«لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 3861

الحديث رقم 3861 من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إسلام أبي ذر الغفاري ﵁.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب…

«لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، فَعَادَ عَلِيٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ، قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.»

سند حديث: ٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ…

٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب…

لما وصل إلى أبي ذر خبر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأخيه: اصعد وسر إلى هذا الوادي وهو وادي مكة فاعلم لي خبر هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي، ويأتيه الخبر من السماء، واسمع من كلامه ثم تعال لي، فذهب أخوه حتى جاء وادي مكة، وسمع من كلامه صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلامًا ليس بشعر، فقال له أبو ذر: ما جئتني بما أردت، فحمل طعامًا وقربة فيها ماء، حتى جاء مكة، فأتى المسجد الحرام فبحث عن النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه قريشًا فيؤذونه حتى دخل عليه أول الليل، فرقد فرآه علي رضي الله عنه فعرف أنه غريب، فذهب به إلى المنزل، فلم يسأل واحد منهما الآخر عن شيء حتى أصبح أبو ذر، ثم حمل قربته وطعامه إلى المسجد، وجلس ذلك اليوم ولم يره النبي عليه الصلاة والسلام حتى جاء المساء، فرجع فرقد، فمر به علي فقال: أما حان للرجل أن يكون له منزل معين يسكنه؟ أو أراد دعوته إلى منزله، فأقامه من مرقده فذهب معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا جاء اليوم الثالث، فعاد علي فأخذه إلى منزله، فذهب معه ثم قال له علي: ألن تخبرني لماذا جئت إلى هنا؟ قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لتدلني إلى مقصودي أخبرتك، فأعطاه العهد فأخبره، قال له علي: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعني، فإذا رأيت شيئًا أخاف عليك منه فسأعمل وكأني أصب الماء، فإن واصلت فاتبعني حتى تدخل مكان ما أدخل ففعل أبو ذر ذلك، فذهب يتبعه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل أبو ذر معه، فسمع من قوله وأسلم من مكانه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع إلى قومك غفار فأخبرهم بشأني حتى يأتيك أمري، وإنما أمره بالكتمان خوفًا عليه من قريش، قال أبو ذر: والذي نفسي بيده، سأصرخ بكلمة التوحيد بين جموعهم، فخرج حتى أتى المسجد الحرام، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أرقدوه على الأرض، وجاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فرمى نفسه عليه وقال: ويلكم ألا تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام، فستمرون عليهم وقد يقطعوا طريقكم، فأنقذه منهم، ثم رجع في اليوم التالي وفعل مثل فعله، فضربوه وهاجوا عليه، فرمى العباس نفسه عليه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
  • بيان ما كان عليه أبو ذر رضي الله عنه من الصلابة في الدين، حيث إنه أظهر إسلامه بين المشركين، وكرر ذلك.
  • العاقل الموفق لا يزال يبحث عن الحق، ويجتهد في الوصول إليه، ولا يقتصر بما لديه من الهدى، كما فعل أبو ذر رضي الله عنه.
  • ما كان عليه علي رضي الله عنه من الكرم والسخاء حيث أخذ أبا ذر إلى بيته.
  • الدلالة على فطنة العباس رضي الله عنه حيث توصل إلى تخليص أبي ذر رضي الله عنه من أيدي المشركين بتخويفهم من قومه أن يقاصوهم بأن يقطعوا طرق تجارتهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُذِيقَهُمْ مِنْهَا طَعَامًا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّ الْبَعْرَ زَادُ دَوَابِّهِمْ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْبَابِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الطَّعَامِ فِيهِ عَلَى طَعَامِ الدَّوَابِّ.

٣٣ - بَاب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁

٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي؛ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّامِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ) هُوَ جُنْدَبٌ - وَقِيلَ: بُرَيْدٌ - ابْنُ جُنَادَةَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ ابْنِ سُفْيَانَ - وَقِيلَ: سَفِيرُ - ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَرَامِ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ابْنِ غِفَارِ، وَغِفَارُ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الضُّبَعِيُّ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثَانِ: هَذَا وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَبُو جَمْرَةَ هُوَ بِالْجِيمِ نَصْرُ بْنُ

عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ) هُوَ أُنَيْسٌ.

قَوْلُهُ: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي) أَيْ وَادِي مَكَّةَ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَاضِيَةِ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ؟؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ … وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ، وَفِيهَا مُغَايَرَةٌ كَثِيرَةٌ لِسِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَذَكَرَ لَنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى لَنَا مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، فَتَحَمَّلْنَا عَلَيْهِ، وَجَلَسَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أَخِي أُنَيْسٌ رَجُلًا إِلَى الْكَاهِنِ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تُوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي. قَالَ: فَقَالَ لِي أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ. فَانْطَلَقَ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ.

وَكَانَ أُنَيْسٌ شَاعِرًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ كَلَامَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهَا، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ. قُلْتُ: وَهَذَا الْفَصْلُ فِي الظَّاهِرُ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ: مَا شَفَيْتَنِي، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِتَفَاصِيلَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَخْبَارِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ إِلَّا بِمُجْمَلٍ.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ الْأَخُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَانْطَلَقَ الْآخَرُ؛ أَيْ أُنَيْسٌ، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَانْطَلَقَ الْأَخُ الْآخَرُ، وَالصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا أَخٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أُنَيْسٌ. قُلْتُ: وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ - أَيْ عَنِ الْمُثَنَّى - فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى قَدِمَهُ) أَيِ الْوَادِي وَادِي مَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ: فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَافَقَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَوْلُهُ: وَكَلَامًا مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُرَى. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ: الْإِضْمَارُ أَيْ وَسَقَيْتُهَا، أَوْ ضَمَّنَ الْعَلَفَ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ. وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. أَوْ ضَمَّنَ الرُّؤْيَةَ مَعْنَى الْأَخْذِ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ) لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ قَوْمَهُ يُؤْذُونَ مَنْ يَقْصِدُهُ أَوْ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِ قَصْدِ مَنْ يَقْصِدُهُ، أَوْ لِكَرَاهَتِهِمْ فِي ظُهُورِ أَمْرِهِ لَا يَدُلُّونَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ، أَوْ يَخْدَعُونَهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَرَآهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي ذَرٍّ وَقَعَتْ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، بِحَيْثُ يَتَهَيَّأُ لِعَلِيٍّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمُخَاطَبَةِ الْغَرِيبِ وَيُضَيِّفُهُ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي سِنِّ عَلِيٍّ حِينَ الْمَبْعَثِ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا الْخَبَرُ يُقَوِّي الْقَوْلَ الصَّحِيحِ فِي سِنِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ) فِي رِوَايَةِ: أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ. قُلْتُ: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ.

قَوْلُهُ: (أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ) أَيْ أَمَا حَانَ، يُقَالُ: نَالَ لَهُ بِمَعْنَى آنَ لَهُ، وَيُرْوَى: أَمَا آنَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَأَنَى بِالْقَصْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَمَا آنَ لِلرَّحِيلِ مِثْلُهُ وَقَوْلُهُ: أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ أَيْ مَقْصِدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَعَوْتِهِ إِل ى بَيْتِهِ لِضِيَافَتِهِ ثَانِيًا، وَتَكُونُ

إِضَافَةُ الْمَنْزِلِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةً لِكَوْنِهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَّةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ فِي جَوَابِهِ: قُلْتُ: لَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الثَّالِثِ) كَذَا فِيهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.

قَوْلُهُ: (فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَغَدَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي.

قَوْلُهُ: (لَتُرْشِدَنَّنِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِوَاحِدَةٍ مُدْغَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرْتُهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَخْبَرَهُ عَلَى نَسَقِ مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: (كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي)، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ) أَيْ يَتْبَعُهُ.

قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ مَعَهُ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ الدُّخُولُ بِدُخُولِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَأَنَّ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ مِثْلِ هَذَا. قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى.

قَوْلُهُ: (فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ) كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ عَلَامَاتِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي الْإِسْلَامِ، هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْتِقَاءَ أَبِي ذَرٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِدَلَالَةِ عَلِيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فِي الطَّوَافِ بِاللَّيْلِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَ: فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِالسَّلَامِ. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ بَنِي غِفَارٍ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَأْنِ زَمْزَمَ، وَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنَّهُ أَطْعَمَهُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ الْحَدِيثُ. وَأَكْثَرُهُ مُغَايِرٌ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ أَوَّلًا مَعَ عَلِيٍّ، ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَحَفِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ مِنَ الزِّيَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ قِصَّتُهُ مَعَ عَلِيٍّ وَقِصَّتُهُ مَعَ الْعَبَّاسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَكَلُّفٌ شَدِيدٌ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَقَامَ ثَلَاثِينَ لَا زَادَ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ زَادٌ وَقِرْبَةُ مَاءٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَزَوَّدَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قَوْمِهِ فَفَرَغَ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَالْقِرْبَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ كَانَ فِيهَا الْمَاءُ حَالَ السَّفَرِ، فَلَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَلْئِهَا وَلَمْ يرَحْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِيَ أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَخِيهِ أُنَيْسٍ وَأُمِّهِ وَأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمِهِمْ غِفَارٍ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (لَأَصْرُخَنَّ بِهَا) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِهَارًا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَابِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الْأَذِيَّةُ لِمَنْ قَالَ، وَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ جَائِزًا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَاصِدِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَتَرَتِّبُ وُجُودُ الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِي بِالْيَاءِ اللَّيِّنَةِ، فَقَامُوا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُذِيقَهُمْ مِنْهَا طَعَامًا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّ الْبَعْرَ زَادُ دَوَابِّهِمْ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْبَابِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الطَّعَامِ فِيهِ عَلَى طَعَامِ الدَّوَابِّ.

٣٣ - بَاب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁

٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي؛ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّامِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ) هُوَ جُنْدَبٌ - وَقِيلَ: بُرَيْدٌ - ابْنُ جُنَادَةَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ ابْنِ سُفْيَانَ - وَقِيلَ: سَفِيرُ - ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَرَامِ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ابْنِ غِفَارِ، وَغِفَارُ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الضُّبَعِيُّ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثَانِ: هَذَا وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَبُو جَمْرَةَ هُوَ بِالْجِيمِ نَصْرُ بْنُ

عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ) هُوَ أُنَيْسٌ.

قَوْلُهُ: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي) أَيْ وَادِي مَكَّةَ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَاضِيَةِ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ؟؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ … وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ، وَفِيهَا مُغَايَرَةٌ كَثِيرَةٌ لِسِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَذَكَرَ لَنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى لَنَا مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، فَتَحَمَّلْنَا عَلَيْهِ، وَجَلَسَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أَخِي أُنَيْسٌ رَجُلًا إِلَى الْكَاهِنِ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تُوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي. قَالَ: فَقَالَ لِي أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ. فَانْطَلَقَ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ.

وَكَانَ أُنَيْسٌ شَاعِرًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ كَلَامَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهَا، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ. قُلْتُ: وَهَذَا الْفَصْلُ فِي الظَّاهِرُ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِأَخِيهِ: مَا شَفَيْتَنِي، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِتَفَاصِيلَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَخْبَارِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ إِلَّا بِمُجْمَلٍ.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ الْأَخُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَانْطَلَقَ الْآخَرُ؛ أَيْ أُنَيْسٌ، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَانْطَلَقَ الْأَخُ الْآخَرُ، وَالصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا أَخٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أُنَيْسٌ. قُلْتُ: وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ - أَيْ عَنِ الْمُثَنَّى - فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى قَدِمَهُ) أَيِ الْوَادِي وَادِي مَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ: فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَافَقَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَوْلُهُ: وَكَلَامًا مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُرَى. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ: الْإِضْمَارُ أَيْ وَسَقَيْتُهَا، أَوْ ضَمَّنَ الْعَلَفَ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ. وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. أَوْ ضَمَّنَ الرُّؤْيَةَ مَعْنَى الْأَخْذِ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ) لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ قَوْمَهُ يُؤْذُونَ مَنْ يَقْصِدُهُ أَوْ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِ قَصْدِ مَنْ يَقْصِدُهُ، أَوْ لِكَرَاهَتِهِمْ فِي ظُهُورِ أَمْرِهِ لَا يَدُلُّونَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِهِ، أَوْ يَخْدَعُونَهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَرَآهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي ذَرٍّ وَقَعَتْ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، بِحَيْثُ يَتَهَيَّأُ لِعَلِيٍّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمُخَاطَبَةِ الْغَرِيبِ وَيُضَيِّفُهُ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي سِنِّ عَلِيٍّ حِينَ الْمَبْعَثِ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا الْخَبَرُ يُقَوِّي الْقَوْلَ الصَّحِيحِ فِي سِنِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ) فِي رِوَايَةِ: أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ. قُلْتُ: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ.

قَوْلُهُ: (أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ) أَيْ أَمَا حَانَ، يُقَالُ: نَالَ لَهُ بِمَعْنَى آنَ لَهُ، وَيُرْوَى: أَمَا آنَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَأَنَى بِالْقَصْرِ وَبِفَتْحِ النُّونِ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَمَا آنَ لِلرَّحِيلِ مِثْلُهُ وَقَوْلُهُ: أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ أَيْ مَقْصِدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَعَوْتِهِ إِل ى بَيْتِهِ لِضِيَافَتِهِ ثَانِيًا، وَتَكُونُ

إِضَافَةُ الْمَنْزِلِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةً لِكَوْنِهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَّةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ فِي جَوَابِهِ: قُلْتُ: لَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الثَّالِثِ) كَذَا فِيهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَلَيْسَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.

قَوْلُهُ: (فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَغَدَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي.

قَوْلُهُ: (لَتُرْشِدَنَّنِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِوَاحِدَةٍ مُدْغَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرْتُهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَخْبَرَهُ عَلَى نَسَقِ مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: (كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي)، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ) أَيْ يَتْبَعُهُ.

قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ مَعَهُ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ الدُّخُولُ بِدُخُولِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَأَنَّ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ مِثْلِ هَذَا. قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى.

قَوْلُهُ: (فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ) كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ عَلَامَاتِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي الْإِسْلَامِ، هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْتِقَاءَ أَبِي ذَرٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِدَلَالَةِ عَلِيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فِي الطَّوَافِ بِاللَّيْلِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَ: فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِالسَّلَامِ. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ بَنِي غِفَارٍ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَأْنِ زَمْزَمَ، وَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنَّهُ أَطْعَمَهُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ الْحَدِيثُ. وَأَكْثَرُهُ مُغَايِرٌ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَقِيَهُ أَوَّلًا مَعَ عَلِيٍّ، ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَحَفِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ مِنَ الزِّيَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ قِصَّتُهُ مَعَ عَلِيٍّ وَقِصَّتُهُ مَعَ الْعَبَّاسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَكَلُّفٌ شَدِيدٌ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَقَامَ ثَلَاثِينَ لَا زَادَ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ زَادٌ وَقِرْبَةُ مَاءٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَزَوَّدَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ قَوْمِهِ فَفَرَغَ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَالْقِرْبَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ كَانَ فِيهَا الْمَاءُ حَالَ السَّفَرِ، فَلَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَلْئِهَا وَلَمْ يرَحْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِيَ أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَخِيهِ أُنَيْسٍ وَأُمِّهِ وَأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمِهِمْ غِفَارٍ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (لَأَصْرُخَنَّ بِهَا) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِهَارًا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْكِتْمَانِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَابِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ الْأَذِيَّةُ لِمَنْ قَالَ، وَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ جَائِزًا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَاصِدِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَتَرَتِّبُ وُجُودُ الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قُتَيْبَةَ: فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِي بِالْيَاءِ اللَّيِّنَةِ، فَقَامُوا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56