«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1817

الحديث رقم 1817 من كتاب «أبواب المحصر وجزاء الصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النسك شاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ رآه وأنه يسقط على وجهه فقال…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».

سند حديث: ١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : حَدَّثَنَا…

١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ : حَدَّثَنَا

⦗١١⦘

شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ رآه وأنه يسقط على وجهه فقال…

رأى النبي صلى الله عليه وسلم كَعْب بن عُجْرَةَ رضي الله عنه في الحديبية وهو محرم، وإذا القمل يتناثر على وجهه من المرض، فَرَقَّ النبي صلى الله عليه وسلم لحاله وقال: ما كنت أظن أن المشقة بلغت منك هذا المبلغ، الذي أراه. ثم سأله: أتجد شاة فقال: لا، فأنزل الله -تبارك وتعالى-: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضَاً أوْ به أذَىً مِنْ رَأسِه فَفِدْية مِنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ} الآية.
وعند ذلك خيَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاعٍ من بُرٍّ، أو غيره، ويكون ذلك كفارة عن حلق رأسه، الذي اضطر إليه في إحرامه، من أجل ما فيه من هوام، وفي الرواية الأخرى، خيَّره بين الثلاثة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص السلف على فهم معاني القرآن وأسباب نزوله.
  • جواز حلق المحرم شعره للعذر.
  • تحريم حلق المحرم رأسه من غير عذر، ولو فدى.
  • وجوب الفدية في حلق المحرم رأسه ولو للعذر.
  • فدية الحلق على التخيير بين ثلاثة أشياء : ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
  • أن فدية حلق الرأس ، أن يُعطى لكل مسكين نصف صاع ( كيلو ونصف تقريبا ) سواء من البر أو من غيره.
  • كون السنة مُفَسِّرة، ومُبَيِّنَة للقرآن. فإن "الصدقة " المذكورة في الآية مُجْمَلَة، بيَّنها الحديث.
  • سبب نزول الآية { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضَاً…} الخ قضية كَعْبِ بن عُجْرَةَ.
  • فيه رأفة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • فيه تفقد الأمير والقائد أحوال رعيته.
  • يُسر الشريعة الإسلامية بإباحة فعل المحظور في الإحرام عند الحاجة وجبره بالفدية دفعا للحرج.
  • أن الآية إذا نزلت لسبب فالعبرة بعمومها لا بخصوص السبب.
  • جواز التصريح بما يستحيا منه في مقام التعليم؛ لقول كَعْبِ بن عُجْرَةَ :"والقمل يتناثر على وجهي".
  • أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه.
  • يجوز الحلق قبل التكفير وبعده، ككفارة اليمين، تجوز قبل الحِنْثِ وبعده.
  • من وجب عليه دم بسبب لبسه ثوبه مثلا وهو محرم بالعمرة، فإنه يذبحه في مكة، ويوزع لحمه على الفقراء ولا يأكل منه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ رآه وأنه يسقط على وجهه فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ تَفْسِيرَ الْفَرَقِ مُدْرَجٌ، لَكِنَّهُ مُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ، فَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ. وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا: أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ: أَوْ يُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ فَهُوَ تَحْرِيفٌ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِمٍ، وَالصَّوَابُ مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى الصَّوَابِ.

٨ - بَاب النُّسْكُ شَاةٌ

١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ، مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: النُّسُكُ شَاةٌ) أَيِ: النُّسُكُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ كَعْبٍ: أَمَرَنِي أَنْ أَحْلِقَ وَأَفْتَدِيَ بِشَاةٍ. قَالَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَبِي عُمَرَ: كُلُّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا فَإِنَّمَا ذَكَرُوا شَاةً، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

قُلْتُ: يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ أَصَابَهُ أَذًى فَحَلَقَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهْدِيَ بَقَرَةً وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَلَقَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْتَدِيَ، فَافْتَدَى بِبَقَرَةٍ وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: افْتَدَى كَعْبٌ مِنْ أَذًى كَانَ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَهُ بِبَقَرَةٍ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قِيلَ لِابْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: مَا صَنَعَ أَبُوكَ حِينَ أَصَابَهُ الْأَذَى فِي رَأْسِهِ؟ قَالَ: ذَبَحَ بَقَرَةً، فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُورُ عَلَى نَافِعٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي الْوَاسِطَةِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ وَقَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهَا مِنْ أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ كَعْبٌ وَفَعَلَهُ فِي النُّسُكِ إِنَّمَا هُوَ شَاةٌ.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ذَبَحَ شَاةً لَأَذًى كَانَ أَصَابَهُ وَهَذَا أَصْوَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَقَالَ: أَخَذَ كَعْبٌ بِأَرْفَعِ الْكَفَّارَاتِ، وَلَمْ يُخَالِفِ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ ذَبْحِ شَاةٍ، بَلْ وَافَقَ

وَزَادَ. فَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُفْتِيَ بِأَيْسَرِ الْأَشْيَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَرْفَعِهَا كَمَا فَعَلَ كَعْبٌ. قُلْتُ: هُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَثْبُتْ؛ لِمَا قَدَّمْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَرَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، وَشِبْلٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ.

قَوْلُهُ: (رَآهُ وَأنَّهُ يَسْقُطُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِابْنِ السَّكَنِ، وَأَبِي ذَرٍّ لَيَسْقُطُ بِزِيَادَةِ لَامٍ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، وَالْمُرَادُ الْقَمْلُ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ رَوْحٍ بِلَفْظِ: رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ شِبْلٍ رَأَى قَمْلَهُ يَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِهِ

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ. . . إِلَخْ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ ذَكَرَهَا الرَّاوِي لِبَيَانِ أَنَّ الْحَلْقَ كَانَ اسْتِبَاحَةَ مَحْظُورٍ بِسَبَبِ الْأَذَى، لَا لِقَصْدِ التَّحَلُّلِ بِالْحَصْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْوُصُولِ فَيَحِلَّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْوُصُولِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ فَتَمَادَى عَلَى إِحْرَامِهِ ثُمَّ أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ لِيُتِمَّ نُسُكَهُ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ مَا مَعْنَاهُ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَعْرِفُ أَوَانَ حَيْضِهَا، وَالْمَرِيضَ الَّذِي يَعْرِفُ أَوَانَ حُمَّاهُ بِالْعَادَةِ فِيهِمَا، إِذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَانَ مَثَلًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ يَنْكَشِفُ الْأَمْرُ بِالْحَيْضِ وَالْحُمَّى فِي ذَلِكَ النَّهَارِ أَنَّ عَلَيْهِمَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْ كَعْبٍ الْكَفَّارَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحَلْقِ، قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ الْأَمْرُ لَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَا عَرَفَاهُ بِالْعَادَةِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ) قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ النُّزُولَ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ النُّزُولَ قَبْلَ الْحُكْمِ. قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِبَيَانِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْمُتَقَدِّمَ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى حَدَّثَنَا رَوْحٌ فَيَكُونُ إِسْحَاقُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ رَوْحٍ بِإِسْنَادِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَنْعَنَةُ لِلْبُخَارِيِّ فَيَكُونَ أَوْرَدَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْفِرْيَابِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ كَمَا يَرْوِي تَارَةً بِالتَّحْدِيثِ وَبِلَفْظِ قَالَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالتَّعْلِيقِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ وَلَفْظُهُ مِثْلُ سِيَاقِ رَوْحٍ فِي أَكْثَرِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ؛ لِإِطْلَاقِ الْفِدْيَةِ فِي الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدِهَا بِالسُّنَّةِ، وَتَحْرِيمِ حَلْقِ الرَّأْسِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالرُّخْصَةِ لَهُ فِي حَلْقِهَا إِذَا آذَاهُ الْقَمْلُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَوْجَاعِ.

وَفِيهِ تَلَطُّفُ الْكَبِيرِ بِأَصْحَابِهِ وَعِنَايَتُهُ بِأَحْوَالِهِمْ وَتَفَقُّدُهُ لَهُمْ، وَإِذَا رَأَى بِبَعْضِ أَتْبَاعِهِ ضَرَرًا سَأَلَ عَنْهُ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ حَلْقَ رَأْسِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّ إِيجَابَهَا عَلَى الْمَعْذُورِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: لَا يَتَخَيَّرُ الْعَامِدُ بَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الْقُرْطُبِيُّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ كَعْبٍ: أَوِ اذْبَحْ نُسُكًا قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَهَا حَيْثُ شَاءَ. قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ إِذْ لَا يَلْزَمُ من تَسْمِيَتُهَا نُسُكًا أَوْ نَسِيكَةً أَنْ لَا تُسَمَّى هَدْيًا أَوْ لَا تُعْطَى حُكْمَ الْهَدْيِ، وَقَدْ وَقَعَ تَسْمِيَتُهَا هَدْيًا فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ تُهْدِي شَاةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَاهْدِ هَدْيًا وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ: هَلْ لَكَ هَدْيٌ؟ قُلْتُ: لَا أَجِدُ فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَوِ اذْبَحْ شَاةً وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا مَكَانٌ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَتَعَيَّنُ مَكَّةُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨١٧ - ١٨١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون المُوحَّدة، ابن عبَّادٍ المكِّيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ) وفي نسخةٍ: «ودوابَه» (١) (يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ) أي: القمل، فالفاعل محذوفٌ، وضمير النَّصب من قوله: «رآه» عائدٌ على كعبٍ، ومن: «أنَّه» عائدٌ على القمل، وكذا ضمير الرَّفع المستتر في قوله: «يسقط» عائدٌ أيضًا على «القمل»، والضَّمير من: «وجهه» عائدٌ على كعبٍ، والواو للحال، قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: ولابن السَّكن وأبي ذرٍّ: «لَيَسقطُ» بزيادة لامٍ (فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ) ﵊ (أَنْ يَحْلِقَ) رأسه (وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ) أي: لم يظهر لمن كان معه ﵊ في ذلك الوقت (أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ) من إحرامهم (بِهَا) أي: بالحديبية (وَهُمْ) أي: الرَّسول ﷺ ومن معه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «وهو» أي: الرَّسول ﵊ (عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ) وهذه الزِّيادة ذكرها الرَّاوي لبيان أنَّ الحلق كان استباحة محظورٍ بسبب الأذى، لا لقصد التَّحلُّل بالحصر، وهو ظاهرٌ (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (الفِدْيَةَ) المتعلَّقة بالحلق للأذى في قوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ … الآية [البقرة: ١٩٦] (فَأَمَرَهُ) أي: كعبًا (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا) بفتح الرَّاء

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ تَفْسِيرَ الْفَرَقِ مُدْرَجٌ، لَكِنَّهُ مُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ، فَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ. وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا: أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ: أَوْ يُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ فَهُوَ تَحْرِيفٌ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِمٍ، وَالصَّوَابُ مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى الصَّوَابِ.

٨ - بَاب النُّسْكُ شَاةٌ

١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ، مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: النُّسُكُ شَاةٌ) أَيِ: النُّسُكُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ كَعْبٍ: أَمَرَنِي أَنْ أَحْلِقَ وَأَفْتَدِيَ بِشَاةٍ. قَالَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَبِي عُمَرَ: كُلُّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا فَإِنَّمَا ذَكَرُوا شَاةً، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

قُلْتُ: يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ أَصَابَهُ أَذًى فَحَلَقَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهْدِيَ بَقَرَةً وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَلَقَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْتَدِيَ، فَافْتَدَى بِبَقَرَةٍ وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: افْتَدَى كَعْبٌ مِنْ أَذًى كَانَ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَهُ بِبَقَرَةٍ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قِيلَ لِابْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: مَا صَنَعَ أَبُوكَ حِينَ أَصَابَهُ الْأَذَى فِي رَأْسِهِ؟ قَالَ: ذَبَحَ بَقَرَةً، فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُورُ عَلَى نَافِعٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي الْوَاسِطَةِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ وَقَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهَا مِنْ أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ كَعْبٌ وَفَعَلَهُ فِي النُّسُكِ إِنَّمَا هُوَ شَاةٌ.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ذَبَحَ شَاةً لَأَذًى كَانَ أَصَابَهُ وَهَذَا أَصْوَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَقَالَ: أَخَذَ كَعْبٌ بِأَرْفَعِ الْكَفَّارَاتِ، وَلَمْ يُخَالِفِ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ ذَبْحِ شَاةٍ، بَلْ وَافَقَ

وَزَادَ. فَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُفْتِيَ بِأَيْسَرِ الْأَشْيَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَرْفَعِهَا كَمَا فَعَلَ كَعْبٌ. قُلْتُ: هُوَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَثْبُتْ؛ لِمَا قَدَّمْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَرَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، وَشِبْلٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ.

قَوْلُهُ: (رَآهُ وَأنَّهُ يَسْقُطُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِابْنِ السَّكَنِ، وَأَبِي ذَرٍّ لَيَسْقُطُ بِزِيَادَةِ لَامٍ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، وَالْمُرَادُ الْقَمْلُ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ رَوْحٍ بِلَفْظِ: رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ شِبْلٍ رَأَى قَمْلَهُ يَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِهِ

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ. . . إِلَخْ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ ذَكَرَهَا الرَّاوِي لِبَيَانِ أَنَّ الْحَلْقَ كَانَ اسْتِبَاحَةَ مَحْظُورٍ بِسَبَبِ الْأَذَى، لَا لِقَصْدِ التَّحَلُّلِ بِالْحَصْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْوُصُولِ فَيَحِلَّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْوُصُولِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ فَتَمَادَى عَلَى إِحْرَامِهِ ثُمَّ أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ لِيُتِمَّ نُسُكَهُ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ مَا مَعْنَاهُ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَعْرِفُ أَوَانَ حَيْضِهَا، وَالْمَرِيضَ الَّذِي يَعْرِفُ أَوَانَ حُمَّاهُ بِالْعَادَةِ فِيهِمَا، إِذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَانَ مَثَلًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ يَنْكَشِفُ الْأَمْرُ بِالْحَيْضِ وَالْحُمَّى فِي ذَلِكَ النَّهَارِ أَنَّ عَلَيْهِمَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْ كَعْبٍ الْكَفَّارَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحَلْقِ، قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ الْأَمْرُ لَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَا عَرَفَاهُ بِالْعَادَةِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ) قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ النُّزُولَ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ النُّزُولَ قَبْلَ الْحُكْمِ. قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِبَيَانِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْمُتَقَدِّمَ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى حَدَّثَنَا رَوْحٌ فَيَكُونُ إِسْحَاقُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ رَوْحٍ بِإِسْنَادِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَنْعَنَةُ لِلْبُخَارِيِّ فَيَكُونَ أَوْرَدَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْفِرْيَابِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ كَمَا يَرْوِي تَارَةً بِالتَّحْدِيثِ وَبِلَفْظِ قَالَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالتَّعْلِيقِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ وَلَفْظُهُ مِثْلُ سِيَاقِ رَوْحٍ فِي أَكْثَرِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ؛ لِإِطْلَاقِ الْفِدْيَةِ فِي الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدِهَا بِالسُّنَّةِ، وَتَحْرِيمِ حَلْقِ الرَّأْسِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالرُّخْصَةِ لَهُ فِي حَلْقِهَا إِذَا آذَاهُ الْقَمْلُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَوْجَاعِ.

وَفِيهِ تَلَطُّفُ الْكَبِيرِ بِأَصْحَابِهِ وَعِنَايَتُهُ بِأَحْوَالِهِمْ وَتَفَقُّدُهُ لَهُمْ، وَإِذَا رَأَى بِبَعْضِ أَتْبَاعِهِ ضَرَرًا سَأَلَ عَنْهُ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ حَلْقَ رَأْسِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّ إِيجَابَهَا عَلَى الْمَعْذُورِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: لَا يَتَخَيَّرُ الْعَامِدُ بَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الْقُرْطُبِيُّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ كَعْبٍ: أَوِ اذْبَحْ نُسُكًا قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَهَا حَيْثُ شَاءَ. قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ إِذْ لَا يَلْزَمُ من تَسْمِيَتُهَا نُسُكًا أَوْ نَسِيكَةً أَنْ لَا تُسَمَّى هَدْيًا أَوْ لَا تُعْطَى حُكْمَ الْهَدْيِ، وَقَدْ وَقَعَ تَسْمِيَتُهَا هَدْيًا فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ تُهْدِي شَاةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَاهْدِ هَدْيًا وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ: هَلْ لَكَ هَدْيٌ؟ قُلْتُ: لَا أَجِدُ فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَوِ اذْبَحْ شَاةً وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا مَكَانٌ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَتَعَيَّنُ مَكَّةُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨١٧ - ١٨١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون المُوحَّدة، ابن عبَّادٍ المكِّيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ) وفي نسخةٍ: «ودوابَه» (١) (يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ) أي: القمل، فالفاعل محذوفٌ، وضمير النَّصب من قوله: «رآه» عائدٌ على كعبٍ، ومن: «أنَّه» عائدٌ على القمل، وكذا ضمير الرَّفع المستتر في قوله: «يسقط» عائدٌ أيضًا على «القمل»، والضَّمير من: «وجهه» عائدٌ على كعبٍ، والواو للحال، قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: ولابن السَّكن وأبي ذرٍّ: «لَيَسقطُ» بزيادة لامٍ (فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ) ﵊ (أَنْ يَحْلِقَ) رأسه (وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ) أي: لم يظهر لمن كان معه ﵊ في ذلك الوقت (أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ) من إحرامهم (بِهَا) أي: بالحديبية (وَهُمْ) أي: الرَّسول ﷺ ومن معه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «وهو» أي: الرَّسول ﵊ (عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ) وهذه الزِّيادة ذكرها الرَّاوي لبيان أنَّ الحلق كان استباحة محظورٍ بسبب الأذى، لا لقصد التَّحلُّل بالحصر، وهو ظاهرٌ (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (الفِدْيَةَ) المتعلَّقة بالحلق للأذى في قوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ … الآية [البقرة: ١٩٦] (فَأَمَرَهُ) أي: كعبًا (رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا) بفتح الرَّاء

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.7 / 29.5
الإضاءة 45%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56