«قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4530

الحديث رقم 4530 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قلت لعثمان بن عفان: ﴿والذين يتوفون منكم…

«قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ أَوْ: تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.»

سند حديث: ٤٥٣٠ - حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ…

٤٥٣٠ - حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قلت لعثمان بن عفان: ﴿والذين يتوفون منكم…

عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنه ، فلما جلسنا عنده قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه من فِيه، وجاهدت معه في سبيل الله، وصليت خلفه؛ لقد أوتيت خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد بما سمعت من رسول الله شِفاهًا، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما حدثتكموه فاقبلوه، وما لا فلا تكلفوني تحديثكم إياه، ثم قال محدثًا لنا: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا عند واد فيه ماء اسمه خُم بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، وذكرهم ما قد غفلوا عنه بمزاولة الأهل والعيال من التوجه للخدمة وأداء حق العبودية، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يقرب إتيان رسول ربي يعني ملك الموت لقبض روحي فأجيبه، وأنا تارك فيكم شيئين عظيمين، أولهما القرآن فيه الهدى والنور، فخذوا به واطلبوا من أنفسكم الإمساك به.
فحرض على الأخذ بالقرآن والتمسك بحبله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، آمركم بطاعة الله فيهم وبالقيام بحقهم قالها مرتين، فقال حصين ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم وأمرنا باحترامهم وإكرامهم، ولكن أهل بيته المرادون عند الإطلاق من حرم عليهم الصدقة الواجبة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر أولاد أبي طالب، وآل عباس، كل هؤلاء منعوا من أخذ الصدقة الواجبة من زكاة ونذر وكفارة.
وفي رواية: ألا وإني تارك فيكم شيئين عظيمين، أحدهما كتاب الله، وهو عهده، والسبب الموصل إلى رضاه ورحمته، ونوره الذي يهدى به، من اتبعه مؤتمرًا بأوامره منتهيًا عن نواهيه كان على الهدى الذي هو ضد الضلالة، ومن أعرض عن أمره ونهيه كان على الضلالة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب الثناء على العالم بالأوصاف اللائقة به، والدعاء له قبل طلب العلم منه.
  • أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذوي الفضل والخير.
  • يجوز للعالم أن يعتذر للسامعين قبل تحديثهم عن الخطأ أو الزلل الذي قد يقع منه.
  • الكبر مظنة النسيان وضعف الحافظة.
  • ينبغي على العالم ألا يحدث إلا بما يعلم، ولا يجوز التحدث من غير علم.
  • طالب العلم لا يحرج شيخه، ولا يكلفه ما لا يطيق في الإجابة إذا رأى أن شيخه اكتفى بما حدثه.
  • ينبغي على العالم أن يوصي أتباعه بما يصلحهم من بعده.
  • رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يأتيه الموت كما يأتي البشر "إنك ميت وإنهم ميتون".
  • وجوب التمسك بكتاب الله؛ لأنه حبل الله المتين، والصراط المستقيم، من اتبعه هدي، ومن تركه كان على ضلالة.
  • الوصية بآل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته وطلب العناية بشأنهم.
  • نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل بيته.
  • حُرمة الصدقة الواجبة على أهل البيت، وإنما أحل لهم خُمُسُ النحر والغنائم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «قلت لعثمان بن عفان: ﴿والذين يتوفون منكم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ - إلى - ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ﴿يَعْفُونَ﴾ يَهَبْنَ.

٤٥٣٠ - حَدَّثَنِا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.

[الحديث ٤٥٢٩ - أطرافه في: ٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١]

٤٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَهُ.

[الحديث ٤٥٣١ - طرفه في: ٥٣٤٤]

٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ - أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ - قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.

وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ"

[الحديث ٤٥٣٢ - طرفه في: ٤٩١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ سَاقَ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

قَوْلُهُ: (يَعْفُونَ يَهَبْنَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ، أَبِو عُبَيْدَةَ قَالَ: يَعْفُونَ: يَتْرُكْنَ يَهَبْنَ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْحُمَيْدِيِّ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ عَفْوُ الرِّجَالِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ وَنَظَائِرُهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، لَكِنْ فِي الرِّجَالِ النُّونُ عَلَامَةُ الرَّفْعِ، وَفِي النِّسَاءِ النُّونُ ضَمِيرٌ لَهُنَّ، وَوَزْنُ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ يَفْعُلُونَ وَجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ يَفْعُلْنَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حَبِيبٍ) هُوَ ابْنُ الشَّهِيدِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ بِسَنَدِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ كَأَنَّهُ قَالَ: لِمَ تَكْتُبُهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، أَوْ قَالَ: لِمَ تَدَعُهَا أَيْ تَتْرُكُهَا مَكْتُوبَةً، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيُّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لِمَ تَكْتُبُهَا وَقَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّقْدِيرَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ مِنْهَا شَيْئًا عَنْ مَكَانِهِ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ. وَفِي جَوَابِ عُثْمَانَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيِ تَوْقِيفِيٌّ. وَكَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ظَنَّ أَنَّ الَّذِي يُنْسَخُ حُكْمُهُ لَا يُكْتَبُ، فَأَجَابَهُ عُثْمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْمُتَّبَعُ فِيهِ التَّوَقُّفُ، وَلَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا ثَوَابُ التِّلَاوَةِ، وَالِامْتِثَالُ عَلَى أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مِنَ الْحَوْلِ بَعْضَهُ وَبَقِيَ الْبَعْضُ وَصِيَّةً لَهَا إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ كَمَا فِي الْبَابِ عَنْ مُجَاهِدٍ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ.

وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ النَّاسِخُ مُقَدَّمًا فِي تَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْمَنْسُوخِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ نَظِيرُ ذَلِكَ إِلَّا هُنَا وَفِي الْأَحْزَابِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِحْلَالَ جَمِيعِ النِّسَاءِ هُوَ النَّاسِخُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ظَفِرْتُ بِمَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْهَا فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فَإِنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّطَوُّعِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كَوْنُهَا مُقَدَّمَةً فِي التِّلَاوَةِ، وَمِنْهَا فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ طَعَنُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً فِي التِّلَاوَةِ مُتَأَخِّرَةً فِي النُّزُولِ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيَكْفِي هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْقَدرِ. قَوْلُهُ وَقَوْلُ عُثْمَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي يُرِيدُ فِي الْإِيمَانِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السِّنِّ، وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْ عَلَى عَادَةِ مُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ: أَوْ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي قُصَيٍّ. قَالَ: إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ فِي الْعَدَدِ إِلَى قُصَيٍّ سَوَاءٌ، بَيْنَ كُلِّ مِنْهُمَا وَبَيْنَهُ أَرْبَعَةُ آبَاءٍ فَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: يَا أَخِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ. وَرَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، وَشِبْلٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ شِبْلٌ، وَفَاعِلُ زَعَمَ هُوَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ: وَقَوْلِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ هُوَ عَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، و «بِسْطَام» بكسر الموحَّدة وسكون المهملة (١)، ابن المنتشر العيشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مُصَغَّرًا (عَنْ حَبِيبٍ) هو في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة، هو ابن الشَّهيد كما صرَّح به المؤلِّف قريبًا [خ¦٤٥٣٦] ووقع في الفرع هنا: «خُبَيب» بالخاء المعجمة المضمومة فالله أعلم، أو هو سهوٌ (٢)، الأزديُّ الأمويُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]) الآية الثَّانية الصَّريحة الدَّلالة (٣) على أنَّه يجبُ على الذين يتوفَّون أن يوصوا قبل أن يُحَتضروا لأزواجهم (٤) بأن يُمتَّعْنَ بعدهم حولًا بالسُّكنى (قَالَ) أي: ابن الزُّبير: (قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى) السَّابقة؛ وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (فَلِمَ) بكسر اللَّام وفتح الميم (تَكْتُبُهَا) وقد نُسِخَ حكمُها بالأربعة أشهرٍ؟! فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاءُ رسمها بعد التي نَسَخَتْها يوهم بقاء حكمها؟ (أَوْ): لِمَ (تَدَعُهَا؟) أي: تتركها في المصحف، والشَّكُّ من الرَّاوي أيُّ اللَّفظِ (٥)، قالَ، وقال في «المصابيح»: المعنى: فلِمَ تكتبها؟ أو: فلِمَ لا تدعُها؟ فحذف حرف النَّفي اعتمادًا على فهم المعنى، قال: وقد جاء بعد هذا: وقال: «ندعها يا ابن أخي؟! لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه». انتهى. والاستفهام إنكاريٌّ، وكأنَّ ابن الزُّبير ظنَّ أنَّ الذي يُنسَخ حكمُه لا يُكتَب (قَالَ) عثمان رضي الله تعالى عنه مجيبًا له عن استشكاله: (يَا ابْنَ أَخِي) قاله على عادة العرب، أو نظرًا إلى أخوَّة الإيمان (لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ) إذ هو توقيفيٌّ، أي: فكما وجدتها مثبتةً في المصحف بعدها أُثبِتُها حيث وجدتُها، وفيه: أنَّ ترتيب الآي توقيفيٌّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِره وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْآيَة فِي الرجل يُطلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ فتنقضي عدتهَا ثمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجهَا وَأَن يُرَاجِعهَا وتريد الْمَرْأَة ذَلِك فيمنعها أولياؤها من ذَلِك، فَنهى الله تَعَالَى أَن يمنعوها، وَكَذَلِكَ روى الْعَوْفِيّ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك إِنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَقد روى أَن هَذِه الْآيَة هِيَ الَّتِي نزلت فِي معقل بن يسَار، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي جَابر بن عبد الله وَابْن عَم لَهُ، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأزْوَاج الَّذين يعضلون نِسَاءَهُمْ بعد انْقِضَاء الْعدة ظلما وَإِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأَوْلِيَاء فِي عضلهن أَن يرجعن إِلَى أَزوَاجهنَّ. وَقَالَ ابْن جرير: اتّفق أهل التَّفْسِير على أَن الْمُخَاطب بذلك الْأَوْلِيَاء. قَوْله: (فبلغن أَجلهنَّ) ، وبلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على اخْتِلَاف البلوغين. قَوْله: (فَلَا تعضلوهن) ، أَي: لَا تضيقوا عَلَيْهِنَّ بمنعكم إياهن، وَفِي (تَفْسِير عبد بن أبي سعيد) العضل الْحَبْس، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن الْفراء وقطرب وَأبي عبيد عضل الْمَرْأَة يعضلها ويعضلها، وَعَن أبي عَمْرو: يعضلها، يَعْنِي: بِفَتْح الضَّاد، وَأُمُور معضلات شَدَّاد بِكَسْر الضَّاد. وَعَن ابْن دُرَيْد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعهَا من الزَّوْج ظلما. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ من قَوْلهم: عضلت الدَّجَاجَة فَهِيَ معضل إِذا احْتبسَ بيضها، ونشب فَلم يخرج.

٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ

هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.

حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .

هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.

٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ

هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.

حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .

هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.

٤١ - (بابٌ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا} إِلَى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي يتوفون مِنْكُم} الْآيَة. قَوْله: (وَالَّذين) أَي: وَأَزْوَاج الَّذين يتوفون مِنْكُم، وَالْخطاب

للْمُسلمين، وَقيل: للمكلفين، قَالَ الْكفَّار مخاطبون بالتفاصيل بِشَرْط الْإِيمَان. قَوْله: (ويذرون) أَي: يتركون. قَوْله: (أَزْوَاجًا) أَي: زَوْجَات قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: بعدهمْ، وَقيل: يحبسن أَنْفسهنَّ وينتظرون أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَهَذَا الحكم يَشْمَل الزَّوْجَات الْمَدْخُول بِهن بِالْإِجْمَاع إِلَّا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَإِنَّهَا تَعْتَد بِالْوَضْعِ وَلم تمكث بعده سوى لَحْظَة لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَعشرا) ، إِنَّمَا لم يقل وَعشرَة، ذَهَابًا، إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام دَاخِلَة فِيهَا ثمَّ الْحِكْمَة فِي هَذِه الْمدَّة مَا قَالَه الرَّاغِب: إِن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ إِن الْوَلَد فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر، وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر، فَجعل ذَلِك عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَزيد عَلَيْهِ عشرَة أَيَّام للاستظهار، وخصت الْعشْرَة لِأَنَّهَا أكمل الْأَعْدَاد وَأَشْرَفهَا. وَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: مَا بَال الْعشْرَة؟ قَالَ: فِيهِ ينْفخ الرّوح، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: روى عَنْهُمَا ابْن جرير، وَمن هُنَا ذهب أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن عدَّة أم الْوَلَد عدَّة الْحرَّة لِأَنَّهَا صَارَت فراشا كالحرائر، وروى فِيهِ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ: لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَذهب إِلَى هَذَا أَيْضا طَائِفَة من السّلف مِنْهُم، سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَبِه كَانَ يَأْمر يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ طَاوُوس وَقَتَادَة: عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا نصف عدَّة الْحرَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح بن حيى: تَعْتَد بِثَلَاث حيض، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: عدتهن حَيْضَة، وَبِه يَقُول ابْن عمر وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَاللَّيْث وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر. قَوْله: (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ) ، أَي: إِذا انْقَضتْ عدتهن، قَالَه الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس. قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا الْأَئِمَّة وَجَمَاعَة الْمُسلمين، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَي: أولياؤها. قَوْله: (فِيمَا فعلن) ، يَعْنِي: النِّسَاء اللَّاتِي انْقَضتْ عدتهن من التَّعَرُّض للخطاب، وَعَن الْحسن وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ: بِالنِّكَاحِ الْحَلَال الطّيب. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنكره الشَّرْع.

يَعْفُونَ يَهَبْنَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: يعفون، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} (الْبَقَرَة: ١٢٣٧) وَفَسرهُ بقوله يهبن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه قَول ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَنَافِع وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمُقَاتِل وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ، قَالَ: وَخَالفهُم مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (إِلَّا أَن يعفون) يَعْنِي: الرِّجَال. قَالَ: وَهُوَ قَول شَاذ لم يُتَابع عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الرِّجَال وَجمع النِّسَاء، تَقول: الرِّجَال وَالنِّسَاء يعفون، وَالْفرق تقديري، فالواو فِي الأول ضمير الرِّجَال وَالنُّون عَلامَة الرّفْع، وَفِي الثَّانِي الْوَاو لَام الْفِعْل وَالنُّون ضمير النِّسَاء فَلهَذَا لم تعْمل فِيهَا أَن، وَلَكِن فِي مَحل النصب، فوزن جمع الْمُذكر، يعفون، وَوزن جمع الْمُؤَنَّث يفعلن، فَافْهَم.

٤٥٣٠ - ح دَّثني أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَّفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا} قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرَى فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها يَا ابنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْ مَكانِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بسطَام بن الْمُنْتَشِر العيشي الْبَصْرِيّ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع بِفَتْح الزَّاي، وحبِيب هوابن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد

الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر قَاضِي عبد الله بن الزبير والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا} وَتَمَامه (وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج) الْآيَة. قَوْله: (فَلم تَكْتُبهَا) ؟ اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار بِمَعْنى: لم تكْتب هَذِه الْآيَة وَقد نسختها الْآيَة الْأُخْرَى؟ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) والمنسوخة هِيَ قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول} (الْبَقَرَة: ٢٤٠) قَوْله: (أَو تدعها) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: فَلم تدعها أَي: تتركها مَكْتُوبَة. قَوْله: (قَالَ: يَا ابْن أخي) أَي: قَالَ عُثْمَان لِابْنِ الزبير يَا ابْن أخي، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على عَادَة الْعَرَب، أَو نظرا إِلَى أخوة الْإِيمَان، أَو لِأَن عُثْمَان من أَوْلَاد قصي وَكَذَلِكَ عبد الله بن الزبير. قَوْله: (لَا أغير شَيْئا من مَكَانَهُ) ، أَي: لَا أغير شَيْئا مِمَّا كتب من الْقُرْآن وَكَانَ عبد الله ظن أَن مَا نسخ لَا يكْتب وَلَيْسَ كَمَا ظَنّه بل لَهُ فَوَائِد الأولى: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه كَمَا فعل فِي آيَات عديدة، وَمن صُدُور الحافظين أَيْضا. الثَّانِيَة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره. الثَّالِثَة: إِن كَانَ تثقيلاً وَنسخ بتَخْفِيف عرف بتذكره قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا وَنسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب لِأَن يظْهر فِيهَا عِنْد ذَلِك التَّسْلِيم والانقياد، وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام إِنَّه إِذا مَاتَ الرجل لم يكن لامْرَأَته شَيْء من الْمِيرَاث إلَاّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى سنة، فالآية أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة) أوجبت أَمريْن: أَحدهمَا: وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من تَرِكَة الزَّوْج سنة. وَالثَّانِي: وجوب الِاعْتِدَاد سنة لِأَن وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من مَال الْمَيِّت يُوجب الْمَنْع من التَّزْوِيج بِزَوْج آخر ثمَّ نسخ هَذَا أَن الحكمان إِمَّا وجوب الْعدة فِي السّنة فبقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة

أشهر وَعشرا} وَقيل: نسخ مَا زَاد فِيهِ، وَأما وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فمنسوخ بِتَقْدِير نصِيبهَا من الْمِيرَاث، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا نسخ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان من الْحول وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل، كَقَوْلِه عز وَجل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء} مَعَ قَوْله: (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء) .

٤٥٣١ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحٍ عنْ مُجاهِد والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا قَالَ كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأَنْزَلَ الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا وَصِيَّة لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعْلنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} . قَالَ جَعَلَ الله لَهَا تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْله: حَدثنِي، ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق. قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا حدث بِهِ فِي الْأَحْزَاب أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور كَمَا حدث بِهِ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وباللام: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ.

قَوْله: (كَانَت هَذِه الْعدة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (فَأنْزل الله: {وَالذين يتوفون} ) ، فِي الْآيَة ذكرهَا ثمَّ قَالَ: (جعل الله لَهَا) أَي: للمعتدة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى (تَمام السّنة) وبحسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد فِي بَيت أهل الزَّوْج إِلَى التَّمام، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا يدل على أَن مُجَاهدًا لَا يرى نسخ هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم) إِلَى آخرهَا وَعند الْأَكْثَرين هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (وَصِيَّة) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَالَّذين يتوفون يوصون وَصِيَّة، أَو ألزم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ قِرَاءَة عبد الله كتب عَلَيْكُم الْوَصِيَّة لأزواجكم، وقرىء وَصِيَّة بِالرَّفْع بِتَقْدِير: وَحكم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، يَعْنِي: قبل أَن يحتضروا. قَوْله: (لأزواجهم) ، أَي: لزوجاتهم. قَوْله: (مَتَاعا) ، نصب بِتَقْدِير: يوصون مَتَاعا أَو بِتَقْدِير: متعوهن مَتَاعا وَقِرَاءَة أبي: مَتَاع لأزواجهم مَتَاعا، فعلى هَذَا نصب مَتَاعا بقوله: مَتَاع لِأَنَّهُ فِي معنى: التمتيع. قَوْله: (غير إِخْرَاج) ، حَال من الْأزْوَاج أَي: غير مخرجات، أَو بدل من: مَتَاعا. وَحَاصِل الْمَعْنى: وَحقّ الَّذين يتوفون عَن أَزوَاجهم أَن يوصوا قبل أَن يحتضروا بِأَن تتمتع أَزوَاجهم بعدهمْ حولا كَامِلا. أَي: ينْفق عَلَيْهِنَّ من تركته وَلَا يخرجهن من مساكنهن، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخت الْمدَّة. قَوْله: {أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) ونسحت النَّفَقَة بِالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ الرّبع أَو الثّمن، وَهَذَا عِنْد الْجُمْهُور غير مُجَاهِد كَمَا ذكره الْآن. قَوْله: (فالعدة) ، كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا وَهِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) ، قَائِل هَذَا هُوَ شبْل بن عباد الرَّاوِي، وَالضَّمِير فِي: زعم، يرجع إِلَى بن أبي نجيح الرَّاوِي عَن مُجَاهِد.

وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ} (الْبَقَرَة: ٢٤) .

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: قيل: هَذَا عطف على قَوْله: عَن مُجَاهِد، وَهُوَ من رِوَايَة ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق، إِذْ لَو كَانَ عطفا لقَالَ: وَعَن عَطاء، وَقد روى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود. قَالَ: حَدثنَا شبْل عَن ابْن أبي نجيح. قَالَ: قَالَ عَطاء: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا.

قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ} . قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْمَّدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا.

هَذَا من عَطاء كالتفسير لما رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: قَالَ عَطاء: إِن شَاءَت إِلَى آخِره، بعد أَن ذكر مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس.

وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أبِي نَجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا

هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا مدرجا فِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّذِي تقدم عَن روح بن شبْل، وَاخْتَارَهُ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف مَعْطُوفًا على قَوْله أخبرنَا روح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه بعد. وَالثَّانِي: أَن يكون البُخَارِيّ علقه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء مؤنث الأورق بن عَمْرو الْخَوَارِزْمِيّ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَإِن كَانَ كَذَا فقد وَصله أَبُو نعيم سُلَيْمَان بن أَحْمد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن الْفرْيَابِيّ. عَن وَرْقَاء، فَذكره.

وَعَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ الله غَيْرَ إخْرَاجٍ نَحْوَهُ.

هَذَا أَيْضا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَالْأَظْهَر هُوَ الْوَجْه الثَّانِي أَنه رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن ابْن أبي نجيح روى عَن مُجَاهِد وَحده وقوفا عَلَيْهِ، وروى أَيْضا عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا رُوِيَ فِيمَا مضى عَن مُجَاهِد.

٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.

قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ - إلى - ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ﴿يَعْفُونَ﴾ يَهَبْنَ.

٤٥٣٠ - حَدَّثَنِا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.

[الحديث ٤٥٢٩ - أطرافه في: ٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١]

٤٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَهُ.

[الحديث ٤٥٣١ - طرفه في: ٥٣٤٤]

٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ - أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ - قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.

وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ"

[الحديث ٤٥٣٢ - طرفه في: ٤٩١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ سَاقَ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

قَوْلُهُ: (يَعْفُونَ يَهَبْنَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ، أَبِو عُبَيْدَةَ قَالَ: يَعْفُونَ: يَتْرُكْنَ يَهَبْنَ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْحُمَيْدِيِّ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ عَفْوُ الرِّجَالِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ وَنَظَائِرُهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، لَكِنْ فِي الرِّجَالِ النُّونُ عَلَامَةُ الرَّفْعِ، وَفِي النِّسَاءِ النُّونُ ضَمِيرٌ لَهُنَّ، وَوَزْنُ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ يَفْعُلُونَ وَجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ يَفْعُلْنَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حَبِيبٍ) هُوَ ابْنُ الشَّهِيدِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ بِسَنَدِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ كَأَنَّهُ قَالَ: لِمَ تَكْتُبُهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، أَوْ قَالَ: لِمَ تَدَعُهَا أَيْ تَتْرُكُهَا مَكْتُوبَةً، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيُّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لِمَ تَكْتُبُهَا وَقَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّقْدِيرَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ مِنْهَا شَيْئًا عَنْ مَكَانِهِ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ. وَفِي جَوَابِ عُثْمَانَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيِ تَوْقِيفِيٌّ. وَكَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ظَنَّ أَنَّ الَّذِي يُنْسَخُ حُكْمُهُ لَا يُكْتَبُ، فَأَجَابَهُ عُثْمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْمُتَّبَعُ فِيهِ التَّوَقُّفُ، وَلَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا ثَوَابُ التِّلَاوَةِ، وَالِامْتِثَالُ عَلَى أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مِنَ الْحَوْلِ بَعْضَهُ وَبَقِيَ الْبَعْضُ وَصِيَّةً لَهَا إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ كَمَا فِي الْبَابِ عَنْ مُجَاهِدٍ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ.

وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ النَّاسِخُ مُقَدَّمًا فِي تَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْمَنْسُوخِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ نَظِيرُ ذَلِكَ إِلَّا هُنَا وَفِي الْأَحْزَابِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِحْلَالَ جَمِيعِ النِّسَاءِ هُوَ النَّاسِخُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ظَفِرْتُ بِمَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْهَا فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فَإِنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّطَوُّعِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كَوْنُهَا مُقَدَّمَةً فِي التِّلَاوَةِ، وَمِنْهَا فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ طَعَنُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً فِي التِّلَاوَةِ مُتَأَخِّرَةً فِي النُّزُولِ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيَكْفِي هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْقَدرِ. قَوْلُهُ وَقَوْلُ عُثْمَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي يُرِيدُ فِي الْإِيمَانِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السِّنِّ، وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْ عَلَى عَادَةِ مُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ: أَوْ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي قُصَيٍّ. قَالَ: إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ فِي الْعَدَدِ إِلَى قُصَيٍّ سَوَاءٌ، بَيْنَ كُلِّ مِنْهُمَا وَبَيْنَهُ أَرْبَعَةُ آبَاءٍ فَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: يَا أَخِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ. وَرَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، وَشِبْلٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ شِبْلٌ، وَفَاعِلُ زَعَمَ هُوَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ: وَقَوْلِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ هُوَ عَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، و «بِسْطَام» بكسر الموحَّدة وسكون المهملة (١)، ابن المنتشر العيشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء مُصَغَّرًا (عَنْ حَبِيبٍ) هو في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة، هو ابن الشَّهيد كما صرَّح به المؤلِّف قريبًا [خ¦٤٥٣٦] ووقع في الفرع هنا: «خُبَيب» بالخاء المعجمة المضمومة فالله أعلم، أو هو سهوٌ (٢)، الأزديُّ الأمويُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]) الآية الثَّانية الصَّريحة الدَّلالة (٣) على أنَّه يجبُ على الذين يتوفَّون أن يوصوا قبل أن يُحَتضروا لأزواجهم (٤) بأن يُمتَّعْنَ بعدهم حولًا بالسُّكنى (قَالَ) أي: ابن الزُّبير: (قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى) السَّابقة؛ وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (فَلِمَ) بكسر اللَّام وفتح الميم (تَكْتُبُهَا) وقد نُسِخَ حكمُها بالأربعة أشهرٍ؟! فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاءُ رسمها بعد التي نَسَخَتْها يوهم بقاء حكمها؟ (أَوْ): لِمَ (تَدَعُهَا؟) أي: تتركها في المصحف، والشَّكُّ من الرَّاوي أيُّ اللَّفظِ (٥)، قالَ، وقال في «المصابيح»: المعنى: فلِمَ تكتبها؟ أو: فلِمَ لا تدعُها؟ فحذف حرف النَّفي اعتمادًا على فهم المعنى، قال: وقد جاء بعد هذا: وقال: «ندعها يا ابن أخي؟! لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه». انتهى. والاستفهام إنكاريٌّ، وكأنَّ ابن الزُّبير ظنَّ أنَّ الذي يُنسَخ حكمُه لا يُكتَب (قَالَ) عثمان رضي الله تعالى عنه مجيبًا له عن استشكاله: (يَا ابْنَ أَخِي) قاله على عادة العرب، أو نظرًا إلى أخوَّة الإيمان (لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ) إذ هو توقيفيٌّ، أي: فكما وجدتها مثبتةً في المصحف بعدها أُثبِتُها حيث وجدتُها، وفيه: أنَّ ترتيب الآي توقيفيٌّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِره وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْآيَة فِي الرجل يُطلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ فتنقضي عدتهَا ثمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجهَا وَأَن يُرَاجِعهَا وتريد الْمَرْأَة ذَلِك فيمنعها أولياؤها من ذَلِك، فَنهى الله تَعَالَى أَن يمنعوها، وَكَذَلِكَ روى الْعَوْفِيّ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك إِنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَقد روى أَن هَذِه الْآيَة هِيَ الَّتِي نزلت فِي معقل بن يسَار، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي جَابر بن عبد الله وَابْن عَم لَهُ، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأزْوَاج الَّذين يعضلون نِسَاءَهُمْ بعد انْقِضَاء الْعدة ظلما وَإِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأَوْلِيَاء فِي عضلهن أَن يرجعن إِلَى أَزوَاجهنَّ. وَقَالَ ابْن جرير: اتّفق أهل التَّفْسِير على أَن الْمُخَاطب بذلك الْأَوْلِيَاء. قَوْله: (فبلغن أَجلهنَّ) ، وبلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على اخْتِلَاف البلوغين. قَوْله: (فَلَا تعضلوهن) ، أَي: لَا تضيقوا عَلَيْهِنَّ بمنعكم إياهن، وَفِي (تَفْسِير عبد بن أبي سعيد) العضل الْحَبْس، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن الْفراء وقطرب وَأبي عبيد عضل الْمَرْأَة يعضلها ويعضلها، وَعَن أبي عَمْرو: يعضلها، يَعْنِي: بِفَتْح الضَّاد، وَأُمُور معضلات شَدَّاد بِكَسْر الضَّاد. وَعَن ابْن دُرَيْد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعهَا من الزَّوْج ظلما. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ من قَوْلهم: عضلت الدَّجَاجَة فَهِيَ معضل إِذا احْتبسَ بيضها، ونشب فَلم يخرج.

٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ

هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.

حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .

هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.

٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ

هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.

حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .

هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.

٤١ - (بابٌ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا} إِلَى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي يتوفون مِنْكُم} الْآيَة. قَوْله: (وَالَّذين) أَي: وَأَزْوَاج الَّذين يتوفون مِنْكُم، وَالْخطاب

للْمُسلمين، وَقيل: للمكلفين، قَالَ الْكفَّار مخاطبون بالتفاصيل بِشَرْط الْإِيمَان. قَوْله: (ويذرون) أَي: يتركون. قَوْله: (أَزْوَاجًا) أَي: زَوْجَات قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: بعدهمْ، وَقيل: يحبسن أَنْفسهنَّ وينتظرون أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَهَذَا الحكم يَشْمَل الزَّوْجَات الْمَدْخُول بِهن بِالْإِجْمَاع إِلَّا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَإِنَّهَا تَعْتَد بِالْوَضْعِ وَلم تمكث بعده سوى لَحْظَة لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَعشرا) ، إِنَّمَا لم يقل وَعشرَة، ذَهَابًا، إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام دَاخِلَة فِيهَا ثمَّ الْحِكْمَة فِي هَذِه الْمدَّة مَا قَالَه الرَّاغِب: إِن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ إِن الْوَلَد فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر، وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر، فَجعل ذَلِك عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَزيد عَلَيْهِ عشرَة أَيَّام للاستظهار، وخصت الْعشْرَة لِأَنَّهَا أكمل الْأَعْدَاد وَأَشْرَفهَا. وَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: مَا بَال الْعشْرَة؟ قَالَ: فِيهِ ينْفخ الرّوح، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: روى عَنْهُمَا ابْن جرير، وَمن هُنَا ذهب أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن عدَّة أم الْوَلَد عدَّة الْحرَّة لِأَنَّهَا صَارَت فراشا كالحرائر، وروى فِيهِ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ: لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَذهب إِلَى هَذَا أَيْضا طَائِفَة من السّلف مِنْهُم، سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَبِه كَانَ يَأْمر يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ طَاوُوس وَقَتَادَة: عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا نصف عدَّة الْحرَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح بن حيى: تَعْتَد بِثَلَاث حيض، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: عدتهن حَيْضَة، وَبِه يَقُول ابْن عمر وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَاللَّيْث وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر. قَوْله: (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ) ، أَي: إِذا انْقَضتْ عدتهن، قَالَه الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس. قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا الْأَئِمَّة وَجَمَاعَة الْمُسلمين، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَي: أولياؤها. قَوْله: (فِيمَا فعلن) ، يَعْنِي: النِّسَاء اللَّاتِي انْقَضتْ عدتهن من التَّعَرُّض للخطاب، وَعَن الْحسن وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ: بِالنِّكَاحِ الْحَلَال الطّيب. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنكره الشَّرْع.

يَعْفُونَ يَهَبْنَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: يعفون، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} (الْبَقَرَة: ١٢٣٧) وَفَسرهُ بقوله يهبن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه قَول ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَنَافِع وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمُقَاتِل وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ، قَالَ: وَخَالفهُم مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (إِلَّا أَن يعفون) يَعْنِي: الرِّجَال. قَالَ: وَهُوَ قَول شَاذ لم يُتَابع عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الرِّجَال وَجمع النِّسَاء، تَقول: الرِّجَال وَالنِّسَاء يعفون، وَالْفرق تقديري، فالواو فِي الأول ضمير الرِّجَال وَالنُّون عَلامَة الرّفْع، وَفِي الثَّانِي الْوَاو لَام الْفِعْل وَالنُّون ضمير النِّسَاء فَلهَذَا لم تعْمل فِيهَا أَن، وَلَكِن فِي مَحل النصب، فوزن جمع الْمُذكر، يعفون، وَوزن جمع الْمُؤَنَّث يفعلن، فَافْهَم.

٤٥٣٠ - ح دَّثني أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَّفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا} قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرَى فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها يَا ابنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْ مَكانِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بسطَام بن الْمُنْتَشِر العيشي الْبَصْرِيّ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع بِفَتْح الزَّاي، وحبِيب هوابن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد

الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر قَاضِي عبد الله بن الزبير والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا} وَتَمَامه (وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج) الْآيَة. قَوْله: (فَلم تَكْتُبهَا) ؟ اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار بِمَعْنى: لم تكْتب هَذِه الْآيَة وَقد نسختها الْآيَة الْأُخْرَى؟ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) والمنسوخة هِيَ قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول} (الْبَقَرَة: ٢٤٠) قَوْله: (أَو تدعها) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: فَلم تدعها أَي: تتركها مَكْتُوبَة. قَوْله: (قَالَ: يَا ابْن أخي) أَي: قَالَ عُثْمَان لِابْنِ الزبير يَا ابْن أخي، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على عَادَة الْعَرَب، أَو نظرا إِلَى أخوة الْإِيمَان، أَو لِأَن عُثْمَان من أَوْلَاد قصي وَكَذَلِكَ عبد الله بن الزبير. قَوْله: (لَا أغير شَيْئا من مَكَانَهُ) ، أَي: لَا أغير شَيْئا مِمَّا كتب من الْقُرْآن وَكَانَ عبد الله ظن أَن مَا نسخ لَا يكْتب وَلَيْسَ كَمَا ظَنّه بل لَهُ فَوَائِد الأولى: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه كَمَا فعل فِي آيَات عديدة، وَمن صُدُور الحافظين أَيْضا. الثَّانِيَة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره. الثَّالِثَة: إِن كَانَ تثقيلاً وَنسخ بتَخْفِيف عرف بتذكره قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا وَنسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب لِأَن يظْهر فِيهَا عِنْد ذَلِك التَّسْلِيم والانقياد، وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام إِنَّه إِذا مَاتَ الرجل لم يكن لامْرَأَته شَيْء من الْمِيرَاث إلَاّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى سنة، فالآية أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة) أوجبت أَمريْن: أَحدهمَا: وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من تَرِكَة الزَّوْج سنة. وَالثَّانِي: وجوب الِاعْتِدَاد سنة لِأَن وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من مَال الْمَيِّت يُوجب الْمَنْع من التَّزْوِيج بِزَوْج آخر ثمَّ نسخ هَذَا أَن الحكمان إِمَّا وجوب الْعدة فِي السّنة فبقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة

أشهر وَعشرا} وَقيل: نسخ مَا زَاد فِيهِ، وَأما وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فمنسوخ بِتَقْدِير نصِيبهَا من الْمِيرَاث، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا نسخ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان من الْحول وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل، كَقَوْلِه عز وَجل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء} مَعَ قَوْله: (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء) .

٤٥٣١ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحٍ عنْ مُجاهِد والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا قَالَ كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأَنْزَلَ الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا وَصِيَّة لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعْلنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} . قَالَ جَعَلَ الله لَهَا تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْله: حَدثنِي، ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق. قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا حدث بِهِ فِي الْأَحْزَاب أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور كَمَا حدث بِهِ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وباللام: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ.

قَوْله: (كَانَت هَذِه الْعدة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (فَأنْزل الله: {وَالذين يتوفون} ) ، فِي الْآيَة ذكرهَا ثمَّ قَالَ: (جعل الله لَهَا) أَي: للمعتدة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى (تَمام السّنة) وبحسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد فِي بَيت أهل الزَّوْج إِلَى التَّمام، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا يدل على أَن مُجَاهدًا لَا يرى نسخ هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم) إِلَى آخرهَا وَعند الْأَكْثَرين هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (وَصِيَّة) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَالَّذين يتوفون يوصون وَصِيَّة، أَو ألزم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ قِرَاءَة عبد الله كتب عَلَيْكُم الْوَصِيَّة لأزواجكم، وقرىء وَصِيَّة بِالرَّفْع بِتَقْدِير: وَحكم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، يَعْنِي: قبل أَن يحتضروا. قَوْله: (لأزواجهم) ، أَي: لزوجاتهم. قَوْله: (مَتَاعا) ، نصب بِتَقْدِير: يوصون مَتَاعا أَو بِتَقْدِير: متعوهن مَتَاعا وَقِرَاءَة أبي: مَتَاع لأزواجهم مَتَاعا، فعلى هَذَا نصب مَتَاعا بقوله: مَتَاع لِأَنَّهُ فِي معنى: التمتيع. قَوْله: (غير إِخْرَاج) ، حَال من الْأزْوَاج أَي: غير مخرجات، أَو بدل من: مَتَاعا. وَحَاصِل الْمَعْنى: وَحقّ الَّذين يتوفون عَن أَزوَاجهم أَن يوصوا قبل أَن يحتضروا بِأَن تتمتع أَزوَاجهم بعدهمْ حولا كَامِلا. أَي: ينْفق عَلَيْهِنَّ من تركته وَلَا يخرجهن من مساكنهن، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخت الْمدَّة. قَوْله: {أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) ونسحت النَّفَقَة بِالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ الرّبع أَو الثّمن، وَهَذَا عِنْد الْجُمْهُور غير مُجَاهِد كَمَا ذكره الْآن. قَوْله: (فالعدة) ، كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا وَهِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) ، قَائِل هَذَا هُوَ شبْل بن عباد الرَّاوِي، وَالضَّمِير فِي: زعم، يرجع إِلَى بن أبي نجيح الرَّاوِي عَن مُجَاهِد.

وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ} (الْبَقَرَة: ٢٤) .

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: قيل: هَذَا عطف على قَوْله: عَن مُجَاهِد، وَهُوَ من رِوَايَة ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق، إِذْ لَو كَانَ عطفا لقَالَ: وَعَن عَطاء، وَقد روى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود. قَالَ: حَدثنَا شبْل عَن ابْن أبي نجيح. قَالَ: قَالَ عَطاء: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا.

قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ} . قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْمَّدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا.

هَذَا من عَطاء كالتفسير لما رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: قَالَ عَطاء: إِن شَاءَت إِلَى آخِره، بعد أَن ذكر مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس.

وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أبِي نَجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا

هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا مدرجا فِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّذِي تقدم عَن روح بن شبْل، وَاخْتَارَهُ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف مَعْطُوفًا على قَوْله أخبرنَا روح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه بعد. وَالثَّانِي: أَن يكون البُخَارِيّ علقه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء مؤنث الأورق بن عَمْرو الْخَوَارِزْمِيّ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَإِن كَانَ كَذَا فقد وَصله أَبُو نعيم سُلَيْمَان بن أَحْمد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن الْفرْيَابِيّ. عَن وَرْقَاء، فَذكره.

وَعَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ الله غَيْرَ إخْرَاجٍ نَحْوَهُ.

هَذَا أَيْضا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَالْأَظْهَر هُوَ الْوَجْه الثَّانِي أَنه رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن ابْن أبي نجيح روى عَن مُجَاهِد وَحده وقوفا عَلَيْهِ، وروى أَيْضا عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا رُوِيَ فِيمَا مضى عَن مُجَاهِد.

٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.

قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 23.5 / 29.5
الإضاءة 36%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56