الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4505
الحديث رقم 4505 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله أياما معدودات.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
٤٥٠٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ : «سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ، ولِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ، وَكُنَّا نَفْعَلُهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ كَانَ مُفْتَرَضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فَرْضُ رَمَضَانَ ثُمَّ نُسِخَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَإِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَمِيلُ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّ رَمَضَانَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَنَا لَصَامَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصُمْ عَاشُورَاءَ أَوَّلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِيَامَهُ عَاشُورَاءَ مَا كَانَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَلَا يَضُرُّنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
٢٥ - بَاب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنْ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ: إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قراءة الْعَامَّةِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وَهْوَ أَكْثَرُ.
٤٥٠٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطَيقُونَهُ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَليُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سَاقَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَانْتَصَبَ (أَيَّامًا) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ كَصُومُوا أَوْ صَامُوا، وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ فِي إِعْرَابِهِ كَلَامٌ مُتَعَقَّبٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيِّ وَجَعٍ أُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: من الْمَرَضِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَصُومُ فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَفْطَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلِلْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْأَثَرِ قِصَّةٌ مَعَ شَيْخِهِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ذَكَرْتُهَا فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا وَجَدَهُ الْمُكَلَّفُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ الْمَرَضُ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ زِيَادَةً فِي الْمَرَضِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ أَوْ تَمَادِيَهُ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: مَتَى حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ حَالٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا اسْمَ الْمَرَضِ فَلَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ عَطَاءٍ، وَعَنِ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ: إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا يُفْطِرُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِلَفْظِ أَوِ الْحَامِلِ وَلِغَيْرِهِمَا وَالْحَامِلِ بِالْوَاوِ وَهُوَ أَظْهَرُ. وَأَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ حُمَيْدٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢٥ - (بابُ قَولِهِ: {أيَّاما مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الْبَقَرَة: ١٨٤)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {أَيَّامًا معدودات} إِلَى آخر الْآيَة. قَوْله: (أَيَّامًا) ، مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: صُومُوا أَيَّامًا معدودات. يَعْنِي: فِي أَيَّام معدودات أَي: مؤقتا بِعَدَد مَعْلُوم، وَقيل: مَنْصُوب بقوله: (ولعلكم تَتَّقُون أَيَّامًا) أَي: فِي أَيَّام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انتصاب: أَيَّامًا بالصيام كَقَوْلِك: نَوَيْت الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ بَعضهم: وللزمخشري فِي إعرابه كَلَام متعقب لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. (قلت) التعقيب فِي كَلَام المتعقب من غير تَأمل. وَقد سَمِعت الأساتذة الْكِبَار من عُلَمَاء الْعَرَب والعجم: أَن من رد على الزَّمَخْشَرِيّ فِي غير الاعتقاديات فَهُوَ رد عَلَيْهِ، والمتعقب هُوَ أَبُو الْبَقَاء حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز أَن ينصب بالصيام لِأَنَّهُ مصدر وَقد فرق بَينه وَبَين أَيَّام بقوله: كَمَا كتب. وَمَا يعْمل فِيهِ الْمصدر كالصلة، وَلَا يفرق بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي انْتهى (قلت) . قَالَ القَاضِي أَيْضا نصبها لَيْسَ بالصيام لوُقُوع الْفَصْل بَينهمَا، بل بإضمار صُومُوا. (قلت) للزمخشري فِيهِ دقة نظر وَهُوَ أَنه إِنَّمَا قَالَ: انتصاب أَيَّامًا بالصيام نظرا إِلَى أَن قَوْله: كَمَا كتب. حَال فَلَا يكون أَجْنَبِيّا عَن الْعَامِل والمعمول. وَقَالَ صَاحب (اللّبَاب) يجوز أَن ينْتَصب بالصيام إِذا جعلت: (كَمَا كتب) حَالا. وَقَالَ الزّجاج: الأجود أَن يكون الْعَامِل فِي أَيَّامًا، الصّيام كَأَن الْمَعْنى: كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا معدودات. وَلَقَد أَجَاد من قَالَ:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
قَوْله: (أَو على سفر) أَي: أَو رَاكب سفر قَوْله: (فَعدَّة) ، أَي: فَعَلَيهِ عدَّة، وقرىء بِالنّصب يَعْنِي: فليصم عدَّة. قَوْله: (من أَيَّام أخر) ، وَفِي قِرَاءَة أبي: (من أَيَّام أخر مُتَتَابِعَات) . قَوْله: (وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ) ، أَي: الصَّوْم أَي: الَّذين لَا عذر لَهُم إِن أفطروا (فديَة طَعَام مِسْكين) نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام حِين فرض عَلَيْهِم الصَّوْم وَلم يتعودوه فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم. فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: (يطوقونه) ، أَي: يكلفونه. وَعنهُ: (يتطوقونه) ، يَعْنِي: يتكلفونه، وهم الشُّيُوخ والعجائز وحكمهم الْإِفْطَار والفدية قَوْله: (فَمن تطوع خيرا) ، أَي: زَاد على مِقْدَار الْفِدْيَة قَوْله: (فَهُوَ خير لَهُ) ، أَي: فالتطوع خير لَهُ وقرىء: (فَمن يطوع) ، بِمَعْنى: يتَطَوَّع. قَوْله: (وَأَن تَصُومُوا) ، أَي: وصومكم أَيهَا المطيقون (خير لكم) من الْفِدْيَة وتطوع الْخَيْر، وَفِي قِرَاءَة أبي: (وَالصِّيَام خير لكم) .
وَقَالَ عَطَاءٌ يُفطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلّه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يفْطر الْمَرِيض مُطلقًا، أَي مرض كَانَ: كَمَا قَالَ الله عزَّ وجلَّ، من غير قيد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: من أَي وجع أفطر فِي رَمَضَان؟ قَالَ: من الْمَرَض كُله.
وَقَالَ الحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ فِي المُرْضِعِ والحامِلِ: إذَا خَافَتا عَلَى أنْفُسِهِما
أوْ وَلَدِهِما تُقْطِرانِ ثُمَّ تَقْضِيان
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ الخ. وَتَعْلِيق الْحسن وَصله عبد بن حميد من طَرِيق يُونُس بن عبيد عَنهُ قَالَ: الْمُرْضع إِذا خَافت على وَلَدهَا أفطرت وأطعمت، وَالْحَامِل إِذا خَافت على نَفسهَا أفطرت وقضت، وَهِي بِمَنْزِلَة الْمَرِيض. وَمن طَرِيق قَتَادَة عَن الْحسن: تفطران وتقضيان، وَتَعْلِيق إِبْرَاهِيم وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي معشر عَنهُ. قَالَ: الْحَامِل والمرضع إِذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما.
وَأمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيامَ فَقَدْ أطْعَمَ أنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ
عَاما أوْ عَامَيْنِ كلَّ يَوْمِ مِسْكِينا خُبْرا وَلَحْما وَأفْطَرَ
أَي: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يقدر على الصَّوْم فقد أطْعم أنس بن مَالك بَعْدَمَا كبر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَاما) ، أَي: فِي عَام. قَوْله: (أَو عَاميْنِ) شكّ من الرَّاوِي تَقْدِير الْكَلَام. أما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم. فقد اسْتحق الْأكل يَأْكُل وَلَيْسَ قَوْله: فقد أطْعم جَوَاب أما بل هُوَ دَلِيل على الْجَواب محذوفا كَمَا قُلْنَاهُ: وروى عبد بن حميد من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أنس: أَنه أفطر فِي رَمَضَان وَكَانَ قد كبر، فأطعم مِسْكينا كل يَوْم. انْتهى وَكَانَ أنس حِينَئِذٍ فِي عشرَة الْمِائَة.
قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أكْثَرُ
دأب البُخَارِيّ أَنه يذكر عِنْد عقيب آيَة من الْقُرْآن مَا يتَعَلَّق بلغَة لفظ مِنْهَا أَو بِقِرَاءَة فِيهَا. قَوْله: (يطيقُونَهُ) من أطَاق يُطيق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٤٥٠٥ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا رَوْحٌ حدَّثنا زَكَرِيَّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينا.
إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قلت روى البُخَارِيّ عَن خَمْسَة أنفس كل مِنْهُم يُسمى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلم يبين أَي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ، وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ. رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ روى عَن روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.
قَوْله: (يطوقونه) بِضَم الْيَاء وَتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو على الْبناء للْمَجْهُول بِمَعْنى يتكلفونه، وَكَذَا وَقع تَفْسِيره عِنْد النَّسَائِيّ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ابْن عَبَّاس لَا يرى النّسخ فِي هَذَا، وَقد خَالفه الْجُمْهُور. وَحَدِيث مسلمة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب يدل على أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَحَاصِل الْأَمر أَن النّسخ ثَابت فِي حق الصَّحِيح الْقيم بِإِيجَاب الصّيام عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْك الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ١٨٥) وَأما الشَّيْخ الفاني الْهَرم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّوْم فَلهُ أَن يفْطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَلكنه هَل يجب عَلَيْهِ إِذا أفطر أَن يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا إِذا كَانَ ذَا جدة، فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: لَا يجب كَالصَّبِيِّ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه يجب عَلَيْهِ فديَة عَن كل يَوْم، كَمَا فسره ابْن عَبَّاس على قِرَاءَة: يطوقون، أَي: يتجشمونه. كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير، الخ كَمَا مر آنِفا.
٢٦ - (بَاب: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٥)
أَي: هَذَا فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى:} {فَمن شهد} أَي: فَمن كَانَ شَاهدا أَي حَاضرا مُقيما غير مُسَافر فِي الشَّهْر فليصمه وَلَا يفْطر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الشَّهْر، مَنْصُوب على الظّرْف وَكَذَلِكَ الْهَاء فِي: فليصمه وَلَا يكون مَفْعُولا لِأَنَّهُ انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ أَنه مفعول بِهِ وَمثل لما قَالَه بقوله كَقَوْلِك: شهِدت الْجُمُعَة، لِأَن الْمُقِيم وَالْمُسَافر كِلَاهُمَا شَاهِدَانِ للشهر.
٤٥٠٦ - ح دَّثنا عَياش بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْأَعْلَى السَّامِي الْبَصْرِيّ عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (فديَة طَعَام) بِالْإِضَافَة ومساكين، بِالْجمعِ وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن ذكْوَان وَالْبَاقُونَ بتنوين فديَة، وتوحيد: مِسْكين، وَطَعَام بِالرَّفْع على أَنه بدل من فديَة. قَوْله: (هِيَ مَنْسُوخَة) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَرجحه ابْن الْمُنْذر من جِهَة قَوْله: {وَأَن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ، ولِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ، وَكُنَّا نَفْعَلُهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ كَانَ مُفْتَرَضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فَرْضُ رَمَضَانَ ثُمَّ نُسِخَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَإِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَمِيلُ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّ رَمَضَانَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَنَا لَصَامَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصُمْ عَاشُورَاءَ أَوَّلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِيَامَهُ عَاشُورَاءَ مَا كَانَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَلَا يَضُرُّنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
٢٥ - بَاب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنْ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ: إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قراءة الْعَامَّةِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وَهْوَ أَكْثَرُ.
٤٥٠٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطَيقُونَهُ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَليُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سَاقَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَانْتَصَبَ (أَيَّامًا) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ كَصُومُوا أَوْ صَامُوا، وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ فِي إِعْرَابِهِ كَلَامٌ مُتَعَقَّبٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيِّ وَجَعٍ أُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: من الْمَرَضِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَصُومُ فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَفْطَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلِلْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْأَثَرِ قِصَّةٌ مَعَ شَيْخِهِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ذَكَرْتُهَا فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا وَجَدَهُ الْمُكَلَّفُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ الْمَرَضُ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ زِيَادَةً فِي الْمَرَضِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ أَوْ تَمَادِيَهُ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: مَتَى حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ حَالٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا اسْمَ الْمَرَضِ فَلَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ عَطَاءٍ، وَعَنِ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ: إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا يُفْطِرُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِلَفْظِ أَوِ الْحَامِلِ وَلِغَيْرِهِمَا وَالْحَامِلِ بِالْوَاوِ وَهُوَ أَظْهَرُ. وَأَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ حُمَيْدٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢٥ - (بابُ قَولِهِ: {أيَّاما مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الْبَقَرَة: ١٨٤)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {أَيَّامًا معدودات} إِلَى آخر الْآيَة. قَوْله: (أَيَّامًا) ، مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: صُومُوا أَيَّامًا معدودات. يَعْنِي: فِي أَيَّام معدودات أَي: مؤقتا بِعَدَد مَعْلُوم، وَقيل: مَنْصُوب بقوله: (ولعلكم تَتَّقُون أَيَّامًا) أَي: فِي أَيَّام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انتصاب: أَيَّامًا بالصيام كَقَوْلِك: نَوَيْت الْخُرُوج يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ بَعضهم: وللزمخشري فِي إعرابه كَلَام متعقب لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. (قلت) التعقيب فِي كَلَام المتعقب من غير تَأمل. وَقد سَمِعت الأساتذة الْكِبَار من عُلَمَاء الْعَرَب والعجم: أَن من رد على الزَّمَخْشَرِيّ فِي غير الاعتقاديات فَهُوَ رد عَلَيْهِ، والمتعقب هُوَ أَبُو الْبَقَاء حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز أَن ينصب بالصيام لِأَنَّهُ مصدر وَقد فرق بَينه وَبَين أَيَّام بقوله: كَمَا كتب. وَمَا يعْمل فِيهِ الْمصدر كالصلة، وَلَا يفرق بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي انْتهى (قلت) . قَالَ القَاضِي أَيْضا نصبها لَيْسَ بالصيام لوُقُوع الْفَصْل بَينهمَا، بل بإضمار صُومُوا. (قلت) للزمخشري فِيهِ دقة نظر وَهُوَ أَنه إِنَّمَا قَالَ: انتصاب أَيَّامًا بالصيام نظرا إِلَى أَن قَوْله: كَمَا كتب. حَال فَلَا يكون أَجْنَبِيّا عَن الْعَامِل والمعمول. وَقَالَ صَاحب (اللّبَاب) يجوز أَن ينْتَصب بالصيام إِذا جعلت: (كَمَا كتب) حَالا. وَقَالَ الزّجاج: الأجود أَن يكون الْعَامِل فِي أَيَّامًا، الصّيام كَأَن الْمَعْنى: كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا أَيَّامًا معدودات. وَلَقَد أَجَاد من قَالَ:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
قَوْله: (أَو على سفر) أَي: أَو رَاكب سفر قَوْله: (فَعدَّة) ، أَي: فَعَلَيهِ عدَّة، وقرىء بِالنّصب يَعْنِي: فليصم عدَّة. قَوْله: (من أَيَّام أخر) ، وَفِي قِرَاءَة أبي: (من أَيَّام أخر مُتَتَابِعَات) . قَوْله: (وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ) ، أَي: الصَّوْم أَي: الَّذين لَا عذر لَهُم إِن أفطروا (فديَة طَعَام مِسْكين) نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام حِين فرض عَلَيْهِم الصَّوْم وَلم يتعودوه فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم. فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: (يطوقونه) ، أَي: يكلفونه. وَعنهُ: (يتطوقونه) ، يَعْنِي: يتكلفونه، وهم الشُّيُوخ والعجائز وحكمهم الْإِفْطَار والفدية قَوْله: (فَمن تطوع خيرا) ، أَي: زَاد على مِقْدَار الْفِدْيَة قَوْله: (فَهُوَ خير لَهُ) ، أَي: فالتطوع خير لَهُ وقرىء: (فَمن يطوع) ، بِمَعْنى: يتَطَوَّع. قَوْله: (وَأَن تَصُومُوا) ، أَي: وصومكم أَيهَا المطيقون (خير لكم) من الْفِدْيَة وتطوع الْخَيْر، وَفِي قِرَاءَة أبي: (وَالصِّيَام خير لكم) .
وَقَالَ عَطَاءٌ يُفطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلّه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يفْطر الْمَرِيض مُطلقًا، أَي مرض كَانَ: كَمَا قَالَ الله عزَّ وجلَّ، من غير قيد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: من أَي وجع أفطر فِي رَمَضَان؟ قَالَ: من الْمَرَض كُله.
وَقَالَ الحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ فِي المُرْضِعِ والحامِلِ: إذَا خَافَتا عَلَى أنْفُسِهِما
أوْ وَلَدِهِما تُقْطِرانِ ثُمَّ تَقْضِيان
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ الخ. وَتَعْلِيق الْحسن وَصله عبد بن حميد من طَرِيق يُونُس بن عبيد عَنهُ قَالَ: الْمُرْضع إِذا خَافت على وَلَدهَا أفطرت وأطعمت، وَالْحَامِل إِذا خَافت على نَفسهَا أفطرت وقضت، وَهِي بِمَنْزِلَة الْمَرِيض. وَمن طَرِيق قَتَادَة عَن الْحسن: تفطران وتقضيان، وَتَعْلِيق إِبْرَاهِيم وَصله عبد بن حميد أَيْضا من طَرِيق أبي معشر عَنهُ. قَالَ: الْحَامِل والمرضع إِذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما.
وَأمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيامَ فَقَدْ أطْعَمَ أنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ
عَاما أوْ عَامَيْنِ كلَّ يَوْمِ مِسْكِينا خُبْرا وَلَحْما وَأفْطَرَ
أَي: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يقدر على الصَّوْم فقد أطْعم أنس بن مَالك بَعْدَمَا كبر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَاما) ، أَي: فِي عَام. قَوْله: (أَو عَاميْنِ) شكّ من الرَّاوِي تَقْدِير الْكَلَام. أما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم. فقد اسْتحق الْأكل يَأْكُل وَلَيْسَ قَوْله: فقد أطْعم جَوَاب أما بل هُوَ دَلِيل على الْجَواب محذوفا كَمَا قُلْنَاهُ: وروى عبد بن حميد من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أنس: أَنه أفطر فِي رَمَضَان وَكَانَ قد كبر، فأطعم مِسْكينا كل يَوْم. انْتهى وَكَانَ أنس حِينَئِذٍ فِي عشرَة الْمِائَة.
قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أكْثَرُ
دأب البُخَارِيّ أَنه يذكر عِنْد عقيب آيَة من الْقُرْآن مَا يتَعَلَّق بلغَة لفظ مِنْهَا أَو بِقِرَاءَة فِيهَا. قَوْله: (يطيقُونَهُ) من أطَاق يُطيق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٤٥٠٥ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا رَوْحٌ حدَّثنا زَكَرِيَّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينا.
إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قلت روى البُخَارِيّ عَن خَمْسَة أنفس كل مِنْهُم يُسمى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلم يبين أَي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ، وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ. رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ روى عَن روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.
قَوْله: (يطوقونه) بِضَم الْيَاء وَتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو على الْبناء للْمَجْهُول بِمَعْنى يتكلفونه، وَكَذَا وَقع تَفْسِيره عِنْد النَّسَائِيّ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ابْن عَبَّاس لَا يرى النّسخ فِي هَذَا، وَقد خَالفه الْجُمْهُور. وَحَدِيث مسلمة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب يدل على أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَحَاصِل الْأَمر أَن النّسخ ثَابت فِي حق الصَّحِيح الْقيم بِإِيجَاب الصّيام عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْك الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ١٨٥) وَأما الشَّيْخ الفاني الْهَرم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّوْم فَلهُ أَن يفْطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَلكنه هَل يجب عَلَيْهِ إِذا أفطر أَن يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا إِذا كَانَ ذَا جدة، فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: لَا يجب كَالصَّبِيِّ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه يجب عَلَيْهِ فديَة عَن كل يَوْم، كَمَا فسره ابْن عَبَّاس على قِرَاءَة: يطوقون، أَي: يتجشمونه. كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير، الخ كَمَا مر آنِفا.
٢٦ - (بَاب: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٥)
أَي: هَذَا فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى:} {فَمن شهد} أَي: فَمن كَانَ شَاهدا أَي حَاضرا مُقيما غير مُسَافر فِي الشَّهْر فليصمه وَلَا يفْطر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الشَّهْر، مَنْصُوب على الظّرْف وَكَذَلِكَ الْهَاء فِي: فليصمه وَلَا يكون مَفْعُولا لِأَنَّهُ انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ أَنه مفعول بِهِ وَمثل لما قَالَه بقوله كَقَوْلِك: شهِدت الْجُمُعَة، لِأَن الْمُقِيم وَالْمُسَافر كِلَاهُمَا شَاهِدَانِ للشهر.
٤٥٠٦ - ح دَّثنا عَياش بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْأَعْلَى السَّامِي الْبَصْرِيّ عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (فديَة طَعَام) بِالْإِضَافَة ومساكين، بِالْجمعِ وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن ذكْوَان وَالْبَاقُونَ بتنوين فديَة، وتوحيد: مِسْكين، وَطَعَام بِالرَّفْع على أَنه بدل من فديَة. قَوْله: (هِيَ مَنْسُوخَة) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَرجحه ابْن الْمُنْذر من جِهَة قَوْله: {وَأَن
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56