الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4516
الحديث رقم 4516 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾
٤٥١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ :
قال أسلم أبي عمران التجيبي: كنا بمدينة الروم، للجهاد، فأخرج الأعداء إلينا صفًّا عظيمًا من جيوش الروم، فخرج إليهم من جيوش المسلمين مثلهم أو أكثر، والقائم على المجاهدين المشاركين من أهل مصر هو عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فَضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين وحده على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس خوفًا عليه وإنكارًا لما فعله، وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلى الموت والهلاك؟ فقام أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أيها الناس، إنكم لتفسرون الآية بغير ما نزلت له، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز وأظهر الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، فكانت التهلكة أن نتخلف للإقامة على الأموال وإصلاحها بالحفظ والتصرف فيها بالبيع والشراء وغير ذلك، وتَرْكَنا الغزو في سبيل الله، قال أسلم: فما زال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه شاخصًا في سبيل الله حتى قُتل ودفن بأرض الروم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣١ - بَاب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ.
٤٥١٦ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَزَادَ: وَالْهَلَاكُ وَالْهُلْكُ، يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِضَمِّهَا وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا، وَكُلُّ هَذِهِ مَصَادِرُ هَلَكَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْهَلَاكُ بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ نَفْسُ الشَّيْءِ الْمُهْلِكِ. وَقِيلَ: مَا تَضُرُّ عَاقِبَتُهُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةَ، أَيْ: فِي تَرْكِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَةُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا. فَصَاحَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْنَنَا سِرًّا: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ الَّتِي أَرَدْنَاهَا. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَزَلَتْ فِي نَاسٍ كَانُوا يَغْزُونَ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ اخْتِلَافِ الْمَأْمُورِينَ، فَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: أَنْفِقُوا وَأَحْسِنُوا، أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ، وَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: وَلَا تُلْقُوا، الْغُزَاةُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ أَبِي جُبَيْرَةَ: كَانَ الْأَنْصَارُ يَتَصَدَّقُونَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَأَمْسَكُوا، فَنَزَلَتْ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي جَارًا رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْحَرْبِ فَقُتِلَ، فَقَالَ نَاسٌ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبُوا، لَكِنَّهُ اشْتَرَى الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا.
وَجَاءَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هُوَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْكَتِيبَةِ فِيهَا أَلْفٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُذْنِبُ فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيَقُولُ لَا تَوْبَةَ لِي. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَصْدِيرِ الْآيَةِ بِذِكْرِ النَّفَقَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي نُزُولِهَا، وَأَمَّا قَصْرُهَا عَلَيْهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ: قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا فَقَالَ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لِلْبَرَاءِ فِيهِ جَوَابَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ وَنَحْوِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَتْقَنُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَكَيْفَ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ وَانْفِرَادِهِ اهـ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ حَمْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعَدُوِّ فَصَرَّحَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ، أَوْ يُجَرِّئُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مصريون.
قَوْله: (رجلَانِ) (أَحدهمَا) : الْعَلَاء بن عرار، بالمهملات وَالْأولَى مَكْسُورَة قَالَ ابْن مَاكُولَا: عَلَاء بن عرار سمع عبد الله بن عمر وروى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي (وَالْآخر) حبَان: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الدثنية، ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الدَّال والثاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة، وَقَالَ: هُوَ مَوضِع بِالشَّام، قلت: كل ذَلِك غلط، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدثنية، بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء نَاحيَة قرب عدن. قَوْله: (فِي فتْنَة ابْن الزبير) وَهِي محاصرة الْحجَّاج عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَت فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَسبعين، وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ عبد الْملك بن مَرْوَان لقِتَال ابْن الزبير، وَقتل عبد الله بن الزبير فِي آخر تِلْكَ السّنة وَمَات عبد الله بن عمر فِي أول سنة أَربع وَسبعين. قَوْله: (أَن النَّاس ضيعوا) ، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من التضييع وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدُّنْيَا وَالدّين هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِيه حذف تَقْدِيره: صَنَعُوا مَا ترى من الِاخْتِلَاف.
قَوْله: (وَزَاد عُثْمَان بن صَالح) أَي: زَاد على رِوَايَة مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه حَكِيم، ذكره الْحميدِي عَن البُخَارِيّ. قَوْله: (وتترك الْجِهَاد) أَي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ هَؤُلَاءِ كالجهاد فِي سَبِيل الله فِي الْأجر، وَلَيْسَ المُرَاد الْجِهَاد الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (أما قَتَلُوهُ وَأما يعذبوه) إِنَّمَا قَالَ فِي الْقَتْل بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الْعَذَاب بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن التعذيب كَانَ مستمرا بِخِلَاف الْقَتْل. قَوْله: (فكرهتم أَن تعفوا عَنهُ) بِلَفْظ خطاب لجمع ويروى أَن يعْفُو بِالْإِفْرَادِ للْغَائِب أَي: الله عز وَجل. قَوْله: (وخنته) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالنون. قَالَ ابْن فَارس: الختن أَبُو الزَّوْجَة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة، والأحماء من قبل الزَّوْج، والصهر يجمع ذَلِك كُله. قَوْله: (فَهَذَا بَيته) ، يُرِيد بَين بيُوت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَرَادَ بذلك قربه.
٣١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} (الْبَقَرَة: ١٩٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وأنفقوا} الخ. قَوْله: (وأنفقوا) عطف على قَوْله: {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} (الْبَقَرَة: ١٩٣) وَسبب نُزُولهَا أَن الْأَنْصَار كَانُوا يُنْفقُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ فَأَصَابَتْهُمْ سنة فأمسكوا، والسبيل الطَّرِيق وَالْمرَاد بِهِ طَرِيق الْخيرَات. قَوْله: (وَلَا تلقوا بأيدكم) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْبَاء زَائِدَة الْمَعْنى، أَي لَا تقبضوا التَّهْلُكَة أَيْدِيكُم، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تلقوا أَنفسكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة، فالأنفس مضمرة وَالْبَاء أَدَاة وَالْأَيْدِي عبارَة عَن كل الْبدن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تبت يدا أبي لَهب} (المسد: ١) أَي: تب هُوَ، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: التَّهْلُكَة الْبُخْل، وَقَالَ سماك بن حَرْب عَن النُّعْمَان بن بشير فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (الْبَقَرَة: ١٩٥) أَن يُذنب الرجل الذَّنب فَيَقُول: لَا يغْفر لي فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بأيدكم إِلَى التَّهْلُكَة} الْآيَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وروى عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس التَّهْلُكَة عَذَاب الله قَوْله: (وأحسنوا) فِيهِ أَقْوَال. أَحدهَا: فِي أَدَاء الْفَرَائِض وَالثَّانِي: الظَّن بِاللَّه. الثَّالِث: تفضلوا على من لَيْسَ فِي يَده شَيْء. الرَّابِع: صلوا الْخمس.
التَّهْلُكَةُ والْهَلاكُ وَاحِدٌ
يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدران لَكِن التَّهْلُكَة من نَوَادِر المصادر، يُقَال: هلك الشَّيْء يهْلك هَلَاكًا وهلوكا ومهلك ومهلكا وتهلكةً، وَالِاسْم الهلك، بِالضَّمِّ، والهلكة بِفَتْح اللَّام والهلاك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن يكون أصل التَّهْلُكَة بِكَسْر اللَّام كالتجربة، فأبدلت من الكسرة ضمة كَمَا جَاءَت الْجوَار فِي الْجوَار.
٤٥١٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا النَّضْرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ وأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلِكَةِ قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل مصغر شَمل، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. قَوْله: (فِي النَّفَقَة) أَي: فِي ترك النَّفَقَة فِي سَبِيل الله.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣١ - بَاب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ.
٤٥١٦ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَزَادَ: وَالْهَلَاكُ وَالْهُلْكُ، يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِضَمِّهَا وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا، وَكُلُّ هَذِهِ مَصَادِرُ هَلَكَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْهَلَاكُ بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ نَفْسُ الشَّيْءِ الْمُهْلِكِ. وَقِيلَ: مَا تَضُرُّ عَاقِبَتُهُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةَ، أَيْ: فِي تَرْكِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَةُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا. فَصَاحَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْنَنَا سِرًّا: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ الَّتِي أَرَدْنَاهَا. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَزَلَتْ فِي نَاسٍ كَانُوا يَغْزُونَ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ اخْتِلَافِ الْمَأْمُورِينَ، فَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: أَنْفِقُوا وَأَحْسِنُوا، أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ، وَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: وَلَا تُلْقُوا، الْغُزَاةُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ أَبِي جُبَيْرَةَ: كَانَ الْأَنْصَارُ يَتَصَدَّقُونَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَأَمْسَكُوا، فَنَزَلَتْ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي جَارًا رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْحَرْبِ فَقُتِلَ، فَقَالَ نَاسٌ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبُوا، لَكِنَّهُ اشْتَرَى الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا.
وَجَاءَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هُوَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْكَتِيبَةِ فِيهَا أَلْفٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُذْنِبُ فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيَقُولُ لَا تَوْبَةَ لِي. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَصْدِيرِ الْآيَةِ بِذِكْرِ النَّفَقَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي نُزُولِهَا، وَأَمَّا قَصْرُهَا عَلَيْهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ: قُلْتُ لِلْبَرَاءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا فَقَالَ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لِلْبَرَاءِ فِيهِ جَوَابَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ وَنَحْوِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَتْقَنُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَكَيْفَ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ وَانْفِرَادِهِ اهـ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ حَمْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعَدُوِّ فَصَرَّحَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ، أَوْ يُجَرِّئُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مصريون.
قَوْله: (رجلَانِ) (أَحدهمَا) : الْعَلَاء بن عرار، بالمهملات وَالْأولَى مَكْسُورَة قَالَ ابْن مَاكُولَا: عَلَاء بن عرار سمع عبد الله بن عمر وروى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي (وَالْآخر) حبَان: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: صَاحب الدثنية، ضَبطه بَعضهم بِفَتْح الدَّال والثاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَفْتُوحَة، وَقَالَ: هُوَ مَوضِع بِالشَّام، قلت: كل ذَلِك غلط، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدثنية، بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء نَاحيَة قرب عدن. قَوْله: (فِي فتْنَة ابْن الزبير) وَهِي محاصرة الْحجَّاج عبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَت فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَسبعين، وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ عبد الْملك بن مَرْوَان لقِتَال ابْن الزبير، وَقتل عبد الله بن الزبير فِي آخر تِلْكَ السّنة وَمَات عبد الله بن عمر فِي أول سنة أَربع وَسبعين. قَوْله: (أَن النَّاس ضيعوا) ، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من التضييع وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدُّنْيَا وَالدّين هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِيه حذف تَقْدِيره: صَنَعُوا مَا ترى من الِاخْتِلَاف.
قَوْله: (وَزَاد عُثْمَان بن صَالح) أَي: زَاد على رِوَايَة مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه حَكِيم، ذكره الْحميدِي عَن البُخَارِيّ. قَوْله: (وتترك الْجِهَاد) أَي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ هَؤُلَاءِ كالجهاد فِي سَبِيل الله فِي الْأجر، وَلَيْسَ المُرَاد الْجِهَاد الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (أما قَتَلُوهُ وَأما يعذبوه) إِنَّمَا قَالَ فِي الْقَتْل بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الْعَذَاب بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن التعذيب كَانَ مستمرا بِخِلَاف الْقَتْل. قَوْله: (فكرهتم أَن تعفوا عَنهُ) بِلَفْظ خطاب لجمع ويروى أَن يعْفُو بِالْإِفْرَادِ للْغَائِب أَي: الله عز وَجل. قَوْله: (وخنته) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالنون. قَالَ ابْن فَارس: الختن أَبُو الزَّوْجَة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة، والأحماء من قبل الزَّوْج، والصهر يجمع ذَلِك كُله. قَوْله: (فَهَذَا بَيته) ، يُرِيد بَين بيُوت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَرَادَ بذلك قربه.
٣١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} (الْبَقَرَة: ١٩٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وأنفقوا} الخ. قَوْله: (وأنفقوا) عطف على قَوْله: {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} (الْبَقَرَة: ١٩٣) وَسبب نُزُولهَا أَن الْأَنْصَار كَانُوا يُنْفقُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ فَأَصَابَتْهُمْ سنة فأمسكوا، والسبيل الطَّرِيق وَالْمرَاد بِهِ طَرِيق الْخيرَات. قَوْله: (وَلَا تلقوا بأيدكم) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْبَاء زَائِدَة الْمَعْنى، أَي لَا تقبضوا التَّهْلُكَة أَيْدِيكُم، وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تلقوا أَنفسكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة، فالأنفس مضمرة وَالْبَاء أَدَاة وَالْأَيْدِي عبارَة عَن كل الْبدن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تبت يدا أبي لَهب} (المسد: ١) أَي: تب هُوَ، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: التَّهْلُكَة الْبُخْل، وَقَالَ سماك بن حَرْب عَن النُّعْمَان بن بشير فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} (الْبَقَرَة: ١٩٥) أَن يُذنب الرجل الذَّنب فَيَقُول: لَا يغْفر لي فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَلَا تلقوا بأيدكم إِلَى التَّهْلُكَة} الْآيَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، وروى عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس التَّهْلُكَة عَذَاب الله قَوْله: (وأحسنوا) فِيهِ أَقْوَال. أَحدهَا: فِي أَدَاء الْفَرَائِض وَالثَّانِي: الظَّن بِاللَّه. الثَّالِث: تفضلوا على من لَيْسَ فِي يَده شَيْء. الرَّابِع: صلوا الْخمس.
التَّهْلُكَةُ والْهَلاكُ وَاحِدٌ
يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدران لَكِن التَّهْلُكَة من نَوَادِر المصادر، يُقَال: هلك الشَّيْء يهْلك هَلَاكًا وهلوكا ومهلك ومهلكا وتهلكةً، وَالِاسْم الهلك، بِالضَّمِّ، والهلكة بِفَتْح اللَّام والهلاك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن يكون أصل التَّهْلُكَة بِكَسْر اللَّام كالتجربة، فأبدلت من الكسرة ضمة كَمَا جَاءَت الْجوَار فِي الْجوَار.
٤٥١٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا النَّضْرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ وأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلِكَةِ قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل مصغر شَمل، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. قَوْله: (فِي النَّفَقَة) أَي: فِي ترك النَّفَقَة فِي سَبِيل الله.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56