«صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4920

الحديث رقم 4920 من كتاب «سورة نوح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب…

«صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَُدٌّ: كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ: كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ: فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ: فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ: فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ: أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ».

﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لِبَدًا﴾ أَعْوَانًا.

سند حديث: ٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب…

يفسر ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية الكريمة بأن هذه الآلهة التي ذكر الله تعالى أن قوم نوح تواصوا بالاستمرار على عبادتها بعدما نهاهم نبيهم نوح -عليه السلام- عن الشرك بالله- أنها في الأصل أسماء رجال صالحين منهم، غلوا فيهم بتسويل الشيطان لهم حتى نصبوا صورهم، فآل الأمر بهذه الصور إلى أن صارت أصناماً تعبد من دون الله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الغلو في الصالحين سببٌ لعبادتهم من دون الله وترك الدين بالكلية.
  • التحذير من التصوير وتعليق الصور، لا سيما صور العظماء.
  • التحذير من مكر الشيطان وعرضه الباطل في صورة الحق.
  • التحذير من البدع والمحدثات ولو حسُن قصد فاعلها.
  • أن التصوير من الوسائل إلى الشرك فيجب الحذر من تصوير ذوات الأرواح.
  • معرفة قدر وجود العلم ومضرة فقده.
  • أن سبب فقد العلم هو موت العلماء.
  • التحذير من التقليد، وأنه قد يؤول بأهله إلى المروق من الإسلام.
  • قدم الشرك في الأمم السابقة.
  • أن هذه الأسماء الخمسة المذكورات من معبودات قوم نوح.
  • بيان تكاتف وتعاون أهل الباطل على باطلهم.
  • جواز الدعاء على الكفار على سبيل العموم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَارًا: عَظَمَةً) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، الْبُطَيْنِ عنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قَالَ: مَا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّ عَظَمَتِهِ.

١ - بَاب: وَدًّا وَلَا سُواعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عن ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ) كَذَا فِيهِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: أَوْثَانٌ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ يَعْبُدُونَهُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قِيلَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ عَطَاءً الْمَذْكُورَ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعِ التَّفْسِيرَ مِنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ ابْنِهِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ فَنَظَرَ فِيهِ. وَذَكَرَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى الْقَطَّانَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فَقَالَ: ضَعِيفٌ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ أَخْبَرَنَا. قَالَ: لَا شَيْءَ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابٌ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، انْتَهَى. وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَسْتَجِيزُ إِطْلَاقَ أَخْبَرَنَا فِي الْمُنَاوَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أُخْبِرْتُ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَطَالَ عَلَى الْوَرَّاقِ أَنْ يَكْتُبَ الْخُرَاسَانِيَّ في كُلَّ حَدِيثٍ فَتَرَكَهُ، فَرَوَاهُ مَنْ رَوَى عَلَى أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، انْتَهَى. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ التَّفْسِيرِ مِنَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَالَ: اعْفِنِي مِنْ هَذَا.

قَالَ: قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ بَعْدُ إِذَا قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ. قَالَ هِشَامٌ: فَكَتَبْنَا ثُمَّ مَلِلْنَا؛ يَعْنِي: كَتَبْنَا الْخُرَاسَانِيَّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: وَإِنَّمَا بَيَّنْتُ هَذَا لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ كَانَ يَجْعَلُهَا - يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُظَنُّ أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَقُلِ الْخُرَاسَانِيَّ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ: الْخُرَاسَانِيُّ. وَهَذَا مِمَّا اسْتُعْظِمَ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، لَكِنَّ الَّذِي قَوِيَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ جَمِيعًا؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ امْتِنَاعِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنَ التَّحْدِيثِ بِالتَّفْسِيرِ أَنْ لَا يُحَدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي

بَابٍ آخَرَ مِنَ الْأَبْوَابِ أَوْ فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيِّ ذَلِكَ مَعَ تَشَدُّدِهِ فِي شَرْطِ الِاتِّصَالِ وَاعْتِمَادِهِ غَالِبًا فِي الْعِلَلِ عَلَى عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِهِ وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْضِعَيْنِ هَذَا وَآخَرَ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ لَاسْتَكْثَرَ مِنْ إِخْرَاجِهَا لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: كَانَتْ آلِهَةٌ تَعْبُدُهَا قَوْمُ نُوحٍ ثُمَّ عَبَدَتْهَا الْعَرَبُ بَعْدُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مَجُوسًا وَأَنَّهَا غَرِقَتْ فِي الطُّوفَانِ، فَلَمَّا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا أَخْرَجَهَا إِبْلِيسُ فَبَثَّهَا فِي الْأَرْضِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: كَانُوا مَجُوسًا؛ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَلِمَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ الْفُرْسُ يَدَّعُونَ خِلَافَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ يَغُوثَ هُوَ ابْنُ شِيثَ بْنِ آدَمَ فِيمَا قِيلَ، وَكَذَلِكَ سُوَاعٌ وَمَا بَعْدَهُ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِدُعَائِهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مَثَّلُوا صُورَتَهُ وتَمَسَّحُوا بِهَا إِلَى زَمَنِ مَهْلَائِيلَ فَعَبَدُوهَا بِتَدْرِيجِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً فِي الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ سَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ؟ مِنْ قِبَلِ الْهِنْدِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا الْمَبْدَأَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ نُوحٍ؟ أَمِ الشَّيْطَانُ أَلْهَمَ الْعَرَبَ ذَلِكَ؟ انْتَهَى.

وَمَا ذُكِرَه مِمَّا نَقَلَهُ تَلَقَّاهُ مِنْ تَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ (١)، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي ذَيْلِهِ، وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَقَعَتْ إِلَى الْهِنْدِ فَسَمَّوْا بِهَا أَصْنَامَهُمْ ثُمَّ أَدْخَلَهَا إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَادَ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كَانَ لِآدَمَ خَمْسُ بَنِينَ فَسَمَّاهُمْ، قَالَ: وَكَانُوا عُبَّادًا، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَصَوَّرَهُ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَفِيهَا: فَعَبَدُوهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِي صَوَّرَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ لِعَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَجِبْ أَبَا ثُمَامَةَ، وَادْخُلْ بِلَا مَلَامَةَ، ثُمَّ ائْتِ سَيْفَ جُدَّةٍ، تَجِدْ بِهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً، ثُمَّ أَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ، ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ. قَالَ: فَأَتَى عَمْرٌو سَاحِلَ جُدَّةَ فَوَجَدَ بِهَا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَهِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي عُبِدَتْ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ ثُمَّ إِنَّ الطُّوفَانَ طَرَحَهَا هُنَاكَ فَسَفَى عَلَيْهَا الرَّمْلُ، فَاسْتَثَارَهَا عَمْرٌو وَخَرَجَ بِهَا إِلَى تِهَامَةَ، وَحَضَرَ الْمَوْسِمَ فَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا فَأُجِيبَ، وَعَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ لِكَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ قُضَاعَةَ.

قُلْتُ: وَبَرَةُ هُوَ ابْنُ تَغْلِبَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَدُومَةُ بِضَمِّ الدَّالِ، والْجَنْدَلِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ مَدِينَةٌ مِنْ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، وَوَدٌّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقَرَأَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ بِضَمِّهَا. (وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ) زَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ، بْنُ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ؛ وَكَانُوا بِقُرْبِ مَكَّةَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ سُوَاعٌ بِمَكَانٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: رُهَاطٌ؛ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ، مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ السَّاحِلِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَكَانَتْ لِبَنِي غُطَيْفِ بْنِ مُرَادٍ، وَهُوَ غُطَيْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَتْ أَنْعَمَ مِنْ طَيِّئٍ وَجُرَشُ بْنُ مَذْحِجٍ اتَّخَذُوا يَغُوثَ لِجُرَشٍ.

قَوْلُهُ: (بِالْجُرُفِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَلَهُ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْجُرُفَ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ. وَلِلنَّسَفِيِّ: بِالْجَوْنِ؛ بِجِيمٍ ثُمَّ وَاوٍ ثُمَّ نُونٍ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: عِنْدَ سَبَأٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] يَتْبَعُ بَعْضُهَا) ولأبي ذرٍّ: «بعضه» (بَعْضًا).

(﴿وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]) أي: (١) (عَظَمَةً (٢)) قالَه ابنُ عبَّاس أيضًا فيمَا وصلَه سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ أبي حاتمٍ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]) ضمَّ واو ﴿وَدًّا﴾ نافع، وفتحها غيرُه، ونوَّن (يغوثًا ويعوقًا) المطوَّعي للتَّناسب، ومنع صرفهما الباقون للعلميَّة والعُجمة، أو العلميَّة (٣) والوزن إن كانا عربيَّين، وثبت الباب وتاليه لأبي ذرٍّ (٤).

٤٩٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبد العَزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو الخُراسانيُّ، وهو معطوفٌ على محذوفٍ بيَّنه الفاكهَاني من وجهٍ آخَر: عن ابنِ جريجٍ قالَ في قولهِ تعالى: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية. قال: أوثانٌ كان قومُ نوحٍ يعبدونَها. وقالَ عطاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) لكنَّ عطَاء لم يسمَع من ابنِ عباسٍ، وابنَ جريجٍ (٥) لم يسمع

التَّفسير من عطاءٍ الخُراسانيِّ، إنَّما أخذَ الكتَاب من ابنهِ عُثمان فنظَر فيه، لكنَّ البُخاري ما أخرجَه إلَّا أنَّه من روايةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ لأنَّ الخُراساني ليسَ على شرطهِ، ولقائلٍ أن يقولَ: هذا ليسَ بقاطعٍ في أنَّ عطاء المذكُور هو الخُراساني فيحتملُ أن يكونَ هذا الحديث عندَ ابنِ جريجٍ عن الخُراساني وابنِ أبي رباحٍ جميعًا. قال في «المقدِّمة»: وهذا جوابٌ إقناعيٌّ، وهذا عندِي من المواضعِ العقيمة عن الجوابِ السَّديد، ولا بدَّ للجوادِ من كَبْوة (صَارَتِ الأَوْثَانُ) بالمثلثة، جمع: وثَن (الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ) يعبدونَها (فِي العَرَبِ بَعْدُ) فعبدوهَا، وكانت غرقَت في الطُّوفان، فلمَّا نضبَ الماءُ عنها أخرجَها إبليسُ فبثَّها في الأرضِ (أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ) هو ابنُ وبرَة من قضَاعة (بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ) بفتح الدال من دَومة، ولأبي ذرٍّ: «دُومة» بضمها، والجَنْدل: بفتح الجيم وسكون النون، مدينةٌ من (١) الشَّام ممَّا يلي العِراق (وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة مصغَّرًا، ابنُ مدركَة بنِ إلياسَ بنِ مضر، وكانوا بقربِ مكَّة (وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ) بالفاء قبل الكاف (لِمُرَادٍ) بضم الميم وتخفيف الراء، أبي (٢) قبيلةٍ من اليمن (ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء، مصغَّرًا، بطنٌ من مرادٍ (بِالجَوفِ) بفتح الجيم وبعد الواو فاء، المطمئن من الأرضِ، أو وادٍ باليَمن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالجُرُف» بالراء المضمومة بدل الواو وضم الجيم (عِنْدَ سَبَأ) مدينةُ بلقيسٍ، وسقط «عند سبأ» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ) بسكون الميم وبالدال المهملة، قبيلةٌ (وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء (لآلِ ذِي الكَلَاعِ) بفتح الكاف آخره عين مهملة، اسم ملكٍ من ملوكِ اليمن (أَسْمَاءُ رِجَالٍ) أي: هذه الخَمسة أسماء رجالٍ، ولأبي ذرٍّ: «ونَسْرٌ أسماء رجال» أي: نسرٌ وأخواته (٣) أسماءُ رجالٍ (صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا) أي: الرِّجال الصَّالحون (أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا) بكسر الصاد المهملة (إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ) فيها (أَنْصَابًا) جمع: نصب ما نصبَ لغرضٍ (وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا) ذلك

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَلقكُم أطوارا} (نوح: ٤١) وَذكر عبد عَن خَالِد بن عبد الله، قَالَ: طورا نُطْفَة وطورا علقَة وطورا مُضْغَة وطورا عظاما ثمَّ كسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر، وَقَالَ مُجَاهِد: طورا من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ مَا ذكر حَتَّى يتم خلقه، وَالطور فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَعْنى: تارةٍ وَيَجِيء أَيْضا بِمَعْنى الْقدر أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال عدا طوره أَي: تجَاوز قدره، وَيجمع على أطوار.

وَالكِبَّارُ أشَدُّ مِنَ الكُبَارِ وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لأنَّهَا أشَدُّ مُبَالَغَةٍ، وَكُبَّارٌ الكَبِيرُ وَكُبارا أيْضا بِالتَّخْفِيفِ. وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وحمال مخفف

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ومكروا مكرا كبارًا} (نوح: ٢٢) وَقَالَ: (الْكِبَار) يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ (أَشد) يَعْنِي: أبلغ فِي الْمَعْنى من الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ، والكبار بِالتَّخْفِيفِ أبلغ معنى من الْكَبِير. قَوْله: (كَذَلِك جمال) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم، يَعْنِي: الْجمال أبلغ فِي الْمَعْنى من الْجَمِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: (لِأَنَّهَا أَشد مُبَالغَة) . قَوْله: (وكبار) ، يَعْنِي: بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى الْكَبِير وَكَذَلِكَ الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (حسان) ، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد السِّين، وَهُوَ أبلغ من حسان بِالتَّخْفِيفِ. وَكَذَلِكَ جمال بِالتَّشْدِيدِ أبلغ من جمال بِالتَّخْفِيفِ.

دَيَّارا مِنْ دَوْرٍ وَلاكِنَّهُ فَيْعالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ كَمَا قَرَأَ عُمَرُ الحَي القَيَّامُ. وَهِيَ مِنّ قَمْتُ وَقَالَ غَيْرُهُ: دَيَّارا أحدا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَرب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} (نوح: ٦٢) واشتقاقه من دور، ووزنه: فيعال، لِأَن أَصله ديوَان فأبدلت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال: وَزنه فعال. لِأَنَّهُ لَو قيل: دوار، كَانَ يُقَال: فعال قَوْله: كَمَا قَرَأَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْحَيّ الْقيام، ذكر هَذَا نظيرا للديار لِأَن أَصله قوام فَلَا يُقَال: وَزنه فعال. بل يُقَال: فيعال، كَمَا فِي الديار. وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَرَأَهَا كَذَلِك، وَذكر عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: وَقَالَ غَيره: هَذَا يَقْتَضِي تقدم أحد سقط من بعض النقلَة وَإِلَّا لَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى على مَا لَا يخفى، وَنسب إِلَى هَذَا الْغَيْر أَن ديارًا يَأْتِي بِمَعْنى أحد وَالْمعْنَى: لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين أحدا، وَقد أَشَارَ الثَّعْلَبِيّ إِلَى هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ: ديارًا أحدا يَدُور فِي الأَرْض فَيذْهب وَيَجِيء، وَكَذَلِكَ ذكره النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) .

تَبارا هَلَاكًا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تزد الظَّالِمين إلَاّ تبارا} (نوح: ٨٢) وَفسّر التيار بِالْهَلَاكِ، وَفَسرهُ الثَّعْلَبِيّ بالدمار.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مِدْرَارا يَتْبَعُ بَعْضَهُ بَعْضا

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} (نوح: ١١) أَي: مَاء السَّمَاء وَهُوَ الْمَطَر، وَفسّر المدرار بقوله: (يتبع بعضه بَعْضًا) وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

وَقَارا عَظَمَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى؛ {مَا لكم لَا ترجون لله وقارا} (نوح: ٣١) وَفسّر: الْوَقار. بالعظمة. وَأخرجه سُفْيَان فِي تَفْسِيره عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: لَا يخَافُونَ فِي الله حق عَظمته. وَأخرجه عبد بن حميد من رِوَايَة أبي الرّبيع عَنهُ: مَا لكم لَا تعلمُونَ لله عَظمته، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا ترَوْنَ لله عَظمَة. وَعَن الْحسن: لَا تعرفُون لله حَقًا وَلَا تشكرون لَهُ نعْمَة، وَعَن ابْن جُبَير: لَا ترجون ثَوابًا وَلَا تخافون عقَابا.

١ - (بَابٌ: {وَدَّا وَلَا سَوَّاعا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودّوالا سواعا} (نوح: ٣٢) الْآيَة. وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب كَانَ لآدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خمس بَنِينَ. ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فَمَاتَ رجل مِنْهُم فَحَزِنُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ الشَّيْطَان: أَنا أصور لكم مثله إِذا نظرتم إِلَيْهِ ذكرتموه. قَالُوا افْعَل، فَصورهُ فِي الْمَسْجِد من صفر ورصاص

ثمَّ مَاتَ آخر وصوره حَتَّى مَاتُوا كلهم وتنغصت الْأَشْيَاء إِلَى أَن تركُوا عبَادَة الله بعد حِين، فَقَالَ الشَّيْطَان للنَّاس: مَا لكم لَا تَعْبدُونَ إلاهكم وإلاه آبائكم أَلا ترونها فِي مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله حَتَّى بعث الله، عز وَجل، نوحًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ السُّهيْلي: يَغُوث هُوَ ابْن شِيث، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَابْتِدَاء عِبَادَتهم من زمن مهلائيل بن قينان، وَفِي (كتاب الْعين) ود بِفَتْح الْوَاو صنم كَانَ لقوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَبِضَمِّهَا صنم لقريش، وَبِه سمي عَمْرو بن عبد ود، وَقِرَاءَة نَافِع بِالضَّمِّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْح، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: هُوَ أول صنم معبود وَسمي ودا لودهم لَهُ، وَكَانَ بعد قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لكَلْب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَكَانَ بدومة الجندل، وسواع كَانَ على صُورَة امْرَأَة، وَكَانَ لهذيل بن مدركة بن الياس بن مُضر برهاط مَوضِع بِقرب مَكَّة شرفها الله بساحل الْبَحْر، ويغوث كَانَ لمراد ثمَّ لبني غطيف بالجوف من أَرض الْيمن على مَا نذكرهُ فِي الحَدِيث.

٠٢٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمِ بنُ مُوسَى أخْبرنَا هِشامٌ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أمَّا وَد فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ وَأمَّا صُوَاغٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ وَأمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمَوادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ وَأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآلِ ذِي الكَلاعِ أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصِبُوا إلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابا وَسَموها بأسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إذَا هَلَكَ أُوْلَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ الْخُرَاسَانِي، وَلَيْسَ بعطاء بن أبي رَبَاح وَلَا بعطاء بن يسَار. قَالَه الغساني، وَقَالَ ابْن جريج: أَخذه من كتاب عَطاء لَا من السماع مِنْهُ وَلِهَذَا قيل: إِنَّه مُنْقَطع لِأَن عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يلق ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود: ظن البُخَارِيّ أَنه ابْن أبي رَبَاح وَابْن جريج لم يسمع التَّفْسِير من الْخُرَاسَانِي، وَإِنَّمَا أَخذ الْكتاب من ابْنه وَنظر فِيهِ، وروى عَن صَالح بن أَحْمد عَن ابْن الْمَدِينِيّ، قَالَ: سَأَلت يحيى بن سعيد عَن أَحَادِيث ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، فَقَالَ: ضَعِيف. فَقلت: ليحيى: إِنَّه كَانَ يَقُول أخبرنَا. قَالَ: لَا شَيْء كُله ضَعِيف إِنَّمَا هُوَ كتاب دَفعه إِلَيْهِ ابْنه، وَقيل: فِي معاضدة البُخَارِيّ فِي هَذَا، إِنَّه بِخُصُوصِهِ عِنْد ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح جَمِيعًا وَلَا يخفى على البُخَارِيّ ذَلِك مَعَ تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال واعتماده عَلَيْهِ، وَيُؤَيّد هَذَا إِنَّه لم يكثر من تَخْرِيج هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي موضِعين هَذَا وَالْآخر فِي النِّكَاح، وَلَو كَانَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك لاستكثر من إِخْرَاجه لِأَن ظَاهره على شَرطه. انْتهى. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال لَا يسْتَلْزم عدم الخفاء عَلَيْهِ أصلا فسبحان من لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَقَوله: على ظَاهره. على شَرطه لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْخُرَاسَانِي من أَفْرَاد مُسلم كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه.

قَوْله: (الْأَوْثَان) ، جمع وثن وَفِي (الْمغرب) الوثن مَا لَهُ جثة من خشب أَو حجر أَو فضَّة أَو جَوْهَر ينحت، وَكَانَت الْعَرَب تنصب الْأَوْثَان وتعبدها. قَوْله: (فِي الْعَرَب بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد كَون الْأَوْثَان فِي قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَت فِي الْعَرَب، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَانَت الْأَوْثَان آلِهَة يَعْبُدهَا قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ عبدتها الْعَرَب بعد، وَعَن أبي عُبَيْدَة: زَعَمُوا أَنهم كَانُوا مجوسا وَأَنَّهَا غرقت فِي الطوفان فَلَمَّا نصب المَاء عَنْهَا أخرجهَا إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة فبثها فِي الأَرْض قبل قَوْله: كَانُوا مجوسا غير صَحِيح لِأَن الْمَجُوسِيَّة نَخْلَة ظَهرت بعد ذَلِك بدهر طَوِيل. قَوْله: (أما ود) ، شرع فِي تَفْصِيل هَذِه الْأَوْثَان وبيانها. قَوْله: أما، بِكَلِمَة التَّفْصِيل. قَوْله: (لكَلْب) ، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن كَلْبا هُوَ ابْن وبرة بن تغلب. قَوْله: (بدومة الجندل) ، بِضَم الدَّال والجندل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون مَدِينَة من الشَّام مِمَّا يَلِي الْعرَاق وَيُقَال: بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَالْعراق وفيهَا اجْتمع الحكمان. قَوْله: (لهذيل) مصغر الهذل قَبيلَة وَهُوَ ابْن مدركة

بن الياس بن مُضر. قَوْله: (لمراد) ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء الْمُهْملَة أَبُو قَبيلَة من الْيمن. قَوْله: (ثمَّ لبني غطيف) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ بطن من مُرَاد وَهُوَ: غطيف بن عبد الله بن نَاجِية بن مُرَاد. قَوْله: (بالجوف) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالفاء، وَهُوَ المطمئن من الأَرْض، وَقيل: هُوَ وَاد بِالْيمن، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْكشميهني بالجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء، وَقَالَ ياقوت: وَرِوَايَة الْحميدِي بالراء، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بالجون بِالْجِيم وَالْوَاو وَالنُّون. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان، رَأَيْته كَانَ من رصاص على صُورَة أَسد. قَوْله: (عِنْد سبأ) ، هَذَا فِي رِوَايَة غير أبي ذَر. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: سبأ اسْم مَدِينَة بلقيس، وَقيل: هُوَ اسْم رجل ولد مِنْهُ عَامَّة قبائل الْيمن، وَكَذَا جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث، وَسميت الْمَدِينَة بِهِ قَوْله: (لهمدان) ، بِسُكُون الْمِيم وإهمال الدَّال قَبيلَة، وَأما مَدِينَة هَمدَان الَّتِي هِيَ مَدِينَة من بِلَاد عراق الْعَجم فَهِيَ بِفَتْح الْمِيم والذال الْمُعْجَمَة. قَوْله: (لحمير) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَبُو قَبيلَة. قَوْله: (لآل ذِي كلاع) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ اسْم ملك من مُلُوك الْيمن. قَوْله: (أَسمَاء رجال) أَي: هَذِه الْخَمْسَة أَسمَاء رجال صالحين قَالَه الْكرْمَانِي، وَقدر مُبْتَدأ محذوفا. وَهُوَ قَوْله: هَذِه الْخَمْسَة، وَيكون ارْتِفَاع: أَسمَاء رجال على الخبرية. قَالَ: ويروى ونسر، أسما ثمَّ قَالَ وَالْمرَاد: نسر وإخواته أَسمَاء رجال صالحين، وَقيل: وَسقط لفظ: ونسر، لغير أبي ذَر. قَوْله: (فَلَمَّا هَلَكُوا) أَي: فَلَمَّا مَاتَ الصالحون، وَكَانَ مبدأ عبَادَة قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذِه الْأَصْنَام بعد هلاكهم ثمَّ تَبِعَهُمْ من بعدهمْ على ذَلِك. قَوْله: (أنصابا) جمع النصب وَهُوَ مَا ينصب لغَرَض كالعبادة. قَوْله: (وسموها) أَي: هَذِه الْأَصْنَام بأسماء الصَّالِحين الْمَذْكُورين. قَوْله: (فَلم تعبد) هَذِه الْأَصْنَام حَتَّى إِذا هلك أُولَئِكَ الصالحون. قَوْله: (وتنسخ) بِلَفْظ الْمَاضِي من التفعيل أَي تغير علمهمْ بِصُورَة الْحَال وزالت معرفتهم بذلك، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَنسخ الْعلم فَحِينَئِذٍ عبدت على صِيغَة الْمَجْهُول، وَحَاصِل الْمَعْنى، أَنهم لما مَاتُوا وتغيرت صُورَة الْحَال وزالت معرفتهم جعلوها معابيد بعد ذَلِك.

٢٧ - (سُورَةُ: {قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ} )

أَي: هَذَا تَفْسِير بَعْص سُورَة: {قل أُوحي} (الْجِنّ: ١) تسمى: سُورَة الْجِنّ، وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَمَانمِائَة وَسَبْعُونَ حرفا. ومائتان وَخمْس وَثَمَانُونَ كلمة، وثمان وَعِشْرُونَ آيَة.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لِبَدا: أعْوانا

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا} (الْجِنّ: ٩١) وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ هَكَذَا. قَوْله: (لبدا) ، يَعْنِي: مُجْتَمعين يركب بَعضهم بَعْضًا ويزدحمون ويسقطون حرصا مِنْهُم على اسْتِمَاع الْقُرْآن، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة وَابْن زيد يَعْنِي لما قَامَ عبد الله بالدعوة تلبدت الْإِنْس وَالْجِنّ وتظاهروا عَلَيْهِ ليبطلوا الْحق الَّذِي جَاءَهُم بِهِ ويطفؤا نور الله فَأبى الله إلَاّ أَن يتم هَذَا الْأَمر وينصره ويظهره على من ناواه. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وأصل اللبد الْجَمَاعَات بَعْضهَا فَوق بعض جمع لبدة وَهِي مَا تلبد بعضه على بعض، وَمِنْه سمي اللبد لتراكمه، وَعَاصِم كَانَ يقْرؤهَا بِفَتْح اللَّام وبضم الَّذِي فِي سُورَة الْبَلَد، وَفسّر لبدا بِكَثِير هُنَاكَ، ولبدا هُنَا باجتمع بَعْضهَا على بعض، وقرىء بِضَم اللَّام وَالْبَاء وَهُوَ جمع لبود، وقرىء: لبدا جمع لابد كراكع وَركع، فَهَذِهِ أَربع قراآت. قَوْله: (أعوانا) ، جمع عون وَهُوَ الظهير على الْأَمر، وَهُوَ مُكَرر فِي بعض النّسخ أَعنِي: ذكر مرَّتَيْنِ.

بَخْسا نَقْصا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا} (الْجِنّ: ٣١) وَفسّر البخس بِالنَّقْصِ، والرهق فِي كَلَام الْعَرَب الْإِثْم وغشيان الْمَحَارِم، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.

١٢٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عُكاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشيَّاطِينَ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشيَّاطِينُ فَقَالُوا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَارًا: عَظَمَةً) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، الْبُطَيْنِ عنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قَالَ: مَا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّ عَظَمَتِهِ.

١ - بَاب: وَدًّا وَلَا سُواعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عن ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ) كَذَا فِيهِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: أَوْثَانٌ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ يَعْبُدُونَهُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قِيلَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ عَطَاءً الْمَذْكُورَ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعِ التَّفْسِيرَ مِنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ ابْنِهِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ فَنَظَرَ فِيهِ. وَذَكَرَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى الْقَطَّانَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فَقَالَ: ضَعِيفٌ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ أَخْبَرَنَا. قَالَ: لَا شَيْءَ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابٌ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، انْتَهَى. وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَسْتَجِيزُ إِطْلَاقَ أَخْبَرَنَا فِي الْمُنَاوَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أُخْبِرْتُ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَطَالَ عَلَى الْوَرَّاقِ أَنْ يَكْتُبَ الْخُرَاسَانِيَّ في كُلَّ حَدِيثٍ فَتَرَكَهُ، فَرَوَاهُ مَنْ رَوَى عَلَى أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، انْتَهَى. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ التَّفْسِيرِ مِنَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَالَ: اعْفِنِي مِنْ هَذَا.

قَالَ: قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ بَعْدُ إِذَا قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ. قَالَ هِشَامٌ: فَكَتَبْنَا ثُمَّ مَلِلْنَا؛ يَعْنِي: كَتَبْنَا الْخُرَاسَانِيَّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: وَإِنَّمَا بَيَّنْتُ هَذَا لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ كَانَ يَجْعَلُهَا - يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُظَنُّ أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَقُلِ الْخُرَاسَانِيَّ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ: الْخُرَاسَانِيُّ. وَهَذَا مِمَّا اسْتُعْظِمَ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، لَكِنَّ الَّذِي قَوِيَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ جَمِيعًا؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ امْتِنَاعِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنَ التَّحْدِيثِ بِالتَّفْسِيرِ أَنْ لَا يُحَدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي

بَابٍ آخَرَ مِنَ الْأَبْوَابِ أَوْ فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيِّ ذَلِكَ مَعَ تَشَدُّدِهِ فِي شَرْطِ الِاتِّصَالِ وَاعْتِمَادِهِ غَالِبًا فِي الْعِلَلِ عَلَى عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِهِ وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْضِعَيْنِ هَذَا وَآخَرَ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ لَاسْتَكْثَرَ مِنْ إِخْرَاجِهَا لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: كَانَتْ آلِهَةٌ تَعْبُدُهَا قَوْمُ نُوحٍ ثُمَّ عَبَدَتْهَا الْعَرَبُ بَعْدُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مَجُوسًا وَأَنَّهَا غَرِقَتْ فِي الطُّوفَانِ، فَلَمَّا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا أَخْرَجَهَا إِبْلِيسُ فَبَثَّهَا فِي الْأَرْضِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: كَانُوا مَجُوسًا؛ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَلِمَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ الْفُرْسُ يَدَّعُونَ خِلَافَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ يَغُوثَ هُوَ ابْنُ شِيثَ بْنِ آدَمَ فِيمَا قِيلَ، وَكَذَلِكَ سُوَاعٌ وَمَا بَعْدَهُ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِدُعَائِهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مَثَّلُوا صُورَتَهُ وتَمَسَّحُوا بِهَا إِلَى زَمَنِ مَهْلَائِيلَ فَعَبَدُوهَا بِتَدْرِيجِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً فِي الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ سَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ؟ مِنْ قِبَلِ الْهِنْدِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا الْمَبْدَأَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ نُوحٍ؟ أَمِ الشَّيْطَانُ أَلْهَمَ الْعَرَبَ ذَلِكَ؟ انْتَهَى.

وَمَا ذُكِرَه مِمَّا نَقَلَهُ تَلَقَّاهُ مِنْ تَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ (١)، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي ذَيْلِهِ، وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَقَعَتْ إِلَى الْهِنْدِ فَسَمَّوْا بِهَا أَصْنَامَهُمْ ثُمَّ أَدْخَلَهَا إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَادَ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كَانَ لِآدَمَ خَمْسُ بَنِينَ فَسَمَّاهُمْ، قَالَ: وَكَانُوا عُبَّادًا، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَصَوَّرَهُ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَفِيهَا: فَعَبَدُوهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِي صَوَّرَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ لِعَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَجِبْ أَبَا ثُمَامَةَ، وَادْخُلْ بِلَا مَلَامَةَ، ثُمَّ ائْتِ سَيْفَ جُدَّةٍ، تَجِدْ بِهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً، ثُمَّ أَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ، ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ. قَالَ: فَأَتَى عَمْرٌو سَاحِلَ جُدَّةَ فَوَجَدَ بِهَا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَهِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي عُبِدَتْ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ ثُمَّ إِنَّ الطُّوفَانَ طَرَحَهَا هُنَاكَ فَسَفَى عَلَيْهَا الرَّمْلُ، فَاسْتَثَارَهَا عَمْرٌو وَخَرَجَ بِهَا إِلَى تِهَامَةَ، وَحَضَرَ الْمَوْسِمَ فَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا فَأُجِيبَ، وَعَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ لِكَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ قُضَاعَةَ.

قُلْتُ: وَبَرَةُ هُوَ ابْنُ تَغْلِبَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَدُومَةُ بِضَمِّ الدَّالِ، والْجَنْدَلِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ مَدِينَةٌ مِنْ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ، وَوَدٌّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقَرَأَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ بِضَمِّهَا. (وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ) زَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ، بْنُ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ؛ وَكَانُوا بِقُرْبِ مَكَّةَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ سُوَاعٌ بِمَكَانٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: رُهَاطٌ؛ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ، مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ السَّاحِلِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَكَانَتْ لِبَنِي غُطَيْفِ بْنِ مُرَادٍ، وَهُوَ غُطَيْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَتْ أَنْعَمَ مِنْ طَيِّئٍ وَجُرَشُ بْنُ مَذْحِجٍ اتَّخَذُوا يَغُوثَ لِجُرَشٍ.

قَوْلُهُ: (بِالْجُرُفِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَلَهُ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْجُرُفَ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ. وَلِلنَّسَفِيِّ: بِالْجَوْنِ؛ بِجِيمٍ ثُمَّ وَاوٍ ثُمَّ نُونٍ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: عِنْدَ سَبَأٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] يَتْبَعُ بَعْضُهَا) ولأبي ذرٍّ: «بعضه» (بَعْضًا).

(﴿وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]) أي: (١) (عَظَمَةً (٢)) قالَه ابنُ عبَّاس أيضًا فيمَا وصلَه سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ أبي حاتمٍ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]) ضمَّ واو ﴿وَدًّا﴾ نافع، وفتحها غيرُه، ونوَّن (يغوثًا ويعوقًا) المطوَّعي للتَّناسب، ومنع صرفهما الباقون للعلميَّة والعُجمة، أو العلميَّة (٣) والوزن إن كانا عربيَّين، وثبت الباب وتاليه لأبي ذرٍّ (٤).

٤٩٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبد العَزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو الخُراسانيُّ، وهو معطوفٌ على محذوفٍ بيَّنه الفاكهَاني من وجهٍ آخَر: عن ابنِ جريجٍ قالَ في قولهِ تعالى: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية. قال: أوثانٌ كان قومُ نوحٍ يعبدونَها. وقالَ عطاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) لكنَّ عطَاء لم يسمَع من ابنِ عباسٍ، وابنَ جريجٍ (٥) لم يسمع

التَّفسير من عطاءٍ الخُراسانيِّ، إنَّما أخذَ الكتَاب من ابنهِ عُثمان فنظَر فيه، لكنَّ البُخاري ما أخرجَه إلَّا أنَّه من روايةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ لأنَّ الخُراساني ليسَ على شرطهِ، ولقائلٍ أن يقولَ: هذا ليسَ بقاطعٍ في أنَّ عطاء المذكُور هو الخُراساني فيحتملُ أن يكونَ هذا الحديث عندَ ابنِ جريجٍ عن الخُراساني وابنِ أبي رباحٍ جميعًا. قال في «المقدِّمة»: وهذا جوابٌ إقناعيٌّ، وهذا عندِي من المواضعِ العقيمة عن الجوابِ السَّديد، ولا بدَّ للجوادِ من كَبْوة (صَارَتِ الأَوْثَانُ) بالمثلثة، جمع: وثَن (الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ) يعبدونَها (فِي العَرَبِ بَعْدُ) فعبدوهَا، وكانت غرقَت في الطُّوفان، فلمَّا نضبَ الماءُ عنها أخرجَها إبليسُ فبثَّها في الأرضِ (أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ) هو ابنُ وبرَة من قضَاعة (بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ) بفتح الدال من دَومة، ولأبي ذرٍّ: «دُومة» بضمها، والجَنْدل: بفتح الجيم وسكون النون، مدينةٌ من (١) الشَّام ممَّا يلي العِراق (وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة مصغَّرًا، ابنُ مدركَة بنِ إلياسَ بنِ مضر، وكانوا بقربِ مكَّة (وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ) بالفاء قبل الكاف (لِمُرَادٍ) بضم الميم وتخفيف الراء، أبي (٢) قبيلةٍ من اليمن (ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء، مصغَّرًا، بطنٌ من مرادٍ (بِالجَوفِ) بفتح الجيم وبعد الواو فاء، المطمئن من الأرضِ، أو وادٍ باليَمن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالجُرُف» بالراء المضمومة بدل الواو وضم الجيم (عِنْدَ سَبَأ) مدينةُ بلقيسٍ، وسقط «عند سبأ» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ) بسكون الميم وبالدال المهملة، قبيلةٌ (وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء (لآلِ ذِي الكَلَاعِ) بفتح الكاف آخره عين مهملة، اسم ملكٍ من ملوكِ اليمن (أَسْمَاءُ رِجَالٍ) أي: هذه الخَمسة أسماء رجالٍ، ولأبي ذرٍّ: «ونَسْرٌ أسماء رجال» أي: نسرٌ وأخواته (٣) أسماءُ رجالٍ (صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا) أي: الرِّجال الصَّالحون (أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا) بكسر الصاد المهملة (إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ) فيها (أَنْصَابًا) جمع: نصب ما نصبَ لغرضٍ (وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا) ذلك

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَلقكُم أطوارا} (نوح: ٤١) وَذكر عبد عَن خَالِد بن عبد الله، قَالَ: طورا نُطْفَة وطورا علقَة وطورا مُضْغَة وطورا عظاما ثمَّ كسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر، وَقَالَ مُجَاهِد: طورا من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ مَا ذكر حَتَّى يتم خلقه، وَالطور فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَعْنى: تارةٍ وَيَجِيء أَيْضا بِمَعْنى الْقدر أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال عدا طوره أَي: تجَاوز قدره، وَيجمع على أطوار.

وَالكِبَّارُ أشَدُّ مِنَ الكُبَارِ وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لأنَّهَا أشَدُّ مُبَالَغَةٍ، وَكُبَّارٌ الكَبِيرُ وَكُبارا أيْضا بِالتَّخْفِيفِ. وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وحمال مخفف

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ومكروا مكرا كبارًا} (نوح: ٢٢) وَقَالَ: (الْكِبَار) يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ (أَشد) يَعْنِي: أبلغ فِي الْمَعْنى من الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ، والكبار بِالتَّخْفِيفِ أبلغ معنى من الْكَبِير. قَوْله: (كَذَلِك جمال) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم، يَعْنِي: الْجمال أبلغ فِي الْمَعْنى من الْجَمِيل، وَهُوَ معنى قَوْله: (لِأَنَّهَا أَشد مُبَالغَة) . قَوْله: (وكبار) ، يَعْنِي: بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى الْكَبِير وَكَذَلِكَ الْكِبَار بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (حسان) ، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد السِّين، وَهُوَ أبلغ من حسان بِالتَّخْفِيفِ. وَكَذَلِكَ جمال بِالتَّشْدِيدِ أبلغ من جمال بِالتَّخْفِيفِ.

دَيَّارا مِنْ دَوْرٍ وَلاكِنَّهُ فَيْعالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ كَمَا قَرَأَ عُمَرُ الحَي القَيَّامُ. وَهِيَ مِنّ قَمْتُ وَقَالَ غَيْرُهُ: دَيَّارا أحدا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَرب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} (نوح: ٦٢) واشتقاقه من دور، ووزنه: فيعال، لِأَن أَصله ديوَان فأبدلت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال: وَزنه فعال. لِأَنَّهُ لَو قيل: دوار، كَانَ يُقَال: فعال قَوْله: كَمَا قَرَأَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْحَيّ الْقيام، ذكر هَذَا نظيرا للديار لِأَن أَصله قوام فَلَا يُقَال: وَزنه فعال. بل يُقَال: فيعال، كَمَا فِي الديار. وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَرَأَهَا كَذَلِك، وَذكر عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: وَقَالَ غَيره: هَذَا يَقْتَضِي تقدم أحد سقط من بعض النقلَة وَإِلَّا لَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى على مَا لَا يخفى، وَنسب إِلَى هَذَا الْغَيْر أَن ديارًا يَأْتِي بِمَعْنى أحد وَالْمعْنَى: لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين أحدا، وَقد أَشَارَ الثَّعْلَبِيّ إِلَى هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ: ديارًا أحدا يَدُور فِي الأَرْض فَيذْهب وَيَجِيء، وَكَذَلِكَ ذكره النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) .

تَبارا هَلَاكًا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تزد الظَّالِمين إلَاّ تبارا} (نوح: ٨٢) وَفسّر التيار بِالْهَلَاكِ، وَفَسرهُ الثَّعْلَبِيّ بالدمار.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مِدْرَارا يَتْبَعُ بَعْضَهُ بَعْضا

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} (نوح: ١١) أَي: مَاء السَّمَاء وَهُوَ الْمَطَر، وَفسّر المدرار بقوله: (يتبع بعضه بَعْضًا) وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

وَقَارا عَظَمَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى؛ {مَا لكم لَا ترجون لله وقارا} (نوح: ٣١) وَفسّر: الْوَقار. بالعظمة. وَأخرجه سُفْيَان فِي تَفْسِيره عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: لَا يخَافُونَ فِي الله حق عَظمته. وَأخرجه عبد بن حميد من رِوَايَة أبي الرّبيع عَنهُ: مَا لكم لَا تعلمُونَ لله عَظمته، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا ترَوْنَ لله عَظمَة. وَعَن الْحسن: لَا تعرفُون لله حَقًا وَلَا تشكرون لَهُ نعْمَة، وَعَن ابْن جُبَير: لَا ترجون ثَوابًا وَلَا تخافون عقَابا.

١ - (بَابٌ: {وَدَّا وَلَا سَوَّاعا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودّوالا سواعا} (نوح: ٣٢) الْآيَة. وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب كَانَ لآدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خمس بَنِينَ. ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فَمَاتَ رجل مِنْهُم فَحَزِنُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ الشَّيْطَان: أَنا أصور لكم مثله إِذا نظرتم إِلَيْهِ ذكرتموه. قَالُوا افْعَل، فَصورهُ فِي الْمَسْجِد من صفر ورصاص

ثمَّ مَاتَ آخر وصوره حَتَّى مَاتُوا كلهم وتنغصت الْأَشْيَاء إِلَى أَن تركُوا عبَادَة الله بعد حِين، فَقَالَ الشَّيْطَان للنَّاس: مَا لكم لَا تَعْبدُونَ إلاهكم وإلاه آبائكم أَلا ترونها فِي مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله حَتَّى بعث الله، عز وَجل، نوحًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ السُّهيْلي: يَغُوث هُوَ ابْن شِيث، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَابْتِدَاء عِبَادَتهم من زمن مهلائيل بن قينان، وَفِي (كتاب الْعين) ود بِفَتْح الْوَاو صنم كَانَ لقوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَبِضَمِّهَا صنم لقريش، وَبِه سمي عَمْرو بن عبد ود، وَقِرَاءَة نَافِع بِالضَّمِّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْح، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: هُوَ أول صنم معبود وَسمي ودا لودهم لَهُ، وَكَانَ بعد قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لكَلْب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَكَانَ بدومة الجندل، وسواع كَانَ على صُورَة امْرَأَة، وَكَانَ لهذيل بن مدركة بن الياس بن مُضر برهاط مَوضِع بِقرب مَكَّة شرفها الله بساحل الْبَحْر، ويغوث كَانَ لمراد ثمَّ لبني غطيف بالجوف من أَرض الْيمن على مَا نذكرهُ فِي الحَدِيث.

٠٢٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمِ بنُ مُوسَى أخْبرنَا هِشامٌ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أمَّا وَد فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ وَأمَّا صُوَاغٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ وَأمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمَوادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ وَأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآلِ ذِي الكَلاعِ أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصِبُوا إلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابا وَسَموها بأسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إذَا هَلَكَ أُوْلَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ الْخُرَاسَانِي، وَلَيْسَ بعطاء بن أبي رَبَاح وَلَا بعطاء بن يسَار. قَالَه الغساني، وَقَالَ ابْن جريج: أَخذه من كتاب عَطاء لَا من السماع مِنْهُ وَلِهَذَا قيل: إِنَّه مُنْقَطع لِأَن عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يلق ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود: ظن البُخَارِيّ أَنه ابْن أبي رَبَاح وَابْن جريج لم يسمع التَّفْسِير من الْخُرَاسَانِي، وَإِنَّمَا أَخذ الْكتاب من ابْنه وَنظر فِيهِ، وروى عَن صَالح بن أَحْمد عَن ابْن الْمَدِينِيّ، قَالَ: سَأَلت يحيى بن سعيد عَن أَحَادِيث ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، فَقَالَ: ضَعِيف. فَقلت: ليحيى: إِنَّه كَانَ يَقُول أخبرنَا. قَالَ: لَا شَيْء كُله ضَعِيف إِنَّمَا هُوَ كتاب دَفعه إِلَيْهِ ابْنه، وَقيل: فِي معاضدة البُخَارِيّ فِي هَذَا، إِنَّه بِخُصُوصِهِ عِنْد ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح جَمِيعًا وَلَا يخفى على البُخَارِيّ ذَلِك مَعَ تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال واعتماده عَلَيْهِ، وَيُؤَيّد هَذَا إِنَّه لم يكثر من تَخْرِيج هَذَا وَإِنَّمَا ذكره بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي موضِعين هَذَا وَالْآخر فِي النِّكَاح، وَلَو كَانَ يخفى عَلَيْهِ ذَلِك لاستكثر من إِخْرَاجه لِأَن ظَاهره على شَرطه. انْتهى. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن تشدده فِي شَرط الِاتِّصَال لَا يسْتَلْزم عدم الخفاء عَلَيْهِ أصلا فسبحان من لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَقَوله: على ظَاهره. على شَرطه لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْخُرَاسَانِي من أَفْرَاد مُسلم كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه.

قَوْله: (الْأَوْثَان) ، جمع وثن وَفِي (الْمغرب) الوثن مَا لَهُ جثة من خشب أَو حجر أَو فضَّة أَو جَوْهَر ينحت، وَكَانَت الْعَرَب تنصب الْأَوْثَان وتعبدها. قَوْله: (فِي الْعَرَب بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد كَون الْأَوْثَان فِي قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَت فِي الْعَرَب، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَانَت الْأَوْثَان آلِهَة يَعْبُدهَا قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ عبدتها الْعَرَب بعد، وَعَن أبي عُبَيْدَة: زَعَمُوا أَنهم كَانُوا مجوسا وَأَنَّهَا غرقت فِي الطوفان فَلَمَّا نصب المَاء عَنْهَا أخرجهَا إِبْلِيس، عَلَيْهِ اللَّعْنَة فبثها فِي الأَرْض قبل قَوْله: كَانُوا مجوسا غير صَحِيح لِأَن الْمَجُوسِيَّة نَخْلَة ظَهرت بعد ذَلِك بدهر طَوِيل. قَوْله: (أما ود) ، شرع فِي تَفْصِيل هَذِه الْأَوْثَان وبيانها. قَوْله: أما، بِكَلِمَة التَّفْصِيل. قَوْله: (لكَلْب) ، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن كَلْبا هُوَ ابْن وبرة بن تغلب. قَوْله: (بدومة الجندل) ، بِضَم الدَّال والجندل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون مَدِينَة من الشَّام مِمَّا يَلِي الْعرَاق وَيُقَال: بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَالْعراق وفيهَا اجْتمع الحكمان. قَوْله: (لهذيل) مصغر الهذل قَبيلَة وَهُوَ ابْن مدركة

بن الياس بن مُضر. قَوْله: (لمراد) ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء الْمُهْملَة أَبُو قَبيلَة من الْيمن. قَوْله: (ثمَّ لبني غطيف) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ بطن من مُرَاد وَهُوَ: غطيف بن عبد الله بن نَاجِية بن مُرَاد. قَوْله: (بالجوف) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالفاء، وَهُوَ المطمئن من الأَرْض، وَقيل: هُوَ وَاد بِالْيمن، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْكشميهني بالجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء، وَقَالَ ياقوت: وَرِوَايَة الْحميدِي بالراء، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بالجون بِالْجِيم وَالْوَاو وَالنُّون. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان، رَأَيْته كَانَ من رصاص على صُورَة أَسد. قَوْله: (عِنْد سبأ) ، هَذَا فِي رِوَايَة غير أبي ذَر. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: سبأ اسْم مَدِينَة بلقيس، وَقيل: هُوَ اسْم رجل ولد مِنْهُ عَامَّة قبائل الْيمن، وَكَذَا جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث، وَسميت الْمَدِينَة بِهِ قَوْله: (لهمدان) ، بِسُكُون الْمِيم وإهمال الدَّال قَبيلَة، وَأما مَدِينَة هَمدَان الَّتِي هِيَ مَدِينَة من بِلَاد عراق الْعَجم فَهِيَ بِفَتْح الْمِيم والذال الْمُعْجَمَة. قَوْله: (لحمير) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَبُو قَبيلَة. قَوْله: (لآل ذِي كلاع) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ اسْم ملك من مُلُوك الْيمن. قَوْله: (أَسمَاء رجال) أَي: هَذِه الْخَمْسَة أَسمَاء رجال صالحين قَالَه الْكرْمَانِي، وَقدر مُبْتَدأ محذوفا. وَهُوَ قَوْله: هَذِه الْخَمْسَة، وَيكون ارْتِفَاع: أَسمَاء رجال على الخبرية. قَالَ: ويروى ونسر، أسما ثمَّ قَالَ وَالْمرَاد: نسر وإخواته أَسمَاء رجال صالحين، وَقيل: وَسقط لفظ: ونسر، لغير أبي ذَر. قَوْله: (فَلَمَّا هَلَكُوا) أَي: فَلَمَّا مَاتَ الصالحون، وَكَانَ مبدأ عبَادَة قوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذِه الْأَصْنَام بعد هلاكهم ثمَّ تَبِعَهُمْ من بعدهمْ على ذَلِك. قَوْله: (أنصابا) جمع النصب وَهُوَ مَا ينصب لغَرَض كالعبادة. قَوْله: (وسموها) أَي: هَذِه الْأَصْنَام بأسماء الصَّالِحين الْمَذْكُورين. قَوْله: (فَلم تعبد) هَذِه الْأَصْنَام حَتَّى إِذا هلك أُولَئِكَ الصالحون. قَوْله: (وتنسخ) بِلَفْظ الْمَاضِي من التفعيل أَي تغير علمهمْ بِصُورَة الْحَال وزالت معرفتهم بذلك، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَنسخ الْعلم فَحِينَئِذٍ عبدت على صِيغَة الْمَجْهُول، وَحَاصِل الْمَعْنى، أَنهم لما مَاتُوا وتغيرت صُورَة الْحَال وزالت معرفتهم جعلوها معابيد بعد ذَلِك.

٢٧ - (سُورَةُ: {قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ} )

أَي: هَذَا تَفْسِير بَعْص سُورَة: {قل أُوحي} (الْجِنّ: ١) تسمى: سُورَة الْجِنّ، وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَمَانمِائَة وَسَبْعُونَ حرفا. ومائتان وَخمْس وَثَمَانُونَ كلمة، وثمان وَعِشْرُونَ آيَة.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لِبَدا: أعْوانا

أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإنَّهُ لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا} (الْجِنّ: ٩١) وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ هَكَذَا. قَوْله: (لبدا) ، يَعْنِي: مُجْتَمعين يركب بَعضهم بَعْضًا ويزدحمون ويسقطون حرصا مِنْهُم على اسْتِمَاع الْقُرْآن، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة وَابْن زيد يَعْنِي لما قَامَ عبد الله بالدعوة تلبدت الْإِنْس وَالْجِنّ وتظاهروا عَلَيْهِ ليبطلوا الْحق الَّذِي جَاءَهُم بِهِ ويطفؤا نور الله فَأبى الله إلَاّ أَن يتم هَذَا الْأَمر وينصره ويظهره على من ناواه. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وأصل اللبد الْجَمَاعَات بَعْضهَا فَوق بعض جمع لبدة وَهِي مَا تلبد بعضه على بعض، وَمِنْه سمي اللبد لتراكمه، وَعَاصِم كَانَ يقْرؤهَا بِفَتْح اللَّام وبضم الَّذِي فِي سُورَة الْبَلَد، وَفسّر لبدا بِكَثِير هُنَاكَ، ولبدا هُنَا باجتمع بَعْضهَا على بعض، وقرىء بِضَم اللَّام وَالْبَاء وَهُوَ جمع لبود، وقرىء: لبدا جمع لابد كراكع وَركع، فَهَذِهِ أَربع قراآت. قَوْله: (أعوانا) ، جمع عون وَهُوَ الظهير على الْأَمر، وَهُوَ مُكَرر فِي بعض النّسخ أَعنِي: ذكر مرَّتَيْنِ.

بَخْسا نَقْصا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا} (الْجِنّ: ٣١) وَفسّر البخس بِالنَّقْصِ، والرهق فِي كَلَام الْعَرَب الْإِثْم وغشيان الْمَحَارِم، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.

١٢٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عُكاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشيَّاطِينَ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشيَّاطِينُ فَقَالُوا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.8 / 29.5
الإضاءة 33%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56