«فَقُلْتُ: لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ». سُورَةُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4696

الحديث رقم 4696 من كتاب «سورة يوسف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله حتى إذا استيأس الرسل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «فقلت: لعلها كذبوا مخففة، قالت: معاذ الله»…

«فَقُلْتُ: لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ».

سُورَةُ الرَّعْدِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ، كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلِكَ (١)، ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ مُتَدَانِيَاتٌ ﴿الْمَثُلاتُ﴾ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهْيَ الْأَشْبَاهُ وَالْأَمْثَالُ. وَقَالَ ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بِقَدَرٍ، ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ: الْعَقِيبُ يُقَالُ: عَقَّبْتُ فِي أَِثَْرِهِ ﴿المِحَالُ﴾ الْعُقُوبَةُ، ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ، ﴿رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾ الْمَتَاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ، ﴿جُفَاءً﴾ أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيَِّزُ الْحَقَُّ مِنَ الْبَاطِلِ، ﴿الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ، يَدْرَؤُونَ يَدْفَعُونَ، دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ تَوْبَتِي، ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ لَمْ يَتَبَيَّنْ، ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ، ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمُِلَاوَةِ، وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الْأَرْضِ مَلَى مِنَ الْأَرْضِ، ﴿أَشَقُّ﴾ أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ ﴿مُعَقِّبَ﴾ مُغَيِّرٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ، ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وَحْدَهَا ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ، ﴿السَّحَابُ الثِّقَالُ﴾ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ

⦗٧٩⦘

بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا، سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا تَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ زَبَدُ السَّيْلِ، خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.

﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نُقِصَ.

سند حديث: ٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ :

رواة الحديث

شرح حديث: «فقلت: لعلها كذبوا مخففة، قالت: معاذ الله»…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عِنْدَ ذَلِكَ) وحصلت النَّجاة لمن تعلَّقت به مشيئته؛ وهم النَّبيُّ والمؤمنون، والظَّنُّ هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته (١)؛ وهو رجحان أحد الطَّرفين.

٤٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (فَقُلْتُ) أي: لعائشة (٢): (لَعَلَّهَا ﴿كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] مُخَفَّفَةً؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ … نحوه) أي: فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلِّف مختصرًا، وأورده أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» تامًّا، ولفظه عن عروة: أنَّه سأل عائشة … فذكره نحو السَّابقة.

(((١٣))) (سورة الرَّعْدِ) مكِّيَّةٌ في قول ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وابن جبيرٍ، مدنيَّةٌ في قول قتادةَ إلَّا: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وعنه: من أوَّلها إلى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] وهي خمسٌ وأربعون آية.

(بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وزاد واوًا قبل «قال ابن عبَّاس»: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] أي: (مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «إلهًا آخر غيره» (كَمَثَلِ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «إلى ظلِّ خياله» (فِي المَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) أي: عليه، وهذا وصله ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، ويجوز أن يُراد بالموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ المشركون، فالواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ عائده، ومفعوله محذوفٌ؛ وهو الأصنام، والواو في ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عائدٌ على مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ المحذوف، وعاد عليه الضَّمير كالعقلاء؛ لمعاملتهم إيَّاه معاملتهم، والتَّقدير: والمشركون الَّذين يدعون الأصنام لا تستجيب (١) لهم الأصنام إلَّا استجابةً كاستجابة الماء مَن (٢) بسط كفَّيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفَّيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه، فوجهُ التَّشبيه: عدمُ قدرة المدعوِّ على تحصيل مراده، بل عدم العلم بحال الدَّاعي، أو شبَّهوه في عدم فائدة دعائهم بمَن بلغه (٣) العطش حتَّى كربه الموت، وكفَّاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه، رواه الطَّبريُّ من

طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ: «أو كطالب الماء من البئر بلا دلوٍ ولا رشاءٍ، يمدُّ يده إليها (١)؛ ليرتفع الماء إليه» رواه الطَّبريُّ (٢) أيضًا (٣) من طريق أبي أيُّوب عن عليٍّ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿سَخَّرَ﴾ [الرعد: ٢]) أي: (ذَلَّلَ) الشَّمس والقمر لِمَا يقصد منهما، كتذليل المركوب للرَّاكب، أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذرٍّ، وفي «اليونينيَّة»: «سخَّر ذلك» بكافٍ بعد اللَّام؛ وهي مصلَّحةٌ في الفرع لامًا؛ وهو (٤) الَّذي رأيته في النُّسخ المعتمدة كنسخة «آل ملك» (٥).

(﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٦) [الرعد: ٤]) ومراده قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] أي: (مُتَدَانِيَاتٌ) في الأوضاع، مختلفةٌ باعتبار كونها طيِّبةً وسبخةً، رخوةً وصلبةً، صالحةً للزَّرع والشَّجر أو لأحدهما وغير صالحةٍ لشيءٍ، مع أنَّ تأثير الشَّمس وسائر الكواكب فيها على السَّواء، فلم يكن ذلك بسبب الاتِّصالات الفلكيَّة والحركات الكوكبيَّة، وكذلك أشجارها وزروعها مختلفةٌ جنسًا ونوعًا وطعمًا وطبعًا مع أنَّها تُسقَى (٧) بماءٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مخصِّصٍ يخصِّصُ كلًّا منها بخاصِّيَّةٍ دون أخرى، وما ذلك إلَّا إرادةُ (٨) الفاعل المختار، وفي نسخةٍ هنا: «وقال مجاهدٌ: ﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ طيِّبها: عذبها، وخبيثها: السِّباخ» وهذا وصله أبو بكرِ بن المنذر من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ.

(﴿الْمَثُلَاتُ﴾) في (٩) قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذَرٍّ: «وقال

غيره: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾» (وَاحِدُهَا: مَثُلَةٌ) بفتح الميم وضمِّ المثلَّثة؛ كسَمُرَةٍ وسَمُرَات (وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ) قاله (١) أبو عبيدة، وعند الطَّبريِّ من طريق معمرٍ عن قتادة قال: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: العقوبات، وقال ابن عبَّاسٍ: العقوبات المستأصِلات (٢)؛ كَمُثْلَة قطع (٣) الأذن والأنف ونحوهما، وسُمِّيت بذلك لِمَا بين العقاب والمعاقب (٤) من المماثلة؛ كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (وَقَالَ) تعالى: (﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ [يونس: ١٠٢]).

وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ﴾ (﴿بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]) أي: (بِقَدَرٍ) لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والعِنديَّةُ يحتمل أن يكون المراد بها أنَّه تعالى خصَّص كلَّ حادثٍ بوقتٍ معيَّنٍ وحالةٍ (٥) معيَّنةٍ بمشيئته الأزليَّة وإرادته السَّرمديَّة، وعند حكماء الإسلام: أنَّه تعالى وضع أشياء كليَّةً وأودع فيها قوًى وخواصَّ، وحرَّكها بحيث لزم (٦) من حركاتها المقدَّرة بالمقادير المخصوصة أحوالٌ جزئيَّةٌ متعيِّنةٌ، ومناسباتٌ مخصوصةٌ متقدِّرةٌ (٧)، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العباد وأحوالهم وخواطرهم؛ وهي من أدلِّ الدَّلائل على بطلان قول المعتزلة.

وقوله: ﴿لَهُ﴾ (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾» أي: (مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ) يحفظونه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس والهوامِّ، من بين يديه ومن خلفه ليلًا ونهارًا (تُعَقِّبُ) في حفظه (الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى) فإذا صعدت ملائكة النَّهار عقَّبتها ملائكة اللَّيل، وبالعكس.

وأخرج الطَّبريُّ من طريق كنانة العدويِّ: أنَّ عثمان سأل النَّبيَّ ﷺ عن عدد الملائكة

الموكَّلين (١) بالآدميِّ، فقال: «لكلِّ آدميٍّ عشرةٌ باللَّيل وعشرةٌ بالنَّهار، واحدٌ عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابضٌ على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبَّر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلَّا الصَّلاة على محمَّدٍ ﷺ، والعاشر يحرسه من الحيَّة أن تدخل فاه» يعني: إذا نام (وَمِنْهُ) أي: ومن أصل المعقِّبات (قِيلَ: العَقِيبُ) الَّذي (٢) يأتي في (٣) أثر الشَّيء (يُقَالُ: عَقَّبْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قيل: العقيب» أي: عقَّبتُ (فِي إِثْرِهِ) بتشديد القاف في الفرع كأصله (٤)، وضبطه الدِّمياطيُّ (٥).

قال الزَّمخشريُّ: وأصل ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف؛ كقوله: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] أي: المعتذرون، ويجوز «معِقِّباتٌ»؛ بكسر العين، وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: هذا وهمٌ فاحشٌ؛ فإنَّ التَّاء لا تُدغَم في القاف، ولا القاف في التَّاء، لا من كلمةٍ ولا من كلمتين، وقد نصَّ التَّصريفيُّون على أنَّ القاف والكاف كلٌّ منهما يُدغَم في القاف، ولا يُدغَمان في غيرهما، ولا يُدغم غيرُهما فيهما، وأمَّا تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعيَّن أن يكون أصله: المعتذرون (٦)، وأمَّا قوله: ويجوز: «معقبات» بكسر العين؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه بناه على أنَّ أصله معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف، وقد بينَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ، والضَّمير في قوله (٧) ﴿لَهُ﴾ يعود على ﴿مِنَ﴾ (٨) المكرَّرة، أي: لمن أسرَّ القول ولمن جهر به، ولمن استخفى ولمن سرب، جماعةٌ (٩) من الملائكة يعقِّب بعضهم بعضًا، أو يعود على ﴿مِنَ﴾ الأخيرة، وهو قول

ابن عبَّاسٍ، قال ابن عطيَّة: فالمعقِّبات على هذا: حرسُ الرَّجل الَّذين يحفظونه، قالوا (١): والآية على هذا في الرُّؤساء الكفَّار، واختاره الطَّبريُّ في آخرين، إلَّا أنَّ الماورديَّ ذكر على هذا التَّأويل: أنَّ الكلام نفيٌ والتَّقدير: لا يحفظونه، وهذا ينبغي أَلَّا يُسمَع ألبتَّة، كيف يُبرَز كلامٌ موجبٌ ويراد به نفيٌ؟! وحَذْفُ «لا» إنَّما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعًا في جواب قسمٍ؛ نحو: ﴿تَالله تَفْتَأُ﴾ [يوسف: ٨٥] وقد تقدَّم تحريره، وإنَّما معنى الكلام كما -قال المهدويُّ-: يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنِّه. انتهى. و ﴿مِنَ﴾: إمَّا للسَّبب، أي: بسبب أمر الله: أو على بابها، قال أبو البقاء: من أمر الله من الجنِّ والإنس، وذكر الفرَّاء: أنَّه على التَّقديم والتَّأخير، أي: له (٢) معقِّباتٌ مِنْ (٣) أمر الله يحفظونه، لكن قال في «الدُّرِّ»: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه، وأخرج الطَّبريُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: حفظهم إيَّاه من أمر الله.

(﴿الْمِحَالِ﴾) يريد قوله (٤): ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] هو (العُقُوبَةُ)، قاله (٥) أبو عبيدة.

وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء﴾ [الرعد: ١٤] لِيَقْبِضَ عَلَى المَاءِ) فلا يحصل منه على (٦) شيءٍ، قال:

فَأَصْبحتُ ممَّا كان بَيْني وبَيْنها … مِنَ الوُدِّ مِثلَ القَابضِ الماءَ بِاليدِ

والمعنى: أنَّ الَّذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه؛ كما لا يَنتفِع به كذلك المشركون الَّذين يعبدون مع الله آلهةً غيره لا ينتفعون بها (٧) أبدًا، وقد مرَّ قريبًا مزيدٌ لهذا.

وقوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (﴿رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] مِنْ رَبَا يَرْبُو) أي: إذا زاد، وقال الزَّجَّاج: طافيًا فوق الماء، والزَّبد: وَضَرُ الغليان وخُبْثه، أو ما يحمله السَّيل من غثاءٍ ونحوه (﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ

مِّثْلُهُ﴾ المَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) كالأواني وآلات الحرث والحرب (﴿جُفَاء﴾ [الرعد: ١٧]) قال أبو عمرو بن العلاء: (أَجْفَأَتِ القِدْرُ) ولأبي ذَرٍّ: «يقال: أجفأتِ القِدْرُ» (١) (إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ) وذلك أنَّ هذا الكلام ضربه للحقِّ وأهله، الشَّامل للقرآن وغيره، والباطل وحزبه فقوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾ [الرعد: ١٧] مَثَلٌ للقرآن، والأودية مَثَل للقلوب، أي: أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين، فالقلب الَّذي يأخذ منه ما يُنتفَع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته، ولا يخفى أنَّ بين القلوب في ذلك تفاوتًا عظيمًا، وقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [الرعد: ١٧] فهو مَثَلُ الباطل في قلَّة نفعه وسرعة زواله.

(﴿الْمِهَادُ﴾) في قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفِرَاشُ) وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ، ثابتٌ لغيره.

(﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾) في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾ [الرعد: ٢٢] أي: (يَدْفَعُونَ) السَّيِّئة بمقابلتها بالحسنة، وهذا وصف سيِّدنا رسول الله ﷺ في التَّوراة، فيندرج تحته الدَّفع بالحسن من الكلام، والوصل في مقابلة قطع الأرحام وغيرهما (٢) من أخلاق الكرام، وتغيير (٣) منكرات أفعال اللِّئام (دَرَأْتُهُ عنِّي) أي: (دَفَعْتُهُ) وسقط لغير أبي (٤) ذَرٍّ «عنِّي».

(﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] (أَيْ: يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فأضمر القول ههنا؛ لأنَّ في الكلام دليلًا عليه، والقول المضمر حالٌ من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: يدخلون قائلين: سلامٌ عليكم؛ بالبشارة (٥) بدوام السَّلامة.

(﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]) أي: (تَوْبَتِي) ومرجعي، فيثيبني على المشاقِّ، أو إليه أتوب عن (٦) سالف خطيئتي، ولأبي ذَرٍّ: «والمتاب: إليه توبتي».

وقوله: (﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (لَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «أفلم (١)» ((يَتَبَيَّنْ)) وبها قرأ عليٌّ وابن عبَّاسٍ وغيرهما، وردَّه الفرَّاء بأنَّه لم يسمع «يئستُ» بمعنى: علمتُ، وأُجِيبَ بأنَّ مَن حفظ حجَّةٌ على مَن لم يحفظ، ويدلُّ على ذلك قراءة عليٍّ وغيره كما مرَّ، وقد قال القاسم بن معنٍ (٢)؛ وهو من ثقات الكوفيِّين: هي لغة هوازن، وقال ابن الكلبيِّ: هي لغة حيٍّ من النَّخع، ومنه قول رباح بن عديٍّ:

أَلَمْ يَيْئَسِ الأَقْوامُ أنِّي أنا ابنُه … وَإِنْ كُنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيًا

وقول سُحَيْم الرِّياحي:

أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسرُونَنِي … ألم تَيْئَسوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ

والمعنى: أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلَّقت مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء بإيمان النَّاس جميعًا؛ لآمنوا.

(﴿قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (دَاهِيَةٌ) تقرعهم وتقلقلهم.

(﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ [الرعد: ٣٢]) أي: (أَطَلْتُ) للَّذين كفروا المدَّة بتأخير العقوبة (مِنَ المَلِيِّ) بفتح الميم وكسر اللَّام وتشديد التَّحتيَّة. قال في «الصَّحاح»: الطَّويل (٣) من الدَّهر، يُقال: أقام مليًّا من الدَّهر، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: طويلًا، ومضى مليٌّ من النَّهار، أي: ساعةٌ طويلةٌ (وَالِملَاوَةُ) بكسر الميم، ولأبي ذَرٍّ: «والمُلاوة» (٤) بضمِّها، يقال: أقمت عنده ملاوةً من الدَّهر، أي: حينًا وبرهةً (وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]) كما مرَّ (وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ) وهو

الصَّحراء: (مَلًى) بفتح الميم مقصورًا؛ كما في «اليونينيَّة» وفرعها لأبي ذَرٍّ، وفي أصل «اليونينيَّة»: «ملى، كذا» (١) (مِنَ الأَرْضِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «من الأرض» الثَّاني.

(﴿أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤]) أي: (أَشَدُّ مِنَ المَشَقَّةِ) قاله أبو عبيدة.

(﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغَيِّرٌ) يريد قوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] أي: لا مغيِّر لإرادته، ولا يعقِّبه أحدٌ بالرَّدِّ والإبطال.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُهَا (٢) وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) وهذا قد ثبت في نسخةٍ قبل قوله: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ كما مرَّ.

(﴿صِنْوَانٌ﴾ [الرعد: ٤]) جمع: صنو، كقِنوان جمع: قنو: (النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ) وفي الحديث: «عمُّ الرَّجل صنوُ أبيه» أي: يجمعهما أصلٍ واحدٍ (﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]) النَّخلة (وَحْدَهَا ﴿بِمَاء وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ) قال الحسن: هذا مَثَلٌ ضربه الله لقلوب بني آدم، فقلبٌ يرقُّ فيخشع ويخضع، وقلبٌ يسهو ويلهو، والكلُّ (أَبُوهُمْ وَاحِدٌ).

وقوله: (السَّحَابُ الثِّقَالُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] أي: (الَّذِي فِيهِ المَاءُ) قال (٣): والسَّحاب: اسمُ جنسٍ، والواحد: سحابةٌ، والثِّقال جمع: ثقيلة؛ لأنَّك تقول: سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثقالٌ، كما (٤) تقول: امرأةٌ كريمةٌ ونساءٌ كرامٌ، وقال أبو (٥) عليٍّ: السَّحاب: غربال الماء.

وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ [الرعد: ١٤]) زاد أبو ذَرٍّ: «﴿إِلَى الْمَاء﴾» أي: (يَدْعُو المَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بيده فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) إذ لا إشعارَ له به، وهذا وصله الفريابيُّ والطَّبريُّ من طرقٍ عن مجاهدٍ؛ وهو مَثَلُ الَّذين يدعون آلهةً غير الله، وسبق غير (٦) هذا في موضعين من هذه السُّورة

(سَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿فَسَالَتْ﴾» [الرعد: ١٧] (﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ) ولأبي ذَرٍّ: «كلُّ وادٍ بحسبه، فهذا كبيرٌ يسع كثيرًا من الماء، وهذا صغيرٌ يسع بقدره» (﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] زَبَدُ السَّيْلِ) ولأبي ذَرٍّ: «الزَّبد زبد السَّيل» ولأبي ذَرٍّ: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» أي: وممَّا (١) تُوقدون عليه من الذَّهب والفضَّة والحديد وغيرها زبدٌ مثل زبد الماء؛ هو (خَبَثُ الحَدِيدِ وَالحِلْيَةِ) وقوله: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» ثابتٌ لأبي ذَرٍّ، وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا.

(١) (باب قوله (٢): ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾) أي: الَّذي تحمله أو حملها، فعلى الموصوليَّة؛ فالمعنى: أنَّه تعالى يعلم ما تحمله من الولد؛ أهو ذكرٌ أم أنثى؟ وتامٌّ أم ناقصٌ؟ وحسنٌ أم قبيحٌ؟ وطويلٌ أم قصيرٌ؟ أو غير ذلك من الأحوال (﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]) (غِيضَ) أي: (نُقِصَ) بضمِّ النُّون وكسر القاف، سواءٌ كان لازمًا أو متعدِّيًا، يُقال: غاض الماء وغِضْتُه أنا والمعنى: وما تغيضه الأرحام وما تزداد، أي: تأخذه زائدًا (٣)، والمعنى: يعلم ما تُنقصه وما تزداده في الجثَّة والمدَّة والعدد، فإنَّ الرَّحم قد تشتمل على واحدٍ وعلى اثنين و (٤) ثلاثةٍ وأربعةٍ، يُروى أنَّ شريكًا كان رابعَ أربعةٍ في بطنٍ أمِّه، وعن الشَّافعيِّ: أنَّ شيخًا باليمن أخبره: أنَّ امرأة ولدت بطونًا، في كلِّ بطنٍ خمسةٌ، وعن العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ ممَّا ذكره ابن كثيرٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ يعني: السِّقط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: وما زاد الرَّحم في الحمل على ما غاضت حتَّى ولدته تمامًا (٥)، وذلك أنَّ من النِّساء مَنْ تحملُ عشرة أشهرٍ، ومن تحمل تسعةَ أشهرٍ، ومنهنَّ من تزيد في الحمل ومنهنَّ من تنقص، وأقصى مدَّة الحمل أربع سنين عندنا، وخمسٌ عند مالكٍ، وسنتان عند أبي حنيفة، وقال الضَّحَّاك: وضعتني أمِّي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نَبَتَتْ ثنيتيَّ. انتهى. وأقول: في سنة ثمانٍ وثمانين (٦) وثمان مئةٍ غرَّة يوم السَّبت مستهلَّ جمادى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٦٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ حَدثنَا عبْدُ الرحْمانِ بنُ القاسِمِ عنْ بَكْرِ بنِ مُضَرَ عنْ عمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وَأبي سلَمَةَ بنِ عبْدِ الرحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْحَمُ الله لُوطا لَقَدْ كانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَديدٍ ولوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِي وَنحنُ أَحَقُّ مِنْ إبْراهِيمَ إذْ قَالَ لهُ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلى ولاكِنْ لِيَطْمَئنَّ قَلْبِي.

يُمكن أَن يَأْخُذ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) على مَا لَا يخفي على المتأمل الفطن.

وَسَعِيد بن تليد: بِفَتْح التار الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد الْمصْرِيّ. مر فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم العتقي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعدهَا قَاف الْمصْرِيّ الْفَقِيه صَاحب الإِمَام مَالك وراوي الْمُدَوَّنَة من علمه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع.

وَهَذَا الْإِسْنَاد من أَوله إِلَى قَوْله: عَن ابْن شهَاب، مصريون، وَمن ابْن شهَاب إِلَى آخِره مدنيون، وَفِيه رِوَايَة الأقران لِأَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور من أَقْرَان يُونُس بن يزِيد.

قَوْله: (يرحم الله لوطا لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد) قد مر فِي بَاب {ولوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} (الْأَعْرَاف: ٨٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج. والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو ثَبت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) قد مر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء إِلَى آخِره وَقَوله: (وَنحن أَحَق من إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره قد مر فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي بَاب {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحي الْمَوْتَى} (الْبَقَرَة: ٢٦٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن صَالح، وَقد مر الْكَلَام فِي الْكل مستقصىً.

٦

- (بابُ قَوْلِهِ: {حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ} (يُوسُف: ١١٠) ٢.

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: {حَتَّى إِذا استيأس الرسلوظنوا أَنهم قد كذبُوا} (يُوسُف: ١١٠) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، واستيأس على وزن استفعل من الْيَأْس وَهُوَ ضد الرَّجَاء، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبتهم رسلهم فِي وعد الْعَذَاب، وَقيل: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من قَومهمْ أَن يصدقوهم وَظن الْمُرْسل إِلَيْهِم أَن الرُّسُل كذبوهم. وَقَالَ عَطاء وَالْحسن وَقَتَادَة: ظنُّوا أيقنوا أَن قَومهمْ قد كذبوهم. وَمعنى التَّخْفِيف: ظن الْأُمَم أَن الرُّسُل كذبوهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من نصر الله إيَّاهُم بإهلاك أعدائهم وَقَرَأَ مُجَاهِد كذبُوا بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الذَّال وكسره، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْكَذِب الِانْصِرَاف عَن الْحق. فَالْمَعْنى: كذبُوا تَكْذِيبًا لَا تَصْدِيق بعده.

٤٦٩٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ لهُ وهْوَ يَسْألُها عَن قَوْلِ الله تَعَالَى حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ قَالَ قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا قالَتْ عائِشَةُ كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَما هُوَ بالظَنِّ قالَتْ أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وظنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قالَتْ معَاذَ الله لمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذالِكَ بِرَبِّها قُلْتُ فَما هاذِهِ الآيَةُ قالَتْ هُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطال عَلَيْهِمُ البَلَاءُ واسْتأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وظَنَتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جاءَهُمْ نَصْرُ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان: والْحَدِيث قد مر فِي قصَّة يُوسُف فِي آخر: بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (وَهُوَ يسْأَلهَا) الْوَاو وَفِيه للْحَال أَي: وَعُرْوَة يسْأَل عَائِشَة. قَوْله: (أكذبوا أَو كذبُوا) يَعْنِي: مثقلة أم مُخَفّفَة، قَوْله: (قَالَت عَائِشَة كذبُوا) يَعْنِي بالتثقيل. قَوْله: (ذَلِك) أَي الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (أَتبَاع الرُّسُل) وهم الْمُؤْمِنُونَ. فالمظنون تَكْذِيب الْمُؤمنِينَ لَهُم والمتيقن تَكْذِيب الْكفَّار. قَوْله: (معَاذ الله) تعوذت من ظن الرُّسُل أَنهم مكذبون من عِنْد الله، بل ظنهم ذَلِك من قبل المصدقين لَهُم الْمُؤمنِينَ بهم.

٤٦٩٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني عرْوَةُ فَقُلْتُ لعَلَّها كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ مَعاذَ الله

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أوردهُ مُخْتَصرا وَقد سافه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) بِتَمَامِهِ، وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَنه سُأل عَائِشَة فَذكر نَحْو حَدِيث صَالح بن كيسَان.

١٣ - (سورَةُ الرَّعْدِ)

أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الرَّعْد، قيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة وَقيل الْمَدِينَة، وَقيل: فِيهَا مكي ومدني، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسِتَّة أحرف، وَثَمَانمِائَة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ آيَة.

بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرحِيمِ

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {كَباسِطِ كَفّيْهِ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ الله إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلَ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خيَالِهِ فِي الماءِ مِنْ بَعِيد وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَتَنَاوَلهُ ولَا يَقْدِرُ} (الرَّعْد: ١٤) .

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسد كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه} الْآيَة قَوْله: (وَالَّذين) أَي: الْمُشْركُونَ الَّذين يدعونَ الْأَصْنَام من دون الله يُرِيدُونَ مِنْهَا دفعا أَو رفعا لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء مِمَّن ذَلِك. قَوْله: (كباسط كفيه) أَي: إلَاّ كباسط كفيه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهِ مثل الْمُشرك الَّذِي عَبده مَعَ الله إِلَهًا آخر إِلَى آخِره، وَوَصله أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَلَا يقدر) بالراء فِي رِوَايَة أَلا كثرين، وَرُوِيَ: فَلَا يقدم، بِالْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه من حَيْثُ الْمَعْنى.

وَقَالَ غيْرُهُ سَخَّرَ ذَلَّلَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى} (الرَّعْد: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ذلل) يَعْنِي: ذللهما لمنافع الْخلق ومصالح الْعباد كل يجْرِي أَي: كل وَاحِد إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ فنَاء الدُّنْيَا وَقيام السَّاعَة.

مُتَجاورَاتٌ مُتَدَانِياتٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الأَرْض قطع متجاورات} (الرَّعْد: ٤) وَفسّر متجاورات بقوله: متدانيات، وَقيل: متقاربات يقرب بَعْضهَا من بعض بالجوار وَيخْتَلف بالتفاضل. فَمِنْهَا عذبة وَمِنْهَا مالحة وَمِنْهَا طيبَة تنْبت مِنْهَا سبخَة لَا تنْبت.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُها عَذْبُها وخَبِيثُها السَّباخُ

رُوِيَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.

المُثَلاتُ واحِدُها مَثُلَةٌ وهْيَ الأشْبَاهُ والأمْثَالُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خلت من قبلهم المثلات} (الرَّعْد: ٦) أَي: وَقد مَضَت من قبلهم من الْأُمَم الَّتِي عَصَتْ رَبهَا، وكذبت رسلها بالعقوبات، والمثلات وَاحِدهَا مثلَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الثَّاء مثل صَدَقَة وصدقات، وَفسّر المثلات بقوله: (وَهِي الْأَشْبَاه والأمثال) وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (المثلات) قَالَ: الْأَمْثَال: وَمن طَرِيق معمر عَن قَتَادَة قَالَ: المثلات الْعُقُوبَات، وَمن طَرِيق زيد بن أسلم قَالَ: المثلات مَا مثل الله بِهِ من الْأُمَم من الْعَذَاب، وَسكن يحيى بن وثاب الثَّاء فِي قِرَاءَته وَضم الْمِيم، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الثَّاء، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بفتحهما وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر ابْن عَيَّاش ضمهما، وَبِه قَرَأَ عِيسَى بن عمر.

بمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار} (الرَّعْد: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (بِقدر) والمقدار على وزن: مفعال مَعْنَاهُ: بِحَدّ لَا يُجَاوِزهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مِقْدَار كل شَيْء مِمَّا يكون قبل أَن يكون وَكلما هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

مُعَقِّباتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى ومِنْهُ قِيلَ العَقِيبُ يُقالُ عَقَّبْتُ فِي إثْرِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} (الرَّعْد: ١١) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، يُقَال: مُعَقِّبَات فَسرهَا بقوله: مَلَائِكَة حفظَة يتعاقبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، فَإِذا صعدت مَلَائِكَة النَّهَار عقبتها مَلَائِكَة اللَّيْل، والتعقيب الْعود بِعْ البدء قَوْله: (لَهُ المعقبات) أَي: لله تَعَالَى مُعَقِّبَات، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَهُ مُعَقِّبَات يَعْنِي لمُحَمد من الرَّحْمَن حرس من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ. يَعْنِي: من شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقيل الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى الْإِنْسَان، والمعقبات جمع معقبة، والمعقبة جمع معقب، فالمعقبات جمع الْجمع كَمَا قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقيل: المعقبات الخدم والحرس حول السُّلْطَان، وَقيل: مَا يتعقب من أوَامِر الله وقضاياه. قَوْله: (يَحْفَظُونَهُ) أَي: يحفظون المستخفي بِاللَّيْلِ والسارب بِالنَّهَارِ قَوْله: (من أَمر الله) أَي: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله من أَمر الله فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله مَا لم يَجِيء الْقدر قَوْله: (وَمِنْه) قيل: العقيب، أَي، وَمن أصل مُعَقِّبَات يُقَال: العقيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي عقب الشَّيْء، وَفِي بعض النّسخ، وَمِنْه الْعقب، بِلَا يَاء بِمَعْنَاهُ، وعقب الرجل نَسْله. قَوْله: (يُقَال: عقب فِي إثره) بتَشْديد الْقَاف فِي ضبط الدمياطي بِخَطِّهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وتخفيفها، قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بتشديدها، وَفِي بعض النّسخ بِكَسْرِهَا، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ أَن يكون لُغَة.

المِحالُ العُقُوبَةُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال} (الرَّعْد: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: الْعقُوبَة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَدِيد الْأَخْذ، وَعَن مُجَاهِد، شَدِيد الْقُوَّة، وَعَن الْحسن: شَدِيد المماحلة والمماكرة والمغالبة، وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: شَدِيد انتقام.

كبَاسطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ ليَقْبِضَ عَلَى المَاء

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ بالغه} (الرَّعْد: ١٤) قَوْله: (لَا يستجيبون) ، يَعْنِي: الَّذين يشركُونَ وَيدعونَ الْأَصْنَام من دون الله لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسط كفيه أَي: إلَاّ كَمَا ينفع باسط كفيه إِلَى المَاء من الْعَطش ليقبضه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى فَمه فَلَا يتم لَهُ ذَلِك وَلَا يجمعه، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: كَالرّجلِ العطشان الْجَالِس على شَفير المَاء ويمد يَدَيْهِ إِلَى الْبِئْر فَلَا يبلغ قعرها فَلَا يبلغ إِلَى المَاء وَالْمَاء لَا ينزو وَلَا يرْتَفع إِلَى يَده، كَذَلِك لَا يَنْفَعهُمْ مَا كَانُوا يدعونَ من دون الله عز وَجل. وَالْعرب تضرب لمن سعى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ طلب مَا لَا يجده مثلا بالقابض على المَاء، لِأَن الْقَابِض على المَاء لَا يحصل شَيْء فِي يَده.

رَابِيا مِنْ رَبا يَرْبُو

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا} (الرَّعْد: ١٧) وَأَشَارَ بقوله: (رابيا) إِلَى أَن

اشتقاق رابيا: من رَبًّا يَرْبُو من بَاب فعل يفعل أَي: انتفخ. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي التَّفْسِير: رابيا عَالِيا مرتفعا فَوق المَاء.

أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ والمَتاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله} (الرَّعْد: ١٧) وَفسّر بقوله: (وَالْمَتَاع مَا تمتعت بِهِ) قَوْله: (ابْتِغَاء حلية) أَي: لأجل ابْتِغَاء أَي طلب حلية، أَي: زِينَة أَو مَتَاع، وأردبه جَوَاهِر الأَرْض من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس والرصاص يذاب فتتخذ مِنْهُ الْأَشْيَاء مِمَّا ينْتَفع بِهِ من الْحلِيّ والأواني وَغَيرهمَا. قَوْله: (زبد مثله) أَي: لَهُ زبد إِذا أذيب مثل الْحق والزبد الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ مثل الْبَاطِل.

جُفاءً أجْفأتِ القِدْرُ إذَا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنْ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} وفشر الْجفَاء بقوله: (أجفأت الْقدر) إِلَى آخِره، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال: أجفأت الْقدر، وَذَلِكَ إِذا غلت وانصب زبدها، فَإِذا سكنت لم يبقَ مِنْهُ شيءٍ، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله: (فَيذْهب جفَاء) تنشفه الأَرْض، يُقَال: جفأ الْوَادي وأجفأ بِمَعْنى نشف قَوْله: (فَكَذَلِك يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل) فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي أثْنَاء الْآيَات الْمَذْكُورَة كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل. وأوضح ذَلِك بقوله: (فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض) وَمعنى قَول البُخَارِيّ: فَكَذَلِك، أَي: فَكَمَا ميز الله الزّبد الَّذِي يبْقى من الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ، ميز الْحق الَّذِي يبْقى وَيسْتَمر من الْبَاطِل الَّذِي لَا أصل لَهُ وَلَا يبْقى.

المِهادُ الفِرَاشُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد} (الرَّعْد: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (الْفراش) وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر.

يَدْرَؤُنَ يدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويدرؤن بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عَقبي الدَّار} (الرَّعْد: ٢٢) وَفسّر قَوْله: (يدرؤن) بقوله (يدْفَعُونَ) يُقَال: درأت فلَانا إِذا دَفعته من الدَّار موهو الدّفع.

سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَليْكُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار} (الرَّعْد: ٢٤) وَقد رهنا محذوفا، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَفِي التَّفْسِير: تدخل الْمَلَائِكَة على أهل الْجنَّة فيسلمون عَلَيْهِم بِمَا صَبَرُوا على الْفقر فِي الدُّنْيَا، وَقيل: على الْجِهَاد، وَقيل: على مُلَازمَة الطَّاعَة ومفارقة الْمعْصِيَة، وَقيل: على تَركهم الشَّهَوَات.

وإلَيْهِ مَتابِ تَوْبَتي

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا إِلَه إلاّ هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} (الرَّعْد: ٣٠) وَفِي التَّفْسِير: وَإِلَيْهِ رجوعي، والمتاب مصدر ميمي، يُقَال: تَابَ الله تَوْبَة ومتابا، والتوبه الرُّجُوع من الذَّنب.

أفَلمْ يَيْأسْ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا إِن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا} (الرَّعْد: ٣١) وَفسّر: (أفلم ييأس) بقوله: (فَلم يتَبَيَّن) وَعَن ابْن عَبَّاس: أفلم يعلم قَالَ الْكَلْبِيّ: ييأس يعلم فِي لُغَة النخع. وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة والطبري عَن الْقَاسِم بن معن أَنه كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لُغَة هوزان، تَقول: يئست كَذَا أَي: عَلمته.

قارِعَةٌ دَاهِيةٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} (الرَّعْد: ٣١) أَي: داهية مهلكة، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عِنْدَ ذَلِكَ) وحصلت النَّجاة لمن تعلَّقت به مشيئته؛ وهم النَّبيُّ والمؤمنون، والظَّنُّ هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته (١)؛ وهو رجحان أحد الطَّرفين.

٤٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (فَقُلْتُ) أي: لعائشة (٢): (لَعَلَّهَا ﴿كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] مُخَفَّفَةً؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ … نحوه) أي: فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلِّف مختصرًا، وأورده أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» تامًّا، ولفظه عن عروة: أنَّه سأل عائشة … فذكره نحو السَّابقة.

(((١٣))) (سورة الرَّعْدِ) مكِّيَّةٌ في قول ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ وابن جبيرٍ، مدنيَّةٌ في قول قتادةَ إلَّا: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وعنه: من أوَّلها إلى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] وهي خمسٌ وأربعون آية.

(بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وزاد واوًا قبل «قال ابن عبَّاس»: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] أي: (مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ إِلَهًا غَيْرَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «إلهًا آخر غيره» (كَمَثَلِ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «إلى ظلِّ خياله» (فِي المَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) أي: عليه، وهذا وصله ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، ويجوز أن يُراد بالموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ المشركون، فالواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ عائده، ومفعوله محذوفٌ؛ وهو الأصنام، والواو في ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ عائدٌ على مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ المحذوف، وعاد عليه الضَّمير كالعقلاء؛ لمعاملتهم إيَّاه معاملتهم، والتَّقدير: والمشركون الَّذين يدعون الأصنام لا تستجيب (١) لهم الأصنام إلَّا استجابةً كاستجابة الماء مَن (٢) بسط كفَّيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفَّيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه، فوجهُ التَّشبيه: عدمُ قدرة المدعوِّ على تحصيل مراده، بل عدم العلم بحال الدَّاعي، أو شبَّهوه في عدم فائدة دعائهم بمَن بلغه (٣) العطش حتَّى كربه الموت، وكفَّاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه، رواه الطَّبريُّ من

طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ: «أو كطالب الماء من البئر بلا دلوٍ ولا رشاءٍ، يمدُّ يده إليها (١)؛ ليرتفع الماء إليه» رواه الطَّبريُّ (٢) أيضًا (٣) من طريق أبي أيُّوب عن عليٍّ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿سَخَّرَ﴾ [الرعد: ٢]) أي: (ذَلَّلَ) الشَّمس والقمر لِمَا يقصد منهما، كتذليل المركوب للرَّاكب، أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذرٍّ، وفي «اليونينيَّة»: «سخَّر ذلك» بكافٍ بعد اللَّام؛ وهي مصلَّحةٌ في الفرع لامًا؛ وهو (٤) الَّذي رأيته في النُّسخ المعتمدة كنسخة «آل ملك» (٥).

(﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٦) [الرعد: ٤]) ومراده قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] أي: (مُتَدَانِيَاتٌ) في الأوضاع، مختلفةٌ باعتبار كونها طيِّبةً وسبخةً، رخوةً وصلبةً، صالحةً للزَّرع والشَّجر أو لأحدهما وغير صالحةٍ لشيءٍ، مع أنَّ تأثير الشَّمس وسائر الكواكب فيها على السَّواء، فلم يكن ذلك بسبب الاتِّصالات الفلكيَّة والحركات الكوكبيَّة، وكذلك أشجارها وزروعها مختلفةٌ جنسًا ونوعًا وطعمًا وطبعًا مع أنَّها تُسقَى (٧) بماءٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مخصِّصٍ يخصِّصُ كلًّا منها بخاصِّيَّةٍ دون أخرى، وما ذلك إلَّا إرادةُ (٨) الفاعل المختار، وفي نسخةٍ هنا: «وقال مجاهدٌ: ﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ طيِّبها: عذبها، وخبيثها: السِّباخ» وهذا وصله أبو بكرِ بن المنذر من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ.

(﴿الْمَثُلَاتُ﴾) في (٩) قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذَرٍّ: «وقال

غيره: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾» (وَاحِدُهَا: مَثُلَةٌ) بفتح الميم وضمِّ المثلَّثة؛ كسَمُرَةٍ وسَمُرَات (وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ) قاله (١) أبو عبيدة، وعند الطَّبريِّ من طريق معمرٍ عن قتادة قال: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: العقوبات، وقال ابن عبَّاسٍ: العقوبات المستأصِلات (٢)؛ كَمُثْلَة قطع (٣) الأذن والأنف ونحوهما، وسُمِّيت بذلك لِمَا بين العقاب والمعاقب (٤) من المماثلة؛ كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (وَقَالَ) تعالى: (﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ [يونس: ١٠٢]).

وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ﴾ (﴿بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]) أي: (بِقَدَرٍ) لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والعِنديَّةُ يحتمل أن يكون المراد بها أنَّه تعالى خصَّص كلَّ حادثٍ بوقتٍ معيَّنٍ وحالةٍ (٥) معيَّنةٍ بمشيئته الأزليَّة وإرادته السَّرمديَّة، وعند حكماء الإسلام: أنَّه تعالى وضع أشياء كليَّةً وأودع فيها قوًى وخواصَّ، وحرَّكها بحيث لزم (٦) من حركاتها المقدَّرة بالمقادير المخصوصة أحوالٌ جزئيَّةٌ متعيِّنةٌ، ومناسباتٌ مخصوصةٌ متقدِّرةٌ (٧)، ويدخل في هذه الآية أفعالُ العباد وأحوالهم وخواطرهم؛ وهي من أدلِّ الدَّلائل على بطلان قول المعتزلة.

وقوله: ﴿لَهُ﴾ (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾» أي: (مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ) يحفظونه في نومه ويقظته من الجنِّ والإنس والهوامِّ، من بين يديه ومن خلفه ليلًا ونهارًا (تُعَقِّبُ) في حفظه (الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى) فإذا صعدت ملائكة النَّهار عقَّبتها ملائكة اللَّيل، وبالعكس.

وأخرج الطَّبريُّ من طريق كنانة العدويِّ: أنَّ عثمان سأل النَّبيَّ ﷺ عن عدد الملائكة

الموكَّلين (١) بالآدميِّ، فقال: «لكلِّ آدميٍّ عشرةٌ باللَّيل وعشرةٌ بالنَّهار، واحدٌ عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابضٌ على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبَّر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلَّا الصَّلاة على محمَّدٍ ﷺ، والعاشر يحرسه من الحيَّة أن تدخل فاه» يعني: إذا نام (وَمِنْهُ) أي: ومن أصل المعقِّبات (قِيلَ: العَقِيبُ) الَّذي (٢) يأتي في (٣) أثر الشَّيء (يُقَالُ: عَقَّبْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قيل: العقيب» أي: عقَّبتُ (فِي إِثْرِهِ) بتشديد القاف في الفرع كأصله (٤)، وضبطه الدِّمياطيُّ (٥).

قال الزَّمخشريُّ: وأصل ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف؛ كقوله: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] أي: المعتذرون، ويجوز «معِقِّباتٌ»؛ بكسر العين، وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: هذا وهمٌ فاحشٌ؛ فإنَّ التَّاء لا تُدغَم في القاف، ولا القاف في التَّاء، لا من كلمةٍ ولا من كلمتين، وقد نصَّ التَّصريفيُّون على أنَّ القاف والكاف كلٌّ منهما يُدغَم في القاف، ولا يُدغَمان في غيرهما، ولا يُدغم غيرُهما فيهما، وأمَّا تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعيَّن أن يكون أصله: المعتذرون (٦)، وأمَّا قوله: ويجوز: «معقبات» بكسر العين؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّه بناه على أنَّ أصله معتقِّباتٌ، فأُدغِمَت التَّاء في القاف، وقد بينَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ، والضَّمير في قوله (٧) ﴿لَهُ﴾ يعود على ﴿مِنَ﴾ (٨) المكرَّرة، أي: لمن أسرَّ القول ولمن جهر به، ولمن استخفى ولمن سرب، جماعةٌ (٩) من الملائكة يعقِّب بعضهم بعضًا، أو يعود على ﴿مِنَ﴾ الأخيرة، وهو قول

ابن عبَّاسٍ، قال ابن عطيَّة: فالمعقِّبات على هذا: حرسُ الرَّجل الَّذين يحفظونه، قالوا (١): والآية على هذا في الرُّؤساء الكفَّار، واختاره الطَّبريُّ في آخرين، إلَّا أنَّ الماورديَّ ذكر على هذا التَّأويل: أنَّ الكلام نفيٌ والتَّقدير: لا يحفظونه، وهذا ينبغي أَلَّا يُسمَع ألبتَّة، كيف يُبرَز كلامٌ موجبٌ ويراد به نفيٌ؟! وحَذْفُ «لا» إنَّما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعًا في جواب قسمٍ؛ نحو: ﴿تَالله تَفْتَأُ﴾ [يوسف: ٨٥] وقد تقدَّم تحريره، وإنَّما معنى الكلام كما -قال المهدويُّ-: يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنِّه. انتهى. و ﴿مِنَ﴾: إمَّا للسَّبب، أي: بسبب أمر الله: أو على بابها، قال أبو البقاء: من أمر الله من الجنِّ والإنس، وذكر الفرَّاء: أنَّه على التَّقديم والتَّأخير، أي: له (٢) معقِّباتٌ مِنْ (٣) أمر الله يحفظونه، لكن قال في «الدُّرِّ»: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه، وأخرج الطَّبريُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: حفظهم إيَّاه من أمر الله.

(﴿الْمِحَالِ﴾) يريد قوله (٤): ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] هو (العُقُوبَةُ)، قاله (٥) أبو عبيدة.

وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء﴾ [الرعد: ١٤] لِيَقْبِضَ عَلَى المَاءِ) فلا يحصل منه على (٦) شيءٍ، قال:

فَأَصْبحتُ ممَّا كان بَيْني وبَيْنها … مِنَ الوُدِّ مِثلَ القَابضِ الماءَ بِاليدِ

والمعنى: أنَّ الَّذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه؛ كما لا يَنتفِع به كذلك المشركون الَّذين يعبدون مع الله آلهةً غيره لا ينتفعون بها (٧) أبدًا، وقد مرَّ قريبًا مزيدٌ لهذا.

وقوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (﴿رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] مِنْ رَبَا يَرْبُو) أي: إذا زاد، وقال الزَّجَّاج: طافيًا فوق الماء، والزَّبد: وَضَرُ الغليان وخُبْثه، أو ما يحمله السَّيل من غثاءٍ ونحوه (﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ

مِّثْلُهُ﴾ المَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) كالأواني وآلات الحرث والحرب (﴿جُفَاء﴾ [الرعد: ١٧]) قال أبو عمرو بن العلاء: (أَجْفَأَتِ القِدْرُ) ولأبي ذَرٍّ: «يقال: أجفأتِ القِدْرُ» (١) (إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ) وذلك أنَّ هذا الكلام ضربه للحقِّ وأهله، الشَّامل للقرآن وغيره، والباطل وحزبه فقوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾ [الرعد: ١٧] مَثَلٌ للقرآن، والأودية مَثَل للقلوب، أي: أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين، فالقلب الَّذي يأخذ منه ما يُنتفَع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته، ولا يخفى أنَّ بين القلوب في ذلك تفاوتًا عظيمًا، وقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [الرعد: ١٧] فهو مَثَلُ الباطل في قلَّة نفعه وسرعة زواله.

(﴿الْمِهَادُ﴾) في قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفِرَاشُ) وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ، ثابتٌ لغيره.

(﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾) في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ﴾ [الرعد: ٢٢] أي: (يَدْفَعُونَ) السَّيِّئة بمقابلتها بالحسنة، وهذا وصف سيِّدنا رسول الله ﷺ في التَّوراة، فيندرج تحته الدَّفع بالحسن من الكلام، والوصل في مقابلة قطع الأرحام وغيرهما (٢) من أخلاق الكرام، وتغيير (٣) منكرات أفعال اللِّئام (دَرَأْتُهُ عنِّي) أي: (دَفَعْتُهُ) وسقط لغير أبي (٤) ذَرٍّ «عنِّي».

(﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] (أَيْ: يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فأضمر القول ههنا؛ لأنَّ في الكلام دليلًا عليه، والقول المضمر حالٌ من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: يدخلون قائلين: سلامٌ عليكم؛ بالبشارة (٥) بدوام السَّلامة.

(﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]) أي: (تَوْبَتِي) ومرجعي، فيثيبني على المشاقِّ، أو إليه أتوب عن (٦) سالف خطيئتي، ولأبي ذَرٍّ: «والمتاب: إليه توبتي».

وقوله: (﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (لَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «أفلم (١)» ((يَتَبَيَّنْ)) وبها قرأ عليٌّ وابن عبَّاسٍ وغيرهما، وردَّه الفرَّاء بأنَّه لم يسمع «يئستُ» بمعنى: علمتُ، وأُجِيبَ بأنَّ مَن حفظ حجَّةٌ على مَن لم يحفظ، ويدلُّ على ذلك قراءة عليٍّ وغيره كما مرَّ، وقد قال القاسم بن معنٍ (٢)؛ وهو من ثقات الكوفيِّين: هي لغة هوازن، وقال ابن الكلبيِّ: هي لغة حيٍّ من النَّخع، ومنه قول رباح بن عديٍّ:

أَلَمْ يَيْئَسِ الأَقْوامُ أنِّي أنا ابنُه … وَإِنْ كُنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيًا

وقول سُحَيْم الرِّياحي:

أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسرُونَنِي … ألم تَيْئَسوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ

والمعنى: أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلَّقت مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء بإيمان النَّاس جميعًا؛ لآمنوا.

(﴿قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]) أي: (دَاهِيَةٌ) تقرعهم وتقلقلهم.

(﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ [الرعد: ٣٢]) أي: (أَطَلْتُ) للَّذين كفروا المدَّة بتأخير العقوبة (مِنَ المَلِيِّ) بفتح الميم وكسر اللَّام وتشديد التَّحتيَّة. قال في «الصَّحاح»: الطَّويل (٣) من الدَّهر، يُقال: أقام مليًّا من الدَّهر، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: طويلًا، ومضى مليٌّ من النَّهار، أي: ساعةٌ طويلةٌ (وَالِملَاوَةُ) بكسر الميم، ولأبي ذَرٍّ: «والمُلاوة» (٤) بضمِّها، يقال: أقمت عنده ملاوةً من الدَّهر، أي: حينًا وبرهةً (وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]) كما مرَّ (وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ) وهو

الصَّحراء: (مَلًى) بفتح الميم مقصورًا؛ كما في «اليونينيَّة» وفرعها لأبي ذَرٍّ، وفي أصل «اليونينيَّة»: «ملى، كذا» (١) (مِنَ الأَرْضِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «من الأرض» الثَّاني.

(﴿أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤]) أي: (أَشَدُّ مِنَ المَشَقَّةِ) قاله أبو عبيدة.

(﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغَيِّرٌ) يريد قوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] أي: لا مغيِّر لإرادته، ولا يعقِّبه أحدٌ بالرَّدِّ والإبطال.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُهَا (٢) وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) وهذا قد ثبت في نسخةٍ قبل قوله: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ كما مرَّ.

(﴿صِنْوَانٌ﴾ [الرعد: ٤]) جمع: صنو، كقِنوان جمع: قنو: (النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ) وفي الحديث: «عمُّ الرَّجل صنوُ أبيه» أي: يجمعهما أصلٍ واحدٍ (﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]) النَّخلة (وَحْدَهَا ﴿بِمَاء وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ) قال الحسن: هذا مَثَلٌ ضربه الله لقلوب بني آدم، فقلبٌ يرقُّ فيخشع ويخضع، وقلبٌ يسهو ويلهو، والكلُّ (أَبُوهُمْ وَاحِدٌ).

وقوله: (السَّحَابُ الثِّقَالُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] أي: (الَّذِي فِيهِ المَاءُ) قال (٣): والسَّحاب: اسمُ جنسٍ، والواحد: سحابةٌ، والثِّقال جمع: ثقيلة؛ لأنَّك تقول: سحابةٌ ثقيلةٌ وسحابٌ ثقالٌ، كما (٤) تقول: امرأةٌ كريمةٌ ونساءٌ كرامٌ، وقال أبو (٥) عليٍّ: السَّحاب: غربال الماء.

وقوله تعالى: (﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ [الرعد: ١٤]) زاد أبو ذَرٍّ: «﴿إِلَى الْمَاء﴾» أي: (يَدْعُو المَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بيده فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) إذ لا إشعارَ له به، وهذا وصله الفريابيُّ والطَّبريُّ من طرقٍ عن مجاهدٍ؛ وهو مَثَلُ الَّذين يدعون آلهةً غير الله، وسبق غير (٦) هذا في موضعين من هذه السُّورة

(سَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿فَسَالَتْ﴾» [الرعد: ١٧] (﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ) ولأبي ذَرٍّ: «كلُّ وادٍ بحسبه، فهذا كبيرٌ يسع كثيرًا من الماء، وهذا صغيرٌ يسع بقدره» (﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] زَبَدُ السَّيْلِ) ولأبي ذَرٍّ: «الزَّبد زبد السَّيل» ولأبي ذَرٍّ: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» أي: وممَّا (١) تُوقدون عليه من الذَّهب والفضَّة والحديد وغيرها زبدٌ مثل زبد الماء؛ هو (خَبَثُ الحَدِيدِ وَالحِلْيَةِ) وقوله: «﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾» ثابتٌ لأبي ذَرٍّ، وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا.

(١) (باب قوله (٢): ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾) أي: الَّذي تحمله أو حملها، فعلى الموصوليَّة؛ فالمعنى: أنَّه تعالى يعلم ما تحمله من الولد؛ أهو ذكرٌ أم أنثى؟ وتامٌّ أم ناقصٌ؟ وحسنٌ أم قبيحٌ؟ وطويلٌ أم قصيرٌ؟ أو غير ذلك من الأحوال (﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]) (غِيضَ) أي: (نُقِصَ) بضمِّ النُّون وكسر القاف، سواءٌ كان لازمًا أو متعدِّيًا، يُقال: غاض الماء وغِضْتُه أنا والمعنى: وما تغيضه الأرحام وما تزداد، أي: تأخذه زائدًا (٣)، والمعنى: يعلم ما تُنقصه وما تزداده في الجثَّة والمدَّة والعدد، فإنَّ الرَّحم قد تشتمل على واحدٍ وعلى اثنين و (٤) ثلاثةٍ وأربعةٍ، يُروى أنَّ شريكًا كان رابعَ أربعةٍ في بطنٍ أمِّه، وعن الشَّافعيِّ: أنَّ شيخًا باليمن أخبره: أنَّ امرأة ولدت بطونًا، في كلِّ بطنٍ خمسةٌ، وعن العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ ممَّا ذكره ابن كثيرٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ يعني: السِّقط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: وما زاد الرَّحم في الحمل على ما غاضت حتَّى ولدته تمامًا (٥)، وذلك أنَّ من النِّساء مَنْ تحملُ عشرة أشهرٍ، ومن تحمل تسعةَ أشهرٍ، ومنهنَّ من تزيد في الحمل ومنهنَّ من تنقص، وأقصى مدَّة الحمل أربع سنين عندنا، وخمسٌ عند مالكٍ، وسنتان عند أبي حنيفة، وقال الضَّحَّاك: وضعتني أمِّي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نَبَتَتْ ثنيتيَّ. انتهى. وأقول: في سنة ثمانٍ وثمانين (٦) وثمان مئةٍ غرَّة يوم السَّبت مستهلَّ جمادى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٦٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ حَدثنَا عبْدُ الرحْمانِ بنُ القاسِمِ عنْ بَكْرِ بنِ مُضَرَ عنْ عمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وَأبي سلَمَةَ بنِ عبْدِ الرحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْحَمُ الله لُوطا لَقَدْ كانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَديدٍ ولوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِي وَنحنُ أَحَقُّ مِنْ إبْراهِيمَ إذْ قَالَ لهُ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلى ولاكِنْ لِيَطْمَئنَّ قَلْبِي.

يُمكن أَن يَأْخُذ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) على مَا لَا يخفي على المتأمل الفطن.

وَسَعِيد بن تليد: بِفَتْح التار الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد الْمصْرِيّ. مر فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم العتقي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعدهَا قَاف الْمصْرِيّ الْفَقِيه صَاحب الإِمَام مَالك وراوي الْمُدَوَّنَة من علمه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع.

وَهَذَا الْإِسْنَاد من أَوله إِلَى قَوْله: عَن ابْن شهَاب، مصريون، وَمن ابْن شهَاب إِلَى آخِره مدنيون، وَفِيه رِوَايَة الأقران لِأَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور من أَقْرَان يُونُس بن يزِيد.

قَوْله: (يرحم الله لوطا لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد) قد مر فِي بَاب {ولوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} (الْأَعْرَاف: ٨٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج. والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو ثَبت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) قد مر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء إِلَى آخِره وَقَوله: (وَنحن أَحَق من إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره قد مر فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي بَاب {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحي الْمَوْتَى} (الْبَقَرَة: ٢٦٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن صَالح، وَقد مر الْكَلَام فِي الْكل مستقصىً.

٦

- (بابُ قَوْلِهِ: {حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ} (يُوسُف: ١١٠) ٢.

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: {حَتَّى إِذا استيأس الرسلوظنوا أَنهم قد كذبُوا} (يُوسُف: ١١٠) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، واستيأس على وزن استفعل من الْيَأْس وَهُوَ ضد الرَّجَاء، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبتهم رسلهم فِي وعد الْعَذَاب، وَقيل: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من قَومهمْ أَن يصدقوهم وَظن الْمُرْسل إِلَيْهِم أَن الرُّسُل كذبوهم. وَقَالَ عَطاء وَالْحسن وَقَتَادَة: ظنُّوا أيقنوا أَن قَومهمْ قد كذبوهم. وَمعنى التَّخْفِيف: ظن الْأُمَم أَن الرُّسُل كذبوهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من نصر الله إيَّاهُم بإهلاك أعدائهم وَقَرَأَ مُجَاهِد كذبُوا بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الذَّال وكسره، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْكَذِب الِانْصِرَاف عَن الْحق. فَالْمَعْنى: كذبُوا تَكْذِيبًا لَا تَصْدِيق بعده.

٤٦٩٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ لهُ وهْوَ يَسْألُها عَن قَوْلِ الله تَعَالَى حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ قَالَ قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا قالَتْ عائِشَةُ كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَما هُوَ بالظَنِّ قالَتْ أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وظنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قالَتْ معَاذَ الله لمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذالِكَ بِرَبِّها قُلْتُ فَما هاذِهِ الآيَةُ قالَتْ هُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطال عَلَيْهِمُ البَلَاءُ واسْتأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وظَنَتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جاءَهُمْ نَصْرُ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان: والْحَدِيث قد مر فِي قصَّة يُوسُف فِي آخر: بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} (يُوسُف: ٧) وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (وَهُوَ يسْأَلهَا) الْوَاو وَفِيه للْحَال أَي: وَعُرْوَة يسْأَل عَائِشَة. قَوْله: (أكذبوا أَو كذبُوا) يَعْنِي: مثقلة أم مُخَفّفَة، قَوْله: (قَالَت عَائِشَة كذبُوا) يَعْنِي بالتثقيل. قَوْله: (ذَلِك) أَي الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (أَتبَاع الرُّسُل) وهم الْمُؤْمِنُونَ. فالمظنون تَكْذِيب الْمُؤمنِينَ لَهُم والمتيقن تَكْذِيب الْكفَّار. قَوْله: (معَاذ الله) تعوذت من ظن الرُّسُل أَنهم مكذبون من عِنْد الله، بل ظنهم ذَلِك من قبل المصدقين لَهُم الْمُؤمنِينَ بهم.

٤٦٩٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني عرْوَةُ فَقُلْتُ لعَلَّها كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ مَعاذَ الله

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أوردهُ مُخْتَصرا وَقد سافه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) بِتَمَامِهِ، وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَنه سُأل عَائِشَة فَذكر نَحْو حَدِيث صَالح بن كيسَان.

١٣ - (سورَةُ الرَّعْدِ)

أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الرَّعْد، قيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة وَقيل الْمَدِينَة، وَقيل: فِيهَا مكي ومدني، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسِتَّة أحرف، وَثَمَانمِائَة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ آيَة.

بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرحِيمِ

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {كَباسِطِ كَفّيْهِ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ الله إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلَ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خيَالِهِ فِي الماءِ مِنْ بَعِيد وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَتَنَاوَلهُ ولَا يَقْدِرُ} (الرَّعْد: ١٤) .

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسد كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه} الْآيَة قَوْله: (وَالَّذين) أَي: الْمُشْركُونَ الَّذين يدعونَ الْأَصْنَام من دون الله يُرِيدُونَ مِنْهَا دفعا أَو رفعا لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء مِمَّن ذَلِك. قَوْله: (كباسط كفيه) أَي: إلَاّ كباسط كفيه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهِ مثل الْمُشرك الَّذِي عَبده مَعَ الله إِلَهًا آخر إِلَى آخِره، وَوَصله أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَلَا يقدر) بالراء فِي رِوَايَة أَلا كثرين، وَرُوِيَ: فَلَا يقدم، بِالْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه من حَيْثُ الْمَعْنى.

وَقَالَ غيْرُهُ سَخَّرَ ذَلَّلَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى} (الرَّعْد: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ذلل) يَعْنِي: ذللهما لمنافع الْخلق ومصالح الْعباد كل يجْرِي أَي: كل وَاحِد إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ فنَاء الدُّنْيَا وَقيام السَّاعَة.

مُتَجاورَاتٌ مُتَدَانِياتٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الأَرْض قطع متجاورات} (الرَّعْد: ٤) وَفسّر متجاورات بقوله: متدانيات، وَقيل: متقاربات يقرب بَعْضهَا من بعض بالجوار وَيخْتَلف بالتفاضل. فَمِنْهَا عذبة وَمِنْهَا مالحة وَمِنْهَا طيبَة تنْبت مِنْهَا سبخَة لَا تنْبت.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُها عَذْبُها وخَبِيثُها السَّباخُ

رُوِيَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.

المُثَلاتُ واحِدُها مَثُلَةٌ وهْيَ الأشْبَاهُ والأمْثَالُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقد خلت من قبلهم المثلات} (الرَّعْد: ٦) أَي: وَقد مَضَت من قبلهم من الْأُمَم الَّتِي عَصَتْ رَبهَا، وكذبت رسلها بالعقوبات، والمثلات وَاحِدهَا مثلَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الثَّاء مثل صَدَقَة وصدقات، وَفسّر المثلات بقوله: (وَهِي الْأَشْبَاه والأمثال) وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (المثلات) قَالَ: الْأَمْثَال: وَمن طَرِيق معمر عَن قَتَادَة قَالَ: المثلات الْعُقُوبَات، وَمن طَرِيق زيد بن أسلم قَالَ: المثلات مَا مثل الله بِهِ من الْأُمَم من الْعَذَاب، وَسكن يحيى بن وثاب الثَّاء فِي قِرَاءَته وَضم الْمِيم، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الثَّاء، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بفتحهما وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر ابْن عَيَّاش ضمهما، وَبِه قَرَأَ عِيسَى بن عمر.

بمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار} (الرَّعْد: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (بِقدر) والمقدار على وزن: مفعال مَعْنَاهُ: بِحَدّ لَا يُجَاوِزهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مِقْدَار كل شَيْء مِمَّا يكون قبل أَن يكون وَكلما هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

مُعَقِّباتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى ومِنْهُ قِيلَ العَقِيبُ يُقالُ عَقَّبْتُ فِي إثْرِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} (الرَّعْد: ١١) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، يُقَال: مُعَقِّبَات فَسرهَا بقوله: مَلَائِكَة حفظَة يتعاقبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، فَإِذا صعدت مَلَائِكَة النَّهَار عقبتها مَلَائِكَة اللَّيْل، والتعقيب الْعود بِعْ البدء قَوْله: (لَهُ المعقبات) أَي: لله تَعَالَى مُعَقِّبَات، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَهُ مُعَقِّبَات يَعْنِي لمُحَمد من الرَّحْمَن حرس من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ. يَعْنِي: من شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقيل الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى الْإِنْسَان، والمعقبات جمع معقبة، والمعقبة جمع معقب، فالمعقبات جمع الْجمع كَمَا قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقيل: المعقبات الخدم والحرس حول السُّلْطَان، وَقيل: مَا يتعقب من أوَامِر الله وقضاياه. قَوْله: (يَحْفَظُونَهُ) أَي: يحفظون المستخفي بِاللَّيْلِ والسارب بِالنَّهَارِ قَوْله: (من أَمر الله) أَي: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله من أَمر الله فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله مَا لم يَجِيء الْقدر قَوْله: (وَمِنْه) قيل: العقيب، أَي، وَمن أصل مُعَقِّبَات يُقَال: العقيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي عقب الشَّيْء، وَفِي بعض النّسخ، وَمِنْه الْعقب، بِلَا يَاء بِمَعْنَاهُ، وعقب الرجل نَسْله. قَوْله: (يُقَال: عقب فِي إثره) بتَشْديد الْقَاف فِي ضبط الدمياطي بِخَطِّهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وتخفيفها، قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بتشديدها، وَفِي بعض النّسخ بِكَسْرِهَا، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ أَن يكون لُغَة.

المِحالُ العُقُوبَةُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال} (الرَّعْد: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: الْعقُوبَة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَدِيد الْأَخْذ، وَعَن مُجَاهِد، شَدِيد الْقُوَّة، وَعَن الْحسن: شَدِيد المماحلة والمماكرة والمغالبة، وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: شَدِيد انتقام.

كبَاسطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ ليَقْبِضَ عَلَى المَاء

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ بالغه} (الرَّعْد: ١٤) قَوْله: (لَا يستجيبون) ، يَعْنِي: الَّذين يشركُونَ وَيدعونَ الْأَصْنَام من دون الله لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسط كفيه أَي: إلَاّ كَمَا ينفع باسط كفيه إِلَى المَاء من الْعَطش ليقبضه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى فَمه فَلَا يتم لَهُ ذَلِك وَلَا يجمعه، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: كَالرّجلِ العطشان الْجَالِس على شَفير المَاء ويمد يَدَيْهِ إِلَى الْبِئْر فَلَا يبلغ قعرها فَلَا يبلغ إِلَى المَاء وَالْمَاء لَا ينزو وَلَا يرْتَفع إِلَى يَده، كَذَلِك لَا يَنْفَعهُمْ مَا كَانُوا يدعونَ من دون الله عز وَجل. وَالْعرب تضرب لمن سعى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ طلب مَا لَا يجده مثلا بالقابض على المَاء، لِأَن الْقَابِض على المَاء لَا يحصل شَيْء فِي يَده.

رَابِيا مِنْ رَبا يَرْبُو

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا} (الرَّعْد: ١٧) وَأَشَارَ بقوله: (رابيا) إِلَى أَن

اشتقاق رابيا: من رَبًّا يَرْبُو من بَاب فعل يفعل أَي: انتفخ. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي التَّفْسِير: رابيا عَالِيا مرتفعا فَوق المَاء.

أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ والمَتاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله} (الرَّعْد: ١٧) وَفسّر بقوله: (وَالْمَتَاع مَا تمتعت بِهِ) قَوْله: (ابْتِغَاء حلية) أَي: لأجل ابْتِغَاء أَي طلب حلية، أَي: زِينَة أَو مَتَاع، وأردبه جَوَاهِر الأَرْض من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس والرصاص يذاب فتتخذ مِنْهُ الْأَشْيَاء مِمَّا ينْتَفع بِهِ من الْحلِيّ والأواني وَغَيرهمَا. قَوْله: (زبد مثله) أَي: لَهُ زبد إِذا أذيب مثل الْحق والزبد الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ مثل الْبَاطِل.

جُفاءً أجْفأتِ القِدْرُ إذَا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنْ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء} وفشر الْجفَاء بقوله: (أجفأت الْقدر) إِلَى آخِره، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال: أجفأت الْقدر، وَذَلِكَ إِذا غلت وانصب زبدها، فَإِذا سكنت لم يبقَ مِنْهُ شيءٍ، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله: (فَيذْهب جفَاء) تنشفه الأَرْض، يُقَال: جفأ الْوَادي وأجفأ بِمَعْنى نشف قَوْله: (فَكَذَلِك يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل) فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي أثْنَاء الْآيَات الْمَذْكُورَة كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل. وأوضح ذَلِك بقوله: (فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض) وَمعنى قَول البُخَارِيّ: فَكَذَلِك، أَي: فَكَمَا ميز الله الزّبد الَّذِي يبْقى من الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ، ميز الْحق الَّذِي يبْقى وَيسْتَمر من الْبَاطِل الَّذِي لَا أصل لَهُ وَلَا يبْقى.

المِهادُ الفِرَاشُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد} (الرَّعْد: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (الْفراش) وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر.

يَدْرَؤُنَ يدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويدرؤن بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عَقبي الدَّار} (الرَّعْد: ٢٢) وَفسّر قَوْله: (يدرؤن) بقوله (يدْفَعُونَ) يُقَال: درأت فلَانا إِذا دَفعته من الدَّار موهو الدّفع.

سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَليْكُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار} (الرَّعْد: ٢٤) وَقد رهنا محذوفا، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَفِي التَّفْسِير: تدخل الْمَلَائِكَة على أهل الْجنَّة فيسلمون عَلَيْهِم بِمَا صَبَرُوا على الْفقر فِي الدُّنْيَا، وَقيل: على الْجِهَاد، وَقيل: على مُلَازمَة الطَّاعَة ومفارقة الْمعْصِيَة، وَقيل: على تَركهم الشَّهَوَات.

وإلَيْهِ مَتابِ تَوْبَتي

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا إِلَه إلاّ هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} (الرَّعْد: ٣٠) وَفِي التَّفْسِير: وَإِلَيْهِ رجوعي، والمتاب مصدر ميمي، يُقَال: تَابَ الله تَوْبَة ومتابا، والتوبه الرُّجُوع من الذَّنب.

أفَلمْ يَيْأسْ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا إِن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا} (الرَّعْد: ٣١) وَفسّر: (أفلم ييأس) بقوله: (فَلم يتَبَيَّن) وَعَن ابْن عَبَّاس: أفلم يعلم قَالَ الْكَلْبِيّ: ييأس يعلم فِي لُغَة النخع. وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة والطبري عَن الْقَاسِم بن معن أَنه كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لُغَة هوزان، تَقول: يئست كَذَا أَي: عَلمته.

قارِعَةٌ دَاهِيةٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} (الرَّعْد: ٣١) أَي: داهية مهلكة، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.5 / 29.5
الإضاءة 35%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56