«يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4476

الحديث رقم 4476 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله وعلم آدم الأسماء كلها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو…

«يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي، فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ

⦗١٨⦘

فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمُ، ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللهِ وَرُوحَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمُ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ، عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي، مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ».

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

سند حديث: ٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ…

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي - ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ: - ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ - فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ؛ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.

فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثالثة، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِهَا. وَسَيَأْتِي قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ ﷺ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ: وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ: فَقِيلَ: أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْقَصْعَةِ. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إِلَى كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْرٌ. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِيرِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

٢ - بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ، ﴿لا شِيَةَ﴾ لَا بَيَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ، ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا، ﴿رَاعِنَا﴾ مِنْ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا: رَاعِنًا ﴿لا يَجْزِي﴾ لَا يُغْنِي، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مِنْ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى: آثَارَهُ، ﴿ابْتَلَى﴾ اخْتَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قَالَ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَذَكَرَهُ. وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ. وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ: خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ: فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ.

(تَنْبِيهٌ)

قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ وَجُمْلَةِ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ﴾ دِينٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: دِينَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِطْرَتَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَإِنَّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ، انْتَهَى.

وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صِبْغَةَ﴾ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمُوا، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ.

قَوْلُهُ: (بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْقُوَّةُ: الطَّاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أَبُو الْعَالِيَةِ: مَرَضٌ: شَكٌّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرِّيَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: نِفَاقًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قَالَ: رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ

أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ﴾ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. وَقَالَ: الطَّبَرِيُّ مَعْنَى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُورِدُونَكُمْ، أَوْ: يُذِيقُونَكُمْ، أَوْ: يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً) أَيْ: مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ (مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ، وَبِالْكَسْرِ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ قَالَ: الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا: فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (شَرَوْا بَاعُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بَاعُوا،، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿رَاعِنَا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا) قُلْتُ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَيْوَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، أَيْ: قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الرَّاعِنُ: السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ، أَيْ: لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا. الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا: أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ. إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ: لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَاتِم من طَرِيق السّديّ.

راعِنا مِنَ الرُّعُونَةِ إذَا أَرَادوا أنْ يُحَمِّقُوا إنْساناً قالُوا رَاعِنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا قُولُوا أنظرنا} الْآيَة نهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ أَن يشتبهوا بالكافرين فِي مقالهم وفعالهم، وَذَلِكَ أَن الْيَهُود كَانُوا يعانون من الْكَلَام مَا فِيهِ تورية لما يقصدونه من التنقص، فَإِذا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: إسمع لنا، يَقُولُونَ: رَاعنا، ويورون بالرعونة الحماقة، وَمِنْهَا: الراعن وَهُوَ الأحمق، والأرعن عَن مُبَالغَة فِيهِ فَنهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن مشابهة الْكَفَّارَة قولا وفعلاً، فَقَالَ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا} الْآيَة، وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَقَرَأَ عبد الله بن مَسْعُود: عوناً، وَقَرَأَ الْحسن: رَاعنا، بِالتَّنْوِينِ من الرعن وَهُوَ الحماقة أَي: لَا تَقولُوا قولا رَاعنا مَنْسُوبا إِلَى الرعن. بِمَعْنى: رعينا. وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِلَا تَنْوِين على أَنه فعل أَمر من المراعاة، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ يمشي على قِرَاءَة الْحسن.

لَا تَجْزِي لَا تُغْنِي

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} (الْبَقَرَة: ٤٨) وَفَسرهُ بقوله: {لَا تغني} (الْبَقَرَة: ١٢٣) وَكَذَلِكَ فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: لَا تغني نفس مُؤمنَة عَن نفس كَافِرَة من الْمَنْفَعَة شَيْئا.

خُطُوَاتٍ مِن الخَطْوِ والمَعْنَى آثارُهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان} (الْبَقَرَة: ١٦٨ ٢٠٨) وَقَالَ: خطوَات من الخطو والخطو مصدر خطا يخطو خطواً، والخطوة بِالضَّمِّ بَعْدَمَا بَين الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْي، وبالفتح الْمرة، وَجمع الخطوة فِي الْكَثْرَة: خطى، وَفِي الْقلَّة: خطوَات، بِتَثْلِيث الطَّاء، وَفسّر خطوَات الشَّيْطَان بقوله: {آثاره} (الْأَنْعَام: ١٤٢) .

٣ - (بَاب: قوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لله أنْدَاداً وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الْبَقَرَة: ٢٢)

ذكر هَذِه الْآيَة تَوْطِئَة للْحَدِيث الَّذِي ذكره بعْدهَا، وَلما خَاطب الله عز وَجل أَولا النَّاس من الْمُؤمنِينَ وَالْكَفَّارَة وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: {يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم} (الْبَقَرَة: ٢١) إِلَى قَوْله: {فَلَا تجْعَلُوا} أَي: وحدوا ربكُم الَّذِي من صِفَاته مَا ذكر، خَاطب الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: {فَلَا تجْعَلُوا الله أنداداً} وَهُوَ جمع: ند بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ النظير قَوْله: {وَأَنْتُم تعلمُونَ} جملَة حَالية، أَي: وَالْحَال أَنكُمْ تعلمُونَ أَن الله تَعَالَى منزه عَن الأنداد والأضداد والأشباه.

وَمن أول الْبَاب إِلَى هُنَا سقط جَمِيعه من رِوَايَة السَّرخسِيّ وَلِهَذَا إِلَّا يُوجد فِي كثير من النّسخ، وَيُوجد بعضه فِي بعض.

٤٤٧٧ - ح دَّثني عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ منْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عنْ عَمْروِ بنِ شُرْحَبِيلَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ سألتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ الله قَالَ أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وهْوَ خلَقَكَ قُلْتُ إنَّ ذَالِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ أنْ تُزَانِيَ حَلَيلَةَ جارِكَ.

ذكر هَذَا الحَدِيث مناسباً لِلْآيَةِ الَّتِي قبله. وَعُثْمَان هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأَبُو بكر اسْمه عبد الله، وَاسم أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، وَهُوَ جدهما، وأبوهما مُحَمَّد بن أبي شيبَة وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا عَن مُسَدّد، وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي الْمُحَاربين عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِيه وَفِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة وَفِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن بشار.

قَوْله: (أَن تجْعَل لله ندا) قدمه لِأَنَّهُ أعظم الذُّنُوب، قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: ١٣) ثمَّ ثناه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي - ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ: - ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ - فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ؛ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.

فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثالثة، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِهَا. وَسَيَأْتِي قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ ﷺ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ: وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ: فَقِيلَ: أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْقَصْعَةِ. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إِلَى كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْرٌ. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِيرِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

٢ - بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ، ﴿لا شِيَةَ﴾ لَا بَيَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ، ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا، ﴿رَاعِنَا﴾ مِنْ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا: رَاعِنًا ﴿لا يَجْزِي﴾ لَا يُغْنِي، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مِنْ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى: آثَارَهُ، ﴿ابْتَلَى﴾ اخْتَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قَالَ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَذَكَرَهُ. وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ. وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ: خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ: فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ.

(تَنْبِيهٌ)

قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ وَجُمْلَةِ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ﴾ دِينٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: دِينَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِطْرَتَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَإِنَّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ، انْتَهَى.

وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صِبْغَةَ﴾ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمُوا، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ.

قَوْلُهُ: (بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْقُوَّةُ: الطَّاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أَبُو الْعَالِيَةِ: مَرَضٌ: شَكٌّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرِّيَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: نِفَاقًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قَالَ: رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ

أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ﴾ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. وَقَالَ: الطَّبَرِيُّ مَعْنَى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُورِدُونَكُمْ، أَوْ: يُذِيقُونَكُمْ، أَوْ: يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً) أَيْ: مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ (مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ، وَبِالْكَسْرِ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ قَالَ: الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا: فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (شَرَوْا بَاعُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بَاعُوا،، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿رَاعِنَا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا) قُلْتُ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَيْوَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، أَيْ: قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الرَّاعِنُ: السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ، أَيْ: لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا. الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا: أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ. إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ: لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَاتِم من طَرِيق السّديّ.

راعِنا مِنَ الرُّعُونَةِ إذَا أَرَادوا أنْ يُحَمِّقُوا إنْساناً قالُوا رَاعِنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا قُولُوا أنظرنا} الْآيَة نهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ أَن يشتبهوا بالكافرين فِي مقالهم وفعالهم، وَذَلِكَ أَن الْيَهُود كَانُوا يعانون من الْكَلَام مَا فِيهِ تورية لما يقصدونه من التنقص، فَإِذا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: إسمع لنا، يَقُولُونَ: رَاعنا، ويورون بالرعونة الحماقة، وَمِنْهَا: الراعن وَهُوَ الأحمق، والأرعن عَن مُبَالغَة فِيهِ فَنهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن مشابهة الْكَفَّارَة قولا وفعلاً، فَقَالَ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَقولُوا رَاعنا} الْآيَة، وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَقَرَأَ عبد الله بن مَسْعُود: عوناً، وَقَرَأَ الْحسن: رَاعنا، بِالتَّنْوِينِ من الرعن وَهُوَ الحماقة أَي: لَا تَقولُوا قولا رَاعنا مَنْسُوبا إِلَى الرعن. بِمَعْنى: رعينا. وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِلَا تَنْوِين على أَنه فعل أَمر من المراعاة، وَالَّذِي قَالَه البُخَارِيّ يمشي على قِرَاءَة الْحسن.

لَا تَجْزِي لَا تُغْنِي

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} (الْبَقَرَة: ٤٨) وَفَسرهُ بقوله: {لَا تغني} (الْبَقَرَة: ١٢٣) وَكَذَلِكَ فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: لَا تغني نفس مُؤمنَة عَن نفس كَافِرَة من الْمَنْفَعَة شَيْئا.

خُطُوَاتٍ مِن الخَطْوِ والمَعْنَى آثارُهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان} (الْبَقَرَة: ١٦٨ ٢٠٨) وَقَالَ: خطوَات من الخطو والخطو مصدر خطا يخطو خطواً، والخطوة بِالضَّمِّ بَعْدَمَا بَين الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْي، وبالفتح الْمرة، وَجمع الخطوة فِي الْكَثْرَة: خطى، وَفِي الْقلَّة: خطوَات، بِتَثْلِيث الطَّاء، وَفسّر خطوَات الشَّيْطَان بقوله: {آثاره} (الْأَنْعَام: ١٤٢) .

٣ - (بَاب: قوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لله أنْدَاداً وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الْبَقَرَة: ٢٢)

ذكر هَذِه الْآيَة تَوْطِئَة للْحَدِيث الَّذِي ذكره بعْدهَا، وَلما خَاطب الله عز وَجل أَولا النَّاس من الْمُؤمنِينَ وَالْكَفَّارَة وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: {يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم} (الْبَقَرَة: ٢١) إِلَى قَوْله: {فَلَا تجْعَلُوا} أَي: وحدوا ربكُم الَّذِي من صِفَاته مَا ذكر، خَاطب الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بقوله: {فَلَا تجْعَلُوا الله أنداداً} وَهُوَ جمع: ند بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ النظير قَوْله: {وَأَنْتُم تعلمُونَ} جملَة حَالية، أَي: وَالْحَال أَنكُمْ تعلمُونَ أَن الله تَعَالَى منزه عَن الأنداد والأضداد والأشباه.

وَمن أول الْبَاب إِلَى هُنَا سقط جَمِيعه من رِوَايَة السَّرخسِيّ وَلِهَذَا إِلَّا يُوجد فِي كثير من النّسخ، وَيُوجد بعضه فِي بعض.

٤٤٧٧ - ح دَّثني عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ منْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عنْ عَمْروِ بنِ شُرْحَبِيلَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ سألتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ الله قَالَ أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وهْوَ خلَقَكَ قُلْتُ إنَّ ذَالِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخافُ أنْ يطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثمَّ أيّ قَالَ أنْ تُزَانِيَ حَلَيلَةَ جارِكَ.

ذكر هَذَا الحَدِيث مناسباً لِلْآيَةِ الَّتِي قبله. وَعُثْمَان هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأَبُو بكر اسْمه عبد الله، وَاسم أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، وَهُوَ جدهما، وأبوهما مُحَمَّد بن أبي شيبَة وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا عَن مُسَدّد، وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي الْمُحَاربين عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِيه وَفِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة وَفِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن بشار.

قَوْله: (أَن تجْعَل لله ندا) قدمه لِأَنَّهُ أعظم الذُّنُوب، قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الشّرك لظلم عَظِيم} (لُقْمَان: ١٣) ثمَّ ثناه

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.9 / 29.5
الإضاءة 42%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56