةُ الْفِيلِ فَفِيهَا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ الطَّوِيلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الشُّرُوطِ، وَفِيهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا.
١٠٧ - سُورَةُ أَرَأَيْتَ
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لِإِيلَافِ لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَدُعُّ﴾ يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ يُدْفَعُونَ، ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ، وَالْمَاعُونَ الْمَعْرُوفَ كُلُّهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: الْمَاعُونُ الْمَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلَاهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَرَأَيْتَ) كَذَا لَهُمْ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْمَاعُونِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَرَأَيْتُكَ الَّذِي يُكَذِّبُ قَالَ: وَالْكَافُ صِلَةٌ، وَالْمَعْنَى فِي إِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا لَا يَخْتَلِفُ، كَذَا قَالَ، لَكِنِ الَّتِي بِإِثْبَاتِ الْكَافِ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَخْبَرَنِي، وَالَّتِي بِحَذْفِهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَدُعُّ يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُدَعُّونَ أَيْ يُدْفَعُونَ، يُقَالُ: دَعَعْتُ فِي قَفَاهُ أَيْ دَفَعْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدُعُ الْيَتِيمَ مُخَفَّفَةٌ، قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، وَأَبِي رَجَاءٍ وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَدُعُّ: يَدْفَعُ الْيَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ قَالَ: يُدْفَعُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قَالَ: لَاهُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) ثبتَ لفظُ: «باب» لأبي ذرٍّ.
٤٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، سكنَ مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ اللهِ المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه قال: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقةِ الحُمُر (فَقَالَ: لَمْ يُنْزَلْ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ) أي: المنفردةُ في معناها، فذَّ الرَّجل عن أصحابهِ إذا شذَّ عنهم (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]). قال ابنُ عبَّاس ﵄: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عملَ خيرًا أو شرًّا (١) في الدُّنيا إلَّا أراهُ الله إيَّاه يوم القيامةِ، فأمَّا المؤمنُ فيرى حسناتهِ وسيئاتهِ، فيغفرُ الله له (٢) سيئاته ويثيبهُ بحسناتهِ، وأمَّا الكافرُ فتردُّ حسناته (٣)، ويعذَّب بسيئاتهِ. قال في «فتوح الغيب»: وهذا يساعدهُ النَّظم والمعنَى والأسلوب؛ أمَّا النَّظم فإنَّ قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ تفصيلٌ لما عقب بهِ من قوله: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] فيجبُ التَّوافق، والأعمالُ جمع مضاف يفيد (٤) الشُّمول والاستغراق، و ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ مقيَّد بقوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ فيفيدُ أنَّهم على طرائق شتَّى؛ للنُّزول في منازلهم من الجنَّة والنَّار بحسبِ أعمالهم المختلفة، ومن ثمَّ (٥) كانت الجنَّة ذات درجاتٍ، والنَّار ذات دركاتٍ، وأمَّا المعنى فإنَّها وردت لبيانِ الاستقصاءِ في عرضِ الأعمالِ والجزاءِ عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ﴾ الاية [الأنبياء: ٤٧] وأمَّا الأسلوبُ فإنَّها من الجوامع الحاوية لفوائدِ الدِّين أصلًا وفرعًا.
(((١٠٠))) (﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (١) [العاديات: ١]) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها إحدى عشرة، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ جمع: عادية؛ وهي الجاريةُ بسرعةٍ، والمراد: الخيل، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾» وله (٢) زيادة: «و ﴿الْقَارِعَةُ﴾».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (الكَنُودُ) هو (الكَفُورُ) من كند النِّعمة كنودًا.
(يُقَالُ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]) قال أبو عُبيدة: أي: (رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا) وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ عطف الفعل على الاسم؛ لأنَّ الاسم في تأويلِ الفعلِ؛ لوقوعهِ غير صلةٍ لـ «أل»، والضَّمير في ﴿بِهِ﴾ للصُّبح (٤)، أي: فأثرنَ في وقتِ الصُّبح غبارًا، أو للمكان وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّ الإثارةَ لا بدَّ لها من مكانٍ، وروى البزَّار والحاكم عن ابنِ عبَّاس ﵄ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ خيلًا فلبث شهرًا لا يأتيهِ خبرهَا، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ضبحَتْ بأرجلها ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قدحَت الحجارة فأورت بحوافرهَا ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ صبَّحت القومَ بغارةٍ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ التُّراب ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ١ - ٥] صبَّحت القوم جميعًا. وفي إسنادهِ ضعفٌ.
(﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾) أي: (مِنْ أَجْلِ حُبِّ الخَيْرِ) فاللام تعليلية، أي: لأجلِ حبِّ المالِ (﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]) أي: (لَبَخِيلٌ) وقيل: لقويٌّ مبالغٌ فيه (وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ) وزاد في «الكشَّاف»: متشدِّد، قال طرفة:
أَرَى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي … عَقِيلَةَ مالِ (١) الفَاحِشِ المُتَشدِّدِ
وقوله: يعتامُ؛ أي (٢): يختارُ، وعقيلةُ كلِّ شيءٍ أكرمهُ، والفاحش: البخيل الَّذي جاوزَ الحدَّ في البخلِ؛ يقول: أرَى (٣) الموتَ يختارُ كرامَ النَّاس وكرائِم الأموالِ الَّتي يضنُّ بها.
(﴿وَحُصِّلَ﴾ [العاديات: ١٠]) أي: (مُيِّزَ) وقيل: جُمعَ في الصُّحف، أي: أظهرَ محصِّلًا مجموعًا؛ كإظهارِ اللُّب من القشرِ.
(((١٠١))) (سورة القَارِعَةِ) مكِّيَّة، وآيُها عشر (٤)، وسقطت لأبي ذرٍّ.
(﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾) أي: (كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ) يومَ القيامةِ (يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) وإنَّما شبَّه النَّاس بذلك عند البعثِ؛ لأنَّ الفراشَ إذا ثارَ لم يتَّجه لجهةٍ واحدةٍ، بل كلُّ واحدةٍ تذهبُ إلى غير جهةِ الأخرى، فدلَّ بهذا التَّشبيه على أنَّ النَّاس في البعثِ يفزعونَ، فيذهبُ كلُّ واحدٍ إلى غيرِ جهةِ الآخر. وقال في «الدُّرِّ»: وفي تشبيهِ النَّاس بالفراشِ مبالغات شتَّى؛ منها: الطَّيش الَّذي يلحقهُم، وانتشارُهم في الأرضِ، وركوب
بعضهم بعضًا، والكثرةُ، والضَّعفُ، والذِّلة، والمجيءُ من غيرِ ذهابٍ، والقصدُ إلى الدَّاعي من كلِّ جهةٍ، والتَّطايرُ إلى النَّار.
(﴿كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: ٥]) أي: (كَأَلْوَانِ العِهْنِ) أي: المختلفة. قاله الفرَّاء.
(وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ ﵁: ((كَالصُّوفِ)) يعني: أنَّ (١) الجبالَ تتفرَّق أجزاؤهَا في ذلك اليوم حتَّى تصيرَ كالصُّوف المتطايرِ عند النَّدف، وإذا كان هذا تأثيرُ القارعة في الجبالِ العظيمةِ الصَّلدةِ، فكيف حال الإنسان الضَّعيفِ عند سماعِ صوتِ القارعة؟ وسقط لأبي ذرٍّ «﴿كَالْعِهْنِ﴾ … » إلى آخره (٢).
(((١٠٢))) (سورة ﴿أَلْهَاكُمُ (٣)﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة وآيُها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٤). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلهُ ابنُ المنذرِ: (﴿التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ) أي: شغلكُم ذلك عن طاعةِ الله.
(((١٠٣))) (سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاث.
(وَقَالَ يَحْيَى) بن زيادٍ الفرَّاء: (العَصْر) (٥) هو (الدَّهْرُ، أَقْسَمَ بِهِ) تعالى، أي: بالدَّهر؛
لاشتمالهِ على الأعاجيبِ (١) والعِبَر، وقيل: التَّقدير: وربِّ العصرِ. وثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ كـ «العصر» الثَّاني، وسقط له «وقال يحيَى» (٢).
(((١٠٤))) (سورة (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسع.
والهمزةُ واللُّمزة -فيما قاله ابن عبَّاس- المشَّاؤون بالنَّميمة المفرِّقون بينَ الأحبَّة، وقيل: الهمزةُ: الَّذي يعيبكَ في الغيبِ. واللُّمزة: الَّذي يعيبكَ في الوجهِ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ كالسُّورة (٣). (الحُطَمَةُ اسْمُ النَّارِ؛ مِثْلُ: سَقَرَ وَلَظَى) وقيل: اسم للدَّركة الثَّانية (٤) منها، وسمِّيت حطمةٌ؛ لأنَّها تحطمُ العظامَ وتكسرها، والمعنى: يا أيُّها الهمزة اللُّمزة الَّذي يأكلُ لحومَ النَّاس ويكسر من أعراضِهم؛ إن وراءكَ الحُطمة الَّتي تأكل لحومَ النَّاس (٥) وتكسرُ العِظام.
(((١٠٥))) (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٦).
(قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفيل: ١]) أي (أَلَمْ تَعْلَمْ) يا محمَّد، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّه ﷺ لم
يدرِك قصَّة أصحابِ الفيلِ، لأنَّ مولده ﵊ في تلكَ السَّنة، وهو وإن لم يشهدهَا فقد شاهدَ آثارهَا وسمعَ بالتَّواتر أخبارهَا فكأنَّه رآها، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وليس هذا من تفسيرِ مجاهدٍ، فالصَّواب إسقاط قوله: قال مجاهدٌ.
(قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ (٢) (﴿أَبَابِيلَ﴾) أي: (مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً) نعتٌ لـ: طير؛ لأنَّه اسمُ جمعٍ. قال ابنُ عبَّاس ﵄: كانت طيرًا لها خراطيم وأكف كأكفِّ الكلاب، وقيل غير ذلك. و ﴿أَبَابِيلَ﴾ قيل: لا واحد لهُ كأساطير، وقيل: واحدهُ إبَّول كعِجَّول وعجاجِيل (٣)، وقيل: إِبَّال.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصلهُ الطَّبري في قوله تعالى: (﴿مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] هيَ سَنْكِ) بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة: الحجر (وَكِلْ) بكسر الكاف وبعدها لام، الطِّين، فارسيٌّ معرَّب، وقيل: السِّجيل الدِّيوان الَّذي (٤) كتبَ فيهِ عذاب الكفَّار، والمعنى: ترميهِم بحجارةٍ من جملةِ العذابِ المكتوبِ المدوَّن ممَّا (٥) كتبَ الله في ذلك الكتاب.
(((١٠٦))) (﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾» وسقط لهُ لفظ «﴿قُرَيْشٍ﴾».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] أَلِفُوا ذَلِكَ) الارتحالَ (فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ) إلى اليمنِ (وَ) لا (١) في (الصَّيْفِ) إلى الشَّام في كلِّ عامٍ، فيستعينونَ بالرِّحلتين للتِّجارة على المقامِ بمكَّة لخدمةِ البيتِ الَّذي هو فخرهُم، وفي متعلَّق هذه اللام أوجهٌ: فقيل: بسابقها (٢)؛ لأنَّ الله تعالى ذكَّر أهلَ مكَّة عظيمَ نعمتهِ عليهم فيما صنعَ بالحبشةِ فجعلهُم كعصفٍ مأكولٍ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: أهلكَ أصحابَ الفيل لتبقَى قريش وما (٣) ألفوا، ويؤيِّده أنَّهما (٤) في مصحفِ أُبيٍّ سورة واحدة، وقيل: متعلِّقة بمقدَّر، أي: أعجبُ لنعمتِي على قريشٍ، وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ وإنَّما دخلَتِ الفاءُ لما في الكلامِ من معنَى الشَّرط، أي: فإن لم يعبدوهُ لسائرِ نعمهِ؛ فليعبدوهُ لإيلافهم؛ فإنَّها أظهرُ نعمة عليهم (﴿وَآمَنَهُم﴾ [قريش: ٤]) أي: (مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ) وقيل: آمنهُم من الجذامِ فلا يصيبهُم ببلدهم، وقيل: بمحمَّد ﷺ.
(((١٠٧))) (أَرَأَيْتَ) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها سبع، ولأبي ذرٍّ: «سورة أَرَأَيْتَ».
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكر في تفسيرِ (٥) (﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ) وعند أبي ذرٍّ هذا مقدَّم على «سورةِ أَرَأَيْتَ»، وهو الصَّواب إن شاء الله تعالى.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَدُعُّ﴾ [الماعون: ٢] يَدْفَعُ) أي: اليتيم (عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، ﴿يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]) أي: (يُدْفَعُونَ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢ - (بَابٌ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ} (الزلزلة: ٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَمن يعْمل} إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب.
٣٦٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثَنِي ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّنَّانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ سُئِلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِ الحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلَاّ هاذِهِ الآيَ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ} (الزلزلة: ٧، ٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره} وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي سكن مصر يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَهَذَا وَجه آخر عَن مَالك مُقْتَصرا فِي الْقِصَّة الْأَخِيرَة.
٠٠١ - (سُورَةُ: {وَالَعادِيَاتِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: وَالْعَادِيات، كَذَا لغير أبي ذَر، فَإِن عِنْده سُورَة العاديات وَالْقَارِعَة، وَسورَة العاديات مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ حرفا، وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَالْحسن وَعِكْرِمَة والكلبي وَأبي الْعَالِيَة وَأبي الرّبيع وعطية وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَابْن كيسَان: العاديات هِيَ الْخَيل الَّتِي تعدو فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ضَبْحًا) ، أَي: يضبحن ضَبْحًا، وهوصوت أنفاسها إِذا جهدت فِي الجري.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الكَنُودُ: الكَفُورُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود} (العاديات: ٦) أَي: لكفور، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالربيع، أَي: لكفور جحود لنعم الله تَعَالَى؟ قَالَ الْكَلْبِيّ: هِيَ بِلِسَان كِنْدَة وَحضر موت، وبلسان معد كلهم العَاصِي، وبلسان مُضر وَرَبِيعَة وقضاعة: الكفور، بِلِسَان بني مَالك الْبَخِيل.
يُقَالُ: {فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعا} (العاديات: ٤) رَفَعْنَ بِهِ غُبارا
الْقَائِل بذلك أَبُو عُبَيْدَة، وَالْمعْنَى: أَن الْخَيل الَّتِي أغارت صباحا أثرن بِهِ غبارا، وَالضَّمِير فِيهِ بِهِ للصبح أَي: أثرن وَقت الصُّبْح، وَقيل للمكان دلّت عَلَيْهِ الْإِشَارَة وَإِن لم يجر لَهُ ذكر، وَقيل: يرجع إِلَى الْعَدو الَّذِي يدل عَلَيْهِ العاديات.
لِحُبِّ الخَيْرِ مِنْ أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ: لَشَدِيدٌ لَبَخِيلٌ وَيُقالُ لِلْبَخُيلِ شَدِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد} وَفَسرهُ بقوله: {من أجل حب الْخَيْر لشديد} وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، جعل اللَّام للتَّعْلِيل، وَقيل: للتعدية بِمَعْنى أَنه لقوي مطيق لحب الْخَيْر وَهُوَ المَال، وَعَن ابْن زيد: سمى الله تَعَالَى المَال خيرا وَعَسَى أَن يكون خبيثا وحراما، وَلَكِن النَّاس يعدونه خيرا، فَسَماهُ الله خيرا. وَكَانَ مُقْتَضى الْكَلَام، وَإنَّهُ لشديد الْحبّ للخير، وَلَكِن أخر الشَّديد لرعاية الفواصل.
حُصِّلَ: مُيِّزَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَحصل مَا فِي الصُّدُور} (العاديات: ١) وَفَسرهُ بقوله: (ميز) وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، وَقيل: جمع وَقيل: أخرج، وَقيل: أظهر.
١٠١ - (سُورَةُ: {القَارِعَةِ} )
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سُورَة القارعة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَاثْنَانِ حرفا وست وَثَلَاثُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَلم يذكر هَذَا لأبي ذَر لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ العاديات كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْقَارِعَة: الْقِيَامَة لِأَنَّهَا تقرع الْقُلُوب.
كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضا كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَالْعِهْنِ كألْوَانِ الْعِهْنِ: وَقَرَأَ عَبْدُ الله: كالصُّوفِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {يَوْم يكون النَّاس كالفراش المبثوث وَتَكون الْجبَال كالعهن المنفوش} (القارعة: ٤، ٥) وَفسّر الْفراش المبثوث بقوله: (كغوغاء الْجَرَاد) إِلَى آخِره، وَعَن أبي عُبَيْدَة: الْفراش طير ذياب وَلَا بعوض، والمبثوث المتفرق. وَقيل: الْفراش الطير الَّتِي تتساقط فِي النَّار، والغوغاء الصَّوْت والجلية، وَفِي الأَصْل: الغوغاء الْجَرَاد حِين يخف للطيران. قَوْله: (كألوان العهن) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَتَكون الْجبَال كالعهن} وَهُوَ الصُّوف وَكَذَلِكَ قَرَأَ عبد الله بدل العهن ذكره ابْن أبي دَاوُد عَنهُ؟ والمنقوش: المندوف، وَالله أعلم.
٢٠١ - (سُورَةُ: {ألْهَاكُمْ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَلْهَاكُم، وَتسَمى: سُورَة التكاثر أَيْضا. وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَعِشْرُونَ حرفا، وثمان وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: التكاثُرُ مِنَ الأمْوَالِ وَالأوْلادِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله عز وَجل: {أَلْهَاكُم التكاثر} (التكاثر: ١) أَي: شغلكم التكاثر من الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: نزلت فِي الْيَهُود حِين قَالُوا: نَحن أَكثر من بني فلَان وَبَنُو فلَان أَكثر من بني فلَان أَلْهَاكُم ذَلِك حَتَّى مَاتُوا ضلالا وَعَن ابْن بُرَيْدَة: نزلت فِي فخذين من الْأَنْصَار تفاخرا، وَعَن مقَاتل والكلبي: نزلت فِي حيين من قُرَيْش بني عبد منَاف وَبني سهم بن عَمْرو، وَالله أعلم.
٣٠١ - (سُورَةُ: {وَالْعَصْرِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سور وَالْعصر، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ حرفا وَأَرْبع عشرَة كلمة، وَثَلَاثَة آيَات.
وَقَالَ يَحْيَى: الدَّهْرُ: أقْسَمَ بِهِ
يحيى هُوَ يحيى بن زِيَاد الْفراء، أَي: قَالَ يحيى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَالْعصر} أَي: الدَّهْر أقسم الله بِهِ، وَلَفظ يحيى لم يذكر فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن الْحسن: الْعَصْر الْعشي، وَعَن قَتَادَة: سَاعَة من سَاعَات النَّهَار، وَعَن ابْن كيسَان: اللَّيْل وَالنَّهَار، وَعَن مقَاتل: صَلَاة الْعَصْر هِيَ الْوُسْطَى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ ضَلالُ: ثُمَّ اسْتَثْنَى إلَاّ مَنْ آمَنَ
لم يثبت هَذَا إلَاّ للنسفي وَحده، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْإِنْسَان لفي خسر} (الْعَصْر: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ضلال) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: خسران، ونقصان. وَعَن الْأَخْفَش: هلكة، وَعَن الْفراء عُقُوبَة. قَوْله: (ثمَّ اسْتثْنى) ، أَي: قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذين آمنُوا} (الْعَصْر: ٣) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَإِنَّهُم لَيْسُوا فِي خسر، وَالله أعلم.
٤٠١ - (سُورَةُ: {الْهَمْزَةِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة الْهمزَة، وَفِي بعض النّسخ سُورَة: {ويل لكل همزَة} (الْهمزَة: ١) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع آيَات وَعَن ابْن عَبَّاس الْهمزَة المشاؤن بالنميمة المفرقون بَين الْأَحِبَّة، وَعَن قَتَادَة: الْهمزَة الَّذِي يَأْكُل لُحُوم النَّاس ويغتابهم، واللمزة: الطعان.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
ثبتَتْ البسلمة لأبي ذَر.
الحَطَمَةُ: اسْمُ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلا لينبذن فِي الحطمة} (الْهمزَة: ٤) وفسرها بقوله: {اسْم النَّار مثل سقر ولظى} وَسميت بالحطمة لِأَنَّهَا تحطم، أَي: تكسر.
٥٠١ - (سورَةُ: {ألَمْ تَرَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: ألم تَرَ، وَتسَمى سُورَة الْفِيل، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سِتَّة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وَخمْس آيَات.
ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ
كَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ألم تَرَ، وَفسّر: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) وَعَن الْفراء: ألم تَرَ ألم تخبر عَن الْحَبَشَة والفيل، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدْرك قصَّة أَصْحَاب الْفِيل، لِأَنَّهُ ولد فِي تِلْكَ السّنة.
أبَابِيلَ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أبابيل} (الْفِيل: ٣) وَفسّر: (الأبابيل) بقوله: (متتابعة مجتمعة) رُوِيَ هَذَا عَن مُجَاهِد، وَقَالَ
٧٠١ - (سورَةُ أرَأيْتَ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَرَأَيْت، وَتسَمى سُورَة الماعون أَيْضا وَهِي مَكِّيَّة وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة، وَسبع آيَات. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ مقَاتل والكلبي نزلت فِي الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي. وَعَن السّديّ وَابْن كيسَان: فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَعَن الضَّحَّاك فِي عَمْرو بن عَائِذ، وَقيل: فِي هُبَيْرَة بن وهب المَخْزُومِي، وَقَالَ الْفراء، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: أرأيتك الَّذِي يكذب، قَالَ: وَالْكَاف صلَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أَرَأَيْت؟ هَل عرفت الَّذِي يكذب بِالدّينِ بالجزاء من هُوَ؟ إِن لم تعرفه فَذَلِك الَّذِي يكذب بالجزاء، هُوَ الَّذِي يدع الْيَتِيم أَي: يَقْهَرهُ ويزجره.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَدُعُّ، يَدْفَعُ عنْ حقِّه ويُقالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم} (الماعون: ٢) أَي: يَدْفَعهُ عَن حَقه، من دع يدع دَعَا، وَعَن أبي رَجَاء: يدع الْيَتِيم أَي يتْركهُ وَيقصر فِي حَقه. قَوْله: (وَيُقَال: هُوَ من دععت) أَشَارَ بِهِ إِلَى اشتقاقه وَأَن ماضيه: دععت لِأَن عِنْد اتِّصَال الضَّمِير لَا يدغم قَوْله: (يدعونَ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {يَوْم يدعونَ} (الطّور: ٣١) أَي: يدْفَعُونَ، وَقَرَأَ الْحسن وَأَبُو رَجَاء بِالتَّخْفِيفِ، وَنقل عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا.
ساهُونَ لاهُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون} وَفسّر بقوله: (لاهون) وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد كَذَلِك، وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يؤخرونها عَن وَقتهَا، وَقَالَ غير وَاحِد: هُوَ التّرْك، وَعَن ابْن عَبَّاس: هم المُنَافِقُونَ يتركون الصَّلَاة فِي السِّرّ إِذا غَابَ النَّاس ويصلونها فِي الْعَلَانِيَة إِذا حَضَرُوا، وَعَن قَتَادَة: ساه لَا يُبَالِي صلى أم لم يصلِّ.
والماعُونُ المَعْرُوف كلهُ. وَقَالَ بَعْضُ العَرَبِ الماعُونُ الماءُ؛ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أعْلَاها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وأدْناها عارِيَّةُ المَتاعِ
ذكر فِي تَفْسِير الماعون ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: الْمَعْرُوف كُله: وَهُوَ الَّذِي يتعاطاه النَّاس بَينهم: كالدلو والفأس وَالْقدر والقداحة وَنَحْوهَا، وَهُوَ قَول الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب. الثَّانِي: الماعون: المَاء وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَمُقَاتِل، قَالُوا: الماعون المَاء بلغَة قُرَيْش. الثَّالِث: قَول عِكْرِمَة، وَهُوَ (أَعْلَاهَا الزَّكَاة) إِلَى آخِره، وَهُوَ قَول ابْن عَمْرو وَالْحسن وَقَتَادَة قَوْله: (عَارِية الْمَتَاع) أَي: الماعون اسْم جَامع لمتاع الْبَيْت كالمنخل والغربال والدلو وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يسْتَعْمل فِي الْبيُوت، وَقيل: الماعون مَا لَا يحمل مَنعه مثل المَاء
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56