الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4940
الحديث رقم 4940 من كتاب «سورة إذا السماء انشقت» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لتركبن طبقا عن طبق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿البُرُوجُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا.
﴿الطَّارِقُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ ﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢ - بَاب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ؛ أَيِ الْخِطَابُ لَهُ، وَهُوَ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْأَعْمَشُ وَالْأَخَوَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ؛ يَعْنِي: نَبِيَّكُمْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ عَنْ هُشَيْمٍ، وَزَادَ: يَعْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ، وَرَجَّحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ لِسِيَاقِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ يَعْنِي: حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَسْرُوقٍ قَالَ: السَّمَاوَاتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ. وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ السَّمَاءَ تَصِيرُ مَرَّةً كَالدِّهَانِ، وَمَرَّةً تُشَقَّقُ ثُمَّ تَحْمَرُّ ثُمَّ تَنْفَطِرُ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ، وَأَصْلُ الطَّبَقِ الشِّدَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَقَعُ مِنَ الشَّدَائِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالطَّبَقُ مَا طَابَقَ غَيْرَهُ، يُقَالُ: مَا هَذَا بِطَبَقِ كَذَا؛ أَيْ: لَا يُطَابِقُهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ؛ أَيْ حَالَ مُطَابَقَةٍ لِلَّتِي قَبْلَهَا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ هُوَ جَمْعُ طَبَقَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ، أَيْ هِيَ طَبَقَاتٌ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ مُنْذُ يَكُونُ جَنِينًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَقْصَى الْعُمُرِ، فَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ جَنِينٌ، ثُمَّ إِذَا وُلِدَ صَبِيٌّ، فَإِذَا فُطِمَ غُلَامٌ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا يَافِعٌ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا حَزَوَّرٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ قُمُدٌّ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَنَطْنَطٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ صُمُلٌّ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ كَهْلٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ شَيْخٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ هِمٌّ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ فَانٍ.
٨٥ - سُورَةُ (الْبُرُوجِ)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأُخْدُودُ؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ. فَتَنُوا: عَذَّبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَدُودُ؛ الْحَبِيبُ. الْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْبُرُوجِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرَ الْفُرْقَانِ تَفْسِيرُ الْبُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: شَقٌّ بِنَجْرَانَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ مُطَوَّلَةً، وَفِيهِ قِصَّةُ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنَ السَّاحِرِ، فَمَرَّ بِالرَّاهِبِ فَتَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، فَأَرَادَ الْمَلِكُ قَتْلَ الْغُلَامِ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تَقُولَ إِذَا رَمَيْتَنِي: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَخَدَّ لَهُمُ الْمَلِكُ الْأَخَادِيدَ فِي السِّكَكِ وَأَضْرَمَ فِيهَا النِّيرَانَ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِ. وَفِيهِ قِصَّةُ الصَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ: اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. صَرَّحَ بِرَفْعِ الْقِصَّةِ بِطُولِهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَوَقَفَهَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ فِي آخِرِهِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ - إِلَى - ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(العَرْضُ يُعْرَضُونَ) بأن تعرضَ عليه أعماله فيعرفُ الطَّاعة والمعصية، ثمَّ يثابُ على الطَّاعة ويتجاوزُ عن المعصيةِ، ولا يطالبُ بالعُذر فيه (وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بضم النون وكسر القاف مبنيًّا للمفعول، و «الحسابَ» نصب بنزعِ الخافض، أي: من استقصَى أمرهُ في الحسابِ (هَلَكَ) بالعذابِ في النَّار، أو أنَّ نفسَ عرضِ الذُّنوب والتَّوقيف على قبيحِ ما سلفَ والتَّوبيخ عذابٌ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٧].
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٦]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أصلُه: لتركبوننَّ (١)، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء السَّاكنين، وفتح الباء ابنُ كثيرٍ وحمزة والكِسائيُّ خطابًا للواحِد، والباقون بضمِّها خطابًا للجمعِ، وسقط لفظ «باب» وما بعده لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابنُ بشيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (٣)، ابن أبي وحشيَّة (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر، أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾) بضم الموحدة، وفي «اليونينية» بفتحها (٤) (﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أي: (حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ:
هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ) يعني يكونُ لك (١) الظَّفر والغَلبة على المشركين حتَّى يُختَم لك بجميلِ العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهِم، وقيل: سماءً بعد سماءٍ، كما وقع في الإسراءِ، والمعنى على الجمعِ: لتركبنَّ أيُّها النَّاس حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ، وذلك في موقفِ القيامةِ. أو الشَّدائدُ والأهوالُ الموتُ ثمَّ البعثُ ثمَّ العرضُ، أو حال الإنسان حالًا بعد حال؛ رضيعٌ، ثمَّ فطيمٌ، ثمَّ غلامٌ، ثمَّ شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ.
(((٨٥))) (سورة البُرُوجِ) مكِّيَّة، وآيُها اثنتان وعشرون، وسقط لغير أبي ذرٍّ «سورة».
(قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢): «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيمَا رواهُ عبدُ بنُ حميدٍ في قولهِ: (﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) هو (شَقٌّ فِي الأَرْضِ) وقال غيرهُ: المستطيلُ في الأرضِ. وروى مسلمٌ عن صهيبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ فيمَن كان قبلكُم مَلِكٌ، وكان لهُ ساحرٌ، فلمَّا كبِر قال للملكِ: إنِّي قد كَبرت، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمه السِّحر، فبعث إليهِ غلامًا يعلِّمه، وكانَ (٣) في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعدَ إليه وسمعَ كلامَه فأعجبَه، فكان إذا أتَى السَّاحر مرَّ بالرَّاهبِ وقعد إليهِ، فإذا أتى السَّاحر ضربَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال لهُ (٤): إذا خشيتَ السَّاحر فقُل: حبسنِي أهلِي، وإذا خشيتَ أهلكَ فقلْ: حبَسني السَّاحر، فبينما هو كذلكَ إذ أتَى على النَّاس دابةٌ عظيمةٌ قد حبَست النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ آلسَّاحر أفضلُ أم الرَّاهبُ أفضلُ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهمَّ إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ
إليك من أمرِ (١) السَّاحر فاقتُل هذه الدَّابة حتَّى يمضي النَّاس، فرماهَا فقتَلها، ومضَى النَّاسُ فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغَ من أمركَ ما أرَى، وإنَّك ستُبتلى، فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ، وكان الغُلام يبرئُ الأكمَه والأبرصَ، ويُداوي النَّاس من (٢) سائرِ الأدواءِ، فسمع جليسٌ للملكِ (٣) كان قد عميَ فأتاه بهدايَا كثيرةٍ، فقال: ما ههنا لكَ أجمعُ إن أنتَ شفيتَني. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله ﷿، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاكَ، فآمنَ باللهِ فشفاهُ الله، فأتى الملِك فجلسَ إليهِ كما كان يجلسُ، فقال لهُ الملك: من ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقال: ربِّي. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: اللهُ ربِّي وربُّك، فأخذهُ فلم يزل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلامِ فقال له الملك: أي بنيَّ، قد بلغَ من سحركَ ما تُبرئ الأكمَه والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله، فأخذهُ فلم يزَل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الرَّاهب، فجيءَ بالرَّاهب فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فدعا (٤) بالمنشارِ فوضعَ المنشارَ في مَفْرِقِ رأسهِ فشقَّه بهِ (٥) حتَّى وقعَ شقَّاه، ثمَّ جيءَ بجليسِ الملك فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فوضعَ المنشارَ في مَفْرقِ رأسهِ فشقَّه حتَّى وقع شقَّاه، ثمَّ جيءَ بالغلامِ فقيل لهُ: ارجعْ عن دينكَ فأبَى، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا فاصعدوا بهِ الجبلَ، فإذا بلغتُم بهِ ذُروته فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاطرحوهُ، فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهِم بما شئتَ، فرجفَ بهم الجبَلُ فسقطوا، وجاءَ يمشِي إلى الملكِ، فقال لهُ الملِكُ: ما فعلَ أصحابُك؟ قال: كفانيهُم الله، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قُرْقُورٍ
فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاقذِفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكفنيِهم بما شئتَ، فانكفأتْ بهمُ السَّفينة فغرقُوا، وجاءَ يمشي إلى الملكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابكَ؟ فقال: كفانيهُم الله، فقال للملكِ: إنَّك (١) لستَ بقاتِلي حتَّى تفعلَ ما آمرك بهِ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبُني على جذعٍ، ثمَّ خُذ سهمًا من كِنانتي ثمَّ ضعِ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قلْ: بسمِ الله ربِّ هذا (٢) الغُلام ثمَّ ارمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَني، فجمعَ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فصلبهُ على جذعٍ، ثمَّ أخذَ سهمًا من كنانته، ثمَّ وضعَ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قال: بسمِ اللهِ ربِّ هذا الغُلام (٣) ثمَّ رماهُ فوقَع السَّهم في صدغِه، فوضعَ يدهُ في صدغهِ موضَع السَّهم فمات، فقال النَّاس: آمنَّا بربِّ الغُلام، آمنَّا بربِ الغُلام (٤) فأُتيَ الملِكُ فقيل لهُ: أرأيتَ ما كنتَ تحذره؟ قد واللهِ نزلَ بكَ حذرُك، قد (٥) آمن النَّاس، فأمرَ بالأخدودِ بأفواهِ السِّكك فخُدَّت وأضرَم النِّيران، وقال: مَن لم يرجعْ عن دينهِ فأقحموهُ فيها، أو قيل لهُ: اقتحِمْ، ففعلوا حتَّى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعَستْ أن تقعَ فيها، فقال لها الغُلام: يا أُمَّهْ، اصْبِري فإنَّك على الحقِّ».
(﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]) أي: (عَذَّبُوا) قالَه مجاهدٌ فيمَا وصله الفِريابيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]) هو (الحَبِيْبُ) المتوِّدد إلى أوليائهِ بالكرامَة.
(﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]) أي: (الكَرِيمُ) وقول ابنِ عبَّاس هذا ساقطٌ في الفَرْع كأصلهِ، ثابتٌ في روايةِ النَّسفيِّ وحده.
(((٨٦))) (سورة الطَّارِقِ) ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وهي مكِّيَّة، وآيُها سبع عشرة (١).
(هُوَ) أي: الطَّارق (النَّجْمُ، وَمَا أتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ولا يسمَّى ذلك بالنَّهار، فسُمِّي به النَّجم لظهورهِ ليلًا.
(﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]) هو (المُضِيءُ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ وحدَه، ساقطٌ (٢) في (٣) الفَرْع كأصلهِ (٤).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ): أي: فيمَا وصلَه الفِريابيُّ (﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]) هي (سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ) ولأبي ذرٍّ: «تَرجع» بالفوقية بدل التحتية، وعلى هذا يجوزُ أن يرادَ بالسَّماء السَّحاب.
(﴿ذَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وذات (٥)» (﴿الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢]) هي الأرضُ (٦) (تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) والعيون.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]) أي: (لَحَقٌّ) وجِدٌّ يفصلُ بين الحقِّ والباطلِ.
(﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]) أي: (إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وهذا (٧) التَّفسير على تشديدِ ميم ﴿لَّمَّا﴾ وهي قراءة عاصمٍ وابنِ عامرٍ وحَمزة، و ﴿إِن﴾ نافيةٌ، وثبتَ قوله: (وقالَ ابنُ عبَّاسٍ … ) إلى آخره للنَّسفيِّ وحدَه، وسقط من الفَرْع كأصلهِ (٨).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعبد الله بن أبي مليكَة روى هُنَا عَن عَائِشَة بالواسطة وَفِي الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلين بِلَا وَاسِطَة، وَيحمل هَذَا على أَن ابْن أبي مليكَة حمله عَن الْقَاسِم ثمَّ سَمعه عَن عَائِشَة، وسَمعه أَولا من عَائِشَة ثمَّ استثبت الْقَاسِم، إِذْ فِي رِوَايَته زِيَادَة لَيست عِنْده، وَبِهَذَا يُجَاب عَن اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث لهَذَا الِاخْتِلَاف، وَعَما قَالَه الجياني: سقط من نُسْخَة أبي زيد من السَّنَد الأول ذكر ابْن أبي مليكَة وَلَا بُد مِنْهُ، ذكر ذَلِك الْقَابِسِيّ وعبدوس عَن شيخهما أبي زيد وَمِمَّا ذكره أَبُو إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي وَابْن الْهَيْثَم عَن الفريري، فِي السَّنَد الثَّانِي، ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة وَهُوَ وهم، وَالْمَحْفُوظ فِيهِ أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة لَيْسَ فِيهِ الْقَاسِم، وَأَيْضًا فَأن يحيى الْقطَّان وَعبد الله بن الْمُبَارك روياه عَن حَاتِم عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وهما زادا فِيهِ وهما حَافِظَانِ ثقتان، وَزِيَادَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. فَإِن قلت: روى أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن مَنْصُور الطَّبَرِيّ فِي (السّنَن) تأليفه بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. قَالَت: لَا يُحَاسب رجل يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ دخل الْجنَّة. قَالَ الله عز وَجل: {فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا} (الانشقاق: ٧، ٨) يقْرَأ عَلَيْهِ عمله فَإِذا عرفه غفر لَهُ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: {فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان} (الرَّحْمَن: ٩٣) وَأما الْكَافِر فَقَالَ: {يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيَأْخُذ بالنواصي والإقدام} (الرَّحْمَن: ١٤) قلت: أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا وَإِن كَانَ إِسْنَاده صَحِيحا فَلَا يُقَاوم مَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) ، وَمن شَرط الْمُعَارضَة التَّسَاوِي فِي الصِّحَّة وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَإِن عَائِشَة قد خالفها غَيرهَا فِي ذَلِك للآيات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك. فَإِن قلت: إِن الْحساب يُرَاد بِهِ الثَّوَاب وَالْجَزَاء، وَلَا ثَوَاب للْكَافِرِ فيجازى عَلَيْهِ بِحِسَابِهِ، وَلِأَن المحاسب لَهُ هُوَ الله تَعَالَى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة} (الْبَقَرَة: ٤٧١) قلت: أجَاب عَن ذَلِك مُحَمَّد بن جرير بِأَن معنى لَا يكلمهم الله. أَي: بِكَلَام يحبونه، وإلَاّ فقد قَالَ عز وَجل: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٨٠١) قَوْله: (ذَاك الْعرض) ، هُوَ الإبداء والإبراز وَقيل: هُوَ أَن يعرف ذنُوبه لم يتَجَاوَز عَنهُ، وَحَقِيقَة الْعرض إدارك الشَّيْء بالحواس ليعلم غَايَته وحاله. قَوْله: (وَمن نُوقِشَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من المناقشة وَهِي الِاسْتِقْصَاء فِي الْأَمر. قَوْله: (الْحساب) مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض.
٢ - (بَابُ: {لتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ} (الانشقاق: ٩١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لتركبن طبقًا عَن طبق} وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح التَّاء وَالْبَاء وَهُوَ خطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْنَاهُ الْآخِرَة بعد الأولى وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَابْن عَبَّاس بِفَتْح التَّاء وَضم الْبَاء وَهُوَ خطاب لجَمِيع النَّاس، وَمَعْنَاهُ: حَالا بعد حَال، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء، وَقَرَأَ أَبُو المتَوَكل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَرفع الْبَاء.
٠٤٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ النَّضْرِ أخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أخْبَرَنَا أبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بنُ إيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ} حَالا بَعْدَ حَالٍ قَالَ هاذا نَبِيُّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن النَّضر بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة الْبَغْدَادِيّ مر فِي أول التَّيَمُّم، وهشيم بِضَم الْهَاء ابْن بشر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة. والحدي من أَفْرَاده.
قَوْله: (حَالا بعد حَال) ، أَي: حَال مُطَابقَة للشَّيْء قبلهَا فِي الشدَّة، وَقيل: الطَّبَق جمع طبقَة وَهِي الْمرتبَة أَي: هِيَ طَبَقَات بَعْضهَا أَشد من بعض، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي معنى الْآيَة. فَقَالَ أَكْثَرهم حَالا بعد حَال، وأمرا بعد أَمر، وَهُوَ مَوَاقِف الْقِيَامَة وَعَن الْكَلْبِيّ: مرّة يعْرفُونَ وَمرَّة يجهلون، وَعَن مقَاتل يَعْنِي الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة ثمَّ الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة. وَعَن عَطاء: مرّة فقر أَو مرّة غناء، وَعَن ابْن عَبَّاس: الشدائد والأهوال، الْمَوْت ثمَّ الْبَعْث ثمَّ الْعرض؟ وَالْعرب تَقول لمن وَقع فِي أَمر شَدِيد: وَقع فِي ثبات طبق وَفِي إِحْدَى ثبات طبق، وَعَن أبي عُبَيْدَة سنَن من كَانَ قبلهم وأحوالهم، وَعَن عِكْرِمَة: حَالا بعد حَال رَضِيع ثمَّ فطيم ثمَّ غُلَام ثمَّ شَاب ثمَّ شيخ.
وَقلت الْحُكَمَاء يَشْمَل الْإِنْسَان كَونه نُطْفَة إِلَى أَن يَمُوت على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ حَالا وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ اسْما، نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ عظاما ثمَّ خلقا آخر ثمَّ جَنِينا
ثمَّ وليدا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطيما ثمَّ يافعا ثمَّ نَاسِيا ثمَّ مترعرعا ثمَّ حزورا ثمَّ مراهقا ثمَّ محتلما ثمَّ بَالغا ثمَّ أَمْرَد ثمَّ طارا ثمَّ باقلاً ثمَّ مستطرا ثمَّ مطرخما ثمَّ مخلطا ثمَّ صملاً ثمَّ ملتحيا ثمَّ مستويا ثمَّ مصعدا ثمَّ مجتمعا. والشاب يجمع ذَلِك كُله. ثمَّ ملهوزا ثمَّ كهلاً ثمَّ أشمط ثمَّ أشيخا ثمَّ شَبَّبَ ثمَّ حوقلاً ثمَّ صفتاتا ثمَّ هما ثمَّ هرما ثمَّ مَيتا. فَهَذَا معنى قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) والطبق فِي اللُّغَة الْحَال قَالَه الثَّعْلَبِيّ.
قلت: ثمَّ يافعا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع فَهُوَ يافع، وَالْقِيَاس موفع وَهُوَ من النَّوَادِر، كَذَا قَالَه أهل الْعَرَبيَّة. وَقيل: جَاءَ يفع الْغُلَام فعلى هَذَا يافع على الأَصْل، وَذكر فِي كتاب (خلق الْإِنْسَان) وَقَالَ بَعضهم: اليافع والحزور والمترعرع وَاحِد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحزور الْغُلَام إِذا اشْتَدَّ وَقَوي وحزم، وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْحَزْوَرَة وَهِي كل صَغِير، والمترعرع. قَالَ الْجَوْهَرِي: ترعرع الصَّبِي أَي: تحرّك وَنَشَأ، والطارّ بتَشْديد الرَّاء من طر شَارِب الْغُلَام إِذا نبت والمطرخم بتَشْديد الْمِيم الَّتِي فِي آخِره من اطرخمَّ أَي: شمخ بِأَنْفِهِ وتعظم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شَاب مطرخم أَي: حسن تَامّ، والمخلط بِكَسْر الْمِيم الرجل الَّذِي يخالط الْأُمُور، والصمل بِضَم الصَّاد وَالْمِيم وَتَشْديد اللَّام أَي: شَدِيد الْخلق، والملهوز، بالزاي فِي آخِره من لهزت الْقَوْم أَي: خالطتهم، وَالْوَاو فِيهِ زَائِدَة، والحوقل من حوقل الشَّيْخ حوقلة وحقيالاً إِذا كبر وفتر عَن الْجِمَاع، والصفتات، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبتاءين مثناتين بَينهمَا ألف: الرجل الْقوي وَكَذَلِكَ الصفتيت، وَفِي الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة أسامي لم تذكر، وَهِي شرخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بعد أَن يُقَال غُلَام ثمَّ بعد ذَلِك يُسمى جفرا بِالْجِيم والجحوش بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الْحَاء الْمُهْملَة المضمومة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة بعد أَن يُقَال فطيم، وناشىء يُقَال بعد كَونه شَابًّا ومحمم إِذا اسود شعر وَجهه وَأخذ بعضه بَعْضًا، وصتم إِذا بلغ أقْصَى الكهولة، وعانس إِذا قعد بعد بُلُوغ النِّكَاح أعواما لَا ينْكح، وشميط وأشمط يُقَال لَهُ بعد مَا شَاب، ومسن ونهشل يُقَال إِذا ارْتَفع عَن الشيخوخة وَإِذا ارْتَفع عَن ذَلِك، يُقَال: فخم وَإِذا تضعضع لَحْمه يُقَال: متلحم، وَإِذا قَارب الخطو وَضعف يُقَال لَهُ دالف، وَإِذا ضمر وانحنى يُقَال لَهُ عشمة وعشبة، وَإِذا بلغ أقْصَى ذَلِك، يُقَال لَهُ: هرم وهم وَإِذا أَكثر الْكَلَام وَاخْتَلَطَ يُقَال لَهُ: مهتر، وَإِذا ذهب عقله يُقَال لَهُ خرف.
وَقَالَ بَعضهم: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، فَإِذا وَلدته يُسمى صَبيا مَا دَامَ رضيعا فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يصير يافعا إِلَى عشر حجج ثمَّ يصير حزورا إِلَى خمس عشرَة سنة ثمَّ يصير قمدا إِلَى خمس وَعشْرين سنة ثمَّ يصير عنطنا إِلَى ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ يصير صملاً إِلَى أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ يصير كهلاً إِلَى خمسين سنة ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة ثمَّ يصير هما بعد ذَلِك فانيا كَبِيرا.
قَوْله: (هَذَا نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: الْخطاب فِي التركين للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ على قِرَاءَة فتح الْبَاء الْمُوَحدَة فَافْهَم.
٥٨ - (سُورَةُ {البُرُوجِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة البروج، وَفِي بعض النّسخ: البروج، بِدُونِ لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وتسع كَلِمَات وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ آيَة، والبروج الاثنا عشر وَهِي قُصُور السَّمَاء على التَّشْبِيه، وَقيل: البروج النُّجُوم الَّتِي هِيَ منَازِل الْقَمَر، وَقيل: عِظَام الْكَوَاكِب، وَقيل: أَبْوَاب السَّمَاء.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الأخْدُودُ شَقٌّ فِي الأرْضِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى؛ {قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود} (البروج: ٤) قَالَ الْأُخْدُود: شقّ فِي الأَرْض أخرجه عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
فَتَنُوا: عَذَّبُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١) وَفَسرهُ بقوله: عذبُوا. والفتنة جَاءَت لمعانٍ مِنْهَا: الْعَذَاب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم هم على النَّار يفتنون} (الذاريات: ٣١) أَي: يُعَذبُونَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الوَدُودِ الحَبِيبُ المَجِيدُ الكَرِيمُ} (البروج: ٤١)
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله
تَعَالَى: {وَهُوَ الغفور الْوَدُود} وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: تَعَالَى: {الغفور الْوَدُود الحبيب} (البروج: ٤١) وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
٦٨ - (سُورَةُ: {الطَّارِقِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطارق، وَفِي بعض النّسخ الطارق، بِلَا لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَسبع عشرَة آيَة نزلت فِي أبي طَالب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاتحفه بِلَبن وخبز، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس يَأْكُل إِذا انحط نجم فَامْتَلَأَ مَاء ثمَّ نَارا، فَفَزعَ أَبُو طَالب، وَقَالَ: أَي شَيْء هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا نجم رمي بِهِ وَهُوَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى، فتعجب أَبُو طَالب، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالسَّمَاء والطارق} (الطارق: ١) يَعْنِي: النَّجْم يظْهر لَيْلًا وَيخْفى نَهَارا، وكل مَا جَاءَ لَيْلًا فقد طرق.
هُوَ النَّجْمُ: وَمَا أتَاكَ لَيْلاً فَهُوَ طَارِقٌ
أَي: الطارق هُوَ النَّجْم قَوْله: (وَمَا أَتَاك) ، أَي الَّذِي أَتَاك فِي اللَّيْل يُسمى طَارِقًا من الطّرق، وَهُوَ الدق، وَسمي بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَى دق الْبَاب، هَذَا للنسفي.
{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} (الطارق: ٣) المُضِيءُ
هَذَا أَيْضا للنسفي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الثَّاقِبُ الَّذِي يَتَوَهَّجُ
ثَبت هَذَا لأبي نعيم عَن الْجِرْجَانِيّ عَن السّديّ: الَّذِي يرْمى بِهِ، وَقيل: الثاقب الثريا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {ذَاتِ الرَّجْعِ} سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ {ذَاتِ الصَّدْعِ} الأرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنباتِ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّمَاء ذَات الرجع وَالْأَرْض ذَات الصدع} (الطارق: ١١، ٢١) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَيُقَال: يرجع بالغيث، وأرزاق الْعباد كل عَام، وَلَوْلَا ذَلِك لهلكوا وَهَلَكت مَوَاشِيهمْ، وَعَن ابْن عَبَّاس: {وَالسَّمَاء ذَات الرجع} (الطارق: ١١) ذَات الْمَطَر {وَالْأَرْض ذَات الصدع} (الطارق: ٢١) النَّبَات وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار والأنهار.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَقَوْل فَصْلٌ لَحق
هَذَا للنسفي وَحده، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: حق وجد وجزل يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل.
{لَمَّا عَلَيْها حَافِظٌ} (الطارق: ٤) إلَاّ عَلَيْهَا حَافِظٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ} وَفَسرهُ بقوله: (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) ، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح. لَكِن أنكرهُ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ: لم نسْمع لقَوْل: لما بِمَعْنى: إلَاّ شَاهدا فِي كَلَام الْعَرَب وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ: لما بتَشْديد الْمِيم على أَن تكون نَافِيَة. وَتَكون: لما بِمَعْنى إلاّ وَهِي لُغَة هُذَيْل يَقُولُونَ: نشدتك الله لما قُمْت يعنون إلاّ قُمْت، وَالْمعْنَى: مَا نفس (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) من رَبهَا، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ جعلُوا: مَا صلَة وَأَن مُخَفّفَة من المثقلة أَي: إِن كل نفس لعليها حَافظ من رَبهَا يحفظ عَلَيْهَا ويحصي عَلَيْهَا مَا تكسبه من خير أَو شَرّ. قلت: فِي كَلَامه رد على إِنْكَار أبي عُبَيْدَة فِي مَجِيء شَاهد: للما بِمَعْنى: إلَاّ.
٧٨ - (سُورَةُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} (الْأَعْلَى: ١) وَيُقَال لَهَا سُورَة الْأَعْلَى، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وتسع عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ: {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عَليّ وَأبي مُوسَى وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَأخرج سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير: سَمِعت ابْن عمر يقْرَأ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى الَّذِي خلق فسوى. وَهِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: {قَدَّرَ فَهَدَى} (الْأَعْلَى: ٣) قَدَّرَ للإنْسَانِ الشقاءَ والسَّعادَةَ وَهَدَى الأنْعَامَ لِمَرَاتِعها
هَذَا للنسفي، وَالْمعْنَى ظَاهر.
١ - (بَابَ: {وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {غُناءَ أحْوَى} (الْأَعْلَى: ٥) غَشِيما مُتَغَيِّرا} )
هَذَا أَيْضا للنسفي، وَيُقَال: أَي بِالْيَاءِ أحوى: أَي اسود إِذا هاج وعنق.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢ - بَاب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ؛ أَيِ الْخِطَابُ لَهُ، وَهُوَ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْأَعْمَشُ وَالْأَخَوَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ؛ يَعْنِي: نَبِيَّكُمْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ عَنْ هُشَيْمٍ، وَزَادَ: يَعْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ، وَرَجَّحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ لِسِيَاقِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ يَعْنِي: حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَسْرُوقٍ قَالَ: السَّمَاوَاتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ. وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ السَّمَاءَ تَصِيرُ مَرَّةً كَالدِّهَانِ، وَمَرَّةً تُشَقَّقُ ثُمَّ تَحْمَرُّ ثُمَّ تَنْفَطِرُ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ، وَأَصْلُ الطَّبَقِ الشِّدَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَقَعُ مِنَ الشَّدَائِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالطَّبَقُ مَا طَابَقَ غَيْرَهُ، يُقَالُ: مَا هَذَا بِطَبَقِ كَذَا؛ أَيْ: لَا يُطَابِقُهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ؛ أَيْ حَالَ مُطَابَقَةٍ لِلَّتِي قَبْلَهَا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ هُوَ جَمْعُ طَبَقَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ، أَيْ هِيَ طَبَقَاتٌ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ مُنْذُ يَكُونُ جَنِينًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَقْصَى الْعُمُرِ، فَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ جَنِينٌ، ثُمَّ إِذَا وُلِدَ صَبِيٌّ، فَإِذَا فُطِمَ غُلَامٌ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا يَافِعٌ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا حَزَوَّرٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ قُمُدٌّ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَنَطْنَطٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ صُمُلٌّ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ كَهْلٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ شَيْخٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ هِمٌّ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ فَانٍ.
٨٥ - سُورَةُ (الْبُرُوجِ)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأُخْدُودُ؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ. فَتَنُوا: عَذَّبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَدُودُ؛ الْحَبِيبُ. الْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْبُرُوجِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرَ الْفُرْقَانِ تَفْسِيرُ الْبُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: شَقٌّ بِنَجْرَانَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ مُطَوَّلَةً، وَفِيهِ قِصَّةُ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنَ السَّاحِرِ، فَمَرَّ بِالرَّاهِبِ فَتَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، فَأَرَادَ الْمَلِكُ قَتْلَ الْغُلَامِ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تَقُولَ إِذَا رَمَيْتَنِي: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَخَدَّ لَهُمُ الْمَلِكُ الْأَخَادِيدَ فِي السِّكَكِ وَأَضْرَمَ فِيهَا النِّيرَانَ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِ. وَفِيهِ قِصَّةُ الصَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ: اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. صَرَّحَ بِرَفْعِ الْقِصَّةِ بِطُولِهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَوَقَفَهَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ فِي آخِرِهِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ - إِلَى - ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(العَرْضُ يُعْرَضُونَ) بأن تعرضَ عليه أعماله فيعرفُ الطَّاعة والمعصية، ثمَّ يثابُ على الطَّاعة ويتجاوزُ عن المعصيةِ، ولا يطالبُ بالعُذر فيه (وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بضم النون وكسر القاف مبنيًّا للمفعول، و «الحسابَ» نصب بنزعِ الخافض، أي: من استقصَى أمرهُ في الحسابِ (هَلَكَ) بالعذابِ في النَّار، أو أنَّ نفسَ عرضِ الذُّنوب والتَّوقيف على قبيحِ ما سلفَ والتَّوبيخ عذابٌ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٧].
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٦]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أصلُه: لتركبوننَّ (١)، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء السَّاكنين، وفتح الباء ابنُ كثيرٍ وحمزة والكِسائيُّ خطابًا للواحِد، والباقون بضمِّها خطابًا للجمعِ، وسقط لفظ «باب» وما بعده لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابنُ بشيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (٣)، ابن أبي وحشيَّة (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر، أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾) بضم الموحدة، وفي «اليونينية» بفتحها (٤) (﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أي: (حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ:
هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ) يعني يكونُ لك (١) الظَّفر والغَلبة على المشركين حتَّى يُختَم لك بجميلِ العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهِم، وقيل: سماءً بعد سماءٍ، كما وقع في الإسراءِ، والمعنى على الجمعِ: لتركبنَّ أيُّها النَّاس حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ، وذلك في موقفِ القيامةِ. أو الشَّدائدُ والأهوالُ الموتُ ثمَّ البعثُ ثمَّ العرضُ، أو حال الإنسان حالًا بعد حال؛ رضيعٌ، ثمَّ فطيمٌ، ثمَّ غلامٌ، ثمَّ شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ.
(((٨٥))) (سورة البُرُوجِ) مكِّيَّة، وآيُها اثنتان وعشرون، وسقط لغير أبي ذرٍّ «سورة».
(قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢): «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيمَا رواهُ عبدُ بنُ حميدٍ في قولهِ: (﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) هو (شَقٌّ فِي الأَرْضِ) وقال غيرهُ: المستطيلُ في الأرضِ. وروى مسلمٌ عن صهيبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ فيمَن كان قبلكُم مَلِكٌ، وكان لهُ ساحرٌ، فلمَّا كبِر قال للملكِ: إنِّي قد كَبرت، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمه السِّحر، فبعث إليهِ غلامًا يعلِّمه، وكانَ (٣) في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعدَ إليه وسمعَ كلامَه فأعجبَه، فكان إذا أتَى السَّاحر مرَّ بالرَّاهبِ وقعد إليهِ، فإذا أتى السَّاحر ضربَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال لهُ (٤): إذا خشيتَ السَّاحر فقُل: حبسنِي أهلِي، وإذا خشيتَ أهلكَ فقلْ: حبَسني السَّاحر، فبينما هو كذلكَ إذ أتَى على النَّاس دابةٌ عظيمةٌ قد حبَست النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ آلسَّاحر أفضلُ أم الرَّاهبُ أفضلُ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهمَّ إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ
إليك من أمرِ (١) السَّاحر فاقتُل هذه الدَّابة حتَّى يمضي النَّاس، فرماهَا فقتَلها، ومضَى النَّاسُ فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغَ من أمركَ ما أرَى، وإنَّك ستُبتلى، فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ، وكان الغُلام يبرئُ الأكمَه والأبرصَ، ويُداوي النَّاس من (٢) سائرِ الأدواءِ، فسمع جليسٌ للملكِ (٣) كان قد عميَ فأتاه بهدايَا كثيرةٍ، فقال: ما ههنا لكَ أجمعُ إن أنتَ شفيتَني. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله ﷿، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاكَ، فآمنَ باللهِ فشفاهُ الله، فأتى الملِك فجلسَ إليهِ كما كان يجلسُ، فقال لهُ الملك: من ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقال: ربِّي. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: اللهُ ربِّي وربُّك، فأخذهُ فلم يزل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلامِ فقال له الملك: أي بنيَّ، قد بلغَ من سحركَ ما تُبرئ الأكمَه والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله، فأخذهُ فلم يزَل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الرَّاهب، فجيءَ بالرَّاهب فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فدعا (٤) بالمنشارِ فوضعَ المنشارَ في مَفْرِقِ رأسهِ فشقَّه بهِ (٥) حتَّى وقعَ شقَّاه، ثمَّ جيءَ بجليسِ الملك فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فوضعَ المنشارَ في مَفْرقِ رأسهِ فشقَّه حتَّى وقع شقَّاه، ثمَّ جيءَ بالغلامِ فقيل لهُ: ارجعْ عن دينكَ فأبَى، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا فاصعدوا بهِ الجبلَ، فإذا بلغتُم بهِ ذُروته فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاطرحوهُ، فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهِم بما شئتَ، فرجفَ بهم الجبَلُ فسقطوا، وجاءَ يمشِي إلى الملكِ، فقال لهُ الملِكُ: ما فعلَ أصحابُك؟ قال: كفانيهُم الله، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قُرْقُورٍ
فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاقذِفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكفنيِهم بما شئتَ، فانكفأتْ بهمُ السَّفينة فغرقُوا، وجاءَ يمشي إلى الملكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابكَ؟ فقال: كفانيهُم الله، فقال للملكِ: إنَّك (١) لستَ بقاتِلي حتَّى تفعلَ ما آمرك بهِ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبُني على جذعٍ، ثمَّ خُذ سهمًا من كِنانتي ثمَّ ضعِ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قلْ: بسمِ الله ربِّ هذا (٢) الغُلام ثمَّ ارمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَني، فجمعَ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فصلبهُ على جذعٍ، ثمَّ أخذَ سهمًا من كنانته، ثمَّ وضعَ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قال: بسمِ اللهِ ربِّ هذا الغُلام (٣) ثمَّ رماهُ فوقَع السَّهم في صدغِه، فوضعَ يدهُ في صدغهِ موضَع السَّهم فمات، فقال النَّاس: آمنَّا بربِّ الغُلام، آمنَّا بربِ الغُلام (٤) فأُتيَ الملِكُ فقيل لهُ: أرأيتَ ما كنتَ تحذره؟ قد واللهِ نزلَ بكَ حذرُك، قد (٥) آمن النَّاس، فأمرَ بالأخدودِ بأفواهِ السِّكك فخُدَّت وأضرَم النِّيران، وقال: مَن لم يرجعْ عن دينهِ فأقحموهُ فيها، أو قيل لهُ: اقتحِمْ، ففعلوا حتَّى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعَستْ أن تقعَ فيها، فقال لها الغُلام: يا أُمَّهْ، اصْبِري فإنَّك على الحقِّ».
(﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]) أي: (عَذَّبُوا) قالَه مجاهدٌ فيمَا وصله الفِريابيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]) هو (الحَبِيْبُ) المتوِّدد إلى أوليائهِ بالكرامَة.
(﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]) أي: (الكَرِيمُ) وقول ابنِ عبَّاس هذا ساقطٌ في الفَرْع كأصلهِ، ثابتٌ في روايةِ النَّسفيِّ وحده.
(((٨٦))) (سورة الطَّارِقِ) ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وهي مكِّيَّة، وآيُها سبع عشرة (١).
(هُوَ) أي: الطَّارق (النَّجْمُ، وَمَا أتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ولا يسمَّى ذلك بالنَّهار، فسُمِّي به النَّجم لظهورهِ ليلًا.
(﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]) هو (المُضِيءُ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ وحدَه، ساقطٌ (٢) في (٣) الفَرْع كأصلهِ (٤).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ): أي: فيمَا وصلَه الفِريابيُّ (﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]) هي (سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ) ولأبي ذرٍّ: «تَرجع» بالفوقية بدل التحتية، وعلى هذا يجوزُ أن يرادَ بالسَّماء السَّحاب.
(﴿ذَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وذات (٥)» (﴿الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢]) هي الأرضُ (٦) (تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) والعيون.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]) أي: (لَحَقٌّ) وجِدٌّ يفصلُ بين الحقِّ والباطلِ.
(﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]) أي: (إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وهذا (٧) التَّفسير على تشديدِ ميم ﴿لَّمَّا﴾ وهي قراءة عاصمٍ وابنِ عامرٍ وحَمزة، و ﴿إِن﴾ نافيةٌ، وثبتَ قوله: (وقالَ ابنُ عبَّاسٍ … ) إلى آخره للنَّسفيِّ وحدَه، وسقط من الفَرْع كأصلهِ (٨).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعبد الله بن أبي مليكَة روى هُنَا عَن عَائِشَة بالواسطة وَفِي الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلين بِلَا وَاسِطَة، وَيحمل هَذَا على أَن ابْن أبي مليكَة حمله عَن الْقَاسِم ثمَّ سَمعه عَن عَائِشَة، وسَمعه أَولا من عَائِشَة ثمَّ استثبت الْقَاسِم، إِذْ فِي رِوَايَته زِيَادَة لَيست عِنْده، وَبِهَذَا يُجَاب عَن اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث لهَذَا الِاخْتِلَاف، وَعَما قَالَه الجياني: سقط من نُسْخَة أبي زيد من السَّنَد الأول ذكر ابْن أبي مليكَة وَلَا بُد مِنْهُ، ذكر ذَلِك الْقَابِسِيّ وعبدوس عَن شيخهما أبي زيد وَمِمَّا ذكره أَبُو إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي وَابْن الْهَيْثَم عَن الفريري، فِي السَّنَد الثَّانِي، ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة وَهُوَ وهم، وَالْمَحْفُوظ فِيهِ أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة لَيْسَ فِيهِ الْقَاسِم، وَأَيْضًا فَأن يحيى الْقطَّان وَعبد الله بن الْمُبَارك روياه عَن حَاتِم عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وهما زادا فِيهِ وهما حَافِظَانِ ثقتان، وَزِيَادَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. فَإِن قلت: روى أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن مَنْصُور الطَّبَرِيّ فِي (السّنَن) تأليفه بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. قَالَت: لَا يُحَاسب رجل يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ دخل الْجنَّة. قَالَ الله عز وَجل: {فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا} (الانشقاق: ٧، ٨) يقْرَأ عَلَيْهِ عمله فَإِذا عرفه غفر لَهُ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: {فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان} (الرَّحْمَن: ٩٣) وَأما الْكَافِر فَقَالَ: {يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيَأْخُذ بالنواصي والإقدام} (الرَّحْمَن: ١٤) قلت: أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا وَإِن كَانَ إِسْنَاده صَحِيحا فَلَا يُقَاوم مَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) ، وَمن شَرط الْمُعَارضَة التَّسَاوِي فِي الصِّحَّة وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَإِن عَائِشَة قد خالفها غَيرهَا فِي ذَلِك للآيات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك. فَإِن قلت: إِن الْحساب يُرَاد بِهِ الثَّوَاب وَالْجَزَاء، وَلَا ثَوَاب للْكَافِرِ فيجازى عَلَيْهِ بِحِسَابِهِ، وَلِأَن المحاسب لَهُ هُوَ الله تَعَالَى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة} (الْبَقَرَة: ٤٧١) قلت: أجَاب عَن ذَلِك مُحَمَّد بن جرير بِأَن معنى لَا يكلمهم الله. أَي: بِكَلَام يحبونه، وإلَاّ فقد قَالَ عز وَجل: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٨٠١) قَوْله: (ذَاك الْعرض) ، هُوَ الإبداء والإبراز وَقيل: هُوَ أَن يعرف ذنُوبه لم يتَجَاوَز عَنهُ، وَحَقِيقَة الْعرض إدارك الشَّيْء بالحواس ليعلم غَايَته وحاله. قَوْله: (وَمن نُوقِشَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من المناقشة وَهِي الِاسْتِقْصَاء فِي الْأَمر. قَوْله: (الْحساب) مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض.
٢ - (بَابُ: {لتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ} (الانشقاق: ٩١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لتركبن طبقًا عَن طبق} وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح التَّاء وَالْبَاء وَهُوَ خطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْنَاهُ الْآخِرَة بعد الأولى وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَابْن عَبَّاس بِفَتْح التَّاء وَضم الْبَاء وَهُوَ خطاب لجَمِيع النَّاس، وَمَعْنَاهُ: حَالا بعد حَال، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء، وَقَرَأَ أَبُو المتَوَكل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَرفع الْبَاء.
٠٤٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ النَّضْرِ أخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أخْبَرَنَا أبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بنُ إيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ} حَالا بَعْدَ حَالٍ قَالَ هاذا نَبِيُّكُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن النَّضر بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة الْبَغْدَادِيّ مر فِي أول التَّيَمُّم، وهشيم بِضَم الْهَاء ابْن بشر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة. والحدي من أَفْرَاده.
قَوْله: (حَالا بعد حَال) ، أَي: حَال مُطَابقَة للشَّيْء قبلهَا فِي الشدَّة، وَقيل: الطَّبَق جمع طبقَة وَهِي الْمرتبَة أَي: هِيَ طَبَقَات بَعْضهَا أَشد من بعض، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي معنى الْآيَة. فَقَالَ أَكْثَرهم حَالا بعد حَال، وأمرا بعد أَمر، وَهُوَ مَوَاقِف الْقِيَامَة وَعَن الْكَلْبِيّ: مرّة يعْرفُونَ وَمرَّة يجهلون، وَعَن مقَاتل يَعْنِي الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة ثمَّ الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة. وَعَن عَطاء: مرّة فقر أَو مرّة غناء، وَعَن ابْن عَبَّاس: الشدائد والأهوال، الْمَوْت ثمَّ الْبَعْث ثمَّ الْعرض؟ وَالْعرب تَقول لمن وَقع فِي أَمر شَدِيد: وَقع فِي ثبات طبق وَفِي إِحْدَى ثبات طبق، وَعَن أبي عُبَيْدَة سنَن من كَانَ قبلهم وأحوالهم، وَعَن عِكْرِمَة: حَالا بعد حَال رَضِيع ثمَّ فطيم ثمَّ غُلَام ثمَّ شَاب ثمَّ شيخ.
وَقلت الْحُكَمَاء يَشْمَل الْإِنْسَان كَونه نُطْفَة إِلَى أَن يَمُوت على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ حَالا وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ اسْما، نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ عظاما ثمَّ خلقا آخر ثمَّ جَنِينا
ثمَّ وليدا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطيما ثمَّ يافعا ثمَّ نَاسِيا ثمَّ مترعرعا ثمَّ حزورا ثمَّ مراهقا ثمَّ محتلما ثمَّ بَالغا ثمَّ أَمْرَد ثمَّ طارا ثمَّ باقلاً ثمَّ مستطرا ثمَّ مطرخما ثمَّ مخلطا ثمَّ صملاً ثمَّ ملتحيا ثمَّ مستويا ثمَّ مصعدا ثمَّ مجتمعا. والشاب يجمع ذَلِك كُله. ثمَّ ملهوزا ثمَّ كهلاً ثمَّ أشمط ثمَّ أشيخا ثمَّ شَبَّبَ ثمَّ حوقلاً ثمَّ صفتاتا ثمَّ هما ثمَّ هرما ثمَّ مَيتا. فَهَذَا معنى قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) والطبق فِي اللُّغَة الْحَال قَالَه الثَّعْلَبِيّ.
قلت: ثمَّ يافعا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع فَهُوَ يافع، وَالْقِيَاس موفع وَهُوَ من النَّوَادِر، كَذَا قَالَه أهل الْعَرَبيَّة. وَقيل: جَاءَ يفع الْغُلَام فعلى هَذَا يافع على الأَصْل، وَذكر فِي كتاب (خلق الْإِنْسَان) وَقَالَ بَعضهم: اليافع والحزور والمترعرع وَاحِد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحزور الْغُلَام إِذا اشْتَدَّ وَقَوي وحزم، وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْحَزْوَرَة وَهِي كل صَغِير، والمترعرع. قَالَ الْجَوْهَرِي: ترعرع الصَّبِي أَي: تحرّك وَنَشَأ، والطارّ بتَشْديد الرَّاء من طر شَارِب الْغُلَام إِذا نبت والمطرخم بتَشْديد الْمِيم الَّتِي فِي آخِره من اطرخمَّ أَي: شمخ بِأَنْفِهِ وتعظم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شَاب مطرخم أَي: حسن تَامّ، والمخلط بِكَسْر الْمِيم الرجل الَّذِي يخالط الْأُمُور، والصمل بِضَم الصَّاد وَالْمِيم وَتَشْديد اللَّام أَي: شَدِيد الْخلق، والملهوز، بالزاي فِي آخِره من لهزت الْقَوْم أَي: خالطتهم، وَالْوَاو فِيهِ زَائِدَة، والحوقل من حوقل الشَّيْخ حوقلة وحقيالاً إِذا كبر وفتر عَن الْجِمَاع، والصفتات، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبتاءين مثناتين بَينهمَا ألف: الرجل الْقوي وَكَذَلِكَ الصفتيت، وَفِي الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة أسامي لم تذكر، وَهِي شرخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بعد أَن يُقَال غُلَام ثمَّ بعد ذَلِك يُسمى جفرا بِالْجِيم والجحوش بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الْحَاء الْمُهْملَة المضمومة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة بعد أَن يُقَال فطيم، وناشىء يُقَال بعد كَونه شَابًّا ومحمم إِذا اسود شعر وَجهه وَأخذ بعضه بَعْضًا، وصتم إِذا بلغ أقْصَى الكهولة، وعانس إِذا قعد بعد بُلُوغ النِّكَاح أعواما لَا ينْكح، وشميط وأشمط يُقَال لَهُ بعد مَا شَاب، ومسن ونهشل يُقَال إِذا ارْتَفع عَن الشيخوخة وَإِذا ارْتَفع عَن ذَلِك، يُقَال: فخم وَإِذا تضعضع لَحْمه يُقَال: متلحم، وَإِذا قَارب الخطو وَضعف يُقَال لَهُ دالف، وَإِذا ضمر وانحنى يُقَال لَهُ عشمة وعشبة، وَإِذا بلغ أقْصَى ذَلِك، يُقَال لَهُ: هرم وهم وَإِذا أَكثر الْكَلَام وَاخْتَلَطَ يُقَال لَهُ: مهتر، وَإِذا ذهب عقله يُقَال لَهُ خرف.
وَقَالَ بَعضهم: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، فَإِذا وَلدته يُسمى صَبيا مَا دَامَ رضيعا فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يصير يافعا إِلَى عشر حجج ثمَّ يصير حزورا إِلَى خمس عشرَة سنة ثمَّ يصير قمدا إِلَى خمس وَعشْرين سنة ثمَّ يصير عنطنا إِلَى ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ يصير صملاً إِلَى أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ يصير كهلاً إِلَى خمسين سنة ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة ثمَّ يصير هما بعد ذَلِك فانيا كَبِيرا.
قَوْله: (هَذَا نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: الْخطاب فِي التركين للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ على قِرَاءَة فتح الْبَاء الْمُوَحدَة فَافْهَم.
٥٨ - (سُورَةُ {البُرُوجِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة البروج، وَفِي بعض النّسخ: البروج، بِدُونِ لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وتسع كَلِمَات وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ آيَة، والبروج الاثنا عشر وَهِي قُصُور السَّمَاء على التَّشْبِيه، وَقيل: البروج النُّجُوم الَّتِي هِيَ منَازِل الْقَمَر، وَقيل: عِظَام الْكَوَاكِب، وَقيل: أَبْوَاب السَّمَاء.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الأخْدُودُ شَقٌّ فِي الأرْضِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى؛ {قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود} (البروج: ٤) قَالَ الْأُخْدُود: شقّ فِي الأَرْض أخرجه عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
فَتَنُوا: عَذَّبُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١) وَفَسرهُ بقوله: عذبُوا. والفتنة جَاءَت لمعانٍ مِنْهَا: الْعَذَاب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم هم على النَّار يفتنون} (الذاريات: ٣١) أَي: يُعَذبُونَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الوَدُودِ الحَبِيبُ المَجِيدُ الكَرِيمُ} (البروج: ٤١)
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله
تَعَالَى: {وَهُوَ الغفور الْوَدُود} وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: تَعَالَى: {الغفور الْوَدُود الحبيب} (البروج: ٤١) وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
٦٨ - (سُورَةُ: {الطَّارِقِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطارق، وَفِي بعض النّسخ الطارق، بِلَا لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَسبع عشرَة آيَة نزلت فِي أبي طَالب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاتحفه بِلَبن وخبز، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس يَأْكُل إِذا انحط نجم فَامْتَلَأَ مَاء ثمَّ نَارا، فَفَزعَ أَبُو طَالب، وَقَالَ: أَي شَيْء هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا نجم رمي بِهِ وَهُوَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى، فتعجب أَبُو طَالب، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَالسَّمَاء والطارق} (الطارق: ١) يَعْنِي: النَّجْم يظْهر لَيْلًا وَيخْفى نَهَارا، وكل مَا جَاءَ لَيْلًا فقد طرق.
هُوَ النَّجْمُ: وَمَا أتَاكَ لَيْلاً فَهُوَ طَارِقٌ
أَي: الطارق هُوَ النَّجْم قَوْله: (وَمَا أَتَاك) ، أَي الَّذِي أَتَاك فِي اللَّيْل يُسمى طَارِقًا من الطّرق، وَهُوَ الدق، وَسمي بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَى دق الْبَاب، هَذَا للنسفي.
{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} (الطارق: ٣) المُضِيءُ
هَذَا أَيْضا للنسفي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الثَّاقِبُ الَّذِي يَتَوَهَّجُ
ثَبت هَذَا لأبي نعيم عَن الْجِرْجَانِيّ عَن السّديّ: الَّذِي يرْمى بِهِ، وَقيل: الثاقب الثريا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {ذَاتِ الرَّجْعِ} سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ {ذَاتِ الصَّدْعِ} الأرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنباتِ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّمَاء ذَات الرجع وَالْأَرْض ذَات الصدع} (الطارق: ١١، ٢١) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَيُقَال: يرجع بالغيث، وأرزاق الْعباد كل عَام، وَلَوْلَا ذَلِك لهلكوا وَهَلَكت مَوَاشِيهمْ، وَعَن ابْن عَبَّاس: {وَالسَّمَاء ذَات الرجع} (الطارق: ١١) ذَات الْمَطَر {وَالْأَرْض ذَات الصدع} (الطارق: ٢١) النَّبَات وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار والأنهار.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَقَوْل فَصْلٌ لَحق
هَذَا للنسفي وَحده، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: حق وجد وجزل يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل.
{لَمَّا عَلَيْها حَافِظٌ} (الطارق: ٤) إلَاّ عَلَيْهَا حَافِظٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ} وَفَسرهُ بقوله: (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) ، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح. لَكِن أنكرهُ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ: لم نسْمع لقَوْل: لما بِمَعْنى: إلَاّ شَاهدا فِي كَلَام الْعَرَب وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ: لما بتَشْديد الْمِيم على أَن تكون نَافِيَة. وَتَكون: لما بِمَعْنى إلاّ وَهِي لُغَة هُذَيْل يَقُولُونَ: نشدتك الله لما قُمْت يعنون إلاّ قُمْت، وَالْمعْنَى: مَا نفس (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) من رَبهَا، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ جعلُوا: مَا صلَة وَأَن مُخَفّفَة من المثقلة أَي: إِن كل نفس لعليها حَافظ من رَبهَا يحفظ عَلَيْهَا ويحصي عَلَيْهَا مَا تكسبه من خير أَو شَرّ. قلت: فِي كَلَامه رد على إِنْكَار أبي عُبَيْدَة فِي مَجِيء شَاهد: للما بِمَعْنى: إلَاّ.
٧٨ - (سُورَةُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} (الْأَعْلَى: ١) وَيُقَال لَهَا سُورَة الْأَعْلَى، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وتسع عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ: {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عَليّ وَأبي مُوسَى وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله عَنْهُم، أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَأخرج سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير: سَمِعت ابْن عمر يقْرَأ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى الَّذِي خلق فسوى. وَهِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: {قَدَّرَ فَهَدَى} (الْأَعْلَى: ٣) قَدَّرَ للإنْسَانِ الشقاءَ والسَّعادَةَ وَهَدَى الأنْعَامَ لِمَرَاتِعها
هَذَا للنسفي، وَالْمعْنَى ظَاهر.
١ - (بَابَ: {وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {غُناءَ أحْوَى} (الْأَعْلَى: ٥) غَشِيما مُتَغَيِّرا} )
هَذَا أَيْضا للنسفي، وَيُقَال: أَي بِالْيَاءِ أحوى: أَي اسود إِذا هاج وعنق.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56