الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4950
الحديث رقم 4950 من كتاب «سورة والضحى» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ودعك ربك وما قلى.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ:
مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم للتهجد ليلتين أو ثلاثًا، في العهد المكي، فجاءت امرأةٌ، وهي العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان، وهي حمالة الحطب زوج أبي لهب، فقالت متهكمةً: يا محمد، إني لأتمنى أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره أتاك من ليلتين أو ثلاثٍ، تعني أن الوحي لم يأته وانقطع عنه، فأنزل الله عز وجل {والضحى} أقسم الله تعالى بوقت ارتفاع الشمس أو النهار كله {والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى} فأخبر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن لم يتركه ولم يقْلِهِ أي لم يبغضه، كما ادعت هذه المرأة، وذكر نِعم الله عليه وأمره بشكرها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا حَدِيثَ جُنْدَبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ شَكْوَاهُ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَنَّ الشَّكْوَى الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَرِدْ بِعَيْنِهَا، وَأَنَّ مَنْ فَسَّرَهَا بِأُصْبُعِهِ الَّتِي دَمِيَتْ لَمْ يُصِبْ. وَوَجَدْتُ الْآنَ فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ س بَبَ نُزُولِهَا وُجُودُ جَرْوِ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَأَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ لِذَلِكَ، وَقِصَّةُ إِبْطَاءِ جِبْرِيلَ بِسَبَبِ كَوْنِ الْكَلْبِ تَحْتَ سَرِيرِهِ مَشْهُورَةٌ، لَكِنْ كَوْنُهَا سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبٌ، بَلْ شَاذٌّ، مَرْدُودٌ بِمَا فِي الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَرَدَ لِذَلِكَ سَبَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ فَقَالُوا: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْزَنَهُ فَقَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبِي قَلَانِي، فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى.
وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي السِّيرَةِ الَّتِي جَمَعَهَا وَرَوَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَتَتَابَعَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى، وَأَلَمْ نَشْرَحْ بِكَمَالِهِمَا وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا تَثْبُتُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَتْرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى غَيْرُ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَاخْتَلَطَتَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَتَحْرِيرُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ مَا بَيَّنْتُهُ. وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي التَّعْبِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدِ. وَوَقَعَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى شَيْءٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ فَضَاقَ صَدْرُهُ، وَتَكَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى، وَبِجَوَابِ مَا سَأَلُوا، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ انْتَهَى. وَذِكْرُ سُورَةِ الضُّحَى هُنَا بَعِيدٌ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ فِي الْقِصَّتَيْنِ مُتَقَارِبًا، فَضَمَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ الْبَعْثِ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ) هُوَ الْبَجْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُوُ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ تَرَكَكَ) هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ: فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ: حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ وَلَا مُخَالَفَةَ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَكُونُ الْقَائِلُ أَوِ الْفَاعِلُ وَاحِدًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْبَاقِينَ رَاضُونَ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (قَرِبَكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، يُقَالُ: يَقْرَبُهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مُتَعَدِّيًا، وَمِنْهُ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢]) ولأبي ذرٍّ: «إذا سجا» مكتوبٌ بالألفِ بدل الياء (اسْتَوَى. وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: معناه (أَظْلَمَ) ولأبي ذرٍّ: «سجا: أظلمَ» (١) قاله الفرَّاء، وقال ابنُ الأعرابيِّ: اشتدَّ ظلامه (وَ) قيل: (سَكَنَ) ومنه: سجا البحرُ يَسْجُو سَجْوًا، أي: سكنَتْ أمواجُه. وليلةٌ ساجيةٌ (٢) ساكنَةُ الرِّيح.
(﴿عَائِلًا﴾ [الضحى: ٨]) قال أبو عُبيدة: أي: (ذُو عِيَالٍ) يقال: أعالَ (٣) الرَّجل، أي: كثرَ عياله، وعالَ، أي: افتقرَ.
(١) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى (٥): (﴿مَا وَدَّعَكَ﴾) ما تركك منذُ اختارك (﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]) وما أبغضكَ منذ أحبَّكَ، وحذف المفعول استغناءً بذكره فيما سبقَ ومراعاةً للفواصلِ، وثبت: «باب» لأبي ذرٍّ (٦).
٤٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، ونسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيهِ عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي مصغَّرًا، ابنُ معاوية قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) العبديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ ابْنَ سُفْيَانَ) بضم الجيم والدال المهملة وفتحها أيضًا، وهو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْل إِذا سجى} (الضُّحَى: ٢) مَعْنَاهُ اسْتَوَى، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن حجاج عَن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَجَى أظْلَمَ وَسَكَنَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير: (سجى: أظلم) وَهُوَ مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: (وَسكن) مَنْقُول عَن عِكْرِمَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا سجى ذهب، وَعَن الْحسن: جَاءَ، وَعنهُ اسْتَقر وَسكن، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أولى الْأَقْوَال من قَالَ: سكن، يُقَال: بَحر سَاج إِذا كَانَ سَاكِنا.
عَائِلاً: ذُو عِيَالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ووجدك عائلاً فأغنى} (الضُّحَى: ٨) وفسرالعائل بقوله: (ذُو عِيَال) قَالَ الثَّعْلَبِيّ فأغناك بِمَال خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ثمَّ بالغنائم، وَقَالَ مقَاتل: رضاك بِمَا أَعْطَاك من الرزق، وَعَن ابْن عَطاء: وَجدك فَقير النَّفس فأغنى قَلْبك.
١ - (بَابٌ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
٠٥٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا الأسْوَدُ بنُ
قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بنَ سُفْيَانَ رَضِي الله عنهُ قَالَ اشْتَكَى رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثَا فَجَاءَتِ امْرأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إنِّي لأَرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا فَأنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ١، ٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه بَيَان سَبَب نزُول هَذِه السُّورَة، وَزُهَيْر مصغر زهر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي وَقيل: البَجلِيّ، جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا وَهُوَ جند بن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده.
والْحَدِيث قد مر فِي قيام اللَّيْل فِي ترك الْقيام للْمَرِيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأسود الخ. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض. قَوْله: (فَجَاءَت امْرَأَة) وَهِي أم جميل، بِفَتْح الْجِيم، امْرَأَة أبي لَهب وَهِي بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان وَاسْمهَا العوراء. قَوْله: (قربك) بِكَسْر الرَّاء وَلَفظ قرب يَجِيء لَازِما ومتعديا يُقَال: قرب الشَّيْء بِالضَّمِّ أَي: دنا وقريته بِالْكَسْرِ أَي: دَنَوْت مِنْهُ، وَهنا مُتَعَدٍّ.
٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} كَذَا ثبتَتْ هَذَا للمستملي، وَهِي مكررة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره لِأَن غَيره لم يذكرهَا فِي الأولى.
تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ
أَي: يقْرَأ قَوْله: (مَا وَدعك) بتَشْديد الدَّال وتخفيفها فالتشديد قِرَاءَة الْجُمْهُور وَالتَّخْفِيف قِرَاءَة ابْن أبي عبلة قَوْله: (بِمَعْنى وَاحِد) يَعْنِي كلتا الْقِرَاءَتَيْن بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ قَوْله: (مَا تَركك) يَعْنِي: ودع، سَوَاء كَانَ بِالتَّشْدِيدِ أَو بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ترك فِيهِ تَأمل، فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: التَّشْدِيد من التوديع وَالتَّخْفِيف من ودع يدع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أماتوا ماضيه فَلَا يُقَال: ودعه وَإِنَّمَا يُقَال: تَركه قلت: قِرَاءَة ابْن أبي عبلة ترد عَلَيْهِ مَا قَالَه.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أبْغَضَكَ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {مَا وَدعك مَا تَركك} وَفِي تَفْسِير قَوْله: (وَمَا قلى) أَي: (وَمَا أبغضك) وَأَصله: وَمَا قلاك فَحذف الْكَاف مِنْهُ وَمن قَوْله: (فأغنى) وَقَوله: (فهدى) للمشاكلة فِي أَوَاخِر الْآي، وَيُقَال لهَذَا فواصل. كَمَا يُقَال: فِي غير الْقُرْآن أسجاع، وقلى يقلى من بَاب ضرب يضْرب ومصدره قلى وقلى، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا فتحت مددت وَمَعْنَاهُ البغض، وقلاه أبغضه وتقليه تبْغضهُ ولغة طي: تقلاه.
١٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبا البَجَلِيِّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسولَ الله مَا أُرَى صَاحِبَكَ إلَاّ أبْطاعَتْكَ فَنَزَلَتْ: {مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جُنْدُب أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار هُوَ بنْدَار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال وَفتحهَا. وَكِلَاهُمَا لقب.
قَوْله: (قَالَت امْرَأَة) ، قيل إِنَّهَا خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة فَكيف قَالَت: يَا رَسُول الله؟ قلت: قَالَت إِمَّا استهزاء وَإِمَّا أَن يكون هُوَ من تَصَرُّفَات الرَّاوِي إصلاحا للعبارة، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن نقل كَلَام الْكرْمَانِي: هُوَ موجه لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ وَاحِد. قلت: أما قَول الْكرْمَانِي: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة، فِيهِ نظر، فَمن أَيْن علم أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة فِي هَذَا الطَّرِيق؟ نعم كَانَت كَافِرَة فِي الطَّرِيق الأول لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بقوله إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك، وَهَذَا القَوْل لَا يصدر عَن مُسلم وَلَا مسلمة، وَهنا قَالَ صَاحبك، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمثل هَذَا لَا يصدر عَن كَافِر، وَقَول بَعضهم: هَذَا موجه، لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ، وَاحِد، فِيهِ نظر أَيْضا لِأَن اتِّحَاد الْمخْرج يسْتَلْزم أَن يكون هَذِه الْمَرْأَة هُنَا بِعَينهَا تِلْكَ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة هُنَاكَ، على أَن الواحدي ذكر عَن عُرْوَة أَبْطَأَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج جزعا شَدِيدا. فَقَالَت خَدِيجَة: قد قلاك رَبك لما يرْوى من جزعك فَنزلت وَهِي فِي (تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير) ، عَن جُنْدُب ابْن عبد الله، فَقَالَت امْرَأَة من أَهله وَمن قومه: ودع مُحَمَّدًا فَإِن قلت: ذكر ابْن بشكوال أَن الْقَائِل بذلك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. قَالَ: ذكره ابْن سنيد فِي تَفْسِيره. قلت: هَذَا لَا يَصح لِأَن هَذِه السُّورَة مَكِّيَّة بِلَا خلاف وَأَيْنَ عَائِشَة حِينَئِذٍ. قَوْله: (إلَاّ أَبْطَأَ عَنْك) ، وَكَأَنَّهُ وَقع فِي نُسْخَة الْكرْمَانِي، أبطأك، ثمَّ تكلّف فِي نقل كَلَام وَالْجَوَاب عَنهُ، فَقَالَ: قيل الصَّوَاب أَبْطَأَ عَنْك، وَأَبْطَأ بك أَو عَلَيْك، قَول: وَهَذَا أَيْضا صَوَاب إِذْ مَعْنَاهُ مَا أرى صَاحبك يَعْنِي جِبْرِيل إلَاّ جعلك بطيئا فِي الْقِرَاءَة لِأَن بطأه فِي الإقراء إبطاء فِي قِرَاءَته، أَو هُوَ من بَاب حذف حرف الْجَرّ وإيصال الْفِعْل بِهِ، وَهنا فصلان:
الأول: فِي مُدَّة احتباس جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَعَن ابْن جريج: اثْنَا عشر يَوْمًا، وَعَن ابْن عَبَّاس: خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَعنهُ: خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا. وَعَن مقَاتل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام.
وَالثَّانِي: سَبَب الاحتباس، فَفِيهِ أَقْوَال فَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن جروا دخل الْبَيْت فَمَاتَ تَحت السرير فَمَكثَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَاذَا حدث فِي بَيْتِي؟ قَالَت. فَقلت: لَو هيأت الْبَيْت وكنسته فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل فنطرت فَإِذا جرو ميت فألقيته فجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرعد لحياه، فَقَالَ: يَا خَوْلَة! دثريني. فَنزلت: {وَالضُّحَى} وَعَن مقَاتل: لما أَبْطَأَ الْوَحْي قَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله تلبث عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: كَيفَ ينزل عليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنفقون براجمكم وَلَا تقلمون أظفاركم؟ وَعَن ابْن إِسْحَاق أَن الْمُشْركين سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحَضَر وَفِي القرنين وَالروح فَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ إِلَى غَد وَلم يسْتَثْن فَأَبْطَأَ جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة. وَقيل: أَكثر من ذَلِك. فَقَالَ الْمُشْركُونَ: ودعه ربه، فَنزل جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِسُورَة (وَالضُّحَى) بقوله: {وَلَا تقولن لشَيْء أَنِّي فَاعل ذَلِك غَدا} (الْكَهْف: ٣٢) انْتهى. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض رِوَايَة جُنْدُب. قلت: لَا إِذْ يكون جَوَابا بالذينك الشَّيْئَيْنِ أَو جَوَابا لمن قَالَ: كَائِنا من كَانَ.
٤٩ - (سُورَةُ: {ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ألم نشرح لَك} (الشَّرْح ١:) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (ألم نشرح) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة أحرف، وَسبع وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات. قَوْله: (ألم نشرح) يَعْنِي: ألم نفتح ونوسع ونلين لَك قَلْبك بِالْإِيمَان والنبوة وَالْعلم وَالْحكمَة؟ والهمزة فِيهِ لَيْسَ على الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ: شرحنا لَك صدرك، وَلِهَذَا عطف (ووضعنا) عَلَيْهِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزرَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {ووضعنا عَنْك وزرك} (الشَّرْح: ٢) رَوَاهُ ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن عَمْرو: أخبرنَا أَبُو عَاصِم أخبرنَا عِيسَى عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَقَرَأَ عبد الله: وحللنا عَنْك وزرك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فِي الْجَاهِلِيَّة) صفة للوزر لَا مُتَعَلق بِالْوَضْعِ، وَأَرَادَ بِهِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا حَدِيثَ جُنْدَبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ شَكْوَاهُ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَنَّ الشَّكْوَى الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَرِدْ بِعَيْنِهَا، وَأَنَّ مَنْ فَسَّرَهَا بِأُصْبُعِهِ الَّتِي دَمِيَتْ لَمْ يُصِبْ. وَوَجَدْتُ الْآنَ فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ س بَبَ نُزُولِهَا وُجُودُ جَرْوِ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَأَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ لِذَلِكَ، وَقِصَّةُ إِبْطَاءِ جِبْرِيلَ بِسَبَبِ كَوْنِ الْكَلْبِ تَحْتَ سَرِيرِهِ مَشْهُورَةٌ، لَكِنْ كَوْنُهَا سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبٌ، بَلْ شَاذٌّ، مَرْدُودٌ بِمَا فِي الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَرَدَ لِذَلِكَ سَبَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ فَقَالُوا: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْزَنَهُ فَقَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبِي قَلَانِي، فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى.
وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي السِّيرَةِ الَّتِي جَمَعَهَا وَرَوَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَتَتَابَعَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى، وَأَلَمْ نَشْرَحْ بِكَمَالِهِمَا وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا تَثْبُتُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَتْرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى غَيْرُ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَاخْتَلَطَتَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَتَحْرِيرُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ مَا بَيَّنْتُهُ. وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي التَّعْبِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدِ. وَوَقَعَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى شَيْءٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ فَضَاقَ صَدْرُهُ، وَتَكَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ وَالضُّحَى، وَبِجَوَابِ مَا سَأَلُوا، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ انْتَهَى. وَذِكْرُ سُورَةِ الضُّحَى هُنَا بَعِيدٌ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ فِي الْقِصَّتَيْنِ مُتَقَارِبًا، فَضَمَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ابْتِدَاءِ الْبَعْثِ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ) هُوَ الْبَجْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُوُ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ تَرَكَكَ) هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ: فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِلَفْظِ: حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ وَلَا مُخَالَفَةَ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَكُونُ الْقَائِلُ أَوِ الْفَاعِلُ وَاحِدًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْبَاقِينَ رَاضُونَ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (قَرِبَكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، يُقَالُ: يَقْرَبُهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مُتَعَدِّيًا، وَمِنْهُ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢]) ولأبي ذرٍّ: «إذا سجا» مكتوبٌ بالألفِ بدل الياء (اسْتَوَى. وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: معناه (أَظْلَمَ) ولأبي ذرٍّ: «سجا: أظلمَ» (١) قاله الفرَّاء، وقال ابنُ الأعرابيِّ: اشتدَّ ظلامه (وَ) قيل: (سَكَنَ) ومنه: سجا البحرُ يَسْجُو سَجْوًا، أي: سكنَتْ أمواجُه. وليلةٌ ساجيةٌ (٢) ساكنَةُ الرِّيح.
(﴿عَائِلًا﴾ [الضحى: ٨]) قال أبو عُبيدة: أي: (ذُو عِيَالٍ) يقال: أعالَ (٣) الرَّجل، أي: كثرَ عياله، وعالَ، أي: افتقرَ.
(١) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى (٥): (﴿مَا وَدَّعَكَ﴾) ما تركك منذُ اختارك (﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]) وما أبغضكَ منذ أحبَّكَ، وحذف المفعول استغناءً بذكره فيما سبقَ ومراعاةً للفواصلِ، وثبت: «باب» لأبي ذرٍّ (٦).
٤٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، ونسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيهِ عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي مصغَّرًا، ابنُ معاوية قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) العبديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ ابْنَ سُفْيَانَ) بضم الجيم والدال المهملة وفتحها أيضًا، وهو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْل إِذا سجى} (الضُّحَى: ٢) مَعْنَاهُ اسْتَوَى، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن حجاج عَن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَجَى أظْلَمَ وَسَكَنَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير: (سجى: أظلم) وَهُوَ مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: (وَسكن) مَنْقُول عَن عِكْرِمَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا سجى ذهب، وَعَن الْحسن: جَاءَ، وَعنهُ اسْتَقر وَسكن، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أولى الْأَقْوَال من قَالَ: سكن، يُقَال: بَحر سَاج إِذا كَانَ سَاكِنا.
عَائِلاً: ذُو عِيَالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ووجدك عائلاً فأغنى} (الضُّحَى: ٨) وفسرالعائل بقوله: (ذُو عِيَال) قَالَ الثَّعْلَبِيّ فأغناك بِمَال خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ثمَّ بالغنائم، وَقَالَ مقَاتل: رضاك بِمَا أَعْطَاك من الرزق، وَعَن ابْن عَطاء: وَجدك فَقير النَّفس فأغنى قَلْبك.
١ - (بَابٌ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
٠٥٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا الأسْوَدُ بنُ
قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بنَ سُفْيَانَ رَضِي الله عنهُ قَالَ اشْتَكَى رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثَا فَجَاءَتِ امْرأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إنِّي لأَرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا فَأنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ١، ٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه بَيَان سَبَب نزُول هَذِه السُّورَة، وَزُهَيْر مصغر زهر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي وَقيل: البَجلِيّ، جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا وَهُوَ جند بن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده.
والْحَدِيث قد مر فِي قيام اللَّيْل فِي ترك الْقيام للْمَرِيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأسود الخ. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض. قَوْله: (فَجَاءَت امْرَأَة) وَهِي أم جميل، بِفَتْح الْجِيم، امْرَأَة أبي لَهب وَهِي بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان وَاسْمهَا العوراء. قَوْله: (قربك) بِكَسْر الرَّاء وَلَفظ قرب يَجِيء لَازِما ومتعديا يُقَال: قرب الشَّيْء بِالضَّمِّ أَي: دنا وقريته بِالْكَسْرِ أَي: دَنَوْت مِنْهُ، وَهنا مُتَعَدٍّ.
٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} كَذَا ثبتَتْ هَذَا للمستملي، وَهِي مكررة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره لِأَن غَيره لم يذكرهَا فِي الأولى.
تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ
أَي: يقْرَأ قَوْله: (مَا وَدعك) بتَشْديد الدَّال وتخفيفها فالتشديد قِرَاءَة الْجُمْهُور وَالتَّخْفِيف قِرَاءَة ابْن أبي عبلة قَوْله: (بِمَعْنى وَاحِد) يَعْنِي كلتا الْقِرَاءَتَيْن بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ قَوْله: (مَا تَركك) يَعْنِي: ودع، سَوَاء كَانَ بِالتَّشْدِيدِ أَو بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ترك فِيهِ تَأمل، فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: التَّشْدِيد من التوديع وَالتَّخْفِيف من ودع يدع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أماتوا ماضيه فَلَا يُقَال: ودعه وَإِنَّمَا يُقَال: تَركه قلت: قِرَاءَة ابْن أبي عبلة ترد عَلَيْهِ مَا قَالَه.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أبْغَضَكَ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {مَا وَدعك مَا تَركك} وَفِي تَفْسِير قَوْله: (وَمَا قلى) أَي: (وَمَا أبغضك) وَأَصله: وَمَا قلاك فَحذف الْكَاف مِنْهُ وَمن قَوْله: (فأغنى) وَقَوله: (فهدى) للمشاكلة فِي أَوَاخِر الْآي، وَيُقَال لهَذَا فواصل. كَمَا يُقَال: فِي غير الْقُرْآن أسجاع، وقلى يقلى من بَاب ضرب يضْرب ومصدره قلى وقلى، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا فتحت مددت وَمَعْنَاهُ البغض، وقلاه أبغضه وتقليه تبْغضهُ ولغة طي: تقلاه.
١٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبا البَجَلِيِّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسولَ الله مَا أُرَى صَاحِبَكَ إلَاّ أبْطاعَتْكَ فَنَزَلَتْ: {مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَى} (الضُّحَى: ٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جُنْدُب أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار هُوَ بنْدَار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال وَفتحهَا. وَكِلَاهُمَا لقب.
قَوْله: (قَالَت امْرَأَة) ، قيل إِنَّهَا خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة فَكيف قَالَت: يَا رَسُول الله؟ قلت: قَالَت إِمَّا استهزاء وَإِمَّا أَن يكون هُوَ من تَصَرُّفَات الرَّاوِي إصلاحا للعبارة، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن نقل كَلَام الْكرْمَانِي: هُوَ موجه لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ وَاحِد. قلت: أما قَول الْكرْمَانِي: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة، فِيهِ نظر، فَمن أَيْن علم أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة فِي هَذَا الطَّرِيق؟ نعم كَانَت كَافِرَة فِي الطَّرِيق الأول لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بقوله إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك، وَهَذَا القَوْل لَا يصدر عَن مُسلم وَلَا مسلمة، وَهنا قَالَ صَاحبك، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمثل هَذَا لَا يصدر عَن كَافِر، وَقَول بَعضهم: هَذَا موجه، لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ، وَاحِد، فِيهِ نظر أَيْضا لِأَن اتِّحَاد الْمخْرج يسْتَلْزم أَن يكون هَذِه الْمَرْأَة هُنَا بِعَينهَا تِلْكَ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة هُنَاكَ، على أَن الواحدي ذكر عَن عُرْوَة أَبْطَأَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج جزعا شَدِيدا. فَقَالَت خَدِيجَة: قد قلاك رَبك لما يرْوى من جزعك فَنزلت وَهِي فِي (تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير) ، عَن جُنْدُب ابْن عبد الله، فَقَالَت امْرَأَة من أَهله وَمن قومه: ودع مُحَمَّدًا فَإِن قلت: ذكر ابْن بشكوال أَن الْقَائِل بذلك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. قَالَ: ذكره ابْن سنيد فِي تَفْسِيره. قلت: هَذَا لَا يَصح لِأَن هَذِه السُّورَة مَكِّيَّة بِلَا خلاف وَأَيْنَ عَائِشَة حِينَئِذٍ. قَوْله: (إلَاّ أَبْطَأَ عَنْك) ، وَكَأَنَّهُ وَقع فِي نُسْخَة الْكرْمَانِي، أبطأك، ثمَّ تكلّف فِي نقل كَلَام وَالْجَوَاب عَنهُ، فَقَالَ: قيل الصَّوَاب أَبْطَأَ عَنْك، وَأَبْطَأ بك أَو عَلَيْك، قَول: وَهَذَا أَيْضا صَوَاب إِذْ مَعْنَاهُ مَا أرى صَاحبك يَعْنِي جِبْرِيل إلَاّ جعلك بطيئا فِي الْقِرَاءَة لِأَن بطأه فِي الإقراء إبطاء فِي قِرَاءَته، أَو هُوَ من بَاب حذف حرف الْجَرّ وإيصال الْفِعْل بِهِ، وَهنا فصلان:
الأول: فِي مُدَّة احتباس جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَعَن ابْن جريج: اثْنَا عشر يَوْمًا، وَعَن ابْن عَبَّاس: خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَعنهُ: خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا. وَعَن مقَاتل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام.
وَالثَّانِي: سَبَب الاحتباس، فَفِيهِ أَقْوَال فَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن جروا دخل الْبَيْت فَمَاتَ تَحت السرير فَمَكثَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَاذَا حدث فِي بَيْتِي؟ قَالَت. فَقلت: لَو هيأت الْبَيْت وكنسته فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل فنطرت فَإِذا جرو ميت فألقيته فجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرعد لحياه، فَقَالَ: يَا خَوْلَة! دثريني. فَنزلت: {وَالضُّحَى} وَعَن مقَاتل: لما أَبْطَأَ الْوَحْي قَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله تلبث عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: كَيفَ ينزل عليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنفقون براجمكم وَلَا تقلمون أظفاركم؟ وَعَن ابْن إِسْحَاق أَن الْمُشْركين سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحَضَر وَفِي القرنين وَالروح فَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ إِلَى غَد وَلم يسْتَثْن فَأَبْطَأَ جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة. وَقيل: أَكثر من ذَلِك. فَقَالَ الْمُشْركُونَ: ودعه ربه، فَنزل جِبْرَائِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِسُورَة (وَالضُّحَى) بقوله: {وَلَا تقولن لشَيْء أَنِّي فَاعل ذَلِك غَدا} (الْكَهْف: ٣٢) انْتهى. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض رِوَايَة جُنْدُب. قلت: لَا إِذْ يكون جَوَابا بالذينك الشَّيْئَيْنِ أَو جَوَابا لمن قَالَ: كَائِنا من كَانَ.
٤٩ - (سُورَةُ: {ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {ألم نشرح لَك} (الشَّرْح ١:) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (ألم نشرح) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة أحرف، وَسبع وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات. قَوْله: (ألم نشرح) يَعْنِي: ألم نفتح ونوسع ونلين لَك قَلْبك بِالْإِيمَان والنبوة وَالْعلم وَالْحكمَة؟ والهمزة فِيهِ لَيْسَ على الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ: شرحنا لَك صدرك، وَلِهَذَا عطف (ووضعنا) عَلَيْهِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزرَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {ووضعنا عَنْك وزرك} (الشَّرْح: ٢) رَوَاهُ ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن عَمْرو: أخبرنَا أَبُو عَاصِم أخبرنَا عِيسَى عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَقَرَأَ عبد الله: وحللنا عَنْك وزرك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فِي الْجَاهِلِيَّة) صفة للوزر لَا مُتَعَلق بِالْوَضْعِ، وَأَرَادَ بِهِ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56